ليس كل كلام بحاجة إلى بيان. بل إن أريد بالكلام ظاهره وحقيقته كان بيّنًا لمن يعلم وضع القول. وذلك كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة * وآتوا الزكاة﴾ هو بيّن في إيجاب هاتين العبادتين. وقوله: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ (٢) بين في إيجاب أصل الصوم، وأن الوقت شهر رمضان. وكذا آية تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، هي بيّنة في تحريم ما ذكر فيها (٣).
فإن أراد المتكلم بالكلام غير ظاهره فلا بدّ من البيان. وكذا إن أراد غير حقيقته فهو يحتاج إلى القرينة المبيّنة للمراد.
فمن الأول: العام إذا أريد به الخصوص. نحو ﴿اقتلوا المشركين﴾ (٤). أريد به ما عدا النساء والصبيان والرهبان ونحوهم، فهو محتاج إلى البيان.
ومن الثاني: نحو قوله تعالى: ﴿حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ (٥) بُيِّن بقوله: ﴿من الفجر﴾.
_________________
(١) سورة النحل: آية ٤٤
(٢) سورة البقرة: آية ١٨٥
(٣) قال الشافعي ﵁: البيان في الفرائض المنصوصة في كتاب اللُه تعالى من أحد هذه الوجوه. منها: ما أتى الكتاب على غاية البيان فيه فلم يحتج فيه مع التنزيل إلى غيره. ومنها: ما أتى (الكتب) على غاية البيان في فرضه، وافترض طاعة الرسول، فبين رسول الله - ﷺ - عن الله كيف فرضه. وعلى من فرضه ومتى يزول بعضه ويثبت بعضه. ومنها: ما بينه عن سنة نبيه بلا نص كتاب (الرسالة: تحقيق أحمد محمد شاكر ص ٣٢).
(٤) سورة التوبة: آية ٥
(٥) سورة البقرة: آية ١٨٧
[ ١ / ٨٤ ]
فإن لم يكن للكلام ظاهر، بأن كان محتملًا لأمور احتمالات متساوية فهو مجمل. والبيان له لا بد منه أيضًا كقوله تعالى: ﴿وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم﴾ (١) لم يعرف ذلك الحق ما هو، فلا بدّ من بيانه.
ويقول الغزالي: "يحتاج إلى البيان كل ما يتطرق إليه احتمال، كالمجمل، والمجاز، والمنقول بتصرف الشرع، والعام المحتمل للخصوص، والظاهر المحتمل للتأويل، ونسخ الحكم بعد استقراره، ومعنى قول (افعل) أنه للندب أو الوجوب، أو أنه على الفور أو على التراخي، أو أنه للتكرار أو المرة الواحدة، والجمل المعطوفة إذا عقبت باستثناء، وما يجري مجراه مما يتعارض فيه الاحتمال، والفعل من جملة ذلك" (٢) اهـ.
وواضح أن الكلام قد يكون بيّنًا من وجه أو وجوه، ولكنه محتاج إلى البيان من وجه أو وجوه أخرى. كما في آية ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ فهي بيّنة من حيث إيجاب أصل الصوم، ومن حيث إن وقته شهر رمضان. لكن تبقي الحاجة إلى بيان الصوم أفي الليل هو أم في النهار، ومتى يبدأ ومتى ينتهي. وأيضًا إذا خفي دخول الشهر أو خروجه بغيم أو نحوه وكل ذلك قد بيّن في آيات أخرى أو في السنة المطهرة.