إدراكه - ﷺ - لكونه مكلفًا بفعل ما، يحصل من طريقين:
الأول: الوحي إليه - ﷺ -، بالطرق التي نصت عليها الآية التي في آخر سورة الشورى ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاّ وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم﴾.
ثم قد يكون الوحي متلوًّا، وهو القرآن العظيم، بأن يكون آية أو آيات خاصة بالواقعة أو شاملة لها، كقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ﴾ الآيتين. فإن فيهما الأمر له - ﷺ - بتخيير أزواجه.
[ ١ / ١١٧ ]
وقد يكون الوحي غير قرآن. كما في الحديث: "أن رجلًا سأل النبي - ﷺ -: كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبّة، بعدما تضمخ بطيب؟ فنظر إليه النبي - ﷺ - ساعة ثم سكت، فجاءه الوحي فقال - ﷺ -: أما الطيب الذي بك فاغسله، وأما الجبّة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك" (١).
وكما حصل في موقعة الأحزاب. فإن النبي - ﷺ - بعد رحيل المشركين "وضع سلاحه واغتسل، فأتاه جبريل فقال: "قد وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه، اخرج إليهم". قال: "فإلى أين؟ " قال: "ها هنا" -وأشار إلى بني قريظة- فخرج النبي - ﷺ - إليهم" (٢).
وهذا النوع كثير لا يخفى على من له خبرة بالسيرة النبوية الشريفة. وهو متفق عليه بين كل المؤمنين برسالة محمد - ﷺ -، إذ لا بد منه لتحقيق الإيمان بالرسالة.
ثم إنّ ما كان من الوحي قرآنًا، فإما أن يكون نصًا في المسألة، فلا يحتاج إلى إعمال فكر ونظر، ومنه ما يحتاج إلى ذلك، فهذا الفكر والنظر في ما يحتاج إليه من الوحي ندخله في النوع التالي وهو الاجتهاد.
الثاني: الاجتهاد. فإذا أقرّه الله تعالى عليه كان ذلك من الله تعالى بيانًا لكونه اجتهادًا صائبًا. ومن أجل ذلك سمّى الحنفية الأول الوحي الظاهر، وسموا هذا الطريق: الوحي الباطن (٣).