١ - الشيعة الإمامية غالت في إثبات عصمة الأنبياء، حتى منعوا صدور المخالفة عن النبي - ﷺ - قبل النبوة وبعدها، كبيرة كانت المخالفة أو صغيرة، عمدًا كانت أو سهوًا (١). ونقل البعض أن ابن أبي الحديد، من الشيعة الإمامية، شارح (نهج البلاغة)، مال إلى الاعتدال، فأجاز صدور الذنب سهوًا أو نسيانًا ولا يقرّ عليه (٢). ويظهر أن الشيعة الزيدية لم يوافقوا الإمامية على ما ذهبوا إليه (٣).
٢ - وأكثر المعتزلة يوافق الشيعة في مذهبهم، إلّا في الصغائر غير المُسَخِّفَة قبل البعثة وبعدها، والكذب صغيره وكبيره، والسهو في ما يؤدونه. ولخّص أبو الحسين البصري ما يمتنع عليهم بقوله: "لا يجوز عليهم ما يؤثر في الأداء، ولا ما يؤثر في التعليم، ولا في القبول" (٤). وفصّل ما ذكرنا.
٣ - المتكلمون ومنهم الآمدي والرازي والباقلاني (٥) وبعض المعتزلة وغيره، قالوا إنهم لا يمتنع عليهم قبل النبوة الكبائر ولا الصغائر، قال الأمدي: بل ولا يمتنع عقلًا إرسال من أسلم وآمن بعد كفره.
_________________
(١) الآمدي ١/ ٢٤٢
(٢) وهبه الزحيلي "عصمة الأنبياء" مقالة في مجلة الوعي الإسلامي الكويتية، أي شبه؟ سنة ١٣٩٥ هـ ص ٢٥
(٣) المصدر السابق. وانظر هداية العقول.
(٤) أبو الحسين البصري: المعتمد ١/ ٣٧٠
(٥) قال ابن حزم في (الفصل ٤/ ٢) "وأما هذا الباقلاني، فإنا قد رأينا في كتاب صاحبه أبي=
[ ١ / ١٤٤ ]
أما بعد النبوة، فقد قالوا إن الأنبياء معصومون عن تعمّد كل ما يخلّ بصدقهم، فيما دلّت المعجزة القاطعة على صدقهم فيه من دعوى الرسالة والتبليغ عن الله تعالى. أما بطريق الخطأ والنسيان فقد اختلفوا فيه. وجوزه الباقلاني، ومال إليه الآمدي.
وأما الكفر فقد منعوه عمدًا وسهوًا.
وأما المعاصي الكبائر وصغائر الخِسّة فقد منعوها عمدًا وجوزوها سهوًا. كما جوزوا الصغائر على سبيل الندرة (١) ولو عمدًا. ومنهم من منع ذلك كله، ومن أولئك السبكي وابنه، والإسفرائيني والشهرستاني، والقاضي عياض (٢). بل إن القاضي عياض وافق الشيعة الإمامية في دعوى العصمة قبل النبوة، والعصمة بعد النبوة من الصغائر ولو سهوًا (٣).
٤ - والخوارج نقل الآمدي عن الأزارقة منهم أنهم أجازوا بعثة نبي يعلم الله أنه يكفر بعد نبوته. والفُضَيْليّة منهم أجازوا صدور الذنوب عن الأنبياء، وكل ذنب فهو عندهم كفر. وبذلك يكونون قد أجازوا صدور الكفر عنهم.
٥ - وأما أهل الحديث، فينقل الكاتبون في الأصول عنهم وعن الكرّامية، أنهم أجازوا صدور الكبائر عن الأنبياء عمدًا. وابن تيمية ينقل "إن عصمتهم في ما
_________________
(١) =جعفر السمناني قاضي الموصل، أنه كان يقول: "كل ذنب، دق أو جل، فإنه جائز على الرسل، حاش الكذب في التبليغ فقط". قال: "وجائز عليهم أن يكفروا" قال: "وإذا نهى النبي - ﷺ - عن شيء، ثم فعله، فليس ذلك دليلًا على أن ذلك النهي قد نسخ، لأنه قد يفعله عاصيًا لله ﷿" قال: "وليس لأصحابه أن ينكروا عليه ذلك". اهـ. فإن كانت هذه النقول عن الباقلاني نفسه، فهي رواية أخرى تخالف ما يتناوله الأصوليين من مذهبه.
(٢) انظر الآمدي ١/ ٢٤٣، ٢٤٤
(٣) ابن السبكي والمحلي: جمع الجوامع وشرحه ٢/ ٩٥ والقاضي عياض: الشفاء بتعريف حقوق المصطفى ط القاهرة، محمد علي صبيح ٢/ ١١٥
(٤) الشفاء ٢/ ١٤٠
[ ١ / ١٤٥ ]
يبلّغونه عن الله تعالى ثابتة باتفاق الأمة" (١). وقال في موضع آخر: "النبي معصوم في ما يبلغه عن الله تعالى، فلا يستقرّ خطأ في المبلغ" وأما فيما يتعلق بالذنوب فليسوا عنده معصومين عن صدورها منهم، ولكن هم معصومون من الإقرار على الذنب، بل يُنَبِّهون أو يتوبون (٢) وظاهر قوله هذا أنه يجيز صدور الذنب منهم كبيرًا كان أو صغيرًا عمدًا وسهوًا. فلا عصمة عنده للنبي عن صدور الذنب والمخالفةِ منه، وإنما العصمة عن استمراره على الذنب دون توبة، وعن استقرار ما يؤديه من الشريعة على الخطأ.
٦ - وأما الظاهريّة، فإن ابن حزم ترك ظاهريّته هنا، وقال بعصمة الأنبياء بعد النبوة عن كل ذنب صغير أو كبير عمدًا، ولم يمنع أن يصدر عنه - ﷺ - ذلك سهوًا عن غير قصد. والتزم أنهم لا يُقرُّون على ذلك، بل ينبههم الله تعالى عليه ولا بدّ، إثر وقوعه منهم، ويظهر ذلك لعباده ويبيّن لهم (٣).