وأما إذن النبي - ﵌ - لمحمد بن مسلمة وللحجاج بن علاط أن يقولا، يعني ما يحتاجان إليه في التوصل إلى المقصود، وهو قتل محمدٍ كعبَ بن الأشرف، واستنقاذ الحجاج ماله من المشركين. فالذي كان محمد بن مسلمة يحتاج إليه هو أن يوهم أنه يميل إلى النفاق، والذي كان الحجاج يحتاج إليه هو إيهام أنه على شركه، وأن المسلمين انهزموا عن خيبر، وغنم اليهود أموالهم.
وفي استئذان الحجاج من النبي - ﵌ - قوله: «فأنا في حلٍّ إن نِلتُ منك؟»، ونيل الرجل من صاحبه أن يعيبه وينتقصه.
فهل أذن النبي - ﵌ - أن يقولا كل ما يحتاجان إليه، ولو كلمة الكفر، كأن يصرح أحدهما بتكذيب النبي - ﵌ - وسبِّه وسبِّ من أرسله؟
فإن قيل: أما التصريح بالكفر، فلا يجوز إلا لمن أُكرِه عليه.
قلت: فكما خرج هذا لعموم الأدلة المانعة من قول الكفر، فكذلك يخرج الكذب لعموم الأدلة المحرمة للكذب.
وعلى هذا، فإنما أذن النبي - ﵌ -
_________________
(١) والله أعلم في ما جرت به عادة عقلاء الرجال في مثل تلك الأحوال، من الإيهام، كقول محمد بن مسلمة: «إن هذا يعني النبي - ﵌ - قد عنَّانا، وسألنَا الصدقة» صِدْق؛ فإن النبي - ﵌ - كان قد عنّاهم في سبيل الله، وسألهم الصدقة يأخذها من أغنيائهم، فيردها على فقرائهم. غاية الأمر أن تلك الكلمة «قد عنّانا وسألنا الصدقة» تُشعر بأن قائلها قالها على سبيل الشكوى.
[ ١٩ / ٢٦٣ ]
نعم، في بقية كلام محمد بن مسلمة في رواية البخاري في المغازي (^١): «وإني قد أتيتك أستسلفك وقد أردنا أن تُسلِفنا وسقًا أو وسقين » ثم ذكر طلب كعبٍ الرهن، وجواب محمد وأصحابه، وفيه: «ولكنا نَرْهنك اللَّأمة».
أقول: كان مجيء محمد بن مسلمة ومن معه إلى ابن الأشرف مرتين، جاءوه أولًا وليس معهم سلاح؛ ليطمئن إليهم، وسألوه أن يُسلِفهم طعامًا، كأنهم قد علموا أنه سيطلب منهم الرهن، فيقررون معه أن يرهنوه سلاحًا، فإذا وافقهم على ذلك رجعوا، ثم عادوا إليه ومعهم السلاح؛ ليظن أنهم جاءوا به ليرهنوه، فلا يحذر منهم، فكان الأمر كما ظنوا، استسلفوه فطلب منهم الرهن، فقاولوه إلى أن قالوا: نرهنك اللأمة، أي السلاح، فقبل، فذهبوا وعادوا بسلاحهم، فدعَوه فخرج إليهم فقتلوه.
فقول محمد: «أتيتك أستسلفك» صدق؛ لأنه جاء أولًا ليستسلفه، أي: يطلب منه أن يُسلِفه، وإن كان مقصوده بطلب السلف ما قدمنا.
أما قوله: «وقد أردنا أن تسلفنا»، فإرادة الإنسان لفعل غيره قد تكون بمعنى الطلب، تقول: أردت من زيد أن يقوم، أي: طلبت منه أن يقوم. وقد تكون بمعنى المحبة. فإن كانت هناك بمعنى الطلب فهو صحيح؛ لأنهم طلبوا أن يسلفهم، [ص ٧٦] وإن كانت بمعنى المحبة فلا مانع من أن يكونوا يحبّون أن يُسلفهم، وإن لم يجيئوه لذلك.
_________________
(١) رقم (٤٠٣٧).
[ ١٩ / ٢٦٤ ]
وأما قوله: «نَرهَنُك اللأمة» فلا يخفى أن معناه: إن أعطيتنا التمر رهنَّاك، وقد علموا أن إعطاء التمر لن يكون.
وأما قصة الحجاج بن عِلاط الثابتة بالمسند، فقوله: «فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه» لا مانع من صحته على ظاهره، وأنه كان يريد أن يشتري من الغنائم التي غنمها المسلمون من خيبر.
