٣ - المذاهب الفقهية
«اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمة، كلٍّ يتبع ما صح عنده، وكلُّ على هدى، وكلِّ يريد الله تعالى».
مالك بن أنس [كشف الخفاء، العجلوني: ١/ ٨٠]
«وقال أحمد بن حفص السعدي شيخ ابن عدي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضًا».
[سير أعلام النبلاء، الذهبي: ١١/ ٣٧١]
«وما ذكرنا أولًا ظاهر الحديث ومعارضته بالثاني إلا تأدبًا مع من تقدم؛ لأنهم ﵁ لهم الفضل علينا، ولا ينبغي لأحد أن يجحد فضلهم علينا فإن ذلك غباوة وجهالة، وإن كان بعض المواضع فتح فيها على من تأخر أكثر مما فتح على من تقدم فليس ذلك مما يخل بجلالة منصبهم، وإنما ذلك من طريق المن من المولى الكريم، ليبقي للمنكسر القلب بالتأخير شيئًا يجبره به».
[بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما لها وما عليها، ابن أبي جمرة: ٢/ ٥٨]
«وصلى الشافعي ﵀ الصبح قريبًا من مقبرة أبي حنيفة ﵀ فلم يقنت تأدبًا معه، وقال أيضًا: ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق وفي البزازية عن الإمام الثاني-وهو أبو يوسف ﵀أنه صلى يوم الجمعة مغتسلًا من الحمام، وصلى بالناس وتفرقوا، ثم أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام، فقال: إذًا نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا».
[حجة الله البالغة، الدهلوي: ١/ ٢٧٠]
[ ١٩٩ ]
الاختلاف بين البشر سنة ماضية بما جبلهم الله عليه من التفاوت في العقول والأذواق والطبائع والأخلاق، وحسم مادة هذا الاختلاف ليس من مقاصد الشارع في وضع الشريعة، ولو شاء الله ألا يختلف الناس لأنزل الشريعة على وجه لا يقبل الاختلاف، ولجعل عامة النصوص قطعية في دلالتها وثبوتها، ولكن الشريعة ذاتها جاءتنا على وجه يحتمل الاختلاف ولا يقطع مادته بالكلية.
ومن المواقف التي تشرح هذا المعنى ما جرى للخليفة المأمون (ت ٢١٨ هـ) مع رجل خراساني ارتد عن دين الإسلام إلى النصرانية، فاجتمع به المأمون وقال له: أخبرني ما الذي أوحشك مما كنت به آنسًا من ديننا؟ فوالله لأن أستحييك بحق أحب إلى من أن أقتلك بحق، وقد صرت مسلمًا بعد أن كنت كافرًا ثم عدت كافرًا بعد أن صرت مسلمًا، وإن وجدت عندنا دواء لدائك تداويت به وإن أخطأك الشفاء وتباعد عنك كنت قد أبليت العذر في نفسك ولم تقصر في الاجتهاد لها، فإن قتلناك قتلناك في الشريعة وترجع أنت في نفسك إلى الاستبصار واليقين، ولم تفرط في الدخول من باب الحزم. قال المرتد: أوحشني منكم ما رأيت من كثرة الاختلاف في دينكم. قال المأمون: لنا اختلافان: أحدهما كاختلافنا في الأذان وتكبير الجنائز وصلاة العيدين
[ ٢٠٠ ]
والتشهد والتسليم من الصلاة ووجوه القراءات واختلاف وجوه الفتيا وما أشبه ذلك، وهذا ليس باختلاف وغنما هو تخيير وتوسعة وتخفيف من السُّنِّة، فمن أذن مثنى وأقام مثنى لم يأثم ومن ربَّع لم يأثم. والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتاب الله ﷻ وتأويل الحديث عن نبينا ﷺ مع اجتماعنا على أصل التنزيل واتفاقنا على عين الخبر، فإن كان إنما أوحشك هذا فينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوراة والإنجيل متفقًا على تأويله كما يكون متفقًا على تنزيله، ولا يكون بين اليهود والنصارى اختلاف في شيء من التأويلات، ولو شاء الله أن ينزل كتبه مفسرة ويجعل كلام أنبيائه ورسله لا يختلف في تأويله لفعل، ولكنا لم نجد شيئًا من أمور الدين والدنيا وقع إلينا على الكفاية إلا مع طول البحث والتحصيل والنظر، ولو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحن وذهب التفاضل والتباين، ولما عرف الحازم من العاجز ولا الجاهل من العالم وليس على هذا بنيت الدنيا. قال المرتد: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن المسيح عبد الله وأن محمدًا صادق وأنك أمير المؤمنين حقًا (^١).
