فَلَهَا مَرَاتِبُ بَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ
الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى:
أَنْ يَسْمَعَ الْحَدِيثَ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ، وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ هِيَ الْغَايَةُ فِي التَّحَمُّلِ لِأَنَّهَا طَرِيقَةُ رسول الله ﷺ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ وَهُمْ يَسْمَعُونَ وَهِيَ أَبْعَدُ مِنَ الْخَطَأِ وَالسَّهْوِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّ قِرَاءَةَ التِّلْمِيذِ عَلَى الشَّيْخِ أَقْوَى مِنْ قِرَاءَةِ الشَّيْخِ عَلَى التِّلْمِيذِ لِأَنَّهُ إِذَا قَرَأَ التِّلْمِيذُ عَلَى الشَّيْخِ كَانْتِ الْمُحَافَظَةُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ وَإِذَا قَرَأَ الشَّيْخُ كَانَتِ الْمُحَافَظَةُ مِنْهُ وَحْدَهُ، وَهَذَا مَمْنُوعٌ فَالْمُحَافَظَةُ فِي الطريقين كائنة من الجهتين، قال الماوردي والرويان: ي وَيَصِحُّ تَحَمُّلُ التِّلْمِيذِ عَنِ الشَّيْخِ سَوَاءٌ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ عَنْ قَصْدٍ أَوِ اتِّفَاقًا أَوْ مُذَاكَرَةً وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ أَعْمَى "يُمْلِي مِنْ"* حِفْظِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَصَمَّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التِّلْمِيذُ أَعْمَى وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أصمَّ، وَكَمَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ مِنْ حِفْظِ الشَّيْخِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ كِتَابِهِ إِذَا كَانَ وَاثِقًا بِهِ ذَاكِرًا لِوَقْتِ سَمَاعِهِ لَهُ.
وَرُوِيَ عن أبي حنيفة ﵀ أنه لَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ مِنَ الْكِتَابِ وَلَا وَجْهَ لذلك فإن يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ فَائِدَةِ الْكِتَابِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ مِنَ الْكِتَابِ الصَّحِيحِ الْمَسْمُوعِ أَثْبَتَ مِنَ الرِّوَايَةِ مِنَ الْحِفْظِ لِأَنَّ الْحِفْظَ مَظَنَّةُ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ وَالِاشْتِبَاهِ.
وَلِلتِّلْمِيذِ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ الَّتِي هِيَ أَقْوَى الْمَرَاتِبِ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي وَأَخْبَرَنِي وَأَسْمَعَنِي وَحَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَسْمَعَنَا، إِذَا كَانَ الشَّيْخُ قَاصِدًا لِإِسْمَاعِهِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ جَمَاعَةٍ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَيَقُولُ: سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ.
المرتبة الثانية:
أَنْ يَقْرَأَ التِّلْمِيذُ وَالشَّيْخُ يَسْمَعُ وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ يسمعون هَذَا عَرْضًا وَذَلِكَ لِأَنَّ التِّلْمِيذَ بِقِرَاءَتِهِ عَلَى الشَّيْخِ. كَأَنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْهِ مَا يَقْرَؤُهُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ هَذِهِ طَرِيقَةٌ صَحِيحَةٌ وَرِوَايَةٌ مَعْمُولٌ بِهَا، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ.
قَالَ الْجُوَيْنِيُّ: وَشَرْطُ صِحَّةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ عَالِمًا بِمَا يَقْرَؤُهُ التِّلْمِيذُ عَلَيْهِ وَلَوْ فُرِضَ مِنْهُ تَصْحِيفٌ أَوْ تَحْرِيفٌ لَرَدَّهُ عَلَيْهِ. وَإِلَّا لَمْ "تَصِحَّ"** الرِّوَايَةُ عَنْهُ.
قَالَ: وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ شَيْخٍ يَسْمَعُ أَصْوَاتًا وَأَجْرَاسًا وَلَا يَأْمَنُ تَدْلِيسًا وَإِلْبَاسًا وَبَيْنَ شَيْخٍ لَا يَسْمَعُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ
_________________
(١) * في "أ": على ما حفظه. ** في "أ": لم يصح.
