لو أمر النبي - ﷺ - أحد المسلمين أن يفعل شيئًا ففعله، فهل يكون ذلك فعلًا نبويًا حتى يستدلَّ به على طريقة الاستدلال بالأفعال، أم هو قول يفهم كغيره من الأوامر؟
_________________
(١) بتصرف عن ابن حزم: التقريب لحد المنطق، بيروت، دار مكتبة الحياة، ص ٦٠
(٢) ص ٧٥
(٣) التقريب لحد المنطق.
[ ١ / ٥١ ]
يمثّل الأصوليون في باب الأفعال النبوية بأنه - ﷺ - (رَجَم) ماعزًا، و(قطع) سارق رداء صفوان. ومن المعلوم أنه - ﷺ - لم يباشر ذلك، ولكن فعل بأمره.
وقد اعترض على التمثيل بذلك ابن الهمام في التحرير، ثم قال: "إلا أن يُجعل فعل المأمور كفعله - ﷺ - لمّا كان بأمره، وفيه ما فيه" (١)
وأنا أقول: إن القول النبوي الذي بمعنى الإفتاء والإخبار بحكم الشرع هو (قول)، وما فعل بناء عليه يكون منسوبًا إلى فاعله لا إلى الآمر به. وذلك كما نصلي ونصوم ونحج ولا ينسب فعلنا إلى النبي - ﷺ -.
وأما الأمر التنفيذيّ الصادر عن النبي - ﷺ -، بوصفه (إمام العامة) أو القائد أو الأمير، أو نحو ذلك، فإن ما يفعله المأمور تنفيذًا مطابقًا، فهو من جهةٍ فعل للمأمور، لأنه قام بالحركة، فتنسب إليه حقيقة. ويجوز نسبته إلى الآمر به، - ﷺ -.
وأهل البيان يجعلون نسبة الفعل إلى الآمر به من المجاز العقليّ، لما كان الآمر هو السبب في وجود الفعل وليس هو الفاعل الحقيقي.
إلا أن مرادنا هنا توضيح أن مثل ذلك الفعل هل ينسب إلى النبيّ - ﷺ -، حتى يكون من باب الأفعال النبوية، ويستدل به كما يستدل بالأفعال، فيدل مثلًا إذا كان مجردًا على الاستحباب في ما هو من باب القرب، أو هو أمر فيستدل به على الوجوب؟ وهي مسألة مهمة تنبني عليها فروع كثيرة.
إن الشخص الذي وُجّه إليه الأمر التنفيذي يلزمه الطاعة، لأنه (مأمور) والأمر يقتضي الوجوب. ولكن غيره ممن لم يؤمر به، يقتدي بالفعل، ويعتبره كسائر أفعاله - ﷺ -، فيجري عليه قانون الاستدلال بالأفعال النبوية.
ووجه ذلك أن المأمور في هذه الحال لا يزيد عن كونه كالآلة للآمر، وخاصّة وأنه - ﷺ - نبيّ ورسول، فتابعه المأمور ليس له الخيرة من أمره، ولا محيص له من التنفيذ، طاعة منه لأمر الله ورسوله، وثقةً بأن تقدير رسول الله - ﷺ - للحكم
_________________
(١) التقرير والتحبير ٢/ ٣٠٢، ٣٠٣
[ ١ / ٥٢ ]
وللظروف والأسباب والطريقة والنتائج، تقدير هو الصواب بعينه، وليس لأحد من البشر أن يعقّب على حكمه.
وأهل اللغة عندما يسندون الأفعال إلى الآمر بها، المسؤول عن تقدير أسبابها وظروفها ونتائجها، إنما يصدرون في ذلك عن قناعة نفسية بأن الفعل يعتبر صادرًا عن الأمر المسؤول كما يعتبر صادرًا عن المأمور الذي لا يزيد عن كونه مجرد آلة (١)، بل أولى.
وكمثال لا تقدم نضرب ما ذكره ابن حزم في مسألة حكم إشعار الهدي. فقد روى ابن حزم (٢) حديثًا من طريق النسائي أن النبي - ﷺ - أمر ببدنته فأشعَر في سنامها من الشق الأيمن، ثم سَلت الدَّم عنها وقلدها نعلين.
ثم قال ابن حزم: "ليس في هذا الخبر أنه أمَر بالإشعار. ولو كان فيه، لقلنا بإيجابه مسارعين. وإنما فيه أنه (أمر ببدنته فأشعر في سنامها)، فمقتضاه أنه أمر بها، فأُدنِيَتْ إليه، فأشعر في سنامها، لأنه هو - ﷺ - تولّى بيده إشعارها. بذلك صح الأثر". اهـ. أي فيدل على الاستحباب.
فليت شعري لو أن رسول الله - ﷺ - كان قد أمر أجيره، أو خادمه أو أحد
_________________
(١) ألمح إلى ذلك سعد الدين التفتازاني في حاشيته على شرح مختصر ابن الحاجب في الأصول (١/ ١٥٧) حيث يقول في نحو (أنبت الربيع البقل): ليس هنا مجاز وضعي أصلًا لا في المفرد ولا في المركب، بل عقلي، بأن أسند الفعل إلى غير ما يقتضي العقل إسناده إليه، تشبيهًا له بالفاعل الحقيقي. قال: وليس المقصود بهذا التشبيه هو الذي يقال بالكاف وكأن ونحوهما، بل هي عبارة عن جهة راعوها في إعطاء الربيع -وهو الجدول- حكم القادر المختار، كما قالوا: شبه (ما) بـ (ليس) فرفع بها الاسم ونصب الخبر. اهـ. فجعله التشبيه هنا عبارة عن (جهة راعوها)، نظير لما ذكرنا من القناعة النفسية لدى أهل اللغة إذ ينسبون الفعل إلى الآمر الواجب الطاعة، ويسند الفعل في كل من الصورتين إلى غير فاعله على سبيل المجاز العقلي.
(٢) المحلى ٧/ ١١٠، ١١٢
[ ١ / ٥٣ ]
الحاضرين، أن يتولّى عنه ما تولاه هو بنفسه، أكان ينتقل الحكم في حق الأمّة من الندب إلى الوجوب؟ إن الأوْلى أن يقال: إن الذي وجِهَ بالأمر يتعيّن عليه التنفيذ، ولكن ذلك الفعل ينسب إلى النبي - ﷺ - كسائر أفعاله، ليجري على قانونها في حق الأمة.
وبهذا يتبيّن أن تمثيل الأصوليين للأفعال النبوية برجم ماعز، وقطع يد السارق، وقتال أهل مكة، وغير ذلك، هو تمثيل صحيح. واعتراض ابن الهمام الذي تقدم ذكره غير وارد. والله أعلم.