كان ما تقدم ذكره داعيًا الصحابة ﵃ إلى ملاحظة الأفعال النبوية الشرعية وتعرف كيفياتها، لأجل الاقتداء بها.
وتفصيل ذلك أن تأثُّر شخص ما بشخص آخر حتى يقلده في فعله وأحواله على درجات:
الدرجة الأولى: إن أي شخصين تخالطا، ورأى أحدهما ما يفعل الآخر، فلا بد أن يتأثر به ولو قليلًا، ما لم يمنع ذلك مانع.
_________________
(١) رواه مسلم والأربعة (الفتح الكبير ٣/ ٧٢).
(٢) أخرجها الحاكم (الفتح الكبير ٣/ ٧٢).
(٣) المقصود كبار أصحابه المتقدمون على غيرهم في الصحبة.
(٤) رواه مسلم وأحمد وأبو داود (الفتح الكبير ٢/ ٣٦).
(٥) نقله عبد الحي الكتاني في الترتيبات الإدارية (٢/ ٢٣٦) ومنه نقلنا.
[ ١ / ٧٩ ]
الدرجة الثانية: فإن كان لأحد الشخصين فضل على الآخر، ومزيد منصب ورياسةٍ كان تأثر المفضول والرؤوس بأفعال الفاضل والرئيس أظهر وأبين، حتى إنه كثيرًا ما يقلده في هيئة لباسه، وعاداته في كلامه ومشيه وأكله وشربه ونحو ذلك. وقد تقدّم قول الشاطبي: "إن التأسّي في الأفعال والتروك، بالنسبة إلى من يعظّم في دين أو دنيا، كالمغروز في الجبلة، كما هو معلوم بالعيان". وإلى هذا المعنى يشير المثل القائل "الناس على دين ملوكهم" فهو يعبّر عن هذه الطبيعة البشرية تعبيرًا صادقًا. وقد أشار ابن خلدون في المقدمة (ص ١٤٧) إلى تعليل ذلك، فليرجع إليه.
الدرجة الثالثة: فإن كان لدى المتأثر مودة للآخر ومحبة وألفة، كان التأثر أعظم. وكلما كانت المحبة أعظم كان التأثر أعظم وأتمّ، حيث إن المحبة تدعو إلى الاتفاق بفعل ما يفعل المحبوب، ومحبة ما يحبه. وقد فصّل القول في ذلك المتكلمون في المحبة (١).
وقد نهى الله تعالى عن تزويج المشركين والتزوّج إليهم، وعلّل ذلك بقوله: ﴿أولئك يدعون إلى النار واللُه يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه﴾ (٢) وقال النبي - ﷺ -: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" (٣).
وهذه الدرجات الثلاث موجودة في المؤمن بالنسبة إلى نبيه - ﷺ - وكانت في الصحابة ﵃ على أتمّ ما يكون، لكثرة مخالطتهم له، ورؤيتهم فضله عليهم بالفضائل التي حلاّه الله بها، ومنصب النبوة والإمامة الَّذَيْنَ أكرمه الله بهما، والمحبة العظيمة التي خالطت قلوبهم بما شاهدوه من رعاية الله له، وإكرام الله لهم بأن اختارهم لصحبته الكريمة، وللنقل عنه إلى العالمين.
وانضمّ إلى ذلك عندهم بالنسبة إليه - ﷺ - درجتان أخريان، هما:
الدرجة الرابعة: أن الله تعالى أثنى على ﴿الذين يتبعون الرسول النبيّ
_________________
(١) راجع مثلًا: ابن القيم: روضة المحبين. ط دمشق، ص ٢٨٥ - ٢٨٧
(٢) سورة البقرة: آية ٢٢١
(٣) رواه الترمذي ٧/ ٤٩ وقال: حديث حسن صحيح.
[ ١ / ٨٠ ]
الأميّ﴾ وجعل لذلك نصيبًا في الحكم عليهم بقوله: ﴿أولئك هم المفلحون﴾ (١).
الدرجة الخامسة: أن الله تعالى جعل من شأن المؤمن الذي يرجو الله واليوم الآخر أنه يتأسّى برسول الله - ﷺ -. قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ (٢)، وسيأتي القول في دلالة هذه الآية إن شاء الله، في الفصل الرابع من هذا الباب.
أثّر ذلك كله في صحابته ﵃ حتى كانوا يراعون ما يفعل، وينظرون إليه كيف يفعل. ويتحينون الفرص لذلك لأجل أن يقتدوا به. فهذا زيد بن خالد يقول: "قلت لأرقبن الليلة صلاة رسول الله - ﷺ -، فصلّى ركعتين خفيفتين، ثم صلّى ركعتين طويلتين طويلتين، ثم صلّى ركعتين، وهما دون اللتين قبلهما " (٣) الحديث.
وعن الفضل بن عباس قال: "بتّ ليلة عند رسول الله - ﷺ - لأنظر كيف يصلي من الليل " (٤) الحديث.
وكان أشدَّهم في هذه الناحية، وأدومهم عليها، وأحرصهم على التحري عن أفعاله - ﷺ - حتى في أدقّ التفاصيل، عبد الله بن عمر ﵄. وقد حفظت لنا الوثائق الحديثية نماذج كثيرة من ذلك تكشف لنا عن دوافع نفسية عميقة التأثر، بل يكاد يكون هذا المعنى هو مفتاح فقه ابن عمر، والسمة الرئيسية لما ينقل عنه من الآراء التشريعية.
فمن ذلك أنه لما دخل النبي - ﷺ - الكعبة ثم خرج، يقول ابن عمر: "فلما فتحوا كنت أول من ولج، فلقيت بلالًا فسألته: هل صلّى فيه رسول الله - ﷺ - قال: نعيم، بين العمودين اليمانيين". قال ابن عمر: "فذهب عني أن أسأله: كم صلّى" (٥).
_________________
(١) سورة الأعراف: آية ١٥٧
(٢) سورة الأحزاب: آية ٢١
(٣) رواه مسلم (الرصف ١/ ٣٧٣).
(٤) رواه أبو داود (الرصف ١/ ٣٧٧).
(٥) رواه البخاري ومسلم (الرصف ١/ ٥٥٧).
[ ١ / ٨١ ]
وكان ابن عمر: "يبيت بذي طُوَى بين الثنيتين، ثم يدخل من الثنية التي بأعلى مكة. وكان إذا قدم حاجًّا أو معتمرًا لم ينخ ناقته إلاّ عند باب المسجد، وكان يذكر أن النبي - ﷺ - (كان) يفعل ذلك" (١).
وأحصى ابن عمر الأماكن التي صلّى فيها النبي - ﷺ - عند سفره لحجة الوداع من مكة إلى المدينة، وحدّد مواقعها بأوصاف دقيقة. وقد أورد البخاري حديثه في ذلك بتمامه، وهو حديث طريف طويل فليرجع إليه (٢).