تبعًا لما تقدم إيضاحه من أنَّ ما يصدر عن الإنسان من الأفعال ينقسم إلى فعل صريح وفعل غير صريح، فإن السنن الفعلية الصادرة عن النبي - ﷺ - تنقسم إلى أفعال صريحة، وأفعال غير صريحة.
وحجيّة الأفعال النبويّة الصريحة تثبت بمجرد إثبات حجيّة الأفعال النبويّة، إذ إنها لعدم الخفاء في فعليتها، تدخل في ما تثبت حجيّته من الأفعال دخولًا أوليًّا.
وهذا بخلاف الأفعال النبوية غير الصريحة، كالترك والسكوت، إذ إنها، لخفاء فعليّتها بما يميّزها عن الصريح من الأفعال، بحاجة إلى مزيد من الأدلة والاحتجاج، يبين عدم خروجها عما ثبتت حجيّته من الأفعال.
يوضح هذا أننا لما أثبتنا حجيّة السنة بصفتها الإجمالية، وكان دخول السنن القولية في نطاق "السنة" ظاهرًا لا مرية فيه، بخلاف الأفعال، احتجنا لإثبات حجية الأفعال إلى مزيد من الأدلة.
وشبيه هذا كله ما ذكره الأسنوي من أن: "إطلاق الأصوليين يقتضي أن الفرد النادر يدخل في العموم، وَصَرَّحَ بعضهم بعدم دخوله" (٢) وذكر لذلك فروعًا، منها:
١ - الأكساب النادرة كاللقطة والهبات ونحوها، هل تدخل في المهايأة، والصحيح دخولها.
_________________
(١) في الفصل الثالث من الباب الثاني.
(٢) التمهيد ص ١٠٠
[ ١ / ٥٥ ]
٢ - ومنها أن المتمتع يجب عليه صوم ثلاثة أيام في الحج. فلو أراد تأخير التحلل الأول إلى ما بعد أيام التشريق، بأن يؤخّر الحلق والطواف، ويصومها في ذلك الوقت، لكونه زمن الحج، فإنه لا يجوز على الصحيح عند الرافعي، وعلّله بقوله: "لأنها صورة نادرة" فلا تكون مرادة من الآية، بل تحمل الآية على الغالب المعتاد.
هذا ومن أنكر فعلية بعض ما سميناه (الأفعال غير الصريحة) -كالترك والسكوت مثلًا- فإن افتقاره إلى الاستدلال على حجيّتها افتقار حقيقي، وتكون الأدلة بالنسبة إليه تأسيسيّة.
أما بالنسبة إلى من يرى فعليّتها -وهو ما نسير عليه- فإن الاستدلال على حجيّتها يكون للتأكيد على عدم خروجها عن حجيّة السنن الفعلية بصفتها الإجمالية.
من أجل ذلك رأينا أن نقسم البحث إلى قسمين، نجعل لكل منهما بابًا: الأول: للأفعال الصريحة.
والثاني: للأفعال غير الصريحة.
ونتبع ذلك بباب ثالث، خاص بالتعارض بين السنن الفعلية بعضها وبعض، وكذلك للتعارض بينها وبين الأقوال وغيرها من الأدلة. والله المستعان، وبه التوفيق.