وهذا الاختلاف الحاصل في الشريعة لا يحجز الناس عن كمال التدين، فإن الناس إما مجتهد وإما غير مجتهد، فالمجتهد وظيفته الاجتهاد والبيان والفتيا، وغير المجتهد وظيفته سؤال أهل الذكر والعمل بما يفتونه به، كما قال الله ﷻ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ
_________________
(١) انظر: العقد الفريد، ابن عبد ربه (٢/ ٢٢٣)، عيون الأخبار، ابن قتيبة (٢/ ١٥٤).
[ ٢٠١ ]
إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. والاجتهاد والتقليد كلاهما مبنيان على حسن المعاملة لله ﷻ وأن يكون الإنسان صادقًا في تدينه وتعبده لله تعالى، والله ﷻ يقول: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين». فإذا فعل الإنسان ما كلف به وغلب على ظنه موافقته للصواب وكان مطمئن القلب صادقًا في معاملته لله ﷻ نجا، وقد قال الإمام تقي الدين السبكي (ت ٧٥٦ هـ): (ومبنى الاجتهاد والتقليد على انشراح الصدر) (^١).
وقال نجم الدين الطوفي (ت ٧١٦ هـ): (فكل من حسن ظنه بمذهب تعبد به واتخذه دينًا) (^٢).
وقال بدر الدين الحلبي (ت ١٣٦٢ هـ): (وغلبة الظن كافية في الخروج من عهدة التكاليف الفرعية الشرعية) (^٣).
وقد جرى عمل المسلمين فيما يشبه الإجماع العملي على الأخذ بهذه المذاهب المستقرة في الأمصار والمتلقاة عن أئمة الهدى، وأن يجري الناس على ما يذهب إليه فقهاؤهم الثقات من أهل العلم والديانة، ولا يضرهم أن يختلف هؤلاء مع غيرهم، والفقهاء منذ القديم يؤكدون هذا المعنى، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز (ت ١٠١ هـ): أنه كتب إلى الأمصار ليقضي كل قوم بما اجتمع عليه فقهاؤهم (^٤)، وقال الحافظ ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ):
_________________
(١) السيف المسلول على من سب الرسول ﷺ (٣٨٧).
(٢) شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٨٦).
(٣) التعليم والإرشاد (٤٧).
(٤) سنن الدرامي، باب اختلاف الفقهاء (٦٥٢).
[ ٢٠٢ ]
(فكل قوم ينبغي لهم امتثال طريق سلفهم فيما سبق إليهم من الخير، وسلوك منهاجهم فيما احتملوا عليه من البر، وإن كان غيره مباحًا مرغوبًا فيه) (^١)، وقال ولي الله الدهلوي (ت ١١٧٦ هـ): (إذا اختلفت مذاهب الصحابة والتابعين في مسألة فالمختار عند كل عالم مذهب أهل بلده وشيوخه؛ لأنه أعرف بصحيح أقاويلهم من القسيم وأوعى للأصول المناسبة لها، وقلبه أميل إلى فضلهم وتبحرهم) (^٢).
وهذا ما مضى عليه الناس منذ الأزمنة الأولى حتى استقرت المذاهب الأربعة وبقيت وانقرض ما عداها. وللإمام الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) كلام مطوَّل ذكر فيه طبقات المجتهدين المقلَّدين من التابعين فمن بعدهم قال في آخره: (ولم يبق اليوم إلا هذه المذاهب الأربعة، وقلَّ من ينهض بمعرفتها كما ينبغي فضلًا عن أن يكون مجتهدًا) (^٣).
وهذه المذاهب الأربعة التي استقر عليها عمل المسلمين في بلدانهم منذ قرون متطاولة ليست إلا طرائق ومناهج في فهم الشريعة، وهي متصلة بفقهاء الصحابة والذين جاءوا من بعدهم ممن تختلف مناهجهم في الفقه والنظر، وكلهم معظم للشريعة وقَّاف عند حدود الله تعالى معظم لكتاب الله ﷻ وسُنَّة نبيه ﷺ، ولا يظن بأحد منهم أن يرد الحق وهو يعلم أنه حق، ولا أن يترك
_________________
(١) التمهيد (١/ ١٠).
