موضوعة أيضًا لتستعمل مع القرينة في كل ما بينها وبينه علاقة معتبرة.
وإذا ثبت وجود الوضع صارت كلمة «حمار» على فرض أنها لم تُسمع عن المتقدمين مستعملة في البليد، بمنزلة كلمة «أسد»؛ لثبوت أن تلك موضوعة، كما أن هذه موضوعة، وإذا ثبت الوضع بحجته لم يلتفت إلى عدم السماع، كما في صيغ اسم الفاعل والمفعول وغيرها.
أما البيانيون وغيرهم فعندهم أن نصب القرينة ركنٌ للمجاز، لا شرطٌ فقط، وزادوا في التعريف قولهم (^١): «مع قرينة عدم إرادة المعنى الموضوع له».
ثم ذكروا أن الكلمة المستعملة فيما لم توضع له في اصطلاحٍ به التخاطب تكون على أقسام:
الأول: المجاز، وهو ما لُوحِظت فيه علاقة معتبرة، ونُصبت معه قرينة معتبرة دالة على عدم إرادة المعنى الموضوع له.
الثاني: الكناية، وهي كالمجاز، إلا أن القرينة فيها لا تدل على عدم إرادة المعنى الموضوع له، بل تدل على إرادة غيره.
الثالث: الارتجال، وهو أن تطلق الكلمة على وجه استئناف وضع جديد، كمن يشير إلى طفل ولد له، فيقول: هذا طلحة، ويريد تسميته بذلك.
الرابع: الغلط، كأن تشير إلى كتاب، تريد أن تقول: «هذا كتاب» فيجري على لسانك: «هذا فرس».
_________________
(١) انظر «فيض الفتاح» (٤/ ١٣٢) و«شروح التلخيص» (٤/ ٢٥).
[ ١٩ / ١٩٥ ]
الخامس: اللغو، كأن تشير لبصيرٍ إلى كتاب، قائلًا: «هذا فرس»، قاصدًا هذا القول، مع عدم ملاحظتك لعلاقة معتبرة، ومع علمك بالقرينة الدالة للمخاطب على أن المشار إليه ليس بفرس.
أقول: وهذا الخامس يصدق عليه تعريف الكذب.
فإن قيل: فلماذا لم يذكروا في الأقسام ما إذا استعملت الكلمة في غير ما وضعت له لعلاقة معتبرة، ولكن لم تُنصب قرينة معتبرة، كما إذا كنت لم تر غرابًا، وإنما رأيت رجلًا مشؤومًا، فقلت لمن لا يعرف الواقع: «رأيت غرابًا»، ولم تنصب قرينة.
قلت: هذه الصورة غير واردة عليهم؛ لأنهم يحكمون فيها بأن الكلمة إنما استعملت فيما وضعت له، ولذلك إذا تبين لهم الواقع جزموا بأن هذا الخبر كذب. فقد ذكروا في الكلام على الإسناد العقلي أن من أقسام الحقيقة قولك: «جاء زيد» وأنت تعلم أنه لم يجئ.
وقال السعد في «المطول» (^١) بعد هذا المثال: «فهذا أيضًا إسنادٌ إلى ما هو له عنده في الظاهر؛ لأن الكاذب لا ينصب قرينة على خلاف إرادته».
ثم ذكر بعد ذلك ما يؤخذ منه أنه لو كانت مع هذا قرينة، فإن كانت هناك علاقة فمجازٌ، وإلا فمن القسم الخامس الذي سميناه لغوًا.
فعُلِم من هذا أنه عند عدم القرينة يكون كذبًا، سواءً لوحظت علاقة، أم لا.
_________________
(١) انظر «فيض الفتاح» (٢/ ١٥٩).
[ ١٩ / ١٩٦ ]
وذكروا في الفرق بين الاستعارة والكذب ما يفيد هذا أيضًا، ووقع لبعضهم تخليط هناك، فلا بأس بتحرير المقام.
ذكر السكاكي في «المفتاح» (^١) أن الاستعارة ــ وهي مجاز كما لا يخفى - تفارق الدعوى الباطلة ببناء الدعوى في الاستعارة على التأويل، أي بملاحظة العلاقة المعتبرة، وتفارق الكذب بنصب القرينة المانعة عن إرادة الظاهر، يعني: والدعوى الباطلة لا تأويل معها، والكاذب لا ينصب قرينة.
