شهد المسلمون أن محمدًا - ﷺ - هو رسول الله حقًا، بدلالة المعجزات التي أجراها الله على يديه، وهذا يقتضي الإيمان بعصمته من الكذب فيما يبلغنا إياه عن ربه ﷿، وما جاء به من أمر الدين.
وقد صحّ عنه - ﷺ - أنه قال: "تركت فيكم أمرين لن تضلّوا ما تمسَّكتم بهما، كتاب الله وسنة نبيه" (٣).
أخبر أن في التمسّك بالسنّة، كالكتاب، أمانًا من الضلال. وهذا يقتضي أنها حق ودليل صحيح على الأحكام.
وقال رسول الله - ﷺ -: "ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك أن يقعد الرجل متكئًا على أريكته، يُحَدَّث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. ألا وإن ما حرّم رسول الله مثل ما حرّم الله".
_________________
(١) قال الشافعي ﵁ ( ما من الله به على العباد من تعلم الكتاب والحكمة دليل على أن الحكمة سنة رسول الله - ﷺ - (الرسالة ص ٣٢) وقال: "سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله. قال (الشافعي): "وهذا يشبه ما قال والله أعلم، لأن القرآن ذكر وأتبعته الحكمة، وذكر الله منَّةً على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة. فلم يجز أن يقال الحكمة ها هنا إلا سنة رسول اللُه" والآية الأخرى التي ذكرناها أشد وضوحًا في الدلالة على المراد. والحمد لله على توفيقه.
(٢) صحيح مسلم: ١٣/ ٤٦
(٣) رواه مالك بلاغًا في الموطأ (عبد الباقي) ٢/ ٨٩٩
[ ١ / ٢٦ ]
وفي رواية عند أحمد، قال - ﷺ -: "ألا إني أوتيتُ القرآن ومثله معه، ألا إني أُوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجلٌ ينثني شبعانًا [كذا بالأصل] على أريكته، يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرّموه. ألا لا يحل لكم الحمار الأهليّ، ولا كلُّ ذي نابٍ من السباع، ألا ولا لُقَطة من مال مُعَاهَد، إلا أن يستغني عنها صاحبها. ومن نزل بقوم فعليهم أن يَقْرُوهم، فإن لم يَقْروهم فلهم أن يعقبوهم بمثل قراهم" (١).
ومعنى قوله - ﷺ -: "ألا وإني أُوتيت القرآن ومثله معه" أي أوتيت القرآن وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن. وكمثال على ذلك نذكر أن الله آتى نبيه، تحريم الخبائث، فُصِّل بعضها في القرآن، كالميتة والدم ولحم الخنزير وبعضها بالسنة، كما ذكر في هذا الحديث، كلحوم الحمر الأهلية ولحوم السباع.
وقال: "العلم ثلاثة. وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنّة قائمة، أو فريضة عادلة" (٢).
لا يقال: أن هذا الاحتجاج للسنة بالسنة، فكيف يحتج بها قبل أن يثبت أنها حجة؟
لأن المراد أنه لما ثبت إخباره في هذه الأحاديث وأمثالها بكون سنته حقًا، ومثل القرآن في لزوم اتّباعها، فإما أن يكون خبره هذا كذبًا، وهو مستحيل، لدلالة المعجزة على صدقه، ولما ثبت من عصمته عن الكذب في أمر الدين. فلا يبقى إلاّ أن قوله هذا حقّ. وهو المطلوب.