[ ١ / ١٦٦ ]
قَالَ أَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيُّ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الإمام لم أره في كلام القاضي، فإنه صَرَّحَ بِأَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ يَصِحُّ مِنْهُ التَّحَمُّلُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ. وَتَصِحُّ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ عَمَّنْ لَمْ يَعْلَمُ مَعْنَاهُ، وَهَذَا فِيمَا أَظُنُّ إِجْمَاعٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَكَيْفَ لَا وَفِي الْحَدِيثِ: "رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ" ١. وَلَوْ شَرَطْنَا عِلْمَ الرَّاوِي بِمَعْنَى الْحَدِيثِ لَشَرَطْنَا معرفة جميع وجوهه وينسد بذلك باب "الحديث"*.
قَالَ: وَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ بِجَوَازِ الْإِجَازَةِ وَالتَّعْوِيلِ عَلَيْهَا، وَقَدْ يَكُونُ الْمُجِيزُ غَيْرَ مُحِيطٍ بِجُمْلَةِ مَا فِي الْكِتَابِ الْمُجَازِ، وَقَدْ وَافَقَ الْجُوَيْنِيُّ عَلَى ذَلِكَ الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْكِيَا الطَّبَرِيُّ وَالْمَازِرِيُّ.
وَيَقُولُ التِّلْمِيذُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ: قَرَأْتُ عَلَى فُلَانٍ، أَوْ أَخْبَرَنِي أَوْ حَدَّثَنِي قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَمَّا إِطْلَاقُ أَخْبَرَنِي أَوْ حَدَّثَنِي بِدُونِ "تقييد"** تقييده بِقَوْلِهِ: قِرَاءَةً عَلَيْهِ فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ الْمُبَارَكِ٢ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى٣، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالنَّسَائِيُّ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الشَّيْخَ هُوَ الَّذِي قَرَأَ بِنَفْسِهِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ٤ وَمَالِكٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ٥ وَيَحْيَى بن سعيد القطان،
_________________
(١) * في "أ": الحديث. ** في "أ": تقييده. ١ أخرجه أبو داود عن زيد بن ثابت، كتاب العلم، باب فضل نشر العلم "٣٦٦٠". الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع "٢٦٥٦". وأحمد في مسنده "٥/ ١٨٣". والدارمي في سننه "١/ ١٧٥". وابن حبان في صحيحه "٦٧". والطبراني "٤٨٩٠". وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "١/ ٣٩". ٢ هو عبد الله بن المبارك، أبو عبد الرحمن، المروزي، الحنظلي، تليمذ الإمام أبي حنيفة، وعد جماعة من أصحابه خصاله فقالوا: العلم والفقه والأدب واللغة والنحو والزهد والشعر والفصاحة والورع والإنصاف وقيام الليل والعبادة والشدة في رأيه وقلة الكلام فيما لا يعنيه وقلة الخلاف على أصحابه، توفي سنة إحدى وثمانين ومائة هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "٨/ ٣٧٨"، الجواهر المضية "٢/ ٣٢٤"، الفوائد البهية "١٠٣". ٣ هو ابن بكير "أبو بكر" بن عبد الرحمن، شيخ الإسلام، عالم خراسان، أبو زكريا التميمي الحافظ، ولد سنة اثنتين وأربعين ومائة هـ، وأدرك صغار التابعين وروى عن بعضهم، وتوفي سنة ست وعشرين ومئتين هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٠/ ٥١٢"، تهذيب التهذيب "١١/ ٣٩٦"، تذكرة الحافظ "٢ / ٤١٥" تدريب الراوي: "٢/ ١٦". ٤ هو محمد بن مسلم بن عبيد الله، الزهري، المدني، نزيل الشام، المشهور بابن شهاب، ولد سنة ثمانٍ وخمسين هـ، وهو أول من دون الحديث، وأحد أكابر الحفاظ الفقهاء، توفي سنة أربع وعشرين ومائة هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "٥/ ٣٢٦"، شذرات الذهب "١/ ١٦٢"، الأعلام "٧/ ٩٧". ٥ هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون، الإمام الكبير، حافظ العصر شيخ الإسلام، ولد بالكوفة سنة سبع ومائة هـ، قال عنه يحيى بن آدم: ما رأيت أحدًا يختبر الحديث إلا ويخطئ إلا سفيان بن عيينة، توفي سنة ثمانٍ وتسعين ومائة هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "٨/ ٤٥٤". تذكرة الحفاظ "١/ ٢٦٢"، تهذيب التهذيب "٤/ ١١٧".
