اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ أَوْ مَعَانِيهِ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ١، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ أَحْمَدَ٢، وَالْقَاضِي جَعْفَرٌ٣، وَالشَّيْخُ "الْحَسَنُ"*٤، وَبِهِ قال الجمهور، وكثير من أئمة أهل
_________________
(١) * في "أ": الشيخ حسن. ١ هو محمد بن إدريس، أبو عبد الله، صاحب المذهب المعروف، ولد سنة خمسين ومائة هجرية، وتوفي سنة أربع ومائتين هـ، من آثاره كتاب "الأم". ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٠/ ٥"، تذكرة الحفاظ "١/ ٣٦١". ٢ هو أبو الحسن، الهمداني، الأسداباذي، المعتزلي، القاضي عبد الجبار، صاحب التصانيف، وكان شافعي المذهب، توفي سنة خمس عشرة وأربعمائة هـ، من آثاره: "المغني في أبواب التوحيد والعدل" و"دلائل النبوة". ا. هـ. شذرات الذهب "٣/ ٢٠٣"، هدية العارفين "١/ ٤٩٨"، إيضاح المكنون "١/ ٣٢٩"، سير أعلام النبلاء "١٧/ ٢٤٤". ٣ هو جعفر بن علي بن تاج الدين الظفيري، فقيه، زيدي، نشأ بوطنه حصن الظفير، تولى القضاء، توفي بالظفر سنة تسع ومائة وألف هـ، ومن آثاره: "هداية الأكياس إلى عرفان أسرار لب الأساس" مجلد واحد ضخم. ا. هـ. معجم المؤلفين "٣/ ١٤١"، الأعلام "٢/ ١٢٦". ٤ هو الحسن بن إسماعيل بن الحسين بن محمد المغربي، الصنعاني حفيد شارح بلوغ المرام، وأحد شيوخ الشوكاني، المتوفى سنة ثمان ومائتين وألف. ا. هـ. البدر الطالع "١/ ١٩٦".
[ ١ / ٥٩ ]
الْبَيْتِ إِلَى جَوَازِهِ.
وَذَهَبَ أَبُو هَاشِمٍ، "وَأَبُو الحسن"*١ الْبَصْرِيُّ، وَالْكَرْخِيُّ٢، إِلَى امْتِنَاعِهِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا: فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْهُ لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إِلَى الْقَصْدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْهُ لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إِلَى الْوَضْعِ.
وَالْكَلَامُ يَنْبَنِي عَلَى بَحْثٍ هُوَ: هَلْ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ اللَّفْظِ لِمَعْنَيَيْنِ، أَوْ معانٍ عَلَى الْبَدَلِ، أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لَهُمَا أَوْ لَهَا عَلَى الْجَمْعِ، أَمْ لَا؟
فَقَالَ الْمَانِعُونَ: إِنَّ الْمَعْلُومَ بِالضَّرُورَةِ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَ الْمَجْمُوعِ، وَبَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَفْرَادِ؛ لِأَنَّ الْوَضْعَ تَخْصِيصُ لَفَظٍ بِمَعْنًى، فَكُلُّ وَضْعٍ يُوجِبُ أَنْ لَا يُرَادَ بِاللَّفْظِ إِلَّا هَذَا "الْمَوْضُوعَ"** لَهُ، وَيُوجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَعْنَى تَمَامَ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ، فَاعْتِبَارُ كُلٍّ مِنَ الْوَضْعَيْنِ يُنَافِي اعْتِبَارَ الْآخَرِ، فَاسْتِعْمَالُهُ لِلْمَجْمُوعِ اسْتِعْمَالٌ لَهُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ وَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ وُضِعَ لِلْمَجْمُوعِ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُسْتَعْمَلَ لِإِفَادَةِ الْمَجْمُوعِ وَحْدَهُ، مَعَ إِفَادَةِ أَفْرَادِهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ مُفِيدًا إِلَّا لِأَحَدِ مَفْهُومَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاضِعَ وَضَعَهُ بِإِزَاءِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ عَلَى الْبَدَلِ، وَأَحَدُهَا ذَلِكَ الْمَجْمُوعُ، فَاسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيهِ وَحْدَهُ لَا يَكُونُ اسْتِعْمَالًا لَهُ فِي كُلِّ مَفْهُومَاتِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي إِفَادَةِ الْمَجْمُوعِ وَالْأَفْرَادِ عَلَى الْبَدَلِ، فَهُوَ مُحَالٌ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَاحْتَجَّ الْمُجَوِّزُونَ بِأُمُورٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبي﴾ ٣ كلا المعنيين، وهذا هو الجمع بين معنى المشترك.
_________________
(١) * في "أ": أبو الحسن وهو تحريف. ** في "أ": الموضع والصواب الموضوع. ١ هو محمد بن علي بن الطيب، أبو الحسن البصري، شيخ المعتزلة، صاحب التصانيف الكلامية، كان فصيحًا بليغًا، يتوقد ذكاء، توفي ببغداد في ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وأربعمائة هجرية، من آثاره: كتاب "تصفح الأدلة" "المعتمد". ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٧/ ٥٨٧"، هدية العارفين "٢/ ٩٦". ٢ هو عبيد الله بن الحسين، انتهت إليه رياسة الحنفية بالعراق ولد سنة ستين ومائتين، وتوفي سنة أربعين وثلاثمائة هجرية، من آثاره: "شرح الجامع الكبير" "المختصر" "شرح الجامع الصغير". ا. هـ. الفوائد جزء من الآية "٥٦" من سورة الاحزاب.
[ ١ / ٦٠ ]
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا اسْتِعْمَالُ الِاسْمِ الْمُشْتَرَكِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَعْنًى وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ لِإِيجَابِ اقْتِدَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَلَا بُدَّ مِنِ اتِّحَادِ مَعْنَى الصَّلَاةِ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ النَّبِيَّ، وَالْمَلَائِكَةَ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْعُوا لَهُ، لَكَانَ هَذَا الْكَلَامُ فِي غَايَةِ الرَّكَاكَةِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنِ اتِّحَادِ مَعْنَى الصَّلَاةِ، سَوَاءٌ كَانَ مَعْنًى حَقِيقِيًّا، أَوْ مَعْنًى مَجَازِيًّا، أَمَّا الْحَقِيقِيُّ: فَهُوَ الدُّعَاءُ، فَالْمُرَادُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَدْعُو ذَاتَهُ بِإِيصَالِ الخير إلى النبي -ﷺ- ثُمَّ مِنْ لَوَازِمِ هَذَا الدُّعَاءِ الرَّحْمَةُ، فَالَّذِي قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ، قَدْ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى، لَا أَنَّ الصَّلَاةَ وُضِعَتْ لِلرَّحْمَةِ.
وَأَمَّا الْمَجَازِيُّ: فَكَإِرَادَةِ الْخَيْرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِمَّا يَلِيقُ بِهَذَا الْمَقَامِ، ثُمَّ إِنِ اخْتَلَفَ ذَلِكَ لِأَجْلِ اخْتِلَافِ الْمَوْصُوفِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ الِاشْتِرَاكِ، بِحَسَبِ الْوَضْعِ.
وَاحْتَجُّوا -أَيْضًا- بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ الْآيَةَ١، فَإِنَّهُ نَسَبَ السُّجُودَ إِلَى الْعُقَلَاءِ وَغَيْرِهِمْ، كَالشَّجَرِ، وَالدَّوَابِّ، فَمَا نُسِبَ إِلَى غَيْرِ الْعُقَلَاءِ يُرَادُ بِهِ الِانْقِيَادُ، لَا وَضْعَ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ، وَمَا نُسِبَ إِلَى الْعُقَلَاءِ يُرَادُ بِهِ وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ، إِذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الِانْقِيَادَ لَمَا قَالَ ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاس﴾ ٢؛ لَأَنَّ الِانْقِيَادَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالسُّجُودِ الِانْقِيَادُ فِي الْجَمِيعِ، وَمَا ذَكَرُوا مِنْ أَنَّ الِانْقِيَادَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الناس باطل؛ لأن الكفار لم يَنْقَادُوا.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالسُّجُودِ وَضَعُ الرَّأْسِ عَلَى الْأَرْضِ فِي الْجَمِيعِ، فَلَا يَحْكُمُ بِاسْتِحَالَتِهِ مِنَ الْجَمَادَاتِ، إِلَّا مَنْ يَحْكُمُ بِاسْتِحَالَةِ التَّسْبِيحِ مِنَ الْجَمَادَاتِ، وَبِاسْتِحَالَةِ الشَّهَادَةِ مِنَ الْجَوَارِحِ وَالْأَعْضَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
إِذَا عَرَفَتْ هَذَا لَاحَ لَكَ عدم جواز الجمع بين معنى الْمُشْتَرَكِ، أَوْ مَعَانِيهِ، وَلَمْ يَأْتِ مَنْ جَوْزَهُ بِحُجَّةٍ مَقْبُولَةٍ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ مَجَازًا، لَا حَقِيقَةً، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ،
وَقِيلَ: يَجُوزُ إِرَادَةُ الْجَمْعِ لَكِنْ بِمُجَرَّدِ الْقَصْدِ، لَا مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ، وَقَدْ نُسِبَ هَذَا إِلَى الْغَزَالِيِّ وَالرَّازِيِّ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي النَّفْيِ لَا فِي الْإِثْبَاتِ، فَيُقَالُ مَثَلًا: ما رأيت عينًا، ومراده العين
_________________
(١) ١ جزء من الآية "١٨" من سورة الحج. ٢ جزء من الآية "١٨" من سورة الحج.
[ ١ / ٦١ ]
الْجَارِحَةُ، وَعَيْنُ الذَّهَبِ، وَعَيْنُ الشَّمْسِ، وَعَيْنُ الْمَاءِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: عِنْدِي عَيْنٌ، وَتُرَادُ هذه المعاني بهذه اللَّفْظِ.
وَقِيلَ: بِإِرَادَةِ الْجَمِيعِ فِي الْجَمْعِ، فَيُقَالُ مَثَلًا: عِنْدِي عُيُونٌ، وَيُرَادُ تِلْكَ الْمَعَانِي، وَكَذَا الْمُثَنَّى، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْجَمْعِ، فَيُقَالُ مَثَلًا: عِنْدِي جَوْنَانِ، وَيُرَادُ أَبْيَضُ وَأَسْوَدُ، وَلَا يَصِحُّ إِرَادَةُ الْمَعْنَيَيْنِ، أَوِ الْمَعَانِي بِلَفْظِ الْمُفْرَدِ، وَهَذَا الْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَعَانِي الَّتِي يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَهَا، وَفِي الْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، لا في المعاني المتناقضة.
[ ١ / ٦٢ ]