الْبَحْثُ الرَّابِعُ: فِي أَفْعَالِهِ ﷺ
اعْلَمْ أَنَّ أَفْعَالَهُ ﷺ تَنْقَسِمُ إِلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ:
مَا كَانَ مِنْ هَوَاجِسِ١ النَّفْسِ وَالْحَرَكَاتِ الْبَشَرِيَّةِ، كَتَصَرُّفِ الْأَعْضَاءِ وَحَرَكَاتِ الْجَسَدِ فَهَذَا الْقِسْمُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَمْرٌ بِاتِّبَاعٍ، وَلَا نَهْيٌ عَنْ مُخَالَفَةٍ وَلَيْسَ فِيهِ أُسْوَةٌ، وَلَكِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مُبَاحٌ.
الْقِسْمُ الثَّانِي:
مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَادَاتِ وَوَضَحَ فِيهِ أَمْرُ الْجِبِلَّةِ٢، كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَنَحْوِهِمَا، فَلَيْسَ فِيهِ تَأَسٍّ، وَلَا بِهِ اقْتِدَاءٌ ولكنه يدل على الإباحة عند الجمهور.
_________________
(١) ١ جمع هاجس وهو الخاطر يقال: هجس في صدري شيء، يهجس، أي: حدس ا. هـ. الصحاح مادة هجس. ٢ الجبلة: الخلقة، والجمع جبلات. ا. هـ. الصحاح مادة جبل.
[ ١ / ١٠٢ ]
وَنَقْلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَكَذَا حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ فِي "الْمَنْخُولِ"١ وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵁ يَتَتَبَّعُ مِثْلَ هَذَا وَيَقْتَدِي بِهِ، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عَنْهُ مَنْقُولٌ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ:
مَا احْتَمَلَ أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْجِبِلَّةِ إِلَى التَّشْرِيعِ بِمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِ على وجه معروف وهيئة مخصصة"* كالأجل وَالشُّرْبِ وَاللُّبْسِ وَالنَّوْمِ، فَهَذَا الْقِسْمُ دُونَ مَا ظَهَرَ فِيهِ أَمْرُ الْقُرْبَةِ، وَفَوْقَ مَا ظَهَرَ فِيهِ أَمَرُ الْجِبِلَّةِ عَلَى فَرْضِ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ إِلَّا مُجَرَّدُ الْفِعْلِ. وَأَمَّا إِذَا وَقَعَ مِنْهُ ﷺ الْإِرْشَادُ إِلَى بَعْضِ الْهَيْئَاتِ كَمَا وَرَدَ عَنْهُ الْإِرْشَادُ إِلَى هَيْئَةٍ مِنْ هَيْئَاتِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللُّبْسِ وَالنَّوْمِ فَهَذَا خَارِجٌ عَنْ هَذَا الْقِسْمِ دَاخِلٌ فِيمَا سَيَأْتِي.
وَفِي هَذَا الْقِسْمِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ ومن معه، يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ عَدَمُ التَّشْرِيعِ، أَوْ إِلَى الظَّاهِرِ، وَهُوَ التَّشْرِيعُ وَالرَّاجِحُ الثَّانِي. وَقَدْ حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ فَيَكُونُ مَنْدُوبًا.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ:
مَا عُلِمَ اخْتِصَاصُهُ بِهِ ﷺ كَالْوِصَالِ وَالزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعٍ فَهُوَ خَاصٌّ بِهِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَتَوَقَّفَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُمْنَعُ التَّأَسِّي بِهِ أَمْ لَا، وَقَالَ: لَيْسَ عِنْدَنَا نَقْلٌ لَفْظِيٌّ أَوْ مَعْنَوِيٌّ فِي أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَقْتَدُونَ بِهِ ﷺ فِي هَذَا النَّوْعِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدَنَا مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، فَهَذَا مَحَلُّ التَّوَقُّفِ.
وَفَرَّقَ الشَّيْخُ أَبُو شَامَةَ الْمَقَدِّسِيُّ٢ فِي "كِتَابِهِ" فِي الْأَفْعَالِ بَيْنَ الْمُبَاحِ وَالْوَاجِبِ. فَقَالَ: لَيْسَ لِأَحَدٍ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِيمَا هُوَ مُبَاحٌ لَهُ كَالزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ، وَيُسْتَحَبُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي الْوَاجِبِ عَلَيْهِ كَالضُّحَى وَالْوَتْرِ، وَكَذَا فِيمَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ كَأَكْلِ ذِي الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، وَطَلَاقِ مَنْ تُكْرَهُ صُحْبَتُهُ.
وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُقْتَدَى بِهِ فِيمَا صُرِّحَ لَنَا بِأَنَّهُ خَاصٌّ بِهِ كَائِنًا مَا كَانَ إِلَّا بِشَرْعٍ يَخُصُّنَا، فَإِذَا قَالَ مَثَلًا: هَذَا وَاجِبٌ عَلَيَّ مَنْدُوبٌ لَكُمْ كَانَ فِعْلُنَا لِذَلِكَ الْفِعْلِ لِكَوْنِهِ أَرْشَدَنَا إِلَى كَوْنِهِ مندوبًا لنا لا
_________________
(١) * في "أ": وجه مخصوص. ١ واسمه: "المنخول من تعلقيات الأصول" لأبي حامد الغزالي، وهو من أوائل الكتب التي صنفها، رآه أبو المعالي الجويني فقال: دفنتني وأنا حي فهلا صبرت الآن كتابك غطى على كتابي، وهو مطبوع ا. هـ. المنخول -المقدمة- سير أعلام النبلاء "١٩/ ٣٣٥". ٢ هو عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي، ثم الدمشقي، أبو شامة، العلامة المجتهد، شهاب الدين، أبو القاسم، وسمي بأبي شامة لشامة كبيرة كانت فوق حاجبه الأيسر، توفي سنة خمس وستين وستمائة هـ، من آثاره: "الروضتين في أخبار الدولتين النووية والصلاحية" "الضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري". وكتابه اسمه: "المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول ﷺ" ا. هـ. كشف الظنون "٢/ ١٦١٦" شذرات الذهب "٥/ ٣١٨"، الأعلام "٣/ ٢٩٩"، هدية العارفين "١/ ٥٢٣".
[ ١ / ١٠٣ ]
لِكَوْنِهِ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ: هَذَا مُبَاحٌ لِي أَوْ حَلَالٌ "لِي"*، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَنَا أَنْ نَقُولَ: هُوَ مُبَاحٌ لَنَا، أَوْ حَلَالٌ لَنَا، وَذَلِكَ كَالْوِصَالِ فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُوَاصِلَ.
هَذَا عَلَى فَرْضِ عَدَمِ وُرُودِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ الْوِصَالِ لَنَا، أَمَّا لَوْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذلك، كما يثبت أنه ﷺ "وَاصَلَ أَيَّامًا تَنْكِيلًا لِمَنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنِ الْوِصَالِ"١ فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَنَا فِعْلُهُ بِهَذَا الدَّلِيلِ الَّذِي وَرَدَ عَنْهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ بِاقْتِدَاءِ مَنِ اقْتَدَى بِهِ فِيهِ كَابْنِ الزُّبَيْرِ. وَأَمَّا لَوْ قَالَ: هَذَا حَرَامٌ عَلَيَّ وَحْدِي، وَلَمْ يَقِلْ حَلَالٌ لَكُمْ فَلَا بَأْسَ بِالتَّنَزُّهِ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، أَمَّا لَوْ قَالَ: حَرَامٌ عَلَيَّ حَلَالٌ لَكُمْ، فَلَا يُشْرَعُ التَّنَزُّهُ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ فَلَيْسَ فِي تَرْكِ الْحَلَالِ وَرَعٌ.
الْقِسْمُ الْخَامِسُ:
مَا أَبْهَمَهُ ﷺ لِانْتِظَارِ الْوَحْيِ، كَعَدَمِ تَعْيِينِ نَوْعِ الْحَجِّ مَثَلًا. فَقِيلَ: يُقْتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا، قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي "النِّهَايَةِ"٢ وَهَذَا عِنْدِي هَفْوَةٌ٣ ظَاهِرَةٌ. فَإِنَّ إِبْهَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَحْمُولٌ عَلَى انْتِظَارِ الْوَحْيِ قَطْعًا، فَلَا مَسَاغَ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ.
الْقِسْمُ السَّادِسُ:
مَا يَفْعَلُهُ مَعَ غَيْرِهِ عُقُوبَةً لَهُ كَالتَّصَرُّفِ فِي أَمْلَاكِ غَيْرِهِ عُقُوبَةً لَهُ، فَاخْتَلَفُوا هَلْ يُقْتَدَى بِهِ فِيهِ أَمْ لَا فَقِيلَ: يَجُوزُ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَقِيلَ هُوَ بِالْإِجْمَاعِ مَوْقُوفٌ عَلَى مَعْرِفَةِ السَّبَبِ. وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ فَإِنْ وَضَحَ لَنَا السَّبَبُ، الَّذِي فَعَلَهُ لِأَجْلِهِ كَانَ لَنَا أَنْ نَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ عِنْدَ وُجُودِ مِثْلِ ذَلِكَ السَّبَبِ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرِ السَّبَبُ لَمْ يَجُزْ. وَأَمَّا إِذَا فَعَلَهُ بَيْنَ شَخْصَيْنِ مُتَدَاعِيَيْنِ فَهُوَ جَارٍ مَجْرَى الْقَضَاءِ، فَتَعَيَّنَ عَلَيْنَا الْقَضَاءُ بِمَا قَضَى بِهِ.