[ ١ / ١٦٧ ]
وَالْبُخَارِيُّ إِنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى الشَّيْخِ كَالْقِرَاءَةِ مِنْهُ وَنَقَلَهُ الصَّيْرَفِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَمُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ صَاحِبِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنْ يَقُولَ أَخْبَرَنَا وَلَا يَجُوزَ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنَا.
قَالَ الرَّبِيعُ١: قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا قَرَأْتَ عَلَى الْعَالِمِ فَقُلْ: أَخْبَرَنَا. وَإِذَا قَرَأَ عَلَيْكَ فَقُلْ: حَدَّثَنَا.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهُوَ بِاصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ فِي الْآخَرِ وَالِاحْتِجَاجُ لَهُ لَيْسَ بِأَمْرٍ لُغَوِيٍّ وَإِنَّمَا هُوَ اصْطِلَاحٌ مِنْهُمْ أَرَادُوا بِهِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ.
قَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: بَيْنَ حَدَّثَنِي وَأَخْبَرَنِي فَرْقٌ لِأَنَّ أَخْبَرَنِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْكِتَابَةِ إِلَيْهِ وَحَدَّثَنِي لَا يَحْتَمِلُ "غَيْرَ"* السَّمَاعِ.
الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ:
الْكِتَابَةُ الْمُقْتَرِنَةُ بِالْإِجَازَةِ نَحْوَ أَنْ يَكْتُبَ الشَّيْخُ إِلَى التِّلْمِيذِ سَمِعْتُ مِنْ فُلَانٍ كَذَا وَقَدْ أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَهُ عَنِّي وَكَانَ خَطُّ الشَّيْخِ مَعْرُوفًا، فَإِنْ تَجَرَّدَتِ الْكِتَابَةُ عَنِ الْإِجَازَةِ فَقَدْ أَجَازَ الرِّوَايَةَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ حَتَّى قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إِنَّهَا أَقْوَى مِنْ مُجَرَّدِ الْإِجَازَةِ. وَقَالَ الْكِيَا الطَّبَرِيُّ: إِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ السَّمَاعِ قَالَ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبْلِغُ بِالْكِتَابَةِ "لِلْغَائِبِينَ"** كَمَا يُبْلِغُ بِالْخِطَابِ للحاضرين. وكان ﷺ يَكْتُبُ إِلَى عُمَّالِهِ تَارَةً وَيُرْسِلُ أُخْرَى. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمَدْخَلِ"٢: الْآثَارُ فِي هَذَا كثيرة مِنَ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَفِيهَا دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ وَاسِعٌ عِنْدَهُمْ وَكَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ "إِلَى عُمَّالِهِ بِالْأَحْكَامِ"*** شَاهِدَةً لِقَوْلِهِ، قَالَ: إِلَّا أَنَّ مَا سَمِعَهُ مِنَ الشَّيْخِ فَوَعَاهُ "أَوْ قُرِئَ"**** عَلَيْهِ وَأَقَرَّ بِهِ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مما كتب به إليه،
_________________
(١) * في "أ": إلا. ** في "أ": إلى الغائبين. *** ما بين قوسين ساقط من "أ". **** في "أ": وقرأ. ١ هو الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل، الإمام المحدث، الفقيه الكبير، صاحب الإمام الشافعي، وناقل علمه، ولد سنة أربع وسبعين ومائة هـ، توفي سنة سبعين ومائتين هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٢/ ٥٨٧"، تذكرة الحفاظ "٢/ ٥٨٦"، تهذيب التهذيب "٣/ ٢٤٥". ٢ هو أحمد بن الحسين بن علي، الخسروجردي، الخراساني، الحافظ العلامة، الثبت، الفقيه، شيخ الإسلام، أبو بكر، ولد سنة أربع وثمانين وثلاثمائة هـ، من تآليفه: "السنن" في عشر مجلدات، وكتاب "المدخل"، توفي سنة ثمانٍ وخمسين وأربعمائة هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٨/ ١٦٣"، كشف الظنون "٢/ ١٠٠٧-١٦٤٤".
[ ١ / ١٦٨ ]
لِمَا يُخَافُ عَلَى الْكِتَابِ مِنَ التَّغْيِيرِ.
وَكَيْفِيَّةُ الرِّوَايَةِ أَنْ يَقُولَ: كَتَبَ إِلَيَّ، أَوْ أَخْبَرَنِي كِتَابَةً، فَإِنْ كَانَ "الْكَاتِبُ"* قَدْ ذَكَرَ الْأَخْبَارَ فِي كِتَابِهِ فَلَا بَأْسَ بِقَوْلِهِ أَخْبَرَنَا، وَجَوَّزَ الرَّازِيُّ أَنْ يَقُولَ التِّلْمِيذُ أَخْبَرَنِي مُجَرَّدًا عَنْ قَوْلِهِ كِتَابَةً.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَأَمَّا تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ كِتَابَةً فَيَنْبَغِي أَنَّ يَكُونَ هَذَا أَدَبًا. لِأَنَّ الْقَوْلَ إِذَا كَانَ مُطَابِقًا جَازَ إِطْلَاقُهُ وَلَكِنَّ الْعَمَلَ مُسْتَمِرٌّ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَجَوَّزَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ١ إِطْلَاقَ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا فِي الرِّوَايَةِ بِالْكِتَابَةِ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَرْبَابِ النَّقْلِ وَغَيْرِهِمْ جَوَازُ الرِّوَايَةِ لِأَحَادِيثِ الْكِتَابَةِ، وَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِهَا وَإِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْمُسْنَدِ، وَذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِ صِحَّتِهَا عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ وَوُثُوقِهِ بِأَنَّهَا عَنْ كَاتِبِهَا، وَمَنَعَ قَوْمٌ مِنَ الرِّوَايَةِ بِهَا، مِنْهُمُ الْمَازِرِيُّ وَالرُّويَانِيُّ، وَمِمَّنْ نَقَلَ إِنْكَارَ قَبُولِهَا الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ٢ وَالْآمِدِيُّ.
الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ:
الْمُنَاوَلَةُ وَهُوَ أَنْ يُنَاوِلَ الشَّيْخُ تِلْمِيذَهُ صَحِيفَةً، وَهِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
" الْوَجْهُ "** الْأَوَّلُ:
أَنْ تَقْتَرِنَ بِالْإِجَازَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَدْفَعَ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعًا مُقَابِلًا عَلَيْهِ وَيَقُولُ هَذَا سَمَاعِيٌّ فَارْوِهِ عَنِّي، أَوْ يَأْتِيَ التِّلْمِيذُ إِلَى الشَّيْخِ بِجُزْءٍ فِيهِ سَمَاعُهُ فَيَعْرِضُهُ عَلَى الشَّيْخِ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ هُوَ مِنْ مَرْوِيَّاتِي فَارْوِهِ عَنِّي.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي "الْإِلْمَاعِ"٣: إِنَّهَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِالْإِجْمَاعِ.
قَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا شَكَّ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِذَلِكَ، وَلَا مَعْنَى لِلْخِلَافِ "فِيهِ"***.
قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: وَلَا نَقُولُ حَدَّثَنَا وَلَا أَخْبَرَنَا فِي كل حديث.
_________________
(١) * ما بين قوسين ساقط من "أ". ** ما بين قوسين ساقط من "أ". *** في "أ": في ذلك. ١ الإمام، الحافظ، شيخ الإسلام، عالم الديار المصرية، أبو الحارث، ولد بقلقشنده، قرية من أعمال مصر سنة أربع وتسعين هـ، كان فقيه مصر، ومحدثها، ومحتشمها، توفي سنة خمس وسبعين ومائة هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "٨/ ١٣٦"، الأعلام "٥/ ٢٤٨". ٢ هو علي بن عمر بن أحمد، البغدادي، الدارقطني، الحافظ الكبير، شيخ الإسلام إليه النهاية في معرفة الحديث، ولد سنة ست وثلاثمائة هـ، في محلة دار قطن ببغداد، وهو أول من صنف القراءات وعقد لها بابا، من تصانيفه "كتاب السنن"، توفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة هـ ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٦/ ٤٤٩"، شذرات الذهب "٣/ ١١٦"، الأعلام "٤/ ٣١٤". ٣ واسمه "الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع، للقاضي عياض بن موسى اليحصبي. ا. هـ كشف الظنون "١/ ١٥٨".