وهذا صريح ــ كما لا يخفى ــ في أنها إذا فقدت القرينة، والكلام بظاهره غير مطابق للواقع، فهو كذبٌ، سواءٌ أوُجِد تأويل أم لا.
وقد فُسِّرت عبارة «المفتاح» على ثلاثة أوجه:
الأول: نقل عن شارحه العلامة القطب الشيرازي (^٢)، ذكروا أنه فسر «الباطل» بما يكون على خلاف الواقع، والكذب بما يكون على خلاف ما في الضمير.
الثاني: تفسير شارحه السيد الشريف الجرجاني (^٣)، ذكر أن السكاكي أراد بالدعوى الباطلة الجهل المركب، وصاحبه مصرٌّ على دعواه، متبرئٌ عن التأويل، فضلًا عن نصب القرينة، وأراد بالكذب: الكذب العمد، وصاحبه لا ينصب القرينة، بل يروج ظاهره، لكن لا مانع من قصد التأويل في ذهنه، فلذا
_________________
(١) (ص ٣٧٣).
(٢) انظر «فيض الفتاح» (٤/ ١٥٢).
(٣) المصدر السابق.
[ ١٩ / ١٩٧ ]
خص التأويل بمفارقة الباطل، و[خص] (^١) نصب القرينة بمفارقة الكذب. هكذا نقله عبد الحكيم في «حواشي المطول» (^٢).
الثالث: تفسير عبد الحكيم، قال (^٣): «الأظهر عندي أن الاستعارة من حيث المعنى تشابه الدعوى الباطلة، ومن حيث اللفظ تشابه الكلام الكاذب، فتبيين الفرق بأن مبنى معناها على التأويل، بخلاف الدعوى الباطلة، وأن مبنى لفظها على نصب القرينة، بخلاف الكذب».
واعترض السعد في «المطول» كلام العلامة، قال (^٤): «وأنت تعلم أن تفسيره الكذب خلاف ما عليه الجمهور واختاره السكاكي».
واعترض عبد الحكيم كلام السيد الشريف فقال (^٥): «فيه أنه مع كونه خلاف ظاهر العبارة، إذ لا قرينة على تخصيص الدعوى الباطلة بالجهل المركب، والكذب بالكذب العمد، أنه لا وجه لتخصيص مفارقة الاستعارة بهذين، فإنها تفارق الدعوى الباطلة مطلقًا ــ سواءٌ كان مع اعتقاد المطابقة أو لا ــ بالتأويل، وعن الكذب مطلقًا ــ سواءٌ كان عمدًا أو خطأً ــ بنصب القرينة».
أقول: هناك صور:
_________________
(١) المعكوفتان من المؤلف.
(٢) «فيض الفتاح» (٤/ ١٥٢).
(٣) انظر المصدر السابق.
(٤) المصدر السابق.
(٥) المصدر السابق.
[ ١٩ / ١٩٨ ]
الأولى: أن ترى إنسانًا من بعيد، فتظنه غرابًا، فتقول: «رأيت غرابًا»، مريدًا بذلك وفق ما ظننته.
الثانية: أن تعلم أنه إنسان، ومع ذلك تقول لمن تراه لا يعرف الواقع: «رأيت غرابًا»، وتتأول في نفسك الغراب بإنسانٍ مشؤومٍ، ولا قرينة.
الثالثة: أن تعلم أنه إنسانٌ، ومع ذلك تقول لمن تراه لا يعرف الواقع: «رأيت غرابًا»، ولا تتأول في نفسك.
فكل من هذه الصور يصدق عليه أنه دعوى باطلة، وأنه كذب. أما الأولى والثالثة؛ فظاهر، وأما الثانية؛ فبحسب الظاهر المحكوم به، إذ لا عبرة بالتأويل النفسي مع عدم القرينة.
لكن الصورة الأولى أولى بأن تسمى دعوى باطلة؛ لأنها كما شاركت الأُخريين في ظهور الدعوى بحسب ظاهر اللفظ، امتازت عنهما بتحقق الدعوى في الاعتقاد.
والأولى أبعد عن الكذب؛ لأن صاحبها مخطئ، وقد تقدم أن الغالب في العرف أن لا يقال فيمن كذب خطأً: «كذب»، وإنما يقال: «أخطأ»، ومن الناس من لا يسمي ذلك كذبًا البتة.