الْقِسْمُ السَّابِعُ:
الْفِعْلُ الْمُجَرَّدُ عَمَّا سَبَقَ، فَإِنْ وَرَدَ بَيَانًا كقوله ﷺ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي
_________________
(١) * ما بين قوسين ساقط من "أ". ولفظه: أن أبا هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الوصال فقال رجل من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل. قال رسول الله ﷺ: "وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني"، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال. واصل بهم يومًا ثم يومًا رأوا الهلال. فقال: "لو تأخر الهلال لزدتكم كالمنكل بهم، حين أبوا أن ينتهوا". أخرجه مسلم، كتاب الصيام، باب النهي عن الوصال "١١٠٣". والبخاري، كتاب الصوم، باب التنكيل لمن أكثر الوصال "١٩٦٥". وذكره البغوي في المصابيح، كتاب الصوم "١٤١١". وفي المسند الجامع برقم "١٣٤٤٩". وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب الصوم، باب الوصال "٧٧٥٣" أحمد في مسنده "٢/ ٢٨١". ابن حبان، كتاب الصوم، باب صوم الوصال "٣٥٧٥" والبيهقي في سننه، كتاب الصوم، باب النهي عن الوصال في الصوم "٤/ ٢٨٢". ٢ هو "نهاية المطلب في دراية المذهب"، لإمام الحرمين، جمعه بمكة المكرمة وأتمه في نيسابور، قال ابن النجار: إنه مشتمل على أربعين مجلدًا ثم اختصره ولخصه. واختصره ابن أبي عصرون وسماه: "صفوة المذهب من نهاية المطلب". ا. هـ. كشف الظنون "٢/ ١٩٩٠". ٣ الهفوة: الزلة، وقد هفا يهفو هفوة. ا. هـ. الصحاح مادة هفا.
[ ١ / ١٠٤ ]
أُصَلِّي" ١ وَ"خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" ٢ وَكَالْقَطْعِ٣ مِنَ الْكُوعِ٤ بَيَانًا لِآيَةِ السَّرِقَةِ، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ دَلِيلٌ فِي حَقِّنَا، وَوَاجِبٌ عَلَيْنَا، وَإِنْ وَرَدَ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ ذَلِكَ الْمُجْمَلِ مِنْ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ، كَأَفْعَالِ الْحَجِّ وَأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ، وَصَلَاةِ الْفَرْضِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ وَرَدَ ابْتِدَاءً، فَإِنْ عُلِمَتْ صِفَتُهُ فِي حَقِّهِ مِنْ وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ أَوْ إِبَاحَةٍ فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ:
أَنَّ أُمَّتَهُ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ، إِلَّا أن يدل دليل على اخْتِصَاصُهُ "بِهِ"* وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ.
وَالثَّانِي:
أَنَّ أُمَّتَهُ مِثْلُهُ فِي الْعِبَادَاتِ دُونَ غَيْرِهَا.
وَالثَّالِثُ:
الْوَقْفُ.
وَالرَّابِعُ:
لَا يَكُونُ شَرْعًا لَنَا إِلَّا بِدَلِيلٍ.
وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ فِي حَقِّهِ، وظهر فيه قصد القربة فاختلفوا فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ
وَبِهِ قال جماعة من المعتزلة، وابن شريج، وأبو سعيد الأصطخري
_________________
(١) * ما بين قوسين ساقط من "أ". ١ أخرجه البخاري من حديث مالك بن الحويرث، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم "٦٠٠٨" ومسلم، كتاب المساجد، باب من أحق بالإمامة "٦٧٤". وأبو داود، كتاب الصلاة، باب من أحق بالإمامة "٥٨٩". وأحمد في مسنده "٣/ ٤٣٦". والنسائي، كتاب الأذان، باب اجتزاء المراء بأذان غيره "٢/ ٩". والبيهقي في سننه "٢/ ١٧". وابن حبان في صحيحه "١٦٥٨". ٢ أخرجه مسلم، من حديث جابر كتاب الحج باب استحباب رمي حجرة العقبة يوم النحر "١٢٩٧". وأبو داود، كتاب المناسك، باب التعجيل من جمع "١٩٤٤". الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في الإفاضة من عرفات "٨٨٦". النسائي، كتاب الحج، باب الأمر بالسكينة في الإفاضة من عرفة "٥/ ٢٥٨". وابن ماجه، كتاب الحج، باب الوقوف بجمع "٣٠٢٣". وأبو يعلى في مسنده "٢١٤٧". ٣ والحديث عن عبد الله بن عمر قال: قطع النبي ﷺ سارقًا من المفصل. أخرجه ابن عدي في الكامل تحت ترجمة خالد بن عبد الرحمن المخزومي "٣/ ٣٨". وابن أبي شيبة في مصنفه من طريق رجاء بن حيوه مرسلًا في كتاب الحدود، باب ما قالوا من أين تقطع "٦/ ٥٢٨". وذكره الحافظ الزيلعي في نصب الراية "٣/ ٢٧٠" وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا موقوفًا على سيدنا عمر ﵁ "٦/ ٥٢٨". ٤ الكوع والكاع: طرف الزند الذي يلي الإبهام. ا. هـ. الصحاح مادة كوع. ٥ هو الحسن بن أحمد بن يزيد، الإصطخري، أبو سعيد، الشافعي الإمام القدوة، العلامة، شيخ الإسلام، فقيه العراق، توفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة هجرية. من آثاره: "كتاب أدب القضاء". ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٥/ ٢٥٠" شذرات الذهب "٢/ ٣١٢".
