فيما ورد من التشديد في الكذب
الكذب على وجهين:
أحدهما: الكذب على الله ﷿، بأن تصفه بما لا علم لك به، أو بما تعلم أنه لا يتصف به، أو تنسب إليه حكمًا لا سلطان عندك بأنه حكم به، أو تعلم أنه لم يحكم به، ونحو ذلك.
والآيات في شدة هذا كثيرة، منها:
١ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١].
٢ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣].
٣ - ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤].
٤، ٥ - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [الأعراف: ٣٧،
_________________
(١) كتب المؤلف أولًا «التاسع»، ثم شطب عليه وكتب «الحادي عشر».
[ ١٩ / ٢٧٧ ]
يونس: ١٧].
٦ - ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف: ١٥].
٧ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ [هود: ١٨].
٨ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾ [الصف: ٧].
٩ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨].
١٠ - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٣٢].
[ص ٨٩] (^١) الوجه الثاني: الكذب على غير الله، قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠١ - ١٠٥].
يتمسك بهذه الآية الأخيرة مَن يقول إن الكذب كفر وإن كان على غير الله.
وأجيب عن [هذا بوجوه:
منها:] (^٢) أن المراد هنا الكذب على الله بقرينة ما تقدم.
ومنها: أن الحصر إضافي بقرينة ما تقدم، فإن المشركين قالوا للنبي - ﵌ -: «إنما أنت مفترٍ»، فأجابهم الله ﷿ بما ذكر، كأنه قال: «إنما يفتري
_________________
(١) وجدنا هذه الصفحة ضمن مسوَّدات المؤلف أخيرًا.
(٢) هنا خرم. ولعله قريب مما أثبت.
[ ١٩ / ٢٧٨ ]
الكذبَ هم لا النبي». فالنفي المستفاد من الحصر خاص بالنبي، ويبقى غير النبي ممن يؤمن بآيات الله مسكوتًا عنه.
ومنها: أن الحصر على إطلاقه، ولكن ليس النفي على سبيل العموم المحقق، بل المعنى أن افتراء الكذب ليس من شأن مَن يؤمن بآيات الله ولا يناسبه، ولا هو مظنته، وهذا كما لو قال لك قائل وقد وقف عليكما سائل، فأردت أن تعطيه: ما أراه فقيرًا، فقلت: إنما يسأل الفقير.
ويظهر أن هذا الأخير أقرب الأجوبة، وهو وإن كان خلاف الظاهر فالأدلة الشرعية الأخرى تبيِّنه.
وفي «الصحيحين» (^١) من حديث أبي هريرة عن النبي - ﵌ -: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». زاد مسلم بعد قوله: «ثلاث»: «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم».
وفي «الصحيحين» (^٢) من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي - ﵌ -: «أربع مَن كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق».
* * * *
_________________
(١) البخاري (٣٣) ومسلم (٥٩).
(٢) البخاري (٣٤) ومسلم (٥٨).
[ ١٩ / ٢٧٩ ]