ولا يقال هنا أن تفسير النبي - ﷺ - للقرآن هو عمل بالقرآن، فكيف يكون زائدًا عنه حتى يقال إنه بالاجتهاد؟.
لأنه لما أمر الله تعالى بالسجود مثلًا، لم يبيّن أن الساجد يسجد على الأعضاء السبعة. فذلك ليس في القرآن، بل هو تفسير له، زائد عليه.
ومن هذا النوع رؤيته - ﷺ - تفاصيل كيفيات العمل في كثير ممّا أوحي إليه مجملًا، من الزكاة والصوم والحج وغير ذلك، وأسباب ذلك شروطه، مما لم يفصله الوحي الظاهر.
ومنه رؤيته انطباق العمومات الواردة في القرآن على أشياء معينة، فيحكم عليها بحكم العام الوارد في القرآن. ولعل من ذلك أنه - ﷺ -: "نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير" (٢). "وعن أكل لحوم الحمر
_________________
(١) يراجع لاستيفاء هذا البحث: أبواب الاجتهاد من كتب الأصول المشهورة، وأيضًا: عبد الجليل عيسى: اجتهاد الرسول، نشر بالكويت.
(٢) رواه مسلم وأبو داود والنسائي (جامع الأصول ٨/ ٢٨٨).
[ ١ / ١١٩ ]
الأهليّة (١)، وقال: إنها ركس" (٢). وقال في القنفذ: "إنه خبيثٌ من الخبائث" (٣). فالظاهر أن ذلك كان باجتهاد منه، ومن الممكن أنه - ﷺ - رآها داخلة في قوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ (٤).
ومنه رؤيته - ﷺ - الأمر المسكوت عنه، الدائر بين أصلين، أنه أقرب إلى أحدهما من الآخر، فيعطيه حكمه. كما في ميراث البنتين. قال الله تعالى: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك، وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ (٥) وسكت عن الاثنتين. فألحق - ﷺ - الاثنتين بما فوق الاثنتين فجعل لهما الثلثين. كما في قصة ابنتي سعد بن الربيع حين قال لعمهما: "أعط ابنتي سعد الثلثين".
وحرّم الله ﷿ الميتة، وأحلّ المذكاة، فدار جنين المذكاة بين الطرفين، فحكم - ﷺ - بأن ذكاة أمه ذكاة له، بقوله: "ذكاة الجنين ذكاة أمّه".
ومنه معرفة أن إحدى الآيتين مخصصة للأخرى دون العكس. كما في حديث البخاري عن أبي سعيد بن المعلَّى أنه قال: "كنت أصلّي في المسجد. فدعاني رسول الله - ﷺ -. فلم أجبه، فقلت يا رسول الله، كنت أصلي. فقال ألم يقل الله ﷿: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ قلت: بلى" (٦). فيظهر أن أبا سعيد كان يظن آية ﴿وقوموا لله قانتين﴾ مقدمة في موضع التعارض على الآية التي ذكرها النبي - ﷺ -، فبيّن له النبي - ﷺ - أن العكس هو الصواب.
فهذا النوع من الاجتهاد قريب، وذلك أن النبي - ﷺ - كان أفصح العرب وأعلمهم بكلامهم، وكان نظره ثاقبًا، وفكره وقّادًا، وقد أمر باتباع ما أنزل إليه من ربه. ورعاية ربه فوقه، إن أخطأ صوّبه، وإن لم يصحح له يتبين أنه قد عمل بالصواب.
_________________
(١) انظر الشاطبي: الموافقات ٤/ ٣٣ - حيث ذكر أمثلة لهذا النوع.
(٢) رواه النسائي. وأصل النهي عنها عند البخاري ومسلم (جامع الأصول ٨/ ٢٩٠).
(٣) رواه أبو داود (جامع الأصول ٨/ ٢٧٢) وإسناده ليس بقوي.
(٤) سورة الأعراف: آية ١٥٧
(٥) سورة النساء: آية ١١
(٦) البخاري ٨/ ١٥٦ ورواه الترمذي وغيره بسياق آخر.
[ ١ / ١٢٠ ]
وبعض المجيزين لاجتهاد النبي - ﷺ - يمنع اجتهاده في هذا، ويرى أن هذا النوع لا يكون إلا بوحي ظاهر، ففي تيسير التحرير (١) ما يلي:
" (وهو) أي الاجتهاد (في حقه) - ﷺ - (يخصّ القياس، بخلاف غيره) من المجتهدين أما في القياس فظاهر، وأما في غيره (ففي دلالات الألفاظ) وفي (البحث عن مخصص العام، والمراد من المشترك، وباقيها) أي باقي الأقسام التي في دلالتها خفاء، من المجمل وأخواته، وكل ذلك ظاهر عنده - ﷺ - لا يحتاج إلى نظر وفكر" اهـ.
فهو يجيز الاجتهاد القياسي، كما سيأتي في النوع الثاني، وأما في هذا النوع فهو يرى أن ما حكم به النبي - ﷺ - من ذلك هو حكم بالوحي. ولهذا أوجه:
الأول: أن يكون كل ذلك بوحي خاص من الله تعالى.
الثاني: أن يكون إلهامًا منه تعالى، لأجل توضيح مراده بكلامه.
الثالث: أن يقال كان ذلك من أثر نفاذ البصيرة، وسلامة الإدراك. فهو وضاح عنده لأجل ذلك، لا يحتاج إلى اجتهاد.
وظاهر قوله تعالى: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه﴾ (٢) يؤيد هذا القول (٣)، إذ إن الله تعالى جعل على نفسه أن يبيّنه لنبيه - ﷺ -.
_________________
(١) ٤/ ١٨٣
(٢) من سورة القيامة.
(٣) حكى الآمدي (٣/ ٤٣، ٤٤) عن بعضهم احتمالًا في آية (ثم إن علينا بيانه) إن المراد ببيان القرآن إظهاره وهو على وفق الظاهر، دون أن يكون المراد بيان المجمل والخصوص والتقييد الخ. وقد أقر الآمدي هذا الاحتمال، ومنع دلالة الآية على ما ذكرنا. وعندي أن حمل الآية على ذلك تأويل مردود، لأن الظاهر أن البيان إنما هو لما في المراد به خفاء، ويؤيده أنه عطف البيان بـ (ثم) على الجمع والقرآن، فهو إذن شيء آخر، فيتعين أنه بيان المجمل ونحوه.
[ ١ / ١٢١ ]
ونحن نرى أنه يجوز أن يكون بيان النبي - ﷺ - لمجملات القرآن بالأوجه الثلاثة المذكورة آنفًا، بالإضافة إلى وجه رابع، وهو الاجتهاد. فثبت جواز اجتهاده - ﷺ - في بيان القرآن.
وأما قوله تعالى: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ فإذا أقرّ الله تعالى رسوله على ما بينّ، فهو بيان من الله، يوضحه أن تقرير النبي - ﷺ - لبعض أصحابه على عملٍ ما، هو بيان لمشروعية ذلك العمل، كما سيأتي في فصل التقرير، من الباب الثاني، إن شاء الله.