[ ١ / ١٠٥ ]
وَابْنُ خَيْرَانِ١، وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ٢.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالْقُرْآنِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْمَعْقُولِ:
أَمَّا الْقُرْآنُ فَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣ وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ ٤ وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ٥ وَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِر﴾ ٦ وقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ٧.
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ: فَلِكَوْنِ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَقْتَدُونَ بِأَفْعَالِهِ. وَكَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَى رِوَايَةِ مَنْ يَرْوِي لَهُمْ شَيْئًا مِنْهَا فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا: أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْغُسْلِ مِنَ الْتِقَاءِ الْخِتَانِينِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: "فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ"٨ فَرَجَعُوا إِلَى ذَلِكَ وَأَجْمَعُوا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَلِكَوْنِ الِاحْتِيَاطِ يَقْتَضِي حَمْلَ الشَّيْءِ عَلَى أَعْظَمِ مَرَاتِبِهِ.
وَأُجِيبَ عَنِ الْآيَةِ الْأُولَى:
بِمَنْعِ تناول قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُول﴾ لِلْأَفْعَالِ بِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ:
أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ يدل على أنه أراد بقوله: ﴿وَمَا ءآتَيْتُكُم﴾ مَا أَمَرَكُمْ.
الثَّانِي:
أَنَّ الْإِتْيَانَ إِنَّمَا يَأْتِي فِي الْقَوْلِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ:
أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُتَابَعَةِ فِعْلُ مِثْلِ مَا فَعَلَهُ، فَلَا يَلْزَمُ وُجُوبُ فِعْلِ كُلِّ مَا فَعَلَهُ، مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ فِعْلَهُ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ، والمفروض خلافه.
_________________
(١) ١ هو الحسين بن صالح بن خيران، أبو علي، الإمام شيخ الشافعية، البغدادي، عرض عليه القضاء فلم يتقلده، توفي سنة عشرين وثلاثمائة هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٥/ ٥٨""، شذرات الذهب "٢/ ٢٨٧". ٢ هو الحسن بن الحسين بن أبي هريرة، أبو علي، البغدادي، القاضي، شيخ الشافعية، انتهت إليه رياسة المذهب، أخذ عنه الطبري والدراقطني، توفي سنة خمس وأربعين وثلاثمائة هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٥/ ٤٣٠"، شذرات الذهب "٢/ ٣٧٠". ٣ جزء من الآية "٧" من سورة الحشر. ٤ جزء من الآية "٣١" من سورة آل عمران. ٥ جزء من الآية "٦٣" من سورة النور. ٦ جزء من الآية "٢١" من سورة الأحزاب. ٧ جزء من الآية "٥٩" من سورة النساء. ٨ ولفظ الحديث عن عائشة "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاغتسلنا" رواه الترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء إذا التقى الختانان وجب الغسل "١٠٨" وقال حسن صحيح. وفي الباب عن أبي هريرة. وأخرجه ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان برقم "٦٠٨"، أحمد في المسند "٦/ ١٦١". المزني في مختصره، باب الماء من الماء "٤٩٥"، وقال في التلخيص لابن حجر "١/ ١٣٤" وصححه ابن حبان وابن القطان.
[ ١ / ١٠٦ ]
وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ:
أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ، عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي أَمْرِهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْمَذْكُورِينَ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ الرَّابِعَةِ:
أَنَّ التَّأَسِّيَ هُوَ الْإِتْيَانُ بِمِثْلِ فِعْلِ الْغَيْرِ فِي الصُّورَةِ وَالصِّفَةِ، حَتَّى لَوْ فَعَلَ ﷺ شَيْئًا عَلَى طَرِيقِ التَّطَوُّعِ وَفَعَلْنَاهُ عَلَى طَرِيقِ الْوُجُوبِ لَمْ نَكُنْ مُتَأَسِّينَ بِهِ فَلَا يَلْزَمُ وُجُوبُ مَا فَعَلَهُ إِلَّا إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى وُجُوبِهِ، فَلَوْ فَعَلْنَا الْفِعْلَ الَّذِي فَعَلَهُ مُجَرَّدًا عَنْ دَلِيلِ الْوُجُوبِ، مُعْتَقِدِينَ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْنَا لَكَانَ ذَلِكَ قَادِحًا فِي التَّأَسِّي.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ:
أَنَّ الطَّاعَةَ هي الإتيان بالمأمور أو المراد عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذْهَبَيْنِ، فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى وجوب أفعاله ﷺ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ دَعْوَى إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ:
فَهُمْ لَمْ يُجْمِعُوا عَلَى كُلِّ فِعْلٍ يَبْلُغُهُمْ، بَلْ أَجْمَعُوا عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِالْأَفْعَالِ عَلَى صِفَتِهَا الَّتِي هِيَ ثَابِتَةٌ لَهَا مِنْ وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ أَوْ نَحْوِهِمَا وَالْوُجُوبُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ لمذكورة مَأْخُوذٌ مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْمَعْقُولِ:
فَالِاحْتِيَاطُ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِذَا خَلَا عَنِ الْغَرَرِ قَطْعًا، وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْفِعْلُ حَرَامًا عَلَى الْأُمَّةِ وَإِذَا احْتَمَلَ لَمْ يَكُنِ الْمَصِيرُ إِلَى الْوُجُوبِ احْتِيَاطًا.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لِلنَّدْبِ
وَقَدْ حَكَاهُ الْجُوَيْنِيُّ فِي "الْبُرْهَانِ" عَنِ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ: وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَقَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ نُسِبَ إِلَى الشَّافِعِيِّ، وَذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ فِي "الْبَحْرِ"١: أَنَّهُ حَكَاهُ عَنِ الْقَفَّالِ٢ وَأَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ٣ وَاسْتَدَلُّوا بِالْقُرْآنِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْمَعْقُولِ.
أما القرآن فقوله تعالى: ﴿لقَدْ كَانَتْ لَكُم في رسول اللهْ أُسْوَةٌ حَسَنَة﴾ ٤، ولو كان التأسي
_________________
(١) ١ واسمه "البحر المحيط في الأصول" للإمام الزركشي. ا. هـ. كشف الظنون "١/ ٢٢٦". ٢ هو محمد بن علي بن إسماعيل، أبو بكر، الإمام العلامة، الفقيه، الأصولي، اللغوي عالم خراسان الشافعي، القفال، الكبير، توفي سنة ست وثلاثين وثلاثمائة هـ، من آثاره: "دلائل النبوة" "محاسن الشريعة". ا. هـ. سير أعلام البنلاء "١٦/ ٢٨٣"، شذرات الذهب "٣/ ٥١" هدية العارفين "٢/ ٤٨". ٣ هو أحمد بن بشر بن عامر، المروزي، أبو حامد، شيخ الشافعية، مفتي البصرة، توفي سنة اثنتين وستين وثلاثمائة هـ، من أثاره: "الجامع" في المذهب "شرح مختصر المزني" ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٦/ ١٦٦"، شذرات الذهب "٣/ ٤٠"، هدية العارفين "١/ ٦٦". ٤ جزء من الآية "٢١" من سورة الأحزاب.
[ ١ / ١٠٧ ]
وَاجِبًا لَقَالَ عَلَيْكُمْ، فَلَمَّا قَالَ ﴿لَكُمْ﴾ دَلَّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ وَلَمَّا "أَثْبَتَ"* الْأُسْوَةَ دَلَّ عَلَى رُجْحَانِ جَانِبِ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ، وَإِنْ يَكُنْ مُبَاحًا.
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ: فَهُوَ أَنَّا رَأَيْنَا أَهَلَ الْأَعْصَارِ مُتَطَابِقِينَ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ يُفِيدُ النَّدْبَ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُفِيدُهُ جَانِبَ الرُّجْحَانِ.
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَهُوَ أَنَّ فِعْلَهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ رَاجِحًا عَلَى الْعَدَمِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ أَوْ دُونَهُ، وَالْأَوَّلُ مُتَعَيَّنٌ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ مُسْتَلْزِمَانِ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ عَبَثًا وَهُوَ بَاطِلٌ وَإِذَا تَعَيَّنَ أَنَّهُ رَاجِحٌ عَلَى الْعَدَمِ فَالرَّاجِحُ عَلَى الْعَدَمِ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا، وَالْمُتَيَقَّنُ هُوَ النَّدْبُ.
وَأُجِيبَ عَنِ الْآيَةِ: بِأَنَّ التَّأَسِّيَ هُوَ إِيقَاعُ الْفِعْلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْقَعَهُ عَلَيْهِ فَلَوْ فَعَلَهُ وَاجِبًا أَوْ مُبَاحًا وَفَعَلْنَاهُ مَنْدُوبًا لَمَا حَصَلَ التَّأَسِّي. وَأُجِيبَ عَنِ الْإِجْمَاعِ: بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ وَجَدُوا مَعَ الْفِعْلِ قَرَائِنَ أُخَرَ.
وَأُجِيبَ عَنِ الْمَعْقُولِ: بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِعْلَ الْمُبَاحِ عَبَثٌ؛ لِأَنَّ الْعَبَثَ هُوَ الْخَالِي عَنِ الْغَرَضِ، فَإِذَا حَصَلَ فِي الْمُبَاحِ مَنْفَعَةٌ نَاجِزَةٌ لَمْ يَكُنْ عَبَثًا "بَلْ"** مِنْ حَيْثُ حُصُولِ النَّفْعِ بِهِ خَرَجَ عَنِ الْعَبَثِ، ثُمَّ حُصُولُ الْغَرَضِ فِي التأسي بالنبي ﷺ وَمُتَابَعَةِ أَفْعَالِهِ بَيِّنٌ، فَلَا يُعَدُّ مِنْ أَقْسَامِ الْعَبَثِ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ
قَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ١ وَلَمْ يَحْكِ الْجُوَيْنِيُّ قَوْلَ الْإِبَاحَةِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ قَصْدَ الْقُرْبَةِ لَا يُجَامِعُ اسْتِوَاءَ الطَّرَفَيْنِ لَكِنْ حَكَاهُ غَيْرُهُ كَمَا قَدَّمْنَا عَنِ الرَّازِيِّ وَكَذَلِكَ حَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ٢ وَالْآمِدِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ حَمْلًا عَلَى أَقَلِّ الْأَحْوَالِ. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالْإِبَاحَةِ: بِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ فِعْلَهُ ﷺ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَادِرًا عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي الْإِثْمَ لِعِصْمَتِهِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ إِمَّا مُبَاحًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ وَاجِبًا. وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ مُشْتَرِكَةٌ فِي رَفْعِ الْحَرَجِ عَنِ الْفِعْلِ. فَأَمَّا رُجْحَانُ الْفِعْلِ فلم يثبت على وجوده دليل، فثبت
_________________
(١) * في "أ": أتت. ** ما بين قوسين ساقط من "أ". ١ هو الإمام مالك بن أنس بن مالك، شيخ الإسلام، حجة الأمة، إمام دار الهجرة، ولد سنة ثلاث وتسعين هجرية، وتوفي سنة تسع وتسعين ومائة هجرية، ودفن في البقيع. ا. هـ. سير أعلام النبلاء "٨/ ٤٨"، تذكرة الحفاظ "١/ ٢٠٨"، شذرات الذهب "١/ ٢٨٩". ٢ هو منصور بن محمد بن عبد الجبار، التميمي، السمعاني المروزي، شيخ الشافعية، ولد سنة ست وعشرين وأربعمائة هـ، وتوفي سنة تسع وثمانين وأربعمائة هـ، من آثاره: كتاب "الاصطلام" وكتاب "البرهان" و"الأمالي". ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٩/ ١١٤" شذرات الذهب "٣/ ٣٩٣"، هدية العارفين "٢/ ٤٧٣".
[ ١ / ١٠٨ ]
بِهَذَا أَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي فِعْلِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَا رُجْحَانَ فِي فِعْلِهِ، فَكَانَ مُبَاحًا وَهُوَ الْمُتَيَقَّنُ، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ عِنْدَهُ وَعَدَمُ مُجَاوَزَتِهِ إِلَى مَا لَيْسَ بِمُتَيَقَّنٍ. وَيُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ كَمَا عَرَفْتَ هُوَ كَوْنُ ذَلِكَ الْفِعْلِ قَدْ ظَهَرَ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ وَظُهُورُهَا يُنَافِي مُجَرَّدَ الْإِبَاحَةِ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ لِظُهُورِهَا مَعْنًى يُعْتَدُّ بِهِ.
الْقَوْلُ الرَّابِعُ:
الْوَقْفُ، قَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": وَهُوَ قَوْلُ الصَّيْرَفِيِّ١ وَأَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ انْتَهَى. وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَحَكَاهُ أَيْضًا عَنِ الدَّقَاقِ٢، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ٣. وَحَكَاهُ فِي "اللُّمُعِ" عَنِ الصَّيْرَفِيِّ وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ. وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا مَعْنًى لِلْوَقْفِ فِي الْفِعْلِ الَّذِي قَدْ ظَهَرَ فِيهِ قُصْدُ الْقُرْبَةِ، فَإِنَّ قَصْدَ الْقُرْبَةِ يُخْرِجُهُ عَنِ الْإِبَاحَةِ إِلَى مَا فَوْقَهَا، وَالْمُتَيَقَّنُ مِمَّا هُوَ فَوْقَهَا النَّدْبُ.