(٢) حجة الله البالغة (١/ ٢٤٩).
(٣) سير أعلام النبلاء (٨/ ٩٢).
[ ٢٠٣ ]
السُّنِّة من حديث رسول الله ﷺ وهو يظن ثبوتها وبقاء مقتضاها، ولهم في ذلك مناهج ومسالك تتشكل منها قاعدة تفسيرية كبرى يفهمون الشريعة في ضوئها ويردون مختلف الحديث ومتشابهه إلى محكماتها. قال الإمام القرافي (ت ٦٨٤ هـ): (فما من عالم إلا وترك جملة من أدلة الكتاب والسُّنِّة لمعارض راجح عنده) (^١). وما من إمام من أئمة الهدى الذين استفاض في الأمة قبولهم والأخذ بفقههم والثناء الحسن عليهم إلا وقد أخذ بالرأي وعمل به؛ فإن الشريعة مفتقرة إلى فقه وفهم في حسن تلقيها والبناء عليها، وإذا تقررت مشروعية الاختلاف فلا بد أن تكون الشريعة منتظمة ومستقيمة بالرغم من هذا الاختلاف، وهذا ما يقتضي أن تكون هذه المذاهب مستقيمة ومنتظمة كذلك، ولا تستقيم هذه المذاهب ما لم تصدر عن منهجية منضبطة شاملة تفتقر إلى الرأي في استقامتها وانضباطها، ولذا قال محمد بن الحسن (ت ١٨٩ هـ): (لا يستقيم العمل بالحديث إلا بالرأي، ولا يستقيم العمل بالرأي إلا بالحديث) (^٢).
وكان يزيد بن هارون (ت ٢٠٦ هـ) مرة في مجلسه فذكر إبراهيم النخعي (ت ٩٦ هـ) فقال قائل: حدثنا عنه ﷺ، فقال يزيد: يا أحمق، هذا تفسير أحاديثه ﷺ، وماذا تصنع بالحديث إذا لم تعلم معناه؟ ولكن همتكم السماع ولو كانت همتكم العلم لنظرتم
_________________
(١) الذخيرة (٥/ ٢٣).
(٢) أصول السرخسي (٢/ ١١٣).
[ ٢٠٤ ]
في كتب الإمام-يعني: أبا حنيفة-وأقاويله. فزبر الرجل وأخرجه ن مجلسه (^١).
واختلاف مسالك أئمة الفقه والدين في الاجتهاد في الشريعة صادر عن علم عميق وسعة اطلاع ووراثة علمية لأئمة الفقه من الصحابة فمن بعدهم، وهذه السعة في العلم أورثتهم الأناة والتريث قبل أن تصدر عنهم الفتيا، وأخبارهم في ذلك مشهورة
_________________
(١) ذيل الجواهر المضية، الملا علي القاري، ملحق بالجواهر (٢/ ٤٦٠). ويجدر التنبيه هنا إلى أمر مهم وهو: أن ثمت إشكالًا في الدراسات الفقهية المعاصرة وفي المداخل الفقهية على وجه الخصوص في تصوير طبيعة الخلاف بين أهل الحديث وأهل الرأي، أو ما يسمى مدرسة أهل الحجاز ومدرسة أهل العراق، وهذا الإشكال أدى إلى شيء من التبسيط في فهم المدارس الفقهية الأولى وإدراك مآخذها وتصور علاقتها بالمذاهب الفقهية التي استقر عليها العمل بعدها، وترتبت على ذلك بعض الإطلاقات التي لا تخلو من مجازفة، وللدكتور حميدان الحميدان بحث في هذا الموضوع بعنوان: (المدارس الفقهية في عصر التابعين: أهل الحديث وأهل الرأي، قراءة نقدية في مراجع تاريخ الفقه الإسلامي الحديثة) نشر في مجلة جامعة الملك سعود للعلوم التربوية والدراسات الإسلامية عام (١٤١٢ هـ)، ثم ضمنه في الفصل الخامس من كتابه «دراسات في التاريخ المبكر للتشريع والفقه الإسلامي»، كما تكلم عن هذا الموضوع د. عبد المجيد محمود في كتابه «الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري»، وأشار إليه الشيخ مصطفى الزرقا في: المدخل الفقهي العام (١/ ١٩٣)، والموضوع بحاجة إلى مزيد من البحث والفحص والتحليل بغرض فهم طبيعة المدارس الفقهية الأولى ونشأتها من جهة، ولمعالجة بعض الممارسات العلمية والسلوكية التي تنشأ من سوء فهمها من جهة أخرى، حتى يكون المتفقه مطمئن القلب وهو يتلو قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، وحتى يتفهم معنى قول أبي يوسف (ت ١٨٢ هـ) لما دخل البصرة فاجتمع الفقهاء والمحدثون على بابه، فأشرف عليهم وقال: (أنا من الفريقين جميعًا ولا أقدم فرقة على فرقة). انظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي (٨/ ٥٣٨).
