ولم تخل مباحث هذه الأمثلة من تأصيل وتقعيد، وتفريع، فذكر -مثلًا- تحت (المثال الثامن عشر) مسألة (الزيادة على النَّصّ) وقرر أن "السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه" (١)، وسرد أمثلة كثيرة جدًّا، فيها الرد على معطلي الاستدلال بالسنة بحجة الزيادة على النّص وألزمهم بأنهم فعلوا ذلك في مسائل عديدة (٢). ثم نقل عن أهل الرأي أنواع دلالة السنة الزائدة على القرآن، وناقشهم في التأصيل والتنويع، ورده عليهم من اثنين وخمسين وجهًا، قال قبل ذكر الأخير منها (٣/ ١٣٢): "فهذا طرف من بيان تناقض من رد السنن بكونها زائدة على القرآن، فتكون ناسخة؛ فلا تقبل" (٣).
وذكر تحت (المثال الخامس والعشرين) النصوص التي فيها الرجوع عن الهبة، واعتنى بألفاظها، واضطر ليظهر الحق فيها إلى التخريج والكلام في الرواة، والعناية بالثابت من الألفاظ (٤).
_________________
(١) انظرها في (٣/ ٨٤).
(٢) انظر: (٣/ ٨٥ - ٩٣).
(٣) أفرد الدكتور عمر بن عبد العزيز ﵀ في كتابه "الزيادة على النص" (٧٢) في (المطلب الثالث) من (الفصل الثاني): (موقف الإمام ابن القيم من الزيادة على النص)، وقال أوله: "عنى الإمام ابن القيم بمسألة الزيادة على النص عناية فائقة، ولا تكاد تذكر هذه المسألة عند المطلعين على كتب أهل السنة المتبعين لطريقة السلف الصالح -﵃-، والمهتمين بها إلا ويذكرون معالجة ابن القيم لها، مما يحمل الباحث فيها على إفراد مبحث لموقف العلامة ابن القيم ﵀ منها" قال: "وأوسع معالجة له ﵀ لهذه المسألة في كتابه القيم "إعلام الموقعين" تناولها في أربع وعشرين صحيفة منه، ولا أعلم مؤلفًا بحثها في مثل هذه الكمية من الصحائف". وأطال الكلام فيه في تحليل رأي ابن القيم، انظر منه: (ص ٧٢ - ٩١)، وظهر أثر كتابنا على وجه جلي في دراسة الأستاذ الشيخ سالم بن علي الثقفي المنشورة عن المطبعة السلفية بمصر بعنوان "الزيادة على النص" انظر منها: (ص ١٩، ٢٠، ٢٢، ٥٩، ٦٦، ٦٧، ٧٦، ٧٧، ٨٠، ٨١، ٨٢، ٨٣).
(٤) انظر: (٣/ ١٣٨ - ١٤٣).
[ ١ / ٣٨ ]
وذكر تحت (المثال السابع والعشرين) نظائر للمسالة التي أدرجها تحته، وهي مسائل قال بها (القياسون) بـ (دعوى أنّ ذلك موجب الأصول) (١)، وكان ذلك استطرادًا حسنًا، يدلل على ملكة ابن القيم الفقهية القوية.
وذكر تحت (المثال الثامن والعشرين) استطرادًا وتأصيلًا أن (أحكام الابتداء غير أحكام الدوام)، وبرهن أن النص والإجماع والقياس فرَّق بينهما (٢).
وشد النفس في (المثال السادس والخمسين) (٣)، فجمع الأحاديث في المسألة المبحوثة وعزاها إلى دواوين السنة، وتكلم على درجتها، وبيَّن ما يخالفها، ثم استطرد فـ (تكلم على عمل أهل المدينة) (٤)، وذكر أمثلة تخرّج على هذا الأصل، وتعرض لمنهج البخاري في "صحيحه" (٥)، وحجيَّة فعله -ﷺ- وإقراره، ثم تعرض إلى "نقلهم لتركه -ﷺ-" وأنه نوعان، وكلاهما سنة، ثم تعرض لنقل العمل المستمر، للعمل الذي طريقه الاجتهاد، وحال خبر الواحد معه، ومنزلته منه، وحكم العمل في المدينة بعد انقراض عصر الصحابة، وتغير عمل أهل المدينة من عصر إلى عصر، ثم لخص ذلك بقوله في (٣/ ٢٧٣):
"وخذ بلا حسبان ما شاء اللَّه من سُننٍ قد أهملت وعُطِّل العملُ بها جملة، فلو عمل بها من يعرفها، لقال الناس: تركت السنة، فقد تقرر أن كل عمل خالف السنة الصحيحة لم يقع من طريق النقل ألبتة، وإنما يقع من طريق الاجتهاد، والاجتهاد إذا خالف السنة كان مردودًا، وكل عملٍ طريقه النقل، فإنه لا يخالف سنة صحيحة ألبتة" (٦).
ثم ذكر (المثال السابع والخمسين) وذكر فيه (٣/ ٢٧٣ - ٢٧٩) اختلاف
_________________
(١) انظر: (٣/ ١٤٤ - ١٥٢).
(٢) انظر: (٣/ ١٥٥ - ١٥٨).
(٣) استغرق من صفحة (٢٣٩) إلى صفحة (٢٧٣) من (المجلد الثالث).
(٤) اعتنى الباحثون والمطلعون بكلام ابن القيم في هذا الموضوع، فنجد -مثلًا- في كتاب "عمل أهل المدينة" لأحمد محمد نور سيف (ص ٩٤ - ٩٥) عنوان (مراتب العمل عند ابن القيم وحجيّة كل مرتبة) ثم قارن بين تقسيماته في كتاب "الأعلام" وتقسيمات كل من القاضي عياض وابن تيمية، انظر: (ص ٩٦ - ١٠١)، وكذلك فعل الدكتور محمد المدني بوساق في كتابه "المسائل التي بناها الإمام مالك على عمل أهل المدينة" (١/ ٧٤ - ٧٥، ٨٦ - ٩٣).
(٥) انظر: صلته بعمل أهل المدينة في (٣/ ٢٤٩).
(٦) انظر في مناقشة هذا: بحث "أصول المذهب المالكي" المنشور في مجلة "الفقه المالكي والتراث القضائي بالمغرب" العددان (٥ - ٦) رمضان ١٤٠٧ هـ (ص ٧١، ٩٣ - ٩٤).
[ ١ / ٣٩ ]
الرواة في حكم الجهر بالتأمين، وأيَّد الجهر بستة مرجِّحات حديثيَّة.
وكذلك أطال النفس الحديثي بتتبع ما ورد في (وضع اليدين في الصلاة) وذلك في (المثال الثاني والستين) (١).