[ ١ / ١٦٩ ]
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ١ وَمَالِكٍ: أَنَّ هَذِهِ الْمُنَاوَلَةَ الْمُقْتَرِنَةَ بِالْإِجَازَةِ كَالسَّمَاعِ وَحَكَاهُ الْخَطِيبُ عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ٢.
الْوَجْهُ الثَّانِي:
أَنْ لَا تَقْتَرِنَ بِالْإِجَازَةِ. بَلْ يُنَاوِلُهُ الْكِتَابَ وَيَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ: هَذَا سَمَاعِي مِنْ فُلَانٍ وَلَا يَقُولُ: ارْوِهِ عَنِّي، فَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ: لَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِهَا عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَحَكَى الْخَطِيبُ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ جَوَّزُوا الرِّوَايَةَ بِهَا وَبِهِ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرَّازِيُّ،
قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ لِلْمُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النبي ﷺ، حَيْثُ كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا وَقَالَ: "لَا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ "مَكَانَ" * كَذَا وَكَذَا"، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ وأخبرهم بأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٣، وَأَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ. قَالَ الْعَبْدَرِيُّ٤: لَا مَعْنَى لِإِفْرَادِ الْمُنَاوَلَةِ حَتَّى يَقُولَ أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي، وَحِينَئِذٍ فَهُوَ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الْإِجَازَةِ.
المرتبة الخامسة:
الإجازة "وهي"** أَنْ يَقُولَ: أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي هَذَا الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ، أَوْ هَذَا الْكِتَابَ، أَوْ هَذِهِ الْكُتُبَ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ الرِّوَايَةِ بها ومنع ذلك الجماعة.
_________________
(١) * ما بين قوسين ساقط من "أ". ** في "أ": وهو. ١ هو إسحاق بن راهوية، الإمام الكبير، شيخ المشرق، سيد الحفاظ، أبو يعقوب، وهو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد، الحنظلي، ولكنه غلب عليه اسم ابن راهويه، ولد سنة إحدى وستين ومائة هـ، قال عن نفسه: أحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلبي، توفي سنة ثمانٍ وثلاثين ومائتين هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١١/ ٣٥٨"، شذرات الذهب "٢/ ٨٩"، تهذيب التذيب "١/ ٢١٦". ٢ هو محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة، الحافظ، الحجة، الفقية، شيخ الإسلام، ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين هـ، توفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة هـ، رحل إلى العراق والشام والجزيرة ومصر، تزيد مصنفاته على "١٤٠" مصنفًا منها: "التوحيد وإثبات صفة الرب" "صحيح ابن خزيمة" ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٤/ ٣٦٥" شذرات الذهب "٢/ ٢٨٦"، الأعلام "٦/ ٢٩". ٣ ذكره البخاري تعليقًا في كتاب العلم باب ما يذكر في المناولة. وذكره ابن هشام في سيرته "٢/ ٦٠١" تحت سرية عبد الله بن جحش. وقد ذكر ابن حجر أن ابن إسحاق خرجها مرسلة، انظر فتح الباري "١/ ١٥٥". وأخرجه الطبراني في الكبير "١٦٧٠". وقال ابن حجر في فتح الباري: أخرجه الطبراني من طريق جندب البجلي بإسناد حسن، ثم وجدت له شاهدًا من حديث ابن عباس عند الطبري في التفسير فبمجموع هذه الطرق يكون صحيحًا. ٤ لعله رزين بن معاوية عمار، الإمام المحدث الشهير، أبو الحسن العبدري الأندلسي، توفي بمكة سنة خمس وثلاثين وخمسمائة هـ، من تآليفه: كتاب "تجريد الصحاح" قال الذهبي عنه: أدخل في كتابه زيادات لو تنزه عنها لأجاد. ا. هـ. سير أعلام النبلاء "٢٠/ ٢٠٤"، تذكرة الحفاظ "٤/ ١٢٨١"، كشف الظنون "١/ ٣٤٥".
