النبي فينبهه الله ﷿ عليه فورًا فيبين ذلك للناس. وفي «الصحيحين» (^١) وغيرهما حديث ذي اليدين، وفيه قوله للنبي - ﵌ - لمّا سلّم من ركعتين في الظهر أو العصر: «أنسيتَ أم قُصِرت الصلاة؟ فقال: «لم أنسَ ولم تُقصَر»، قال: بلى، قد نسيت. وفيه سؤال النبي - ﵌ - لبقية من كان معه، وتصديقهم الرجل، وقيام النبي - ﵌ - لإتمام صلاته.
وأحاديث سهوه - ﵌ - كثيرة مروية عن جماعة من الصحابة، منهم: أبو هريرة (^٢)، وعمران بن حصين (^٣)، وعبدالله بن مسعود (^٤)، وغيرهم. وفي حديث ابن مسعود في «صحيح مسلم»: «قالوا يا رسول الله، هل زِيدَ في الصلاة؟ قال: لا! قالوا: فإنّك قد صليت خمسًا! فانفتل ثم سجد سجدتين ثم سلّم ثم قال: إنّما أنا بشرٌ مثلكم أنسى كما تنسون» (ج ٢/ ص ٨٥) (^٥).
قال الحافظ في «الفتح» (^٦) في شرح حديث ذي اليدين: «وهو حجة لمن قال: إنّ السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع، وإن كان عياض نقل الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية وخصّ الخلاف بالأفعال، لكنّهم تعقبوه. نعم اتفق من جوّز ذلك على أنّه لا يُقَرُّ عليه، بل يقع له بيان ذلك». «الفتح» (ج ٣ ص ٦٥).
_________________
(١) البخاري (١٢٢٩) ومسلم (٥٧٣) من حديث أبي هريرة.
(٢) هو الحديث السابق.
(٣) أخرجه مسلم (٥٧٤).
(٤) أخرجه البخاري (١٢٢٦) ومسلم (٥٧٢).
(٥) رقم (٥٧٢/ ٩٢).
(٦) (٣/ ١٠١) ط. السلفية الأولى.
[ ١٩ / ٢٨١ ]
[ص ٥] أقول: وثَمّ أحاديث أُخرى يؤخذ منها جواز ما ذكر، وفي قصص الأنبياء الثابتة في الكتاب والسنة ما يفيده، ولاستيفاء ذلك موضع آخر.
وأمّا الأمور الدنيوية فجواز الخطأ فيها أشهر، فمن ذلك أنّ النبي - ﵌ - لما ورد المدينة رآهم يؤبِّرون النخل، فظن أن لا حاجة لذلك؛ لأنّه كان قد رأى كثيرًا من الأشجار فرآها تؤتي ثمرها بدون تأبير، فقال لبعضهم: «ما أظن يغني ذلك شيئًا» فتركوا ذلك. فخرج شِيصًا، فمرّ بهم فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا وكذا، قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم». وفي رواية: «إنما ظننتُ ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله ﷿». وفي رواية: «إنّما أنا بشرٌ، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر».
والحديث في «صحيح مسلم» (^١) وغيره من حديث أم المؤمنين عائشة وطلحة بن عبيدالله وثابت بن قيس ورافع بن خَدِيج ﵃.
وقوله - ﵌ -: «فإني لن أكذب على الله ﷿» يريد الكذب خطأ، فأما الكذب عمدًا فقد علم براءته منه مطلقًا، ومفهوم تلك العبارة جواز الكذب خطأً في الأمور الدنيوية كما هو واضح.
وعُلم من هذه القصة أنّه لا يلزم تنبيه الله ﷿ على الخطأ في الأمور الدنيوية فورًا بخلاف الأمور الدينية كما مرّ.
وعُلِم منها أيضًا أنّ المراد بالأمور الدنيوية ما كان دنيويًّا بالذات وإن تفرّع عليه أمرٌ له مساس بالدين، فترك التأبير يلزمه نقص الثمر، وفيه شبه
_________________
(١) بأرقام (٢٣٦١، ٢٣٦٢، ٢٣٦٣).
