لا يخفى أنّ مسألة الاجتهاد والتقليد قد أخذت طورًا خطيرًا، ودارت كثيرًا على ألسنة أهل العلم، وتناولتها أقلام كتابنا، ونجم عنها سوءُ تفاهم، وتفرق كلم، واختلاف عظيم بين المجددين لعهد السلف، وبين المقلدين الحريصين على اتباع سبل أشياخهم، وحملوا على بعضهم حملاتٍ شديدة الوطأة، حتى كاد بعضهم يكفر بعضًا، ومنشأ ذلك استرسال الفريقين في صرف القول على إطلاقه، بدون قيد ولا شرط ولا تفصيل (١).
- وعمل ابن القيم في كتابنا هذا إلى ضبط أنواع التقليد، فقال في أول مباحثه (٢/ ٤٤٧): (ذكر تفصيل القول إلى التقليد وانقسامه إلى ما يحرم القول فيه، والإفتاء به، وإلى ما يجب المصير إليه، وإلى ما يسوغ من غير إيجاب).
وقسَّم كلَّ نوع إلى أقسام، وذكر الفرقَ بين الاتباع والتقليد، وحُججَ كل فريق، وما قاله الأئمة الأربعة عن تقليدهم، ثم خص (فصلًا) في (٢/ ٤٧٠ - ٥٧٤، و٣/ ٥ - ٣٦) (في عقد مجلس مناظرة بين مقلّد وصاحب حجة منقاد للحق حيث كان) وأطال النفس جدًّا في هذه المباحث التي أشاد الباحثون والعلماء بها، وأحالوا إليها (٢)، قال
_________________
(١) "عمدة التحقيق" (١٤٠).
(٢) انظر في ذلك -على سبيل المثال-: "القول السديد في كشف حقيقة التقليد" لمحمد الأمين الشنقيطي (ص ٣٤ - ٣٥، ٦٤ - ٦٦)، "مقام الرشاد بين التقليد والاجتهاد" لفيصل بن عبد العزيز آل مبارك (ص ٢٧ - ٣٢)، "المنهج الفريد في الاجتهاد والتقليد" لوميض العمري (٤٦، ٦٣، ٨٩، ٢٢٤، ٢٣٦، ٢٣٩ - ٢٤٠، ٢٤٢، ٢٤٤ - ٢٤٥، ٢٤٨ - ٢٤٩، ٢٥٨ - ٢٥٩)، "عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق" (١٢٦، ١٤٠، ١٥٠، ١٦٢، ٢٠٢) ومواطن أخر تعرف من (فهرس الأعلام) و(فهرس الكتب) (في الطبعة الثانية منه - دار القادري)، "المدخل لدراسة الفقه الإسلامي" (١٣٠ - ١٣٥) لإبراهيم عبد الرحمن، "التقليد في الشريعة الإسلامية" لعبد اللَّه بن عمر محمد الأمين الشنقيطي (ص ٤١، ٦٦، ٧٢، ٨١، ٩٧، ١٠٠، ١٠٣، ١٢٠، ١٣٢ - ١٣٣، ١٣٤، ١٣٦، ١٤٤، ١٤٥، ١٦٨)، "القول المفيد" للشوكاني (٥٦ - ٥٧) "المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل" (١/ ٦٦)، "التصور اللغوي عند الأصوليين" (٣٥ - ٣٦) سيد أحمد عبد الغفار.
[ ١ / ٣٥ ]
الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب في (رسائله الشخصية) (١) في رسالة له إلى الشيخ عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللطيف:
"والحاصل أن صورة المسألة: هل الواجب على كل مسلم أن يطلب علم ما أنزل اللَّه على رسوله، ولا يعذر أحد في تركه البتة؟ أم يجب عليه أن يتبع "التحفة" (٢) -مثلًا-" قال:
"فأعْلمُ المتأخرين وسادتهم، منهم ابن القيم، قد أنكروا هذا غاية الإنكار، وأنه تغيير لدين اللَّه" وقال بعد كلام:
"فعندكم كتاب "إعلام الموقعين" لابن القيم، فقد بسط الكلام فيه على هذا الأصل بسطًا كثيرًا، وسرد من شبه أئمتكم ما لا تعرفون أنتم ولا آباؤكم، وأجاب عنها، واستدلّ لها بالدلائل الواضحة القاطعة .. . . " (٣)، وقال فيها أيضًا:
"وإنْ أردتَ النظر في "إعلام الموقعين" فعليك بمناظرةٍ في أثنائه عقدها بين مقلد وصاحب حجة. . . " (٤).
