قسّم الأصوليون البيان من حيث الوظيفة التي يمكن أن يؤديها أربعة أقسام، التقرير، والتفسير، والتغيير، والتبديل (١).
_________________
(١) يقسم الحنفية البيان إلى خمسة أقسام: هذه الأربعة، وبيان الضرورة. ونحن لم نذكر بيان الضرورة، لأنه لا يخرج في وظيفته عن الأربعة، وإنما سمي بيان الضرورة بالنظر إلى سببه لا وإلى وظيفته فلم نتعرض لذكره.
[ ١ / ٨٦ ]
النوع الأول: بيان التقرير، ومعناه تأكيد الكلام بما يقطع احتمال المجاز، إن كان المراد بالكلام المؤكَّد حقيقته، وبما يقطع احتمال الخصوص إن كان المؤكّد عامًا. فمن الأول قوله تعالى: ﴿ولا طائر يطير بجناحيه﴾ (١) فقوله: ﴿بجناحيه﴾ بيان يقرر أن المراد بالطائر حقيقته، وهي الطائر المعروف كالحمام والعصافير مثلًا، لا مجازه كالبريد مثلًا.
ومن الثاني: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ (٢) فقوله: ﴿كلهم أجمعون﴾ بيان يقرر ويؤكد أن المراد بلفظ: ﴿الملائكة﴾ عمومه، وأن الخصوص ليس هو المراد.
النوع الثاني: بيان التفسير. وهو بيان ما كان غير واضح الدلالة، سواء أكان خفاء الدلالة فيه راجعًا إلى الجهل بأصل الوضع وهو الغريب، أو إلى تعدد الوضع وهو المشترك، أو إلى أمر عرض عند استعمال اللفظ وارتباطه بغيره من أجزاء الكلام، أو عند تطبيقه على بعض الصور.
فمن بيان التفسير قوله تعالى: ﴿إن الإنسان خُلِق هلوعًا * إذا مسّه الشر جزوعًا * وإذا مسّه الخير منوعًا﴾ فإن الهلوع لفظ غريب، وقد فسرته الآيتان بعده.
ومنه قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربّصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ فإن القرء دائر بين الطهر والحيضة، وقد بُيِّن بقول النبي - ﷺ -: "طلاق الأمة طلقتان، وعدتها حيضتان" (٣) فبيّن أن القرء الحيضة.
ومنه قوله تعالى: ﴿إلاّ أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ فإن الموصول ﴿الذي﴾ يحتمل أن المراد به الزوج أو الولي. وورد في حديث الدارقطني: "وليّ عقدة النكاح الزوج" (٤).
_________________
(١) سورة الأنعام: آية ٣٨
(٢) سورة الحجر: آية ٣٠
(٣) رواه أبو داود والترمذي والحاكم (الفتح الكبير).
(٤) انظر تفسير القرطبي ٣/ ٢٠٦
[ ١ / ٨٧ ]
ومما يخفى عند تطبيقه على بعض الصور نحو قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ فإن دخول من أخذ مال غيره على سبيل العارية ثم جحده، في مفهوم (السارق)، أمر مشتبه بحاجة إلى بيان (١). فلما قطع النبي - ﷺ - امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده، تبيّن دخوله.
النوع الثالث: بيان التغيير. وهو البيان الذي فيه تغيير لموجب اللفظ من المعنى الظاهر إلى غيره. وذلك في المخصِّصات كالشرط والاستثناء ونحوها، وتقييد المطلق. نحو قول القائل لامرأته: "أنت طالق إن دخلت الدار" ونحو: "له علي ألف إلاّ مائة" وذلك أن آخر الكلام بَيّن أن المراد بأوله غير ما دلّ عليه.
والشافعية يجعلون التخصيص من بيان التفسير.
النوع الرابع: بيان التبديل، وهو النسخ، إذ هو بيان انتهاء مدة الحكم (٢) وفي اعتبار هذا النوع بيانًا اختلاف، إذ ليس هناك لفظ خفي يبيّن بالنسخ.