ومع ذلك [ص ٩٣] فليس عبادة للشيطان.
وقد علمت الحق، ولله الحمد.
وقال الله ﷿: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠].
أي
_________________
(١) والله أعلم : أنه لا أحد أضلُّ ممن اتبع هواه في أمر الدين، فتديَّن بالباطل لأنه يهواه، ورفض الدين الحق لأنه لا يهواه. وقال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣]. فمن سوَّلتْ له نفسه شيئًا فهوِيَه، فاتخذه دينًا، فقد أطاع هواه تلك الطاعة التي هي عبادة، كما تقدم. واعلم أن المشركين كانوا يعلمون معنى «العبادة» والتأليه، كيف والشرع إنما خاطبهم بلغتهم، ولكن قد يغفلون عن بعض الفروع حتى ينبههم الشرع. ويتضح ذلك بما يأتي:
(٢) كانوا يتخذون الأصنام تماثيل للإناث الغيبيات، التي يزعمون أنها الملائكة، ثم يكرمون تلك الأصنام، ويتبركون بها، ويتمسحون بها، ويعكفون عندها، ونحو ذلك، ويسمون ذلك عبادةً وتأليهًا للأصنام ولتلك الإناث اللواتي جعلت الأصنام تماثيل لهن.
[ ١٩ / ٢١٨ ]
٢ - [ص ٩٤] كانوا يدعون تلك الإناث، يسألون منها أن تنفعهم، ويقولون: إنهم إنما يطلبون منها أن تشفع لهم عند الله ﷿ الذي بيده ملكوت كل شيء، ويسمون مع ذلك دعاءهم ذاك عبادةً وتأليهًا لتلك الإناث، أو قل: للملائكة؛ فإنهم كانوا يزعمون أن تلك الإناث هي الملائكة.
٣ - كانوا يطيعون أسلافهم ورؤساءهم في شرع الدين، كا تخاذ الأصنام، والتحليل والتحريم، وغير ذلك، ولا يسمون تلك الطاعة عبادة وتأليهًا لمن أطاعوه، فنبههم القرآن والسنة على أنها عبادة وتأليه لمن أطاعوه، وبين لهم أنهم يطيعون بتلك الطاعة الشياطين التي توسوس لهم بأن تلك الأمور من الدين، وأهواءهم التي تزين لهم اتخاذ تلك الأمور دينًا، وأن ذلك عبادة وتأليه للشياطين والأهواء.
٤ - كانوا يحترمون الكعبة أبلغ من احترام الأصنام، ويرون ذلك عبادة لله، لا عبادة وتأليهًا للكعبة، وكانوا يرون النبي - ﵌ - والمسلمين يحترمون الكعبة، يطوفون بها، ويقبِّلون الحجر الأسود، ونحو ذلك، ولم يتشبث بذلك أحد من المشركين بأن يقول مثلًا: إن محمدًا يعبد الكعبة، ويتخذها إلهًا، فكيف يزعم أنه لا إله إلا الله، وأنه لا ينبغي أن يعبد سواه؟
ما ذلك إلا لأنه كان من الواضح المكشوف عندهم أن تلك الأعمال عبادة لله ﷿، لا للكعبة.
٥ - كانوا يعلمون أن المسلمين مما يخاطب أحدهم النبي - ﵌ -، وهو بحيث يسمع كلامه عادةً، قائلًا: يا رسول الله، ادع الله لنا. ونحو ذلك. ولم يتشبث أحدٌ منهم بهذا، كأن يقول: [ص ٩٥] إن محمدًا يقر أصحابه أن يدعوه ليشفع لهم إلى الله ﷿، فكيف ينكر علينا أن ندعو الملائكة؛ ليشفعوا
[ ١٩ / ٢١٩ ]
لنا إلى الله ﷿؟
وما ذاك إلا لوضوح الفرق عندهم، وعلمهم بأن سؤالهم من الملائكة دعاءٌ وعبادةٌ للملائكة، وأن ما يقع من المسلمين ليس من الدعاء الذي هو عبادة لغير الله تعالى.
٦ - كانوا يعلمون طاعة المسلمين للنبي - ﵌ - في الأحكام الدينية، ويعلمون أن النبي - ﵌ - يدعو الناس إلى طاعته فيها. ولم يتشبث أحد منهم بذلك، كأن يقول: إن محمدًا يزعم أننا نعبد ونؤلِّه رؤساءنا والشياطين والأهواء بطاعتنا لهم في أمور الدين، فكيف يدعو الناس إلى طاعته في الدين، ويقر من اتبعه عليها، ثم يزعم أنه لا إله إلا الله، ولا تنبغي العبادة لغيره تعالى؟
ما ذلك إلا لعلمهم بوضوح الفرق بين الطاعتين، وأن ما وقع منهم مما ذكر حريٌّ أن يكون عبادة وتأليهًا لمن أطاعوه تلك الطاعة، واتخاذًا له ربًّا وندًّا، وأن ما يدعو إليه النبي - ﵌ - ويقرّ عليه من طاعته في الدين ليس عبادة له ولا تأليهًا.
هذا كله يوضح أنهم كانوا يعرفون أن العبادة هي الخضوع، طلبًا للنفع الغيبي. فما كان كذلك، فإن كان الله تعالى أنزل به سلطانًا، وأقام عليه برهانًا، فهو عبادة لله سبحانه، ولو كان يتراءى من ظاهره أن فيه خضوعًا لغيره تعالى. وإن لم يُنزل به الله سلطانًا، فهو عبادة وتأليه لغيره.
فقد عرفوا أن الثلاثة الأمور الأولى عبادة؛ لأنها خضوعٌ يُطلَب به نفع غيبي.
أما الأول والثالث؛ فظاهر.
[ ١٩ / ٢٢٠ ]
وأما الثاني؛ فلأن الملائكة أنفسهم غيب؛ لأنهم لا يعلمون بطريق عادية أنهم منهم بحيث يسمعون خطابهم، أو بحيث يبلغهم بطريقٍ عاديةٍ كما يعلم الإنسان أن صاحبه حي بهذه الحياة الدنيا قريب منه، [ص ٩٦] بحيث يسمع كلامه في العادة، فيخاطبه بكلام يسمعه، أو بعيد عنه فيرسل إليه رسولًا، أو يكتب إليه كتابًا، أو يرفع صوته بمحضر الناس لعل بعضهم يبلغه.
وأما الأمر الرابع؛ فقد عرفوا أنه عبادة، كما مرّ.
وأما الأمر الخامس؛ فقد عرفوا أنه ليس بعبادة؛ لأن المسلمين إنما كانوا يسألون من النبي - ﵌ - الدعاء وهو حي هذه الحياة الدنيا، وبطريق عادية على نحو ما مرَّ قريبًا، حتى كانوا إذا كانوا بعيدًا منه - ﵌ - ولم يمكنهم الإرسال والكتابة، وأحبوا أن يعلم بأمرهم، قالوا: «اللهم بلِّغ عنا رسولك»، كما قال عاصم بن ثابت (^١)، أو كما قال الخزاعي (^٢):
اللهم إني ناشدٌ محمدًا حِلْفَ أبينا وأبيه الأتلدا
وكما قال خبيب بن عدي لما أراد المشركون قتله: «اللهم إني لا أجد من يُبلِّغ رسولَك مني السلام، فبلِّغْه» (^٣).
وفي رواية (^٤): «اللهم إنا قد بلَّغنا رسالة رسولك، فبلِّغه الغداةَ ما يُصنع
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٩٨٩، ٤٠٨٦) من حديث أبي هريرة ضمن قصة قتله.
(٢) هو عمرو بن سالم الخزاعي، والرجز في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٩٤).
(٣) انظر «فتح الباري» (٧/ ٣٨٣).
(٤) انظر «سيرة ابن هشام» (٢/ ١٧٣) و«حلية الأولياء» (١/ ١١٣).
[ ١٩ / ٢٢١ ]
بنا». انظر «فتح الباري» (^١) عند شرح باب غزوة الرجيع، قوله: «ثم قال: اللهم أَحْصِهم عددًا ». وانظر «سيرة ابن هشام» (^٢)، ذكر يوم الرجيع.
أما ما يروى أن خُبيبًا نادى: «يا محمد»، فإنما أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (^٣) من طريق الهيثم بن عدي، وهو كذَّاب، كذبه ابن معين والبخاري وغيرهما، وفي السند علل أخرى.
ودعاء الإنسان الحي هذه الحياة، أعني أن يدعو الله تعالى لإنسان= ليس هو نفسه نفعًا غيبيًّا؛ لأن قدرته على ذلك واختياره فيه معروف في العادة، كسائر كلامه، والسائل إنما سأل الدعاء، لا ما يرجو أن يترتب عليه من النفع الغيبي. فإذا كان السؤال بطريق عادية، كما كان يقع من الصحابة، فليس من العبادة في شيء، [ص ٩٧] وإنما هو سؤال نفعٍ عادي. بخلاف دعاء المشركين الملائكة ليشفعوا لهم؛ فإن الملائكة غيبٌ، وطريق السؤال مبني على الغيب، فتكون الشفاعة المطلوبة نفعًا غيبيًّا.
وأما السادس؛ فقد علموا أنه عبادة.
لكن كانوا ــ أعني المشركين ــ قد عرفوا أن الثلاثة الأولى عبادة لم ينزل الله تعالى بها سلطانًا، إنما هي مبنية على الخرص والهوى والتقليد لمن لم ينزل الله سلطانًا باتباعه.
وأن الرابع أنزل الله تعالى به سلطانًا مبينًا، يتناقلونه خلفًا عن سلف، عن
_________________
(١) (٧/ ٣٨٣).
(٢) (٢/ ١٧٣).
(٣) (١/ ٢٤٥، ٢٤٦).
[ ١٩ / ٢٢٢ ]