[ ١ / ١٧٠ ]
قَالَ شُعْبَةُ١: لَوْ صَحَّتِ الْإِجَازَةُ لَبَطَلَتِ الرِّحْلَةُ.
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ٢ لَوْ صَحَّتِ الْإِجَازَةُ لَذَهَبَ الْعِلْمُ.
وَمِنَ الْمَانِعِينَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ٣، وَأَبُو الشَّيْخِ الْأَصْفَهَانِيُّ٤، وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ، مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَبُو طَاهِرٍ الدَّبَّاسُ٥ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَالَ: مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَكْذِبَ علي.
ويجاب عمن قَالَ هَؤُلَاءِ الْمَانِعُونَ: بِأَنَّ الْإِجَازَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ الرِّحْلَةِ، وَأَيْضًا الْمُرَادُ مِنَ الرِّحْلَةِ تَحْصِيلُ طَرِيقِ الرِّوَايَةِ وَقَدْ حَصَلَتْ بِالْإِجَازَةِ وَلَا تَسْتَلْزِمُ ذَهَابَ الْعِلْمِ غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ مَنْ رَوَى بِالْإِجَازَةِ تَرَكَ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا مِنْ طُرُقِ الرِّوَايَةِ وَهِيَ طَرِيقَةُ السَّمَاعِ وَالْكُلُّ طُرُقٌ لِلرِّوَايَةِ وَالْعِلْمُ مَحْفُوظٌ غَيْرُ ذَاهِبٍ بِتَرْكِ مَا هُوَ الْأَقْوَى.
وَأَمَّا قَوْلُ الدَّبَّاسِ: إِنَّ الْإِجَازَةَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الشَّيْخِ لِتِلْمِيذِهِ: أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَكْذِبَ عَلَيَّ فَهَذَا خُلْفٌ مِنَ الْقَوْلِ، وَبَاطِلٌ مِنَ الْكَلَامِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْ تَحْصِيلِ طَرِيقِ الرِّوَايَةِ هُوَ حُصُولُ الثِّقَةِ بِالْخَبَرِ وَهِيَ هُنَا حَاصِلَةٌ وَإِذَا تَحَقَّقَ سَمَاعُ الشَّيْخِ وَتَحَقَّقَ إِذْنُهُ لِلتِّلْمِيذِ بِالرِّوَايَةِ فَقَدْ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ مِنَ الْإِسْنَادِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّرِيقِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلرِّوَايَةِ "جملة، وبين الطريق المقتضية
_________________
(١) ١ هو شعبة بن الحجاج، الإمام، الحافظ، أمير المؤمنين في الحديث، أبو بسطام الأزدي، قيل إنه ولد سنة ثمانين هـ، قال يحيى بن معين: شعبة إمام المتقين، فلما توفي شعبة قال سفيان: مات الحديث، كانت وفاته ستين ومائة هـ. بالبصرة. ا. هـ. سير أعلام النبلاء "٧/ ٢٠٢"، تذكر الحفاظ "١/ ١٩٣"، تهذيب التهذيب "٤/ ٣٣٨". ٢ هو عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، سيد الحفاظ، محدث الري، ولد سنة نيف ومائتين هـ، حدث عنه كبار أئمة الحديث منهم الإمام مسلم. قال ابن أبي شيبة: ما رأيت أحفظ من أبي زرعة، وتوفي سنة ستين ومائتين هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "٧/ ٦٥"، تهذيب التهذيب "٧/ ٣٠"، شذرات الذهب "٢/ ١٤٨". ٣ هو إبراهيم بن إسحاق البغدادي الحربي، الإمام، الحافظ، العلامة، شيخ الإسلام أبو إسحاق، ولد سنة ثمانٍ وتسعين ومائة وتوفي سنة خمس وثمانين ومائتين هـ، من آثاره: "غريب الحديث" في اللغة. ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٣/ ٣٥٦"، شذرات الذهب "٢/ ١٩٠"، تذكرة الحفاظ "٢/ ٥٨٤". ٤ هو عبد الله بن محمد بن جعفر، المعروف بأبي الشيخ، محدث أصبهان، أبو محمد، ولد سنة أربع وسبعين ومائتين هـ، من آثاره: كتاب "ثواب الأعمال" الذي عرضه على الطبراني فاستحسنه، توفي سنة تسع وستين وثلاثمائة هـ، وله مصنفات كثيرة في الأحكام والتفسير. ا. هـ. سير أعلام النبلا "١٦/ ٢٧٦"، هدية العارفين "١/ ٤٤٧"، تذكرة الحفاظ "٣/ ٩٤٥". ٥ هو محمد بن محمد بن سفيان، الفقيه، إمام أهل الرأي بالعراق، أخذ عن القاضي أبي حازم، وكان يوصف بالحفظ، ومعرفة الروايات، ولي القضاء بالشام، وخرج منها إلى مكة فمات بها، ولم نجد في تراجمه من ذكر له سنة وفاة. ا. هـ. تاج التراجم "٣٣٦"، الجواهر المضية "٣/ ٣٢٣".