[ ١٩ / ٢٨٢ ]
بإضاعة المال، والدين يكره ذلك.
وقد يُقال: القوم هم المقصِّرون؛ لأنّ النبي - ﵌ - لم ينههم عن التأبير، ولم يخبرهم بأن تركه لا يضر، وإنّما أخبرهم بأنّه يظن، ومعلوم عندهم أنّه - ﵌ - عاش بمكة، ولا نخل بها، وأنّه لو بنى على أمرٍ ديني لجزم، ولَما اكتفى بالإخبار بالظن، فيثبت من ذلك أنّه إنّما استند إلى أمرٍ عادي، فكان عليهم أن يقولوا له: إنّه معروف عندنا بالتجربة أنّ النّخلة إذا لم تؤبَّر يخرج ثمرها شِيصًا، قد جرَّبنا هذا مرارًا لا تحصى، ثم ينظرون ما يقول لهم.
وفي «صحيح مسلم» (^١) عن جُدامة (^٢) بنت وهب قالت: حضرت رسول الله - ﵌ - في أناس، وهو يقول: «لقد هممتُ أن أنهى عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس، فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضرُّ أولادَهم ذلك شيئًا ..». الحديث.
وفيه (^٣) عن سعد بن أبي وقاص أنّ رجلًا جاء إلى رسول الله - ﵌ - فقال: إنّي أَعزِل عن امرأتي. فقال له رسول الله - ﵌ -: لِمَ تفعل ذلك؟ فقال الرجل: أُشفِق على ولدها. فقال رسول الله - ﵌ -: «لو كان ذلك ضارًّا ضرَّ فارس والروم».
وفي «مسند أحمد» و«سنن أبي داود» (^٤) عن أسماء بنت يزيد قالت:
_________________
(١) رقم (١٤٤٢).
(٢) قال مسلم في «صحيحه» (٢/ ١٠٦٦): «أما خلف فقال: عن جذامة الأسدية، والصحيح ما قاله يحيى بالدال».
(٣) رقم (١٤٤٣) عن أسامة بن زيد أنه أخبر سعد بن أبي وقاص.
(٤) أحمد (٢٧٥٦٢) وأبو داود (٣٨٨١). وإسناده ضعيف.
[ ١٩ / ٢٨٣ ]
سمعت رسول الله ــ - ﵌ - ــ يقول: «لا تقتلوا أولادكم سرًّا، فإنّ الغيل يدرك الفارس فيُدَعْثِره عن فرسه».
[ص ٧] زعم الطحاوي (^١) أنّ الحديث الأخير منسوخ، وأنّ النّبي - ﵌ - قاله لما كان يظن أنّ الغيل يضرّ، ثمّ لما تبيّن له أنّه لا يضرّ ذكر الحديث الأول والثاني. هذا حاصل كلامه، والظاهر خلاف ما قال لوجوه:
الأول: أنّ أقواله - ﵌ - التي يبنيها على الظن يصرّح أو ينبه أنّه إنّما بناها على الظن، كما تقدّم في تأبير النخل، وأمّا في حديث ذي اليدين فاكتفى بقرينة الحال؛ لأنّ الحاضرين إن كانوا علموا أنه نسي علموا أنّه إذ قال: لم أنس، إنّما يعني في ظنه واعتقاده، وحديث أسماء جزم.
الوجه الثاني: أنّ قوله في حديث أسماء: «فإنّ الغيل يدرك الفارس فيدعثره» ظاهر في أنّه علم ذلك بالوحي، إذ لا يتأتّى علم مثل ذلك بالقياس.
