قد بيّنّا أن البيان يجب في حالين: أن يسأل العالم عن المسألة وهي منصوصة، وأن تقع الحادثة ويجهل حكمها.
فأما في الأولى: وهي حالة السؤال عن المنصوص: فالبيان واجب لجميع الأحكام الخمسة واجبها ومندوبها ومباحها ومكروهها وحرامها.
وأما في الثانية: وهي حالة الوقوع والمكلّف جاهل: فإنه إذا جاء وقت المأمور به الواجب، فتركه المكلف، وجب بيانه له. أو أراد المكلف فعل محرم، وجب بيان حرمته له. أما بيان المستحب فيستحب، وكذلك بيان المكروه، وذلك حرصًا من المبيِّن على حصول الأجر للفاعل بفعل المستحب وترك المكروه، فيصل
_________________
(١) انظر القصة في صحيح البخاري ٨/ ٣٥ وصحيح مسلم ١٢/ ٦٠
(٢) هذه المسألة تعرض لها الآمدي ٣/ ٤٠، ونحن أوفيناها بحثًا، وعرضناها عرضًا أشمل. وبالله التوفيق. وانظر أيضًا، المحقق من علم الأصول (ق ١١ ب).
[ ١ / ٩٠ ]
للمبيِّن أجر الدلالة على الخير. ولا يكون بيان المستحب والمكروه في هذه الحالة الثانية واجبًا، وكذلك بيان المباحات.
ولعلّ هذا هو معنى ما نقله الغزالي عن (قوم من القدرية) أنهم قالوا: "بيان الواجب واجب، وبيان المستحبّ مستحبّ" وهو قول حق، لكن بالقيود التي ذكرناها. وقد ألزمهم الغزالي أن يقولوا: وبيان الحرام حرام، وبيان المكروه مكروه. ويظهر أنه لم يفطن إلى مقصدهم.
ويستثنى مما تقدم حالة واحدة يجب فيها بيان المستحب والمكروه، وهي أن يكون المكلف يعتقد في الفعل حكمًا غير حكمه الشرعي، كمن يتنفل في الوقت المكروه، أو يتعبّد لله بمباح ليس موضوعًا للتعبّد، أو يكره سنة من السنن أو يحرِّمها. ففي هذه الحالة يجب البيان (١).
ويمكن إعادة هذا الاستثناء إلى النوع الأول، وهو بيان الواجب، لأن اعتقاد الأحكام الصحيحة للأفعال واجب على المسلم. فإذا أخطأ في ذلك الاعتقاد فقد ترك الواجب، ووجب بيانه له.
هذا حكم البيان في حق غير النبي - ﷺ -.
أما بالنسبة إليه - ﷺ - فالبيان كله واجب ليخرج الحكم عن الإبهام المطلق إذ لا يعلم إلّا من جهته. فإن خرج، فحكمه - ﷺ - حكم غيره إلا في بيان المكروه. أما المكروه فيجب عليه بيانه لئلا يعتقد الفاعل والمشاهد إباحته كما يأتي في فصل التقرير من الباب الثاني إن شاء الله.
_________________
(١) انظر: الشاطبي: الموافقات ٣/ ٣٢٢
[ ١ / ٩١ ]