«وقد تجد الرجل يطلب الآثار وتأويل القرآن ويجالس الفقهاء خمسين عامًا وهو لا يعد فقيهًا ولا يجعل قاضيًا، فما هو إلا أن ينظر في كتب أبي حنيفة وأشباه أبي حنيفة، ويحفظ كتب الشروط في مقدار سنة أو سنتين، حتى تمر ببابه فتظن أنه من بعض العمال، وبالحرَا ألا يمر عليه من الأيام إلا اليسير حتى يصير حاكمًا على مصر من الأمصار أو بلد من البلدان».
[الحيوان، الجاحظ: ١/ ٨٧]
«ولا يتمكن من التصنيف من لم يدرك غور ذلك الذي صنَّف فيه».
الوزير ابن هبيرة
[الذيل على طبقات الحنابلة، ابن رجب: ٢/ ١٥٧]
«فإنك لتنظر الرجل وهو ابن القرن الرابع عشر فتحسه في معارفه وعلمه وتفكيره من أهل القرن التاسع أو العاشر، مما هو معلول لوقوف تقدم التآليف عند الحد الذي تركه الواقفون».
[أليس الصبح بقريب، الطاهر بن عاشور: ١٤٠]
[ ١٨٩ ]
إصلاح التعليم منوط بأمرين اثنين، أحدهما إعداد المعلم، والثاني تأليف الكتاب، وربما لا يكون من المبالغة القول بأن جودة التآليف وقوتها وفصاحتها وبيانها قد تتدارك من ضعف المعلم ما لا يتداركه المعلم الجيد من ضعف التآليف. فإن قوة الكتاب تجبر المعلم على الارتقاء إلى مستواه، بينما يؤدي ضعف الكتاب إلى ضياع جزء من وقت المعلم الجيد في تصحيحه وتدارك أغلاطه (^١).
ومن المفترض أن يقدم بين يدي كل عمل في الإصلاح أن تستبدل مناهج تعليمية جيدة ومناسبة في مضمونها وشكلها بالمناهج التعليمية الرديئة التي يكثر اعتمادها في الكثير من الجامعات والمعاهد الشرعية، فإن الكثير من المناهج التي باتت تعتمد في التدريس في العصور الأخيرة يذهب أكثر وقت الأستاذ والطالب في حل ألفاظها وإدراك محترزاتها، ولو كان هذا الوقت الذاهب يفني في تنمية الملكة الفقهية لهان الخطب، ولكن هذه المؤلفات المنتقدة ضعيفة البيان ركيكة اللغة مختلة التركيب والأساليب، فذهاب الوقت فيها ليس من قبيل ممارسة كتب الفقه المحكمة التي تربي على الاحتراز في العبارة ودقة الصياغة، بل
_________________
(١) انظر: أليس الصبح بقريب، ابن عاشور (١٣٨)، وحي الرسالة، أحمد حسن الزيات (٢/ ١٨٥).
[ ١٩٠ ]
هو من قبيل تصحيح أخطاء المؤلف وتقويمها، مع أن في كتب المتقدمين ما هو أفصح بيانًا وأغزر علمًا وأكثر بركة وأقل خطأً وأعظم استخراجًا لملكة التفقه في دارسيها (^١). يقول الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ): (فلذلك صارت كتب المتقدمين وكلامهم وسيرهم أنفع لمن أراد الأخذ بالاحتياط في العلم على أي نوع كان وخصوصًا علم الشريعة الذي هو العروة الوثقى والوزر الأحمى) (^٢).
والقصد أن إصلاح التآليف الفقهية من الأهمية بالذروة العالية، حتى إن بعض من تكلم في إصلاح الأزهر ذكر أنه يكاد ينحصر في إصلاح هذه الكتب التي تدرس فيه (^٣). مما يجعل من إعداد المناهج الفقهية التي تدرس في المعاهد والكليات الشرعية أمرًا بالغ الأهمية وبالغ الصعوبة في الوقت نفسه؛ لما يترتب عليها من الأثر الذي يتعدى المتفقه إلى المجتمع الذي سيتولى وظائفه الدينية بعد تخرجه، وإذا كانت المناهج التي تلقاها فاسدة لا تلاقي الغاية من التعليم ولا تؤهله لتلك الوظائف ولا تستخرج منه المهارة والملكة فكيف يرجى الصلاح من بعد؟
ولذا فإن أهل العلم ينبهون إلى خطورة التأليف وصعوبته وأنه ليس يحسنه كل أحد، وربما كان العالم حسن الفقه وحسن التعليم وممن يشار إليهم بالبنان غير أنه لا يحسن التأليف، فإن
_________________
(١) انظر: التعليم والإرشاد، بدر الدين الحلبي (٢٢٢)، وقد ذكر أمثلة لذلك.
