ذكر الشاطبي (٣) أن القائم في مقام البيان عن الشريعة له في أفعاله وأقواله اعتباران:
أحدهما: من حيث إنه واحد من المكلفين، ينقسم حكم فعله إلى الأحكام الخمسة وهذا ما قدمنا ذكره في المسائل السابقة من هذا المبحث.
والثاني: من حيث إن أفعاله وأحواله صارت بيانًا وتقريرًا لما شرع الله عزّ
_________________
(١) لعله يعني أبا زيد الدبوسي.
(٢) انظر تيسير التحرير ٤/ ١٨٤
(٣) الموافقات ٣/ ٣١٨
[ ١ / ١٣٧ ]
وجل إذ انتصب في هذا المقام. فالأفعال في حقه، إما واجب، وإما محرم، ولا ثالث لهما، لأنه من هذه الجهة واجب، والبيان واجب لا غير. فيجب أن يفعل ما بيانه بالفعل. ويجب أن يترك ما بيانه بالترك، ولو كان ما يفعله أو يتركه غير واجب على الرجل العادي، إلاّ أنه على المبيِّن يجب.
ولكن هذا إنما يتعين حيث تظهر الحاجة إلى البيان، وذلك في حالين:
الأولى: عند جهل المشاهد للفعل بحكم الفعل (مع لزوم الفعل له).
والثانية: عند اعتقاد خلاف الحكم، أو مظِنّة اعتقاد خلافه.
ومثاله أن يجهل قوم الحديثَ الوارد في الندب إلى التطوع قبل صلاة المغرب بعد الأذان، ويستنكروا ذلك. فعلى المبين أن يفعل ذلك، ليحصل البيان، لأن البيان في حقه واجب.
ولعلّ من هذا ما فعله النبي - ﷺ - إذ طلب أن يَطْعَم من غير صيد غير المحرم، وطلب أن يَطْعَم من الجعل الذي أخذوه على الرقية. قيامًا بواجب البيان. والله أعلم.
[ ١ / ١٣٨ ]