البحث السابع: حكم إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ
إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ بِلَا خِلَافٍ، وَنَقَلَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ قَوْمٍ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى اخْتِصَاصِ حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ دَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ عَنْهُ: الْإِجْمَاعُ أَنْ يَتَّبِعَ مَا جَاءَ عن النبي ﷺ وَعَنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ فِي التَّابِعِينَ مُخَيَّرٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا أَجْمَعَتِ الصَّحَابَةُ عَلَى شَيْءٍ سَلَّمْنَا، وَإِذَا أَجْمَعَ التَّابِعُونَ زَاحَمْنَاهُمْ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ فِي "أَدَبِ الْجَدَلِ"١: النَّقْلُ عن داود بما إذا أجمعوا على نَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، فَأَمَّا إِذَا أَجْمَعُوا عَلَى حُكْمٍ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ٢ ذَهَبَ: دَاوُدُ وَأَصْحَابُنَا إِلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ إِنَّمَا هُوَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فَقَطْ وَهُوَ قَوْلٌ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ تَوْقِيفٍ وَالصَّحَابَةُ هُمُ الَّذِينَ شهدوا التوقيف.
_________________
(١) ١ ذكر في ترجمة أبي الحسن السهيلي السابقة، ص٢١٢. ٢ لعله عبد الله بن وهب، الحافظ الكبير، أبو محمد الدينوري، روى عن أبي سعيد الأشج وطبقته، طوف الأقاليم، قال النيسابوري، كان أبو زرعة يعجز عن مذاكرته توفي سنة ثمانٍ وثلاثمائة هـ، ا. هـ. سير أعلام البنلاء "١٤/ ٤٠٠"، شذرات الذهب "٢/ ٢٥٢"، تذكرة الحفاظ "٢/ ٧٥٤".
[ ١ / ٢١٧ ]
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي إِجْمَاعِ مَنْ بَعْدَهُمْ؟ قُلْنَا: هَذَا لَا يَجُوزُ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أن النبي ﷺ أَنْبَأَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ" ١.
وَالثَّانِي: أَنَّ سِعَةَ أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَكَثْرَةَ الْعَدَدِ لَا تُمَكِّنُ مِنْ ضَبْطِ أَقْوَالِهِمْ، وَمَنِ ادَّعَى هَذَا لا يخفى على أحد كذبه.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه في الصفحة "٢٠٧".
[ ١ / ٢١٨ ]