زعم بعض المعاصرين (٤) أنه كتاب في (التوحيد)! وهذا ليس بصحيح، وفي الحقيقة أن ترتيب مؤلفات ابن القيم بالنسبة إلى موضوعها، أعني: العلم الذي يبحث فيه كل مؤلف -بحيث نقول: إن هذا الكتاب في التوحيد، وهذا في الحديث، والآخر في الأصول- أمر عسر، لأنّ أي مؤلف من مؤلفاته لا يعالج موضوعًا وفنًّا واحدًا، فكتابنا هذا على الرغم أنه ليس في التوحيد، إلا أن فيه استطرادات (٥) في
_________________
(١) وعنه ابن العماد في "شذرات الذهب" (٦/ ١٦٩) وصديق حسن خان في "أبجد العلوم" (٣/ ١٤٠).
(٢) انظر: "معجم المطبوعات العربية والمعربة" (١/ ٢٢٣) