حتى يتبين العمل المقبول من المردود، قسم ابن القيم العمل إلى
_________________
(١) إعلام الموقعين (١/ ١٥٧).
(٢) الآتي من "ابن القيم أصوليًا" (ص ١٣٧ - ١٣٨).
(٣) انظره (٢٠/ ٢٩٩ - ٣٠١).
(٤) انظر: "تهذيب السنن" (١/ ٦٤)، و"زاد المعاد" (١/ ٢٦١).
[ ١ / ١٧٥ ]
قسمين رئيسيين (١):
القسم الأول: ما كان من طريق النقل والحكاية، وهو على ثلاثة أضرب:
أولًا: نقل الشرع مبتدأ من جهة النبي -ﷺ-، وهو أربعة أنواع:
١ - نقل قوله -ﷺ-: وهو الأحاديث المدنية التي هي أم الأحاديث النبوية وأشرف أحاديث أهل الأمصار، ومن تأمل أبواب البخاري وجده أول ما يبدأ في الباب بها ما وجدها، ثم يتبعها بأحاديث الأمصار.
٢ - نقل فعله -ﷺ-: كنقلهم أنه توضأ من بئر بضاعة، وخروجه كل عيد إلى المصلى ليصلي هو والناس، وكيف كان يخطبهم.
٣ - نقل تقريره لهم على أمر شاهدهم عليه أو أخبرهم به: كنقلهم إقراره لهم على صنائعهم المختلفة من تجارة وخياطة وصياغة وفلاحة، وإنما حرم عليهم فيها الغش والتوسل بها إلى المحرمات، وكإقرارهم على إنشاد الأشعار المباحة، وذكر أيام الجاهلية والمسابقة على الأقدام، وكإقراره لهم على الأنكحة التي عقدوها في حال الشرك ولم يتعرض لكيفية وقوعها، وإنما أنكر منها ما لا مساغ له في الإسلام حين الدخول فيه، إلى غير ذلك مما أقرهم عليه.
٤ - نقلهم لترك شيء قام سبب وجوده ولم يفعله:
- فإما أن يصرحوا بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله، كقولهم في شهداء أحد: ولم يغسلهم ولم يصل عليهم.
- وإما ألا ينقلوا ما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو أحد منهم على نقله، فما دام لم ينقله واحد منهم قط ولا حدث به في مجمع أبدًا، علم أنه لم يكن، وهذا كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة، وغير ذلك، ومن هنا يعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة، فإن تركه سنة كما أن فعله سنة.
ثانيًا: نقل العمل المتصل زمنًا بعد زمن من عهده -ﷺ-: كتركهم أخذ الزكاة من الخضروات مع أنها كانت تزرع بالمدينة، وقد كان النبي -ﷺ- والخلفاء بعده لا
_________________
(١) "إعلام الموقعين" (٣/ ٣٤٨ - ٣٤٩)، واعتمد ابن القيم في هذا التقسيم على القاضي عبد الوهاب، انظر: "ترتيب المدارك" (١/ ٤٧ - ٥١)، "إرشاد الفحول" (٨٢)، مع التنويه إلى أن ابن القيم توسع في بيان هذه الأقسام بتفريعات وأمثلة كثيرة.
[ ١ / ١٧٦ ]
يأخذون منها. وكنقل الأذان للصبح قبل الفجر، وتثنية الأذان وإفراد الإقامة، وغير ذلك، فهذا النقل حجة يجب اتباعها.
ثالثًا: نقل لأماكن وأعيان ومقادير لم تتغير حالها: كنقلهم الصاع والمد، وتعيين موضع المنبر، ومسجد قباء، وتعيين الروضة والبقيع ونحو ذلك، ونقل هذا جار مجرى نقل مواضع المناسك، كالصفا والمروة ومنى ومواضع الجمرات ومزدلفة وعرفة ومواضع الإحرام.
وهذا القسم ينبغي ألا يختلف فيه، لأنه من باب النقل المتواتر ولا فرق بين القول والفعل والإقرار، كل ذلك نقل محصل للعلم القطعي، فإنهم عدد كثير وجم غفير يستحيل تواطؤهم على خلاف الصدق.
القسم الثاني: ما كان من طريق الاجتهاد والاستدلال، وهذا القسم وقع فيه خلاف بين المالكية، كما نقل ذلك ابن القيم عن القاضي عبد الوهاب، وهذا الخلاف على ثلاثة أوجه:
- أحدها: أنه ليس بحجة أصلًا، وأن الحجة هي إجماع أهل المدينة من طريق النقل، ولا يرجح به أيضًا أحد الاجتهادين على الآخر، وهذا قول معظم المالكية.
وقد أنكروا أن يكون هذا مذهبًا لمالك، أو لأحد من معتمدي أصحابه.
- الوجه الثاني: أنه وإن لم يكن حجة، فإنه يرجح به اجتهادهم على اجتهاد غيرهم، وهو قول بعض المالكية، وبه قال أصحاب الشافعي.
- والوجه الثالث: أن إجماعهم من طريق الاجتهاد حجة، وإن لم يحرم خلافه، كإجماعهم من طريق النقل، وهذا مذهب قوم من المالكية وحكوه عن مالك، وفي رسالةَ مالك إلى الليث بن سعد (١٧٥ هـ) ما يدل عليه (١).
ومن الجدير بالذكر أن الدكتور الجيدي (٢) ذكر أن الذين انتقدوا عمل أهل المدينة ورفضوا الأخذ به يظهر من كلامهم أنهم نظروا إليه باعتبار أنه إجماع، خلافًا لما ذهب إليه محققو المالكية.
وهذا الكلام لا ينطبق على ابن القيم لأنه:
١ - على معرفة دقيقة بعمل أهل المدينة.
_________________
(١) "إعلام الموقعين" (٣/ ٢٤٨ - ٢٦٧).
(٢) انظر: "العرف" له (٣٠١).
[ ١ / ١٧٧ ]
٢ - ينطلق في حديثه عن العمل مما ذكره محققو المذهب كالقاضي عبد الوهاب، وينطلق من الأحكام التي أصلها العمل، مبينًا ترجيح المالكية للعمل على سنن ثابتة بحجة أنها من أخبار الآحاد.
٣ - في رده ليس هناك ما يدل على أنه يقصد فهم الإمام مالك للعمل، وإنما يقصد المتعصبين للمذهب الذين يأخذون بالعمل بإطلاق، دون التمييز بين ما طريقه النقل وما طريقه الاستدلال.
وقد صرح ابن القيم -كما تقدم- أن ما طريقه النقل موضع اتفاق، ولا يتصور وجود نص صحيح يعارضه.
يقول الباجي: "إن مالكًا إنما عول على أقوال أهل المدينة وجعلها حجة فيما طريقه النقل. . . " (١)، "وأما مسائل الاجتهاد فالمالكية وغيرهم سواء" (٢).
وعلق الدكتور الجيدي (٣) على موقف ابن القيم من العمل بأنه متناقض، حيث ما نص عليه في "إعلام الموقعين" من أن عمل أهل المدينة منه ما هو حجة ومنه ما ليس كذلك، ناقضه في كتابه "الطرق الحكمية" (٤) حيث أشاد به واعتبره حجة.
وحتى يتبين هذا الأمر نعرض ما جاء عن العمل في "الطرق الحكمية":
قال ابن القيم: ". . . ومن ذلك قول أهل المدينة -وهو الصواب- أنه لا يقبل قول المرأة: أن زوجها لم يكن ينفق عليها ويكسوها فيما مضى من الزمن، لتكذيب القرائن الظاهرة لها، وقولهم في ذلك هو الحق الذي ندين اللَّه به ولا نعتقد سواه" (٥).
فوَصْفُه قولَ أهل المدينة بالصواب، لا يفهم منه أنه يعمم الصواب على كل أقوال أهل المدينة، ووصفه بأنه الحق الذي يدين اللَّه به ولا يعتقد سواه، يقصد به ابن القيم هذه المسألة بالذات ولا يعمم.
وعن مذهب أهل المدينة في الدعاوى يقول: "وهو من أَسَدِّ المذاهب وأصحها" (٦)، ويقول: "هذا مذهب مالك وأصحابه وهو الصواب" (٧)، في موضوع الدعاوى بالخصوص.
_________________
(١) "أحكام الباجي" (٤٨٠ - ٤٨١).
(٢) "أحكام الباجي" (٤٨٢).
(٣) في كتابه "العرف" (ص ٣١٥ - ٣١٦).
(٤) انظره: (ص ٢٠).
(٥) "الطرق الحكمية" (ص ٢٠).
(٦) "الطرق الحكمية" (ص ٨٨).
(٧) "الطرق الحكمية" (ص ١١٤).
[ ١ / ١٧٨ ]
هذا الفهم هو الذي يبدو أن كلام ابن القيم المتقدم يحتمله، فليس إذَنْ في مَوقِفِهِ مِنَ العمل أَيَّ تناقض.
ثم إن قوله برأي للمالكية في مسألة لا يلزمه أن يقول بكل آرائهم، ورفضه لرأي لهم لا يعني بالضرورة وجوب رفضه لكل آرائهم، فهو يقول بالرأي الذي يؤيده الدليل، سواء كان رأيًا للمالكية أو لغيرهم.