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ، بَلْ كَانَ مُجَرَّدًا مُطْلَقًا فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا عَلَى أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْنَا
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ، قَالَ الْجُوَيْنِيُّ "وَهُوَ كَذَلِكَ فِي النَّقْلِ عَنْهُ، وَهُوَ أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ حَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ٤ عَنِ الْإِصْطَخْرِيِّ"* وَابْنِ خَيْرَانَ، وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالطَّبَرَيِّ، وَأَكْثَرِ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ.
_________________
(١) * ما بين قوسين ساقط من "أ". ١ هو محمد بن عبد الله الصيرفي، أبو بكر، أحد المتكلمين الفقهاء من الشافعية من أهل بغداد، توفي سنة ثلاثين وثلاثمائة هجرية، كان أعلم الناس بالأصول بعد الشافعي من آثاره: "كتاب الفرائض" البيان في دلائل الإعلام على أصول الأحكام".ا. هـ الأعلام "٦/ ٢٢٤". ٢ هو محمد بن محمد بن جعفر الدقائق. أبو بكر، الفقيه، الشافعي، الأصولي، الذي ولي القضاء بكرخ ببغداد، له كتاب في الأصول، على مذهب الإمام الشافعي توفي سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة هـ، ا. هـ تاريخ بغداد "٣/ ٢٢٩". ٣ هو طاهر بن عبد الله بن طاهر، الطبري الشافعي، شيخ الإسلام، القاضي، فقيه، ولد سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة هـ، وتوفي سنة خمسين وأربعمئة هـ، من آثاره: "شرح مختصر المزني". ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٧/ ٦٦٨" شذرات الذهب "٣/ ٢٨٤"، هدية العارفين "١/ ٤٢٩". ٤ هو عبد السيد بن محمد، أبو نصر، البغدادي، الفقيه، المعروف بابن الصباغ، ولد سنة أربعمائة هـ، وتوفي سنة سبع وسبعين وأربعمائة هـ، من آثاره: "الشامل" "الكامل" "تذكرة العالم والطريق السالم". ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٨/ ٤٦٤" هدية العارفين "١/ ٥٧٣"، شذرات الذهب "٣/ ٣٥٥".
[ ١ / ١٠٩ ]
وَقَالَ سَلِيمُ الرَّازِيُّ١: إِنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَاسْتَدَلُّوا بِنَحْوِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ مَعَ ظُهُورِ قَصْدِ الْقُرْبَةِ.
وَيُجَابُ عَنْهُمْ بِمَا أُجِيبَ بِهِ عَنْ أُولَئِكَ بَلِ الْجَوَابُ عَنْ هَؤُلَاءِ بِتِلْكَ الْأَجْوِبَةِ أَظْهَرُ لِعَدَمِ ظُهُورِ قَصْدِ الْقُرْبَةِ فِي هَذَا الْفِعْلِ، وَقَدِ اخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ٢ وَالرَّازِيُّ فِي "الْمَعَالِمِ"٣، قَالَ الْقَرَافِيُّ٤: وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ أَئِمَّةُ الْمَالِكِيَّةِ فِي كُتُبِهِمُ الْأُصُولِيَّةِ وَالْفُرُوعِيَّةِ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَنْدُوبٌ
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي"الْبَحْرِ": وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي وَابْنُ الصَّبَّاغِ عَنِ الصَّيْرَفِيِّ وَالْقَفَّالِ الْكَبِيرِ، قَالَ الرُّويَانِيُّ٥: هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ: فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: هُوَ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ ﷺ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ فَهُوَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِقُرْبَةٍ، وَأَقَلُّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ هُوَ الْمَنْدُوبُ، وَلَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةٍ عَلَى النَّدْبِ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُفِيدُ الْإِبَاحَةَ فإن الإباحة الشَّيْءِ بِمَعْنَى اسْتِوَاءِ طَرَفَيْهِ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ. فَالْقَوْلُ بِهَا إِهْمَالٌ لِلْفِعْلِ الصَّادِرِ منه ﷺ، فَهُوَ تَفْرِيطٌ كَمَا أَنَّ حَمْلَ فِعْلِهِ المجرد على الوجوب إفراط الحق بين المقصر والغالي.