[ ٢٠٥ ]
جدًا؛ لأنهم لم يكونوا يتعجلون الفتيا قبل أن يقلِّبوا النازلة على كافة وجوهها ويضعوها في موضعها الملائم من البنيان التشريعي الذي يشكل مذهبهم ومنهجهم الاجتهادي، في الحين الذي يتجرأ فيه عليهم من تعلق بطرف من العلم فحسب فيه العلم كله.
قال عمير بن سعيد (ت ١١٥ هـ): سألت علقمة (ت ٦٢ هـ) عن مسألة فقال: ائت عَبيدة (ت ٧٢ هـ) فسله، فأتيت عبيدة فقال: ائت علقمة، فقلت: علقمة أرسلني إليك، فقال: ائت مسروقًا (ت ٦٢ هـ) فسله، فأتيت مسروقًا فسألته، فقال: ائت علقمة فسله، فقلت: علقمة أرسلني إلى عبيدة، وعبيدة أرسلني إليك، قال: فأت عبد الرحمن بن أبي ليلى (ت ٨٣ هـ)، فأتيت عبد الرحمن بن أبي ليلى فسألته فكرهه، ثم رجعت إلى علقمة فأخبرته، قال: كان يقال: أجرأ القوم على الفتيا أدناهم علمًا (^١).
وهذه المعاني الأخلاقية والسلوكية لا يجوز أن تغيب عن ذهن الفقيه في تعليمه ولا المتفقه في تعلمه، فإن الغفلة عن تربية المتفقه عليها أثناء تفقهه قد تورث إعجاب كل ذي رأي برأيه مع بطر الحق الذي عند غيره وغمط أهل العلم فضلهم وسابقتهم، وهذا يعود بالضرر على العلم ذاته.
ومتى تقررت هذه المقدمات علمنا أن نقل الناس عما هم فيه من الأحوال الصالحة المستقيمة ولو في بعض المذاهب ليس
_________________
(١) الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، باب القول في السؤال عن الحادثة والكلام فيها قبل وقوعها (٦٤٢).
[ ٢٠٦ ]
مما يتغياه الفقهاء، لا سيما إذا انبنت عليه وجوه معاشهم وشؤون حياتهم، وأخبار أهل العلم في ذلك مشهورة ومستفيضة.
والناس إمام عامة وإما فقهاء أو سالكون لسبيل التفقه، فالعامة يجرون في أحوال تدينهم وتعبدهم على ما مضى عليه العمل في بلادهم مما أقره الفقهاء وعلموهم إياه. يقول ولي الله الدهلوي (ت ١١٧٦ هـ): (وكان من خبر العامة أنهم كانوا في المسائل الإجماعية التي لا اختلاف فيها بين المسلمين أو جمهور المجتهدين لا يقلدون إلا صاحب الشرع، وكانوا يتعلمون صفة الوضوء والغسل والصلاة والزكاة ونحو ذلك من آبائهم أو معلمي بلدانهم فيمشون حسب ذلك، وإذا وقعت لهم واقعة استفتوا فيها أي مفت وجدوا من غير تعيين مذهب) (^١).
وأما الفقهاء والمتفقهون فقد جرت عادتهم بعد استقرار المذاهب على أن يسلك دارس الفقه بعض هذه المذاهب فيتفقه بها، لا سيما مذهب شيوخه وما جرت عليه أحوال أهل بلده؛ لأن مخالفته لذلك قد يفضي إلى زعزعة شيء من الأحوال الراسخة، وهي أحوال صالحة على وجوه معتبرة، ولو ظلت أحوال الناس تتنقل بحسب رأي كل مفتٍ يظهر فيهم أو قاض يتولى عليهم لأدى ذلك إلى فساد واضطراب، ومع ذلك فإن هذه المذاهب التي حفظتها الأمة وتناقلتها جيلًا بعد جيل تكاد تستوعب طرائق فهم الشريعة، وهؤلاء فقهاء الأمة وعلماؤها
_________________
(١) حجة الله البالغة، الدهلوي (١/ ٢٦٠).