(٢) الموافقات (١/ ١٥٣).
(٣) انظر: تاريخ الإصلاح في الأزهر، عبد المتعال الصعيدي (١٧٠).
[ ١٩١ ]
التأليف صناعة أخرى لها مهاراتها وأدواتها، ولذا قال الشهاب المقَّري (ت ١٠٤١ هـ): (احذر أيها الناظر شرح الله صدري وصدرك أن يقع في نفسك أن عجز هؤلاء السادات عن صناعة التأليف والحذق في التصنيف وعدم الاقتدار على الترجيح والاختيار وعدم القيام بمواد مدارك المحققين والنظار يوجب قدحًا في مناصبهم أو وصمًا في مراتبهم) (^١).
وعند التأمل في طرق تدوين الكتب الأولى في مذهب أبي حنيفة نعلم شدة العناية ودقة التحرير في كتابتها، وربما أقاموا في المسألة ثلاثة أيام من المباحثة والنظر قبل تدوينها (^٢). وهذه العناية البالغة كانت طريقة معهودة عند الفقهاء، حتى ذكر أن نهاية المحتاج للرملي (ت ١٠٠٤ هـ) قرئت على صاحبها إلى آخرها في أربعمائة من العلماء فنقدوها وصححوها (^٣). ومن هنا يعلم أن تأليف المدونات الفقهية من كمالات العلم الذي يصل إليه المنتهي، فهي ثمرة لإعداد الفقيه النابه الذي يعرف كيف يؤلف الكتاب وكيف يدرسه (^٤).
ولأجل هذه الدقة في التصنيف فإن العلماء كانوا يحذرون من التسرع في نسبة الأقوال إلى الكتب دون استيعاب مرادات
_________________
(١) أزهار الرياض (٣/ ٣١).
(٢) انظر: تدوين مذهب الأحناف، محمد مفيض الرحمن الشاتغامي (٨٣)، فقه أهل العراق وحديثهم، الكوثري (٦٨).
(٣) انظر: الفوائد المكية، السقاف (٣٧).
(٤) انظر: منهاج تدريس الفقه، د. مصطفى صادقي (١٧٠)، وحي الرسالة، أحمد حسن الزيات (٢/ ١٨٥).
[ ١٩٢ ]
مؤلفيها، يقول ابن حمدان الحراني الحنبلي (ت ٦٩٥ هت): (اعلم أن أعظم المحاذير في التأليف النقلي إهمال نقل الألفاظ بأعيانها والاكتفاء بنقل المعاني، مع قصور التأمل عن استيعاب مراد المتكلم الأول بلفظه وربما كانت بقية الأسباب متفرعة عنه؛ لأن القطع بحصول مراد المتكلم بكلامه أو الكاتب بكتابته مع ثقة الراوي، يتوقف عليه انتفاء الإضمار والتخصيص والنسخ والتقديم والتأخير والاشتراك والتجوز والتقدير والنقل والمعارض العقلي.
فكل نقل لا نأمن معه حصول بعض الأسباب ولا نقطع بانتفائها نحن ولا الناقل ولا نظن عدمها ولا قرينة تنفيها، فلا نجزم فيه بمراد المتكلم بل ربما ظنناه أو توهمناه، ولو نقل لفظه بعينه وقرائنه وتاريخه وأسبابه انتفى هذا المحظور أو أكثره) (^١).
وبإزاء تلك الجهود التأليفية الكبيرة فإننا لا نجد في أكثر الكتب المتأخرة هذه الدرجة من العناية والاهتمام، وهذا ما يدعو الكثيرين إلى المناداة بهجرها والرجوع إلى ينابيع الفقه الأولى وما جرى مجراها مما يجمع بين عمق فقه الأوائل وفصاحتهم وحسن ترتيب المتأخرين واحترازهم، مع وجوب الالتفات إلى أمرين اثنين، أولهما موافقة أغراض المؤلفين في مصنفاتهم وعدم ابتغاء الغرض التعليمي فيما لم يؤلف لأجل التعليم، وثانيهما أن الفقه من شأنه التجدد في مسائله وظروفه، والوقوف عند نتاج عصر معين يقعد بالأفهام عن الأزمنة التي تعيشها، والرجوع إلى كتب
_________________
(١) صفة الفتوى والمفتي والمستفتي (١٠٥).