وقال فيها بعد أن أورد نصًّا طويلًا منه ومن كتاب "الإيمان" لابن تيمية: "فتأمل هذا الكلام بشراشر قلبك، ثم نزِّله على أحوال الناس وحالك، وتفكَّر في نفسك، وحاسبها بأيّ شيء تدفع هذا الكلام، وبأي حجة تحتج يوم القيامة على ما أنت عليه" (٥).
وقال صديق حسن خان بعد كلام:
"وهاهنا أبحاثٌ في التَّقلِيد وانقسامه إلى ما يُحْرَمُ القول فيه والإفتاء به، وإلى ما يجب المصير إليه، إلى ما يسوغ من غير إيجاب. قد أطال الحافظُ ابنُ القيِّم في "الأعلام" في تفصيل القول في ذلك إلى كراريس طويلة، وحرَّر احتجاج المقلِّدين وأدلَّتهم، وأجاب عن كل حُجَّةٍ ودليل لهم، جوابًا شافيًا كافيًا وافيًا، لم يغادر شيئًا من الرَّدِّ على المقلِّدين. وذكر إحدى وثمانين وجهًا في الاحتجاج
_________________
(١) مطبوعة ضمن كتاب "مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب".
(٢) يريد "تحفة المحتاج" للهيتمي.
(٣) "الرسائل الشخصية" (٢٥٤ - ٢٥٥).
(٤) "الرسائل الشخصية" (٢٥٨)، وذكرها برمّتها السيد محمد رشيد رضا في مجلة "المنار" (م ٦/ ص ٥٠٠ - ٥٠٦، ٥٣٩ - ٥٤٤، ٥٩٤ - ٥٩٨، ٦١٦ - ٦٢٠، ٦٨٠ - ٦٨٢، ٦٩٦ - ٦٩٩، ٧٦٦ - ٧٧٠، ٨٢٠ - ٨٢٢، ٨٥٣ - ٨٥٦، ٩٣٩).
(٥) "الرسائل الشخصية" (٣٠٥).
[ ١ / ٣٦ ]
عليهم، وليس الكلام على ذلك من غرضنا في هذا الكتاب، وما أحقَّ أبحاثَه هذه بالإفراز وجعلها كتابًا مستقلًا، مع ضَمِّ كلام القاضي العلَّامة محمد بن علي الشوكاني في مؤلَّفاته في التَّقلِيد -وهو أيضًا كثير جدًّا- في مؤلَّفات مستقلَّة، وغضون أبحاثٍ ومسائل في تفسيره "فتح القدير" وغيره" (١).
وقد أفصح ابن القيم: أن مبحثه في (التقليد) كمبحثه في (القياس) فيه جدّة وإحاطة وشمول على وجه تخلو منه الكتب، قال في (٣/ ٣٦) ما نصه:
"وقد أطلنا الكلام في القياس والتقليد، وذكرنا من مآخذهما وحجج أصحابهما وما لَهُم وعليهم من المنقول والمعقول ما لا يجده الناظر في كتاب من كتب القوم من أولها إلى آخرها، ولا يظفر به في غير هذا الكتاب أبدًا، وذلك بحول اللَّه وقوته ومعونته وفتحه، فله الحمد والمنة، وما كان فيه من صواب فمن اللَّه، هو المانُّ به، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان، وليس اللَّه ورسوله ودينه في شيء منه، وباللَّه التوفيق".
ومن نافلة القول: أن عدم إدخال ابن القيم ربقة التقليد في عنقه، من أسباب نضج عقله، وسمو فكره، ووقوفه على الشيء الكثير من أسرار الشريعة، ولو كان غيره سلك هذا المسلك لصار الناس إخوانًا، ولكان للشريعة وضع آخر، فكم أفسد التقليد عقولًا، وكم أهوت العصبية المذهبية بالأفكار إلى مكان سحيق، فقتلت المواهب، ونصبت النزاع في مواضع الوفاق، وفرقت كلمة المسلمين.