[ ٢٠٧ ]
باختلاف أزمنتهم وأمكنتهم كالمطبقين على التفقه بهذه المذاهب لا على وجه حصر الحق فيها أو الغلو في أئمتها (^١)، بل على أنها مناهج للفهم لا تكاد طرائق المجتهدين تخرج عنها، وهذا ما أراده ابن المنيِّر (ت ٦٨٣ هـ) بقوله: (إحداث مذهب زائد بحيث يكون لفروعه أصول وقواعد مباينة لسائر قواعد المتقدمين متعذر الوجود، لاستيعاب المتقدمين سائر الأساليب) (^٢)، وابن برهان (ت ٥١٨ هـ) بقوله: (أصول الأدلة وقواعد المذاهب منقولة عن السلف) (^٣).
وهذا الفهم المطمئنُّ لطبيعة المذاهب وعلاقتها ببعضها يبعث في نفس المتفقه السكينة والثقة وحسن الظن بعلماء الأمة وفقهائها، ويحمله على التماس الأعذار والمخارج لهم فيما يخالفهم فيه مما يذهبون إليه، ويجعل من أصل الاعتصام والاجتماع الإيماني الذي جاءت به الشريعة مبدأ راسخًا في نفسه لا تخرمه موارد الخلاف السائغ، بل يقدمه عليها عند التعارض.
_________________
(١) رد ابن أبي زيد القيرواني (ت ٣٨٦ هـ) ردًا شديدًا على الذين يستدلون بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] على إبطال اقتداء الناس بعلمائهم، وبين فساد هذا الاستدلال وقبحه. انظر: الذب عن مذهب مالك (١/ ٢٦٨).
(٢) جاء النقل عنه في: البحر المحيط، الزركشي (٦/ ٢٨٥)، وانظر: الرد على من أخلد إلى الأرض، السيوطي (٣٩).
(٣) الوصول إلى الأصول، ابن برهان (٢/ ٣٥٢)، ولمزيد بسط لهذا المعنى راجع: منهج البحث والفتوى في الفقه الإسلامي بين انضباط السابقين واضطراب المعاصرين، مصطفى بشير الطرابلسي (١٦٧).
[ ٢٠٨ ]
جاء في رسالة الليث بن سعد (ت ١٧٥ هـ) إلى الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ): (وذاكرتك أنت وعبد العزيز بن عبد الله (ت ١٦٤ هـ) بعض ما نعيب على ربيعة (ت ١٣٦ هـ) من ذلك، فكنتما لي موافقين فيما أنكرت تكرهان منه ما أكره، ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير وعقل أصيل ولسان بليغ وفضل مستبين وطريقة حسنة في الإسلام ومودة صادقة لإخوانه عامة ولنا خاصة، رحمة الله عليه وغفر له وجزاه بأحسن من عمله) (^١).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ): (ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات؛ لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا، كما ترك النبي ﷺ تغيير بناء البيت لما في إبقائه من تأليف القلوب، وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر ثم صلى خلفه متمًا وقال: الخلاف شر) (^٢).
ومن المهم الإشارة في ختام هذا الحديث إلى أمر لا يصح أن يغفل عنه فقيه معني بشؤون الإصلاح، وهو أن قضايا الإصلاح الكبرى لا ينبغي أن تكون من قبيل المسائل الخلافية بين المذاهب المعتبرة، بل هي من أصول الدين التي لا خلاف بين أهل الفقه والحكمة فيها، ولا يقصد من هذا بحال أن ما يسميه الفقهاء (الخلافيات) ليس لها دور وأثر في الإصلاح، فقد مضى بيان
_________________
(١) انظر: المعرفة والتاريخ، الفسوي (١/ ٦٩٠).
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٢/ ٤٠٧).
[ ٢٠٩ ]
أثرها في موضعه، وإنما المقصود هنا أن مقاصد الإصلاح وغاياته لا يمكن أن تكون أمورًا مختلفًا فيها من الناحية الفقهية، فأما ما يتعلق بالخلافيات فلا بد من مراعاة المذاهب الفقهية المعتبرة فيها عند تقويم الترقي الإصلاحي.
[ ٢١٠ ]