[ ١ / ١٧١ ]
لِلرِّوَايَةِ"* تَفْصِيلًا فِي اتِّصَافِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِأَنَّهَا طَرِيقٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ.
وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِمَا قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ الْإِحْكَامِ إِنَّهُ بِدْعَةٌ غَيْرُ جَائِزَةٍ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ لِلتِّلْمِيذِ أَنْ يَقُولَ فِي الْإِجَازَةِ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي أَوْ حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِكَوْنِ ذَلِكَ إِجَازَةً فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ إِلَّا بِالْقَيْدِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي إِجَازَةً أَوْ أَخْبَرَنِي إِجَازَةً. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَأَجْوَدُ الْعِبَارَاتِ فِي الْإِجَازَةِ أَنْ يَقُولَ أَجَازَ لَنَا "قِيلَ"**: ويجوز أَنْ يَقُولَ أَنْبَأَنِي بِالِاتِّفَاقِ.
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ عَلَى أَنْوَاعٍ:
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: أَنْ يُجِيزَ فِي مُعَيَّنٍ لِمُعَيَّنٍ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: أَجَزْتُ لَكَ أَوْ لَكُمْ رِوَايَةَ الْكِتَابِ الْفُلَانِيِّ عَنِّي؛ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ أَعْلَى "أَنْوَاعِ"*** الْإِجَازَةِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يُجِيزَ "لِمُعَيَّنٍ"**** فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: أَجَزْتُ لَكَ أَوْ لَكُمْ جَمِيعَ مَسْمُوعَاتِي، فَجَوَّزَ هَذَا الْجُمْهُورُ وَمَنَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْجُوَيْنِيُّ.
النَّوْعُ الثالث: أن يجيز غير معين بغير مُعَيَّنٍ "لِغَيْرِ"***** مُعَيَّنٍ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: أَجَزْتُ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ لِمَنْ أَدْرَكَ حَيَاتِي، جَمِيعَ مَرْوِيَّاتِي، وَقَدْ جَوَّزَ هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْخَطِيبُ وَأَبُو الطيب الطبري، ومنعه آخرون وهذا فِيمَا إِذَا كَانَ الْمَجَازُ لَهُ أَهْلًا لِلرِّوَايَةِ. وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهَا كَالصَّبِيِّ فَجَوَّزَ ذَلِكَ قَوْمٌ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ.
وَاحْتَجَّ الْخَطِيبُ لِلْجَوَازِ: بِأَنَّ الْإِجَازَةَ إِبَاحَةُ الْمُجِيزِ لِلْمُجَازِ لَهُ أن يرو ي عَنْهُ، وَالْإِبَاحَةُ تَصِحُّ لِلْمُكَلَّفِ وَغَيْرِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ بِأَنْ لَا يَرْوِيَ مَنْ لَيْسَ بِمُتَأَهِّلٍ لِلرِّوَايَةِ إِلَّا بعد أن يصير متأهلًا لها.
_________________
(١) * ما بين قوسين ساقط من "أ". ** في "أ": وقيل يجوز. *** في "أ": طرق. **** ما بين قوسين ساقط من "أ". ***** في "أ": بغير.
[ ١ / ١٧٢ ]