الشاطبي في الموافقات (٣) نحا منحى آخر غير ما تقدم، فهو يرى أنه لا يصح إطلاق القول بالترجيح بين البيانين. وقسّم المسألة قسمين:
القسم الأول: يستوي فيه البيانان وذلك أن يكون المأمور به فعلًا بسيطًا، أو وجد له نظير في المعتاد ولو كان مركبًا، لكونه معلومًا، فينصرف إليه اللفظ.
فالأول: كمسألة الغسل من التقاء الختانين مثلًا، فإنه لبسطاته وقلة
_________________
(١) أشار إلى هذا الدليل السرخسي الحنفي، انظر أصوله؛ ٢/ ٢٧
(٢) لعل هذه الوجوه تفسر لنا لم كانت بعض الأحكام تبين بالفعل مع طوله، ويترك القول مع إيجازه وقصره، ومن ذلك أن الله تعالى اختار أن يبين مواقيت الصلاة فعلًا، فأرسل جبريل فأم النبي - ﷺ - بالصلوات الخمس في يومين متواليين، صلى في الأول في أول الوقت، وفي الثاني في آخر الوقت. وسأل سائل النبي - ﷺ - عن مواقيت الصلاة، فقال له: صل معنا، فصلى معهم يومين، صلى فيها النبي - ﷺ - وسلم الصلوات في اليوم الأول أول وقتها وفي اليوم الثاني آخر وقتها، ثم قال: الوقت ما بين هذين. فقد استغرق البيان لهذه المسألة يومين كاملين.
(٣) الصفحات ٣/ ٣١١ - ٣١٥
[ ١ / ١٠٢ ]
تفصيلاته، شيء واحد. ولكونه معتادًا، ينصرف إليه القول إذا سمِّي باسمه الخاص. فلو أريد تبيان الجنابة الموجبة للغسل بالقول مثلًا، كقوله - ﷺ -: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" (١)، أو اغتسل فعلًا من التقاء الختانين، حصل بيان الجنابة بكل منهما على التساوي.
والثاني: وهو ما له نظير في المعتاد، ولو كان مركبًا. كما لو طلبْتَ من البنّاء أن يبني لك بيتًا على أن يكون مماثلًا لبيت معين مبنيّ فعلًا، وكان الاسم الموضوع لذلك النوع يطلق عليه بتفاصيل كثيرة إلا أنها معتادة ومتعارف عليها. فيكفي القول، ويقوم مقام الفعل، والفعل يقوم مقامه تمامًا.
القسم الثاني: الأفعال المركبة الكثيرة التفاصيل، من أركان وشروط ومستحسنات، وتلحقها مبطلات وعوارض، ولم تجربها عادة بين الناس تحدِّد المراد باللفظ تحديدًا وافيًا. فحينئذ يكون البيان لها بالفعل أبلغ "من جهة بيان الكيفيّات المعيّنة المخصوصة التي لا يبلغها البيان القولي. ولذلك بيّن النبي - ﷺ - الصلاة بفعله لأمته، والحج، والطهارة، وإن جاء فيها بيانٌ بالقول، فإنه إذا عرض نصُّ الطهارة في القرآن على عين ما تلقي بالفعل من الرسول - ﷺ -، كان المدرك بالحسِّ من الفعل، فوق المدرك بالعقل من النّص، لا محالة. وهَبْه - ﷺ - زاد بالوحي الخاصّ أمورًا لا تدرك من النصّ على الخصوص، فتلك الزيادات بعد البيان إذا عرضت على النص لم ينافها، بل يقبلها، كما في آية الوضوء". فالفعل من هذه الجهة أبلغ.
أقول: ومثاله من الواقع ما لو أردت أن تبيّن صفة حيوان غريب لم يره السامعون من قبل، فوصفت تفاصيل خلقته وحجمه ولونه وطباعه، فمهما اطنبت في ذكر التفاصيل قولًا، فلن تتكون لدى السامعين الصورة المطابقة للحقيقة بتفاصيلها، فلو أريتهم الصورة الشمسية الملوّنة لذلك الحيوان، اتّضحت الفكرة عنه أكثر، فلو أريتهم تمثالًا مجسّمًا للحيوان بنفس حجمه ولونه تعاظم وضوح الفكرة. ثم لو أريتهم الحيوان نفسه، فرأوه بأعينهم، ولمسوه بأيديهم، ورأوا أحواله وحركاته، وشاهدوا طباعه، فإنهم يعلمون من تفاصيل ذلك ما لم يعرفوه بسماع
_________________
(١) رواه ابن ماجه (الفتح الكبير).
[ ١ / ١٠٣ ]
القول، حتى لو حصلت مقارنة بين الصورة الذهنية التي تكوّنت بسماع القول أولًا، وبين الصورة التي تكوّنت برؤيته (فعلًا) لكانت الأخيرة مختلفة عن الأولى بنسبة كبيرة، هي بها أقرب إلى الحقيقة.
ومثل ذلك في الشريعة أن الحجَّ تذكر صفته في كتب الحديث والفقه بالتفصيل، ومع ذلك فإنه لا يتبيّن تبينًا كاملًا حتى للمدرِّسين وسائر الفقهاء، إلاّ برؤية أفعال الحجاج وأماكن الحج وما يفعل في كل منها، فإذا رأى ذلك، وفَعَله، أصبحت معرفته ضرورية، على ما هو معلوم بالتجربة.
ومن جهة أخرى يكون القول أبلغ، وذلك أن القول بيان للعموم والخصوص في الأحوال والأزمان والأشخاص، فإن القول ذو صيغ يمكن بها تبيين هذه الأمور ونحوها، أما الفعل فهو قاصر على فاعله، وزمانه، ومكانه، وحالته.
قال الشاطبي: "لو تُرِكنا والفعلَ الذي فعله النبي - ﷺ - مثلًا، لم يحصل لنا منه غير العلم بأنه فعله، في هذا الوقت المعين، وعلى هذه الحالة المعينة. فيبقى علينا: هل ينسحب طلب هذا الفعل منه في كل حالة أو في هذه الحالة؟ أو يختصّ بهذا الزمان أو هو عامٌّ في جميع الأزمنة؟ أو يختص به وحده أو يكون حكم أمته حكمه؟ ثم بعد النظر في هذا، يتصدى نظر آخر في حكم هذا الفعل الذي فعله: من أيّ نوعٍ هو من الأحكام الشرعية".
فهذان النوعان لا يمكن تبيينهما بالفعل، ولا بدّ من القول، أو وضوح القرائن، لبيان ذلك. ومن هنا احتاجت الأفعال النبوية إلى دليل خارج عنها يبين أنها دليل في حق الأمة.
والحاصل: إن البيانين يستويان في الفعل البسيط، أو الفعل المركّب المعتاد الذي له لفظ يدل عليه بالتحديد.
ويرجح البيان بالفعل من جهة بيان الفعل الكثير التفاصيل غير المعتاد، ومن جهة قوته في عمق التأثير النفسي، وقوة التشبث بالذهن.
[ ١ / ١٠٤ ]
ويرجح البيان بالقول من جهة العموم والخصوص، ومن جهة درجة حكم الفعل، ومن جهة تعليقه بما هو بيان له.