أصول الفقه هو العلم بأدلّة الفقه الإجمالية، وكيفيّة استفادة الأحكام الفقهية منها، وحال المستفيد. ويتعرض فيه الأصوليون لأربعة أمور أساسية، جعلها الغزالي في المستصفى (أقطابًا) أدار عليها مباحث هذا العلم، وذلك أنه جعل الحكم الشرعي كالثمرة التي يستثمرها المجتهد من الأدلة.
القطب الأول: في الأحكام الشرعية وهي الثمرة. وكل ثمرة لها صفة وحقيقة في نفسها وأقسام. فيبحث في هذا القطب في حقيقة الحكم، وانقسامه إلى
[ ١ / ٥٦ ]
واجب، ومحظور، ومندوب، ومكروه، ومباح، وقضاء، وأداء، ورخصة، وعزيمة، وصحة، وفساد، ويبيّن أن الحكم الشرعي لا يكون إلا من حاكم، هو الله وحده. ويبحث في أحوال المحكوم عليه. ومن يجوز تكليفه ومن لا يجوز.
القطب الثاني: في الأدلة إجمالًا: الكتاب والسنة والإجماع وغيرها، وهي المثمِرة للأحكام. فيبيّن في هذا القطب حدّ الكتاب، وما هو منه وما ليس منه، وطريق إثباته، وما يجوز أن يشتمل عليه من حقيقة ومجاز، وعربيّة وعجميّة، ويبحث في السنة عن أنواعها، وطرق ثبوتها، وصفات رواتها. ثم يبحث في الإجماع وسائر ما يستدل به على الأحكام الشرعيّة.
القطب الثالث: في طرق الاستثمار، وهي دلالات الألفاظ على المعاني بمنطوقها ومفهومها واقتضائها وما يعقل منها كالقياس.
القطب الرابع: في المستثمر وهو المجتهد، يذكر فيه صفات المجتهد، والموضع الذي يجري فيه الاجتهاد، دون الذي لا مجال للاجتهاد فيه، وسائر مسائل الاجتهاد والتقليد.
ولغير الغزالي من الأصوليين ترتيبات أخرى لمسائل علم الأصول يراعون فيها جهات مختلفة.
وعلى كل حال فإنه لما كانت الأفعال النبوية دليلًا على الحكم الشرعي ومفيدة له، كان موقع مباحثها ضمن مباحث الأدلّة. وذلك على ترتيب الغزالي في القطب الثاني، وهو المثمر.
والأدلة: كتاب وسنة وإجماع وقياس، ويتبعها عند بعض الأصوليين أدلة أخرى.
والسنة أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله.
ولما كانت الأقوال أدلّ على الأحكام، وهي الأصل في التبليغ والبيان، فإن مباحث الأفعال تؤخر في باب السنة، غالبًا، عن مباحث الأقوال.
وإثبات ورود الأحاديث بنوعيها، وهو ما يسمى باب (الأخبار) أو باب
[ ١ / ٥٧ ]
(الإسناد) يؤخر عن باب الأفعال غالبًا، كما فعله البيضاوي (١)، لأن الغرض منه إثبات ورود السنن بصفتها العامة، أي بشقيها القولي والفعلي. وقد يؤخر إلى ما بعد ذكر الدليل الثالث وهو الإجماع كما فعله الرازي في المحصول (٢). ولعل وجهه أن باب الأخبار الغرض منه إثبات ورود الدليل سواء كان كتابًا أو سنة أو إجماعًا. فكان باب الأخبار ملحقًا بالأدلة الثلاثة.
غير أن الأفعال النبوية تذكر أيضًا في غير باب أدلّة الأحكام. فتذكر ضمن مباحث الإجمال والبيان ونحوها من مباحث الدلالة، لبيان كيفية البيان بها.
وتذكر أيضًا في باب القياس بإيجاز شديد، لبيان كيفية استخراج عللها لأجل القياس عليها.
ومن جهة أخرى قد تتعارض دلالة الأفعال بعضها مع بعض، أو مع الأقوال، أو مع غيرها من الأدلة، فيذكر ذلك ضمن مباحث التعارض والترجيح بين الأدلة.
ولكن كثيرًا من الأصوليين يبادرون بذكر التعارض الذي للفعل علاقة به، ضمن مباحث الأفعال من باب السنة، لتجتمع مباحث الأفعال في مكان واحد، كما فعله أبو الحسين البصري والشوكاني وغيرهما.