وهي أنه هل يجوز أن يكل الله إلى نبيه - ﷺ - أن يحكم في بعض الأمور بما يراه، دون نص ولا قياس على منصوص، وأن يفعل بناء على ذلك، فما قاله بناء على ذلك أو فعله فهو شرع الله، ويكون مكلّفًا به؟.
قد أجاز ذلك كثير من أهل العلم منهم أبو علي الجبائي، والآمدي، وابن السمعاني، والسبكي، والشيرازي (٢).
_________________
(١) تيسير التحرير ١/ ١٨٩
(٢) انظر الآمدي ٤/ ٢٨٢، وجمع الجوامع ٢/ ٣٩١، وتيسير التحرير ٤/ ٢٣٦، والمعتمد ص ٨٨٩، والقواطع ق ٢٨٧ أ، واللمع ص ٧٨
[ ١ / ١٢٦ ]
ومنعه أبو الحسن البصري وأكثر المعتزلة، وأبو بكر الرازي الجصاص من الحنفية.
وكثير ممن أجاز ذلك قال إنه مع جوازه لم يقع.
وتردد الشافعي، فقيل إن تردّده في الجواز، وقيل في الوقوع (١).
وقد احتج المجيزون لذلك:
١ - بقوله تعالى: ﴿كل الطعام كان حلًا لبني إسرائيل إلاّ ما حرّم إسرائيل على نفسه﴾ (٢) أضاف التحريم إلى إسرائيل ﵇، فدلّ على أنه كان مفوضًا إليه، وإلاّ لكان قد فعل ما ليس له، ومنصب النبوة يأبى ذلك.
وقد نوقش هذا الدليل، باحتمال كون تحريمه لما حرمه عن قياس.
ويجاب بأنه لو كان عن قياس، للزم أن لا يكون ما حرّمه حلالًا قبل تحريمه له، بل يكون حرامًا ظهرت حرمته بعد اجتهاده. وهو خلاف ظاهر الآية، فإنها نسبت التحريم إليه.
٢ - واحتجوا بما روي أن النبي - ﷺ - قال يوم فتح مكة: "إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين. وأنها لن [كذا] تحل لأحد كان قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي، فلا يُنفّر صيدها، ولا يُخْتَلَى شوكها، ولا تحلّ ساقطتها إلاّ لمنشد " فقال العباس: "إلاّ الإذْخِر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا". قال: "إلاّ الإذْخِر" (٣).
_________________
(١) قال الشافعي في الرسالة بعدما ذكر أن السنة قد تأتي بما ليس له أصل في القرآن "منهم من قال: جعل الله له - ﷺ - بما افترض من طاعته وسبق في علمه من توفيقه لرضاه، أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب" وهذا هو التفويض، ثم ذكر أنه قد قيل أيضًا: إنها صادرة عن القرآن، أو بوحي خاص، أو بإلهام ثم قال الشافعي "وأي ذلك كان فقد بين الله أنه فرض طاعة رسوله، ولم يجعل لأحد من خلقه عذرًا" (الرسالة ص ٩١ - ١٠٣) فالتفويض عنده أمر محتمل وجائز.
(٢) سورة آل عمران: آية ٩٣
(٣) مسلم ٨/ ١٢٩وهذا لفظه ورواه البخاري.
[ ١ / ١٢٧ ]
ومعلوم أن استثناءه الإذْخِر لم يكن إلاّ من تلقاء نفسه، لعلمنا بأنه يوح إليه تلك اللحظة.
وقد نوقش الاستدلال بهذه الواقعة، باحتمال أن يكون جاءه الوحي باستثناء الإذْخِر، بوحيٍ كلمح البصر.
٣ - ومما يجوز أن يحتج به لذلك قوله - ﷺ -: "لقد همَمْتُ أن أنهى عن الغيلة، حتى ذكرت أن فارس والروم يصنعون ذلك، فلا يضرّ أولادهم" (١).
فظاهرٌ أنه عندما همّ أن ينهى عن ذلك، لم يكن نهيه لأجل وحي أتاه بذلك، بل لمجرد أنه يرى في ذلك مصلحة، وأنه امتنع من النهي عن ذلك عندما علم أن أقوامًا يفعلونه ثم لا يقَع عليهم منه ضرر.
٤ - واحتجوا بقول النبي - ﷺ -: "لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (٢). وهو صريح في أن الأمر بالسّواك، وعدمه، مفوّض إليه، لأن مثل هذا القول لا يصدر إلاّ عمن كان الأمر بيده.
ومثل ذلك ما في صحيح مسلم أنه - ﷺ - أمر بالحجّ فقال رجل أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا. فقال رسول الله - ﷺ -: "لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم. ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" (٣). ولولا أن الأمر مفوّض إليه لما كان هذا الخطر محتمَلًا، لأن الوحي لا يعجل لعجلة أحد من الناس.
ومثله أيضًا ما في سيرة ابن هشام، أنه - ﷺ - قتل النضر بن الحارث في الأسر بعد وقعة بدر، فقالت أخته قُتَيْلَة أبياتًا تعاتب النبي - ﷺ - تقول منها:
ما كان ضَرَّك لو مننتَ وربّما منَّ الفتى وهو المَغيظُ المُحَنَّقُ
فقال - ﷺ -: "لو سمعت هذا قبل أن أقتله ما قتلته". فلو لم يكن القتل وعدمه مفوضًا إليه، لكان سماعه لهذا الشعر، وعدم سماعه له، سواء.
_________________
(١) مالك ومسلم وأحمد والأربعة (الفتح الكبير).
(٢) رواه السبعة (الفتح الكبير).
(٣) صحيح مسلم ٨/ ١٠١ ورواه البخاري.
[ ١ / ١٢٨ ]
وقد نوقش الاستدلال بهذه الوقائع باحتمال أنه - ﷺ - خُيِّر فيها تخييرًا خاصًا.
والسياق يأبى هذا الاحتمال، كما لا يخفى.