[ ١٩٣ ]
المتقدمين لا يعني بحال أن يُكتفى بها عن نوازل العصر وحوادثه، وإنما الغرض اقتفاء طريقتهم في التفقه واكتساب الدربة منها، ومع ذلك فمن الواجب أن تستحدث مؤلفات عصرية مناسبة، ويراعى فيها التدرج الملائم لمستويات الطلبة، وتكون امتدادًا لكتابات الفقهاء المتسلسلة في العصور المتوالية ويستدرك فيها من المسائل والترتيبات الموضوعية ما يتصل به القديم بالحديث والماضي بالحاضر، وتكون جارية على مذاهب منضبطة تخرج بها من حالة الاضطراب والفوضى القائمة في الكثير من المناهج الجامعية المعاصرة (^١).
إن الاكتفاء بكتب السابقين في المناهج التعليمية دون تطبيق لقواعد الفقه ومهاراته على النوازل العصرية لا يخرج لنا فقهاء بقدر ما يخرج لنا حفظة نصوص ومتون لا يحسنون تفعيلها، وهؤلاء وأمثالهم ينتقدهم شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) بأنهم يغلطون إذا لم يجدوا المسألة في مختصراتهم (^٢). ويتفاقم الوضع عندما تكون تلك الكتب من الكتب المعضلة المستغلقة (^٣). ومن
_________________
(١) انظر: أليس الصبح بقريب، ابن عاشور (١٤٩)، تاريخ الإصلاح في الأزهر، عبد المتعال الصعيدي (١٧٢)، التعليم والإرشاد، بدر الدين الحلبي (٤٢)، مقررات فقه القضايا المعاصرة بين الواقع والمأمول، د. عامر بهجت (٥٥)، ومن المهم مطالعة الركائز التي ذكرها د. عامر في الفصل الثاني من هذا البحث لأجل إعداد منهج فقهي عصري مناسب.
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٨/ ٤٨٦).
(٣) انظر: التعليم والإرشاد، بدر الدين الحلبي (١٤٠) وما بعدها، ففيها نقد مطول لهذه الظاهرة مع التمثيل لها.
[ ١٩٤ ]
المشكلات التي يكثر أن تعاني منها المدارس الشرعية أن يقدم الاهتمام بهذه الكتب على الاهتمام بالعلم ذاته، كأن الكتاب وحي منزل لا محيد عنه ولا يتخرج الفقيه إلا به (^١).
ومن آثار هذا الخلل أن الكثير من النتاج الفقهي المعاصر بات مقتصرًا على إعادة دراسة المسائل القديمة والاختيار والترجيح بينها وعرض أدلتها، أو على تحقيق المخطوطات الفقهية، أو دراسة أعلام الفقهاء ودراسة منهجهم وجمع اختياراتهم، أو دراسة أعلام الفقهاء ودراسة منهجهم وجمع اختياراتهم، وأكثر ذلك يتم دون إبداع فقهي حقيقي، بل إننا إذا استثنينا أساليب الصياغة الأكاديمية الشكلية الحديثة فإن أي فقيه في القرن الخامس أو السادس يمكن أن يكتب ما هو أفضل منها استدلالًا وترجيحًا وأكثر انضباطًا وتقعيدًا، مع أن هؤلاء الباحثين لو امتلكوا الملكة والمهارة لكان بمقدورهم الإبداع والتجديد ولو ظلوا في دائرة القديم بما تجدد في الزمان من أدوات وآليات ووسائل يمكن الاستفادة منها (^٢).
وقد قال الأبي (ت ٨٢٧ هـ) في شرحه لحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» (^٣): (وكان شيخنا أبو عبد الله-يعني: ابن عرفة-يقول:
_________________
(١) انظر: المدارس الدينية في باكستان، د. مصباح الله عبد الباقي (٢٣٠).
(٢) انظر: تراثنا الفقهي وضرورة التجديد، عبد الحي عمور (١٨٢)، منهاج تدريس الفقه، د. مصطفى صادقي (٢٦٠).
(٣) صحيح مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته (١٦٣١).
[ ١٩٥ ]
إنما تدخل التآليف في ذلك إذا اشتملت على فوائد زائدة وإلا فذلك تخسير للكاغد. ويعني: بالفائدة الزائدة على ما في الكتب السابقة عليه، وأما إذا لم يشتمل التأليف إلا على نقل ما في الكتب المتقدمة فهو الذي قال فيه إنه تخسير للكاغد) (^١).
