كان رسول الله - ﵌ -[ص ٥٥] ربما لاطف بعض أصحابه بمزاحٍ تدعو إليه مصلحة، ولا يخرج عن الحق.
وقد قال له بعض أصحابه: إنك تداعبنا؟ فقال - ﵌ -: «إني لا أقول إلا حقًّا» (^١).
إنما قال هذا لأن أكثر الناس لا يحسنون المزاح بالحق، أو لا يكتفون به.
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» (٨٤٨١) والبخاري في «الأدب المفرد» (٢٦٥) من حديث أبي هريرة. وإسناده صحيح.
[ ١٩ / ٢٣٨ ]
رُوي عن أنس: أن رجلًا أتى النبي - ﵌ -، فاستحمله، فقال: «إنا حاملوك على ولد ناقة». قال: يا رسول الله، ما أصنع بولد ناقة؟ فقال رسول الله - ﵌ -: «وهل تلد الإبلَ إلا النوقُ؟». انظر «مسند أحمد» (٣/ ٢٦٧) (^١).
«استحمله»: أي سأله بعيرًا يركبه، ويحمل عليه متاعه وزاده في السفر.
و«ولد الناقة»: أصله في اللغة ما ولدته الناقة، صغيرًا كان أو كبيرًا، لكن من الحيوان ما لا يعرف للصغير من أولادها اسم خاص، فيقال مثلًا: «ولد زرافة» يراد الصغير، كما يقال: «ابن زرافة». فأما «الإبل» فللكبير منها اسم خاص، كبعير وجمل وناقة، وللصغير اسم خاص كفَصِيل. فقوله - ﵌ -: «ولد ناقة» قد يتبادر منه الصغير، كما في «ولد زرافة»، والوجه أن يكون محتملًا؛ لأنه إن قيل: لو أراد الكبير لقال: «على بعير» أو «على جمل»، قيل: ولو أراد الصغير لقال: «على فصيل». وإذا كان الأمر كذلك، فقوله - ﵌ -: «إنا حاملوك» ظاهره بيِّن في أنه إنما أراد الكبير؛ لأن الصغير لا يحمل عليه، والرجل إنما سأل الحملان لحاجته إليه في الحال، والصغير لا يغني عنه شيئًا في حاجته، لكن لما كان لا يكاد الناس يقولون: «ولد ناقة»، ويقولون: «ولد زرافة» ونحوه في الصغير= استعجل الرجل، ففهم الصغير.
وأراد النبي - ﵌ - أولًا ملاطفة الرجل؛ ليخفَّ عنه ما أصابه من غمّ الانقطاع، ولينبهه إذا أخطأ، فيكون في ذلك تعليم له، ليحتاط بعد ذلك فلا يستعجل في البناء على ما يتراءى له من الكلام حتى يتدبره.
_________________
(١) رقم (١٣٨١٧). وأخرجه أيضًا البخاري في «الأدب المفرد» (٢٦٨) وأبو داود (٤٩٩٨) والترمذي (١٩٩١) وغيرهم، وإسناده صحيح.
[ ١٩ / ٢٣٩ ]
[ص ٥٦] ومما قد يدخل في هذا القبيل: ما روي في إرشاد من أحدث وهو في صلاة الجماعة أن يأخذ بأنفه ويخرج من المسجد (^١).
قالوا (^٢): والحكمة في ذلك إيهام أنه رُعِف.
وأقول: الأخذ بالأنف هنا عملٌ ليس بكلام، ولكنه يدل على خبر، كأنه يقول: إني رُعِفت.
وقد يقال: إن هذا داخلٌ في معنى الكذب.
وأقول: أما من علم بما روي في الإرشاد إلى ذلك، فإنه إذا رأى إنسانًا فعله لم يفهم منه معنى «إني رُعِفت»، بل يحتمل عنده أنه رعف، ويحتمل أنه أحدث وإنما أخذ بأنفه اتباعًا للمروي في ذلك، وبهذا يخرج ذاك الفعل عن معنى الكذب البتة. وأما من جهل ما روي في ذلك، فقد ينسب التقصير إليه بجهله.
ومن عادة الناس أنهم يعيبون من أحدث في صلاته، ويضحكون منه، فقد يُخشى على من أحدث في صلاته أن يستمر فيها ظاهرًا خوفًا من عيب الناس وضحكهم، ففي الأخذ بالأنف ما يدفع المفسدتين، فإن الناس لا يعيبون من أصابه الرعاف في الصلاة، فإذا علم الإنسان أن أخذه بأنفه يدفع عنه عيب الناس وضحكهم لم يشق عليه قطع الصلاة والخروج.
_________________
(١) أخرج أبو داود (١١١٤) وابن ماجه (١٢٢٢) وابن خزيمة (١٠١٨) وابن حبان (٢٢٣٨) وغيرهم عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا أحدث أحدكم وهو في الصلاة فليأخذ على أنفه، ثم لينصرفْ». وإسناده صحيح.
(٢) انظر «معالم السنن» (٢/ ٢٢).
[ ١٩ / ٢٤٠ ]
ففي ذاك الفعل دفع مفسدتين، ولا مفسدة فيه، فإنه إذا لوحظ مع ذلك ما روي في أمر من أحدث بأن يأخذ بأنفه، انتفى الكذب البتة، كما مر، والله أعلم (^١).
* * * *
_________________
(١) وللمؤلف كلام على هذه المسألة ضمن «فوائد المجاميع» (ص ١٣٨ - ١٤١) في شرح حديث «الحياء لا يأتي إلا بخير».
[ ١٩ / ٢٤١ ]