وقوله: «غنائم محمد وأصحابه» إنما يفهم منه أنهم غنموها، لا أن غيرهم غنمها منهم. تقول: هذه غنيمتي، فلا يفهم من هذا
_________________
(١) حيث لا قرينة إلا أنك غَنِمتَها، ولا يكاد يصح أن تقول ذلك وأنت تريد أنها التي غنمها غيرك منك. ويوضحه: أنك إن قلت: «غنيمتي» بمعنى التي غنمها غيري مني، فالإضافة هنا لا تكون بمعنى «من»؛ لأن ذاك خاصٌّ بإضافة الشيء إلى جنسه، كقولك: «خاتمُ حديدٍ»، فإنما تكون الإضافة إذًا بمعنى «اللام»، كأنك قلت: «غنيمة لي»، وهذا لا يصح إلا على التجوز البعيد، بمعنى أنها قبل أن تغنم كانت مملوكة لي. فإذ قد ثبت أن قوله: «غنائم محمد وأصحابه» إنما يُفهِم الأموال التي غنمها محمد وأصحابه، فنقول: إنه قد كان اشتهر في تلك المدة أن النبي - ﵌ - خرج بأصحابه يقاتل أهل خيبر، فهذه قرينة أن المراد بقوله: «غنائم محمد وأصحابه» هي الأموال التي غنموها من خيبر. وكان أهل خيبر في حصونهم، فلن تُغنم أموالهم حتى يستباحوا. فقوله: «أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه» يدل على أن أهل خيبر قد استبيحوا، وأصيبت [ص ٧٧] أموالهم.
[ ١٩ / ٢٦٥ ]
فقوله بعد ذلك: «فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم» إن نُظِر إليها مع الغفلة عما قبلها، سوى أن فيما قبلها ذكر محمد وأصحابه= فلا ريب أن الظاهر الواضح منها هو أن محمدًا وأصحابه استُبيحوا وغُنِمت أموالهم، وقد كان اشتهر كما تقدم ما يدل أن الذين استباحوا وغنموا هم يهود خيبر.
وأما إن نُظِر إليها بعد فَهْم ما قبلها على الوجه، فإن السامع يتردد للتعارض، فإن قوله: «أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه» ظاهرٌ بيِّن في أن محمدًا وأصحابه استباحوا أهل خيبر، وغنموا أموالهم، وقوله: «فإنهم قد استُبيحوا » ظاهرٌ في عكس ذلك.
وكما يحتمل أن يكون أراد بقوله: «غنائم محمد وأصحابه» أي الأموال التي كانت لمحمد وأصحابه قبل أن تُغنَم، فكذلك يحتمل أن يكون أراد بقوله: «فإنهم» أهل خيبر؛ لأنهم وإن لم يجرِ لهم ذكرٌ تصريحًا، فقد دل الكلام بمعونة القرينة على ذلك.
لكن المشركين لما كانوا يتمنَّون الشرَّ لمحمدٍ وأصحابه، ويحملهم تمنِّيه على تخيله= غفل أول من سمع كلام الحجاج منهم عن معنى الجملة الأولى، فلم يستقر في ذهنه منه إلا ذكر محمدٍ وأصحابه، ففهم أنهم هم الذين استبيحوا وغُنِمت أموالهم، ثم ذهب يخبر بحسب ما فهم.
فإن قيل: فإنه يبعد في العادة أن يقتصر المشركون على ما تخبر به امرأة الحجاج، أو من سمع الخبر معها، بل الغالب أن جماعة منهم إذا سمعوا الخبر يذهبون إلى الحجاج يستثبتونه. وفي القصة في «مسند أحمد» (^١) أن
_________________
(١) رقم (١٢٤٠٩).
[ ١٩ / ٢٦٦ ]
العباس ﵁ لما بلغه الخبر أرسل غلامًا له إلى الحجاج يسأله، ثم ذهب الحجاج إلى العباس وأخبره بالواقع، وسأله أن يكتم ذلك ثلاثة أيام، فلا بد أن يكون جماعة من المشركين قد ذهبوا إلى الحجاج فسألوه.
قلت: فقد [ص ٧٨] يكون تحرَّى التورية أيضًا، فإن الكلام واسع، و«إن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب»، فإن كان ولا بدَّ، فالكلمات الصحيحة الموهمة كما مر في كلمات محمد بن مسلمة.
على أنه قد يقال: إنه بعد أن شاع عنه ما تقدم، وظهر أنه يريد أخذ ماله ويذهب به، لو سألوه فغالطهم يخشى أن يتهموه فيحبسوه، فيوشك أن يتبين لهم أنه قد أسلم، وأنه إنما قصد مخادعتهم؛ فيناله منهم شر، فرأى أنه مضطر إلى دفع ذلك، فجاز له الكذب للضرورة، كما يأتي.
هذا، وسواء قلنا بجواز الكذب الصريح في الحرب، أو بجواز ما ظاهره كذبٌ، وتأول القائل في نفسه معنًى صحيحًا، أو بجواز الكلمات الموهمة= فإن ذلك يختص بأن لا تترتب على ذلك مفسدة، ومما تترتب عليه مفسدة أن يكون الكلام على وجه تأمين المسلم للكافر الحربي، كقوله له: «لا تخف»، فإن الكافر إذا سمع ذلك فأمن لم يحل للمسلمين الاعتداء عليه حتى يُبلِغوه مأمنه وينذروه؛ لأنهم إذا اعتدَوا عليه وقالوا: ليس ذاك بأمان، شاع عن المسلمين أنهم يغدرون بمن أمَّنوه، ثم لا يكاد كافر يثق بأمان مسلم، وفي ذلك مفسدة عظيمة.
وهكذا ما كان على وجه المعاهدة، ولو من بعض أفراد المسلمين.
[ ١٩ / ٢٦٧ ]