الثالث: أنّ قوله في الحديث الأول: «لقد هممت» ظاهر في أنه لم يكن قد نهى، فالصواب أنّه - ﵌ - أراد أن ينهى عن الغيل لما اشتهر بين العرب من أنّه يضرّ، ثم علم أن فارس والروم يغيلون، ولم ير ضررًا ظاهرًا يعتريهم؛ فظن أنّ الغيل لا يضر، فذكر الحديث الأول، وجاءه السائل عن العزل فنبهه على النظر في فارس والروم أيضًا، ثم أطلعه الله ﷿ على أنّ للغيل ضررًا وإن كان يخفى، فصرّح بذلك في حديث أسماء.
ولحديث أسماء شواهد، منها: أنّ النّبي - ﵌ - لمّا تزوج أمّ سلمة كانت
_________________
(١) في «معاني الآثار» (٣/ ٤٧).
[ ١٩ / ٢٨٤ ]
ترضع، فلم يقربْها حتى دفعت ابنتها إلى مرضعة أخرى (^١)! واسترضع - ﵌ - لابنه إبراهيم (^٢)، وجاء عن الصحابة ما يوافق هذا، فجاء عن أمير المؤمنين علي ﵇ أنّ رجلًا أخبره أنه حلف لزوجته أن لا يقربها حتى تفطم ولدها.
فقال له: إنّ هذا ليس بإيلاء، إنّما أردت الإصلاح، أو كما قال (^٣).
ويؤخذ من هذه الأحاديث ما أخذ من حديث التأبير أنّ الخطأ في الأمور الدنيوية لا يلزم التنبيه عليه فورًا، وأنّ الحكم يتناول كل ما كان دنيويًّا بالذات، وإن نشأ عنه ما له مساس بالدين، فإنّ إلحاق الضرر بالولد لا يجوز في الدين.
[ص ٦] وإيضاح هذا البحث أنّ من الأحكام الشرعية ما يكون مبنيًّا على معنى يوجد بوجوده، ويعدم بعدمه، ويوكل الحكم بوجود المعنى أو عدمه إلى اجتهاد المكلف، فقد ينظر النبي - ﵌ - إلى صورة من الصور بصفته مكلفًا من المكلفين فيظهر له أن ذلك المعنى موجود فيها والواقع خلافه، أو أنّه مفقود والواقع خلافه، مع إعلامه بأنّ المدار على وجود المعنى، فإضاعة المال والإضرار بالأطفال منهي عنهما في الشرع، ولا يجوز أن يقع الخطأ من النبي - ﵌ - فيخبر بأنهما جائزان، ولكن النظر في كون هذا الفعل إضاعة للمال أو يلزمه ذلك، أو ضررًا بالطفل أو يلزمه ذلك= موكول إلى المكلف، فنظر - ﵌ - بصفته مكلفًا، فظن أنّ ترك التأبير ليس فيه إضاعة للمال ولا تلزمه
_________________
(١) انظر «السنن الكبرى» للنسائي (٨٩٢٦).
(٢) كما في «صحيح مسلم» (٢٣١٦).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١١٦٣٢) وسعيد بن منصور في «سننه» (١٨٧٤) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٣٨٢).
[ ١٩ / ٢٨٥ ]
إضاعة، وأن الغيل ليس فيه إضرار بالطفل، ولا يلزمه إضرار.
ومن أمثلة ذلك أنّ الحكم لأحدٍ بما لا يستحقه حرام شرعًا، ولكن العلم بأنه يستحق أو لا يستحق موكول إلى اجتهاد الحاكم. وفي «الصحيحين» (^١) عن أم سلمة أنّ رسول الله - ﵌ - قال: «إنّما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيتُ له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنّه، فإنّما أقطع له قطعة من النار».
وتناول السم حرام، ولكن [العلم] بأنّ هذا الطعام مسموم أو ليس بمسموم موكول إلى اجتهاد المكلف، فظن النّبي - ﵌ - أنّ الطعام الذي قدم له بخيبر [غير] مسموم فتناول منه، وأقرّ بعض أصحابه على الأكل منه، فلمّا علم أنّه مسموم كفّ وأمرهم بالكف، فمات بعضهم من ذلك، ولم يزل السم يُعادُّ النبيَّ - ﵌ - حتى كان سبب موته (^٢)، بأبي هو وأمي!