ونحن متى أردنا النهوض بالتأليف الفقهي المعاصر سواء على مستوى المناهج التدريسية أو الرسائل والبحوث الأكاديمية أو الكتب والمؤلفات المستقلة، فمن الضروري أن تعزز سبل التواصل والتكامل البحثي في المجال الفقهي على النحو الذي يوفر الجهود ويركزها وينسق بينها، بحيث يمهد بعضها لبعض ويخدم بعضها بعضًا، بدلًا من الحالة القائمة من التكرار والفوضوية والجهود المبعثرة وإعادة اختراع العجلة في البحوث والرسائل والموضوعات المتقاربة (^٢). وربما كان من المناسب في هذا تفعيل دور علم (تاريخ الفقه) وتطويره وإعادة ترتيبه بحيث يغدو مادة تقويمية ونقدية لعلم الفقه بوجه عام، مما يسهم في عملية تطويره وتقويم معطياته وتدارك ما يطرأ في مسيرته من نقائص وثغرات وسلبيات (^٣). فإن الاشتغال الدؤوب بالمادة
_________________
(١) إكمال إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤/ ٣٤٥).
(٢) انظر: تراثنا الفقهي وضرورة التجديد، عبد الحي عمور (١٨٣).
(٣) ينتشر في كتابات الشيعة المعاصرين استخدام مصطلح (فلسفة الفقه) للتعبير عن هذا المعنى، ويعرفونها بأنها: (الحقل المعرفي الذي يتخذ من الفقه موضوعًا له فيبحث حول مبادئ وأسس القضايا الفقهية بحثًا نظريًا وتحليليًا ويبين دور العلوم والعوامل المختلفة في عملية الاستنباط الفقهي بنظرة تاريخية)، فإذا كان غرض الفقيه الوصول إلى الحكم الشرعي فإن غرض الفيلسوف في الفقه فهم ملابسات وصول الفقيه على حكم شرعي معين. انظر: فلسفة الفقه، محمد مصطفوي (١٢ - ١٨)، المشهد الثقافي في إيران فلسفة الفقه ومقاصد الشريعة، إعداد: عبد الجبار الرفاعي (١٩)، مدخل إلى فلسفة الفقه، مهدي مهريزي (١٢٩).
[ ١٩٦ ]
الفقهية قد يذهل عن ملاحظة التقسيمات والترتيبات الكلية، فتتكشف مع الزمن نقائص بحاجة إلى استدراك، ومن أمثلة ذلك أن اعتماد الترتيب الفقهي المعهود من زمن المزني والخرقي أدى إلى فقدان أبواب ومجالات مهمة يجري تداركها من زمن لزمن من قبل أفراد بشكل مستقل بعيدًا عن المنظومة الأصلية، ومع أن هذا فيه بعض الاستدراك النافع إلا أنه ربما أدى إلى خلل في التصورات الفقهية العامة أثناء التعلم. فإذا ما أضفنا لذلك وجوب اعتبار الطفرات النوعية في الموضوعات والمسائل الفقهية في العصر الحاضر فإننا بحاجة ماسة إلى مجهود فقهي كبير وشامل لإعادة هيكلة الأبواب والمسائل الفقهية بشكل ملائم يستوعب مقاصد الفقهاء السابقين ويمد آفاقها لتشمل الموضوعات المتجددة، حتى لقد جرى تشبيه هذا الزمان الذي نعيشه بزمان ما قبل الخلال (ت ٣١١ هـ) والخرقي (ت ٣٣٤ هـ) وأبي يعلى (ت ٤٥٨ هـ) في المذهب الحنبلي، لما كانت مسائل الإمام أحمد منثورة متفرقة فنهض أولئك الفقهاء لجمعها وفحصها ودراستها وتقسيمها، فرسخ المذهب بجهودهم (^١). ولا ريب أن مثل هذه
_________________
(١) انظر: مقررات فقه القضايا المعاصرة بين الواقع والمأمول، د. عامر بهجت (١٩)، وراجع في جهود الخلال ومن بعده: أبو بكر الخلال جامع الفقه الحنبلي ترجمة موسعة للخلال مع بيان أثره في تدوين المذهب الحنبلي، هشام يسري العربي (١٧١).
[ ١٩٧ ]
الأعمال كما هي بحاجة إلى فقه راسخ فهي بحاجة إلى عزيمة نفس حرة لا تثنيها قالة السوء عن جليل العمل، وقد وصف الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ) سعيد بن المسيب (ت ٩٤ هـ) بأنه كان لا يبالي من خالفه في الناس لعلمه (^١).
_________________
(١) المعرفة والتاريخ، الفسوي (١/ ٤٧٦)، وانظر: أزمة التعليم الديني في العالم الإسلامي، د. خالد الصمدي وزميله (١٤٨).
[ ١٩٨ ]