ما رُخِّص فيه مما يقول الناس: إنه كذب
في «الصحيحين» (^٢) من طريق ابن شهاب الزهري أن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن أمه أم كلثوم بنت عقبة أخبرته أنها سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «ليس الكذّاب الذي يُصلح بين الناس، فيَنْمِي خيرًا أو يقول خيرًا».
زاد بعضهم (^٣): «قال ابن شهاب: ولم أسمع يُرخَّص في شيء مما يقول الناس إنه كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها».
ولم يسمِّ ابن شهاب من سمع منه الترخيص في هذه الثلاث.
وأدرج بعضهم هذه الزيادة في الحديث، فجعلها من كلام أم كلثوم، ولفظه: «وقالت: ولم أسمعه يُرخِّص ». هكذا في «صحيح مسلم» (^٤)، وفي «مسند أحمد» (٦/ ٤٠٣) (^٥): «وقالت: لم أسمعه ».
وأشار مسلم والنسائي إلى أن الصواب أنها من قول الزهري، كما في
_________________
(١) كتب المؤلف أولًا «الثامن»، ثم شطب عليه وكتب «العاشر».
(٢) البخاري (٢٦٩٢) ومسلم (٢٦٠٥).
(٣) في رواية مسلم.
(٤) في الرواية الثانية له.
(٥) رقم (٢٧٢٧٢).
[ ١٩ / ٢٥٣ ]
«فتح الباري» (^١)، وفيه: «وجزم موسى بن هارون وغيره بإدراجها». أي أدرجها بعضهم في الحديث، وإنما هي من قول الزهري.
وكان الزهري فقيهًا، يروي الحديث، ثم يذكر كلامًا من عنده في تفسير الحديث، أو فيما يستنبط منه، أو نحو ذلك، فربما توهم بعض السامعين أن ذلك من تمام الحديث.
وفي «فتح المغيث» (ص ١٠٣) (^٢): «وقد قال أحمد: كان وكيع يقول في الحديث: «يعني».
وربما طرح «يعني» وذكر التفسير في الحديث، وكذا كان الزهري يفسِّر الأحاديث كثيرًا، وربما أسقط أداة التفسير، فكان بعض أقرانه دائمًا يقول له: افصِلْ كلامك من كلام النبي - ﵌ -».
[ص ٦٤] وقد أخرج أبو داود (^٣) من طريق أبي الأسود النضر بن عبد الجبار عن نافع بن يزيد عن ابن الهاد أن عبد الوهاب بن أبي بكر حدثه عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أمه أم كلثوم بنت عقبة قالت: ما سمعت رسول الله - ﵌ - يرخِّص في شيء من الكذب إلا في ثلاث، كان رسول الله - ﵌ - يقول: «لا أعدُّه كاذبًا: الرجل يُصلِح بين الناس، يقول القول لا يريد به إلا الإصلاح، والرجل يقول في الحرب، والرجل يحدّث امرأته، والمرأة تحدّث زوجها».
_________________
(١) (٥/ ٣٠٠).
(٢) (١/ ٢٨٧، ٢٨٨) ط. الهند.
(٣) رقم (٤٩٢١). وقد وهم عبد الوهاب في رفعه، قال الدارقطني في «العلل» (٩/ ٣٥٩ طبعة الدباسي): هذا منكر، ولم يأتِ بالحديث المحفوظ الذي عند الناس. وانظر «الفتح» (٥/ ٣٠٠).
[ ١٩ / ٢٥٤ ]
ورجاله موثقون، إلا أن النضر بن عبد الجبار اختلط عليه حديثه عن نافع بن يزيد، فكان لا يميز بين ما هو سماعٌ له منه، وما هو إجازةٌ.
وأخرج الطبراني في «المعجم الصغير» (ص ٣٧) (^١) نحوه من طريق وهب الله بن راشد، ثنا حيوة بن شريح، ثنا يزيد بن عبد الله بن الهاد، ثنا عبد الوهاب بن أبي بكر، عن ابن شهاب، عن حميد. وقال: لم يروِه عن حيوة بن شريح إلا وهب الله بن راشد.
ووهب الله صدوق يخطئ كثيرًا.
فإما أن يكون أحد الرواة وقع له الحديث، وفيه تلك الزيادة مدرجة، فروى بالمعنى وقدّم وأخّر.