والاعتقاد أمرٌ معنوي، وكذلك التأويل في النفس. وظاهر الكلام يتعلق باللفظ، وكذلك القرينة. والاستعارة تشتبه من حيث المعنى باعتقاد الباطل؛ لأنها مبنية على دعوى دخول المشبه في جنس المشبه به، وتخيل ذلك في النفس، فهي من هذه الجهة مشابهة للصورة الأولى، ولكنها تفارقها ببناء الدعوى في الاستعارة على التأويل.
[ ١٩ / ١٩٩ ]
والاستعارة تشتبه بالكذب الذي لا خطأ فيه؛ لأن القائل: «رأيت أسدًا يرمي» يعلم أن الرجل ليس بأسد، فهي من هذه الجهة مشابهة للصورتين الأخريين، لكنها تفارقهما بالقرينة.
فقد بان بهذا وجه صنيع السكاكي، وبان به توجيه التفاسير الثلاثة، بل واتفاقها في المآل، فإن العلّامة حمل الدعوى الباطلة على الاعتقاد المخالف للواقع، وهذه هي الصورة الأولى، وحمل الكذب على خلاف ما في الضمير، وذلك في الصورتين الأخريين، فإن ظاهر الكلام فيهما كما هو مخالفٌ للواقع، فهو مخالفٌ لما في الضمير؛ لعلم المتكلم بخلاف ما أفهمه كلامه. وإنما خصَّ السكاكي ثم العلّامة الكذب بذلك لأنه كذبٌ اتفاقًا، لغةً وعرفًا.
والسيد فسّر الدعوى الباطلة بالجهل المركب، وهي الصورة الأولى، والكذب بالعمد، وذاك في الصورتين الأخريين، فاتفقا.
وعبد الحكيم ذكر أن الاستعارة من حيث المعنى تشابه الدعوى الباطلة، وقد علمت أن ذلك إنما يتحقق في الصورة الأولى؛ لتحقق الدعوى في الاعتقاد، وهو أمر معنوي.
وذكر أنها من حيث اللفظ تشابه الكلام الكاذب، والأَولى بملاحظة ذلك الصورتان الأخريان؛ لأنهما كذبٌ اتفاقًا، لغةً وعرفًا، وكذب الكلام فيهما آكد لمخالفته لما في الواقع ولما عند المتكلم، ومدار الكذب فيهما على اللفظ فقط لمطابقة علم المتكلم للواقع.
والمقصود أن هؤلاء اتفقوا على أن الصورة الثانية كذبٌ، وأن إضمار التأويل لا يدفع الكذب.
[ ١٩ / ٢٠٠ ]
أما صاحب «التلخيص» فقال (^١): «الاستعارة تفارق الكذب بالبناء على التأويل ونصب القرينة على إرادة خلاف الظاهر».
قال السعد في «المطول» (^٢): «يعني أن في الاستعارة دعوى مبنية على تأويل ولا تأويل في الكذب. وأيضًا لا بد في الاستعارة من قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي الموضوع له، دالةٍ على أن المراد خلاف الظاهر، بخلاف الكذب، فإنه لا تُنصب فيه قرينة على إرادة خلاف الظاهر، بل يُبذل المجهود في ترويج ظاهره».
وهذا الكلام إذا تُدبِّر وقورِن بكلام هذين الرجلين في مواضع أخرى ــ كما سبق لهما في الكلام على الإسناد العقلي ــ تبين أنه غير مخالف لما تقدم، فإن الدعوى الباطلة التي تشابه الدعوى التي في الاستعارة هي ما في الصورة الأولى، كما تقدم.
فغاية الأمر أن صاحب «التلخيص» أدرج الصورة الأولى في الكذب، ثم بين أن الفرق بوجهين:
الأول: التأويل، وهذا يختصُّ بالصورة الأولى.
الثاني: بالقرينة، وهي تعمُّ الصور الثلاث.
فكأنه يقول: إن الفرق بين الاستعارة وبين الكذب خطأً ــ وذلك في الصورة الأولى ــ بالتأويل والقرينة. فالتأويل يدفع خطأ الاعتقاد، والقرينة تدفع الأمرين، أي: الخطأ في الاعتقاد ومخالفة الكلام للواقع.
_________________
(١) (ص ٣٠٦ بشرح البرقوقي). وانظر «شروح التلخيص» (٤/ ٦٨).
(٢) (ص ٥٨٤)، وهو في «فيض الفتاح» (٤/ ١٥٢).
[ ١٩ / ٢٠١ ]
والفرق بينها وبين الكذب عمدًا ــ وذلك في الصورتين الأخريين ــ بالقرينة.