وأكد هذه القاعدة بقوله في (٣/ ٤٩٩): "وقاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمُها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات، كما هي معتبرة في التقربات والعبادات" وقال في (٣/ ٥٥٠): "ودلائل هذه القاعدة تفوت الحصر"، وأخذ يستدل ويفرع بمسائل كثرت الحاجة إليها في عصره، وجمد علماء الألفاظ على الموجود في بطون الكتب، فتعرض لـ (أنواع شروط الواقفين) وحكم كل نوع، ثم أخذ في ذكر مسائل فقهية مدللة، وتأصيل بعض الكليات التي لها تعلّق بهذه المسائل، مثل: (النية لها تأثير في العقود) (٢) و(إبطال كل شرط يخالف القرآن) (٣)، وعقد بعد ذلك مناظرة
_________________
(١) من بديع كلام الغزالي في "معيار العلم" (ص ١٧١): "الشرع كثير الالتفات إلى المعاني، قليل الالتفات إلى الصور والأسامي".
(٢) اتَّهم البوطي في "ضوابط المصلحة" (ص ٢٦٢ وما بعد) ابن القيم بالتناقض! وزعم أنه لا دليل على هذه القاعدة! وناقشه بقوة الدكتور حسين حامد في كتابه "نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي" فانظر كلامه، فإنه مفيد.
(٣) في "المدخل المفصل" (١/ ٥٢): "ولابن القيم -رحمه اللَّه تعالى- في "إعلام الموقعين" بحث نفيس مطول في إبطال شروط الواقفين غير الشرعية، وأنها تصرف في الأقرب لمقصد الواقف من المصارف الشرعية".
[ ١ / ٥٤ ]
بين الجامدين على اللفظ والعاملين بالمعنى والقصد. قال في (٣/ ٥١٣ - ٥١٤):
"فانظر ملتقى البحرين، ومُعْتَرَكَ الفريقين، فقد أبرز كل منهما حجته، وخاض بحر العلم فبلغ منه لُجَّتَه، وأدْلى من الحجج والبراهين بما لا يُدفع، وقال ما هو حقيق بأن يقول له أهل العلم: قل؛ يُسْمَعْ، وحُججُ اللَّه لا تتعارض، وأدلة الشرع لا تتناقض، والحق يُصدّق بعضه بعضًا، ولا يقبل معارضة ولا نقضًا، وحرامٌ على المقلد والمتعصب أن يكون من أهل هذا الطراز الأول، أو يكون على قوله وبحثه إذا حقَت الحقائق المُعَوَّل، فليجرب المدعي ما ليس له والمدعي في قوم ليس منهم نفسَه وعملَه وما حصَّله في الحكم بين الفريقين، والقضاء للفصل بين المتغالِبَيْن، وليبطل الحجج والأدلة من أحد الجانبين، ليسلم له قول إحدى الطائفتين، وإلا؛ فليلزم حدَّه، ولا يتعدى طَوْرَه، ولا يمد إلى العلم الموروث عن رسول اللَّه -ﷺ- باعًا يقصر عن الوصول إليه، ولا يَتَّجر بنقدٍ زائفٍ ولا يروج عليه، ولا يتمكن من الفصل بين المقالين إلا من تجرد للَّه مسافرًا بعزمه وهمته إلى مطلع الوحي، مُنْزِلًا نفسَه منزلَةَ من يتلقاه غضًّا طريًّا مِنْ في رسول اللَّه -ﷺ- يعرض عليه آراء الرجال ولا يعرضه عليها، ويحاكمها إليه ولا يحاكمه إليها".
وأخذ في تقرير قاعدة الإعمال لا الإهمال، وعدّ عشرة أشياء (١) لا يؤاخذ اللَّه المكلف بها، لعدم قصده وعقد قلبه الذي يؤاخذه به، وراح يدلّل عليها، بما لا يدع مجالًا للشك في ذلك، ورجع إلى بيان أقسام الألفاظ الثلاثة (٢) بالنسبة إلى مقاصد المتكلمين ونيّاتهم وإراداتهم، وبيَّن متى يحمل الكلام على ظاهره، ومتى لا يحمل؟