وإما أن يكون ابن شهاب سمع من حميد نفسه الأصل الذي في الصحيحين، وسمع من رجل عن حميد عن أمه الترخيص في الثلاث، فكان ربما اقتصر على ما سمعه من حميد، وربما أتبعه بما سمعه من رجل عن حميد على أنه من كلامه ــ أي الزهري ــ، أو على أنه أرسله عن أم كلثوم.
وربما روى ما سمعه من رجل عن حميد فدلّسه، فإن ابن شهاب مدلس، وفي هذه الرواية: ابن شهاب عن حميد.
فإن صح هذا الاحتمال الثاني تعين أن يكون ابن شهاب سمع تلك الزيادة من رجل عن حميد، والرجل مجهول، وابن شهاب يروي عن كل أحد.
_________________
(١) (١/ ٧٠) ط. المكتبة السلفية.
[ ١٩ / ٢٥٥ ]
وإن صح الاحتمال الأول، فقد يكون ابن شهاب إنما بلغه تلك الزيادة من طريق شهر بن حوشب.
وفي «مسند أحمد» (٦/ ٤٠٤) (^١): «ثنا حجاج، قال: ثنا ابن جريج، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة أنها [ص ٦٥] قالت: رخّص النبي - ﵌ - من الكذب في ثلاث: في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس، وقول الرجل لامرأته».
وفي هذا ــ مع عنعنة ابن شهاب ــ عنعنة ابن جريج، وهو مدلس أيضًا.
فأما حديث شهر بن حوشب، فأخرج الترمذي في كتاب البر والصلة من «جامعه» (^٢) من طريق عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله - ﵌ -: «لا يصلُح الكذب إلا في ثلاث: يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس».
ثم قال الترمذي: وهذا حديث حسن، لا نعرفه من حديث أسماء إلا من حديث ابن خثيم، وروى داود بن أبي هند هذا [ص ٦٦] الحديث عن شهر بن حوشب عن النبي - ﵌ - مرسلًا، لم يذكر فيه: عن أسماء.
أقول: وابن خثيم وثّقه جماعة، لكن وصفه جماعة بالغلط، حتى قال ابن المديني: إنه منكر الحديث. وداود بن أبي هند أثبت منه، فالراجح أن
_________________
(١) رقم (٢٧٢٧٨).
(٢) رقم (١٩٣٩). وأخرجه أيضًا أحمد (٢٧٥٩٧، ٢٧٦٠٨) والطبراني في «الكبير» (٢٤/ ١٦٦).
[ ١٩ / ٢٥٦ ]
الحديث مرسل، وشهر تكلم فيه شعبة وغيره، ووثَّقه غير واحد، والله أعلم.
وترجم البخاري في كتاب الجهاد: «باب الكذب في الحرب» (^١). وأورد فيه قصة قتل كعب بن الأشرف (^٢)،
وفيها أن محمد بن مسلمة ﵁ انتدب لقتله، فذهب وخادع كعبًا، قال له: «إن هذا ــ يعني النبي - ﵌ - ــ قد عنَّانا وسألَنا الصدقة». وذكر البخاري القصة في الباب الثاني (^٣)، وفيها في محاورة محمد بن مسلمة للنبي - ﵌ - عند الانتداب لقتل كعب: «فأْذن لي فأقول، فقال: قد فعلت».
ففي هذا أن النبي - ﵌ - أذن لمحمد بن مسلمة أن يقول، يعني أن يقول ما يحتاج إليه في التوصل إلى قتل ابن الأشرف.
وفي «مسند أحمد» (٣/ ١٣٨) (^٤): «ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، قال: سمعت ثابتًا يحدث عن أنس قال: لما افتتح رسول الله - ﵌ - خيبر قال الحجاج بن عِلاط: يا رسول الله! إن لي بمكة مالًا، وإن لي بها أهلًا، وإني أريد أن آتيهم، فأنا في حلٍّ إن نلتُ منك أو قلت شيئًا؟ فأذن له رسول الله - ﵌ - أن يقول ما شاء، فأتى امرأته حين قدم، فقال: اجمعي ما كان عندك، فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد (- ﵌ -) وأصحابه، فإنهم قد استبيحوا، أو أصيبت [ص ٦٧] أموالهم، قال: ففشا ذلك فجمعت امرأته ما كان عندها
_________________
(١) (٦/ ١٥٨) مع «الفتح».
(٢) رقم (٣٠٣١) ..
(٣) رقم (٣٠٣٢).
(٤) رقم (١٢٤٠٩).
[ ١٩ / ٢٥٧ ]