البحث السادس عشر: في وُجُودِ دَلِيلٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ لَمْ يَعْلَمْهُ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ
هَلْ يُمْكِنُ وُجُودُ دَلِيلٍ لَا معارض له اشتراك أَهْلُ الْإِجْمَاعِ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ؟
قِيلَ: بِالْجَوَازِ إِنْ كَانَ عَمَلُ الْأُمَّةِ مُوَافِقًا لَهُ، وَعَدَمِهِ إِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ، وَاخْتَارَ هَذَا الْآمِدِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ، وَقِيلَ: بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا. قَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": يَجُوزُ اشْتِرَاكُ الْأُمَّةِ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بما لم يكفلوا بِهِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ
[ ١ / ٢٣٠ ]
إِذَا كَانَ صَوَابًا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ إِجْمَاعِهِمْ عَلَيْهِ مَحْذُورٌ.
وَلِلْمُخَالِفِ أَنْ يَقُولَ: لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ لَكَانَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِهِ سَبِيلًا لَهُمْ، وَكَانَ يَجِبُ اتِّبَاعُهُمْ فيه حتى يحرم تفصيل الْعِلْمِ بِهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي "الْبَحْرِ": هُمَا مَسْأَلَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: هَلْ يَجُوزُ اشْتِرَاكُ الْأُمَّةِ فِي الْجَهْلِ بِمَا لَمْ يُكَلَّفُوا بِهِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ.
الثَّانِيَةُ: هَلْ يُمْكِنُ وُجُودُ خَبَرٍ أَوْ دَلِيلٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ وَتَشْتَرِكُ الْأُمَّةُ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ.
وَأَمَّا "إِذَا ذَكَرَ"* وَاحِدٌ مِنَ الْمُجْمِعِينَ خَبَرًا عَنِ الرَّسُولِ ﷺ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ الْحُكْمِ الَّذِي انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ.
فَقَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ فِي "الْوَجِيزِ": إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ "وَالْإِصْرَارُ عَلَى الإجماع، وقال قوم من الأصوليين: بل يجب عليه الرجوع إلى موجب الحديث"**، وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ ذَلِكَ يَسْتَحِيلُ وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنَ الْمَذَاهِبِ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ عَصَمَ الْأُمَّةَ عَنْ نِسْيَانِ حَدِيثٍ فِي الْحَادِثَةِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ خَرَجَ الْإِجْمَاعُ عَنْ أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا، وَبَنَاهُ فِي "الْأَوْسَطِ"١ عَلَى الْخِلَافِ فِي انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، فَمَنْ قَالَ: لَيْسَ بِشَرْطٍ مَنَعَ الرُّجُوعَ، وَمَنِ اشْتَرَطَ جَوَّزَهُ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يَتَطَرَّقُ إِلَى الْحَدِيثِ احْتِمَالَاتٌ مِنَ النَّسْخِ، وَالتَّخْصِيصِ مَا لا يتطرق إلى الإجماع
_________________
(١) * في "أ": ذكر. ** ما بين قوسين ساقط من "أ". ١ واسمه "الأوسط في أصول الفقه"، للشهاب أحمد بن علي المعروف بابن برهان الشافعي، المتوفى سنة ثماني عشرة وخمسمائة. ا. هـ. كشف الظنون "١/ ٢٠١".
[ ١ / ٢٣١ ]