_________________
(١) ١ هو سليم بن أيوب بن سليم، الإمام شيخ الإسلام، أبو الفتح، الرازي الشافعي، ولد سنة نيف وستين وثلاثمائة هـ، وتوفي غريقًا سنة سبع وأربعين وأربعمائة هـ، من آثاره: "الإشارة في الفروع" "التقريب في الفروع" وغيرها. ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٧/ ٦٤٥"، هدية العارفين "١/ ٤٠٩". ٢ هو أحمد بن محمد بن أحمد البغدادي، أبو الحسين، من كبراء الشافعية، له مصنفات في أصول الفقه وفروعه، توفي سنة تسع وخسمين وثلاثمائة هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٦/ ١٥٩"، شذرات الذهب وفروعه. توفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٦/ ١٥٩، شذرات الذهب "٣/ ٢٨"، هدية العارفين "١/ ٦٥". ٣ واسمه "المعالم في أصول الفقه" للإمام فخر الدين الرازي، وعليه شروح كثيرة، منها شرح لأبي الحسين علي بن الحسين الأرموي، وللإمام فخر الدين الرازي ثلاثة كتب باسم المعالم واحد في أصول الدين، والثاني في أصول الفقه، والثالث في الكلام. ا. هـ. كشف الظنون "٢/ ١٧٢٦". ٤ هو أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن، أبو العباس، شهاب الدين، نسبته إلى القرافة محلة الإمام الشافعي في مصر، له مصنفات جليلة، منها: "أنوار البروق في أنواء الفروق" "الخصائص" "شرح المحصول" وغيرها كثير، توفي سنة أربع وثمانين وستمائة هـ، ا. هـ. الأعلام "١/ ٩٤"، معجم المؤلفين "١/ ١٥٨"، كشف الظنون "١/ ١٨٦". ٥ هو عبد الواحد بن إسماعيل الروياني، أبو المحاسن، الطبري الشافعي القاضي العلامة، فخر الإسلام، شيخ الشافعية، ولد سنة خمس عشرة وأربعمائة هـ، وتوفي قتيلًا سنة إحدى وخمسمائة هـ، من آثاره: "بحر المذهب" "حلية المؤمن في الفروع". ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٩/ ٢٦٠"، هدية العارفين "١/ ٦٣٤"، إيضاح المكنون "٢/ ١٣٠".
[ ١ / ١١٠ ]
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مُبَاحٌ
نَقَلَهُ الدَّبُوسِيُّ فِي "التَّقْوِيمِ"١، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ، وَقَالَ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ، وَاخْتَارَهُ الْجُوَيْنِيُّ فِي "الْبُرْهَانِ" وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ٢ قَرِيبًا.
الْقَوْلُ الرَّابِعُ: الْوَقْفُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ
نَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ أَكْثَرِ الْأَشْعَرِيَّةِ، قَالَ وَاخْتَارَهُ الدَّقَّاقُ وَأَبُو الْقَاسِمِ، بْنُ كَجِّ٣ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ ابْنُ فُورَكَ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ، وَكَذَا صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي "شَرْحِ الْكِفَايَةِ"٤، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُحْتَمِلًا لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ خَصَائِصِهِ كَانَ التَّوَقُّفُ مُتَعَيِّنًا، وَيُجَابُ عنهم بمنع احتماله للإباحة لما قدمنا٥، منع احْتِمَالِ الْخُصُوصِيَّةِ؛ لِأَنَّ أَفْعَالَهُ كُلَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّشْرِيعِ، مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَحِينَئِذٍ فَلَا وَجْهَ لِلتَّوَقُّفِ وَالْعَجَبُ مِنِ اخْتِيَارِ مثل الغزالي والرازي له.
_________________
(١) ١ واسمه "تقويم الأدلة في الأصول" للقاضي الإمام أبي زيد، عبد الله "وقيل: عبيد الله" بن عمر الدبوسي، مجلد واحد، أوله الحمد لله رب العالمين وشرحه فخر الإسلام البزدوي. ا. هـ. كشف الظنون "١/ ٤٦٧". ٢ انظر صفحة: "١٠٩". ٣ هو يوسف بن أحمد بن كج الدينوري، أبو القاسم، القاضي العلامة، شيخ الشافعية، توفي سنة خمس وأربع مائة هـ، من آثاره: "التجريد". ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٧/ ١٨٤"، هدية العارفين "٢/ ٥٥٠". شذرات الذهب "٣/ ١٧٧". ٤ لم أجد أحدًا ممن ترجم له، ينسب إليه شرح الكفاية، ولكن له شرح على مختصر المزني في فروع الشافعية، وله مصنفات في الأصول والجدل والخلاف أيضًا، ا. هـ. انظر صفحة "١١٠" حيث تقدمت ترجمته هناك. ٥ انظر صفحة: "١٠٩".
[ ١ / ١١١ ]