قوله تعالى: ﴿قل أطيعوا الله والرسول﴾ (٣). وقوله: ﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾ (٤)، ﴿ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾ (٥) وهو - ﷺ - أمَرنا باتباع سنته، والأخذ بها، فيلزم طاعته في ذلك، ليتحقق امتثال هذه الآيات المذكورة وأمثالها.
وهو - ﷺ - قد أمَرَنا أيضًا بأمور تفصيلية، ونهانا عن غيرها، فيلزمنا طاعته فيها عملًا بالآيات المذكورة أعلاه، وذلك هو الأخذ بالسنة.
وورد في كتاب الله تعالى أمره لنا باتباع نبيه - ﷺ -، وتعليق فلاحنا على ذلك، وجعله مقتضى محبتنا الله، ومقتضيًا لمحبة الله لنا.
فقد قال تعالى: ﴿الذين يتّبعون الرسول النبيّ الأمّي الذي يجدونه مكتوبًا
_________________
(١) ذكره الشاطبي في الموافقات (٤/ ١٠) ونقل أيضًا في مادة (السنة) من دائرة المعارف الإسلامية (١٢/ ٢٨٤) غير منسوب إلى قائل معين، ولم نجده في مصدر مسند.
(٢) نقله الشاطبي في الموافقات ٤/ ٢٦
(٣) سورة آل عمران / ٣٢.
(٤) سورة آل عمران: آية ١٣٢
(٥) سورة الأحزاب: آية ٧١
[ ١ / ٢٤ ]
عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزِل معه أولئك هم المفلحون﴾ (١).
وقال: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ (٢).
وإذا ثبتت مشروعية اتباعه - ﷺ -، فإن الاتباع هو سلوك السبيل الذي سلكه المتبوع. وسبيل محمد - ﷺ - هي سنته، وهو المطلوب.
بل قد ورد في القرآن الكريم بيان أن تعليم السنة، بالإضافة إلى تعليم الكتاب، هو من مهمة محمد - ﷺ -. قال الله تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميّين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيّهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ (٣).
قال قتادة: "الحكمة السنّة وبيان الشرائع" (٤).
ولكن يحتمل أن يقال: إن المراد بالحكمة الفهم العميق، ومعرفة معالجة الأمور بما تستحقه، كما فسّرها آخرون. وعلى هذا الوجه لا تكون الآية حجة في هذه المسألة.
إلا أنه ورد في سورة الأحزاب قوله تعالى: ﴿يا نساء النبيّ لستنّ كأحد من النساء إن اتقيتنّ فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ﴾ إلى قوله: ﴿ واذكرن ما يتلى في بيوتكنّ من آيات الله والحكمة﴾ (٥) وهو يبيّن أن الحكمة شيء خاص متميّز كان ﴿يتلى﴾ أو يصنع به ما هو شبيه بالتلاوة (٦) من المذاكرة
_________________
(١) سورة الأعراف: آية ١٧٥
(٢) سورة آل عمران: آية ٣١
(٣) سورة الجمعة: آية ٢
(٤) تفسير القرطبي ٢/ ١٣١ وهو عند البخاري (فتح الباري ط الحلبي ١٠/ ٣٩)
(٥) سورة الأحزاب: آية ٣٤، ٣٥
(٦) على حد ما قال النحويون في قول الشاعر: علفتها تبنًا وماءًا باردًا حتى شَتَتْ همّالةً عيناها
[ ١ / ٢٥ ]
والتحفظ والدراسة. وهذا يبيّن أن تفسير قتادة للحكمة هو الصواب، وتكون الآية دليلًا على حجية السنة كما تقدم (١). ومما يؤكد هذا المعنى أن الصحابة ﵃ كانوا (يتعلمون السنة كما يتعلمون القرآن) ففي صحيح مسلم: "جاء ناس إلى النبي - ﷺ -، فقالوا: ابعث معنا رجالًا يعلموننا القرآن والسنة" (٢).