إن المتتبع لتصرفات الصحابة ﵃ في تعرّفهم لأحكام الدين لأجل العمل به، يجد أنهم إذا وجدوا السنة عملوا بها، وجعلوها حجة في الدين، ولم يستجيزوا مخالفتها وإغفالها واطّراحها.
_________________
(١) المسند ٤/ ١٣١
(٢) رواه أبو داود (عون المعبود ٨/ ٩٢) وابن ماجه.
[ ١ / ٢٧ ]
نجد ذلك في تصرفات أبي بكر مثلًا:
فعنه أنه قال: "يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسَكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم﴾ (١) وإنا سمعنا رسول الله - ﷺ - يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيّروه أوشك أن يعمّهم الله بعقابه".
وطلبت فاطمة والعباس من أبي بكر ﵃ ميراثهما من النبي - ﷺ -، فمنعهما أن يعطيهما شيئًا، وقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا نورث. ما تركنا صدقة" (٢).
وأمر أبو بكر عُمّاله على الصدقة أن يعملوا بما سنّه رسول الله - ﷺ -. وهذا نص مطلع كتابه: عن أنس بن مالك أن أبا بكر كتب لهم: "إن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله - ﷺ - على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوق ذلك فلا يعط" (٣) ثم بين المقادير.
وعمر ﵁ لما جادل أبا بكر في قتال مانعي الزكاة، قال: "كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله - ﷺ -: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله، فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها. وحسابهم على الله". فقال أبو بكر: "والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة. فإن الزكاة حق المال" (٤).
وكان عمر يَقْصُر في السفر الآمن، ويقول: "سألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال: صدقة تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته" (٥).
_________________
(١) سورة المائدة: آية ١٠٥
(٢) مسند أحمد تحقيق أحمد شاكر ١/ ١٥٨ وقال: إسناده صحيح.
(٣) رواه أحمد (١/ ١٨٣) وأبو داود والنسائي والدارقطني، ورواه البخاري مفرقًا في مواضع من صحيحه (أحمد محمد شاكر في تحقيق المسند).
(٤) الحديث إسناده صحيح. رواه أحمد في المسند. تحقيق أحمد شاكر ١/ ٢٠٧
(٥) رواه مسلم ٥/ ١٩٦ وأبو داود والترمذي.
[ ١ / ٢٨ ]
وعثمان ﵁ قال: في مملوكة ولدت من زنا: "أقضي بينكما بقضاء رسول الله - ﷺ -: الولد للفراش، وللعاهر الحجر" (١).
وذكّر الناس في يوم الفطر والنحر، وقال: "نهى رسول الله - ﷺ - عن صوم هذين اليومين" (٢).
وكان يعلّم الناس الوضوء بفعله، ويقول: "رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ نحو وضوئي هذا" (٣).
وعليّ ﵁ جلد الشارب أربعين، واحتجّ بسنة النبي - ﷺ -. ورجم الزانية محتجًّا بأن ذلك سنة رسول الله".
في وقائع كثيرة، لا تنحصر كثرة، ثبتت عن الأربعة الراشدين، وغيرهم من الصحابة الأكرمين، مما لا يدع مجالًا للشك أنه كان متقررًا لديهم أن سنة رسول الله - ﷺ - حجة لله على عباده، وأن العمل بها عمل بدين الله وشرعه. فانعقد على ذلك إجماعهم، ولم يخالف فيه أحد منهم. واستمرّت الأمة الإسلامية على ذلك، "ولم يخالف فيه إلاّ من لا حظّ له في الإسلام"، كما قال الشوكاني.