[ص ١٠١] وفي رواية (^١): «فقطعها، فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها ».
ففي هذا أن السدنة كانوا يقولون بعد الهدم وقطع الشجر: «يا عزّى! يا عزّى» فالعزّى عندهم غير ما هُدِم وقُطِع.
وفيه قول النبي - ﵌ - في تلك الشيطانة: «تلك العزى». وهو واضح فيما تقدم.
هذا، وتمام الكلام في «كتاب العبادة»، وإنما المقصود أن المشركين تمسكوا بتلك الشبهة في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾
مع ضعفها (^٢).
فلو لم يكن معروفًا عندهم، مشهورًا بينهم أن تأخير البيان إلى وقت الحاجة لا يعد كذبًا ولا تلبيسًا ولا تناقضًا؛ لشنَّعوا في النصوص التي جاءت من هذا القبيل.
ومع هذا فقد ذهب كثير من أهل العلم إلى منع تأخير البيان عن وقت الخطاب، وأجابوا عن تلك النصوص بما هو معروف.
ومن الضرب الثاني من المجمل: ما روي أن النبي - ﵌ - كان إذا أراد غزوةً ورَّى بغيرها (^٣).
_________________
(١) «طبقات ابن سعد» (٢/ ١٤٦).
(٢) هنا وضع المؤلف خطًّا فاصلًا، وكتب في آخره في الهامش: «آخر الاستطراد».
(٣) أخرجه البخاري (٢٩٤٧) ومسلم (٢٧٦٩/ ٥٤) من حديث كعب بن مالك.
[ ١٩ / ٢٢٧ ]
ومثلوا لتلك التورية بأن يسأل عن جهة أخرى غير التي يريدها، كيف طرقها ومياهها، وغير ذلك من أحوالها.
وذلك أنه كان إذا أراد غزوة أمر الناس أن يتجهزوا ويستعدوا، فيخشى أن يكون هناك من يتجسس للقوم الذي يريد غزوَهم، فيذهب فينذرهم، فيستعدوا ويتحرزوا، فيسأل - ﵌ - عن جهةٍ أخرى عسى أن يسمع المتجسسون سؤاله.
[ ١٩ / ٢٢٨ ]
[ص ٤٧] (^١) فقد كانوا يتشبثون بأوهن الشبهات، فلولا أنه كان معروفًا عندهم، مشهورًا بينهم أن تأخير البيان إلى وقت الحاجة لا يُعدُّ كذبًا ولا تلبيسًا ولا تناقضًا؛ لشنَّعوا في النصوص التي جاءت على ذلك الوجه.
ومع هذا فقد ذهب كثير من أهل العلم إلى منع تأخير البيان عن وقت الخطاب، وأجابوا عن تلك النصوص بما هو معروف.
ومن الضرب الثاني من المجمل: ما روي أن النبي - ﵌ - كان إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها (^٢).
ومثَّل أهل العلم لتلك التورية بأن يسأل عن جهة أخرى غير التي يريدها، أي بأن يسأل عن طرقها ومياهها، وغير ذلك من أحوالها.
وذلك أنه كان إذا أراد غزوة أمر أصحابه بأن يستعدوا ويتجهزوا، فيخشى أن يكون هناك من يتجسس للقوم الذين يريد غزوهم، فيذهب فينذرهم فيستعدوا ويتحرزوا، فيسأل - ﵌ - عن جهة أخرى عسى أن يسمع المتجسسون سؤاله، [ص ٤٨] فيستنبطوا منه احتمال أنه إنما يريد غزو تلك الجهة التي سأل عنها.
ففي هذا أولًا: أن سؤاله عن الجهة ليس بخبر.
وثانيًا: الخبر الذي يدل عليه محتمل، فقد يسأل عن تلك الجهة خوفًا من أهلها أن يسمعوا بخروجه من المدينة إلى الجهة التي قصدها، فيخالفوه إلى المدينة، فيسأل عن جهتهم؛ ليعلم أيخشى منهم ذلك أم لا.
_________________
(١) من هنا تبدأ القطعة الرابعة من الكتاب. والكلام الذي قبلها في القطعة الثانية، وتكرَّر جزء منه لأن المؤلف كتبه مرةً ثانية.
(٢) سبق تخريجه قريبًا.
[ ١٩ / ٢٢٩ ]
وقد يسأل عنها ليغزوها يومًا من الدهر، لا ليغزوها بذاك الاستعداد الحاضر.
وقد يسأل عنها ليعرفها، لعل معرفتها تفيد يومًا من الدهر، مع صرف أوهام المتجسسين عن الجهة التي يريد غزوها، وظاهر الحال مع ذلك تدافع أنه إنما سأل عن تلك الجهة ليغزوها من فوره، وذلك أن من شأن الإمام المحارب أن يحرص على كتمان مقصوده.
فمن تدبر هذا تبين له أن ذاك السؤال لا يظهر منه للمتدبر ما هو خلاف الواقع، بل يبقى عنده محتملًا.
* * * *
[ ١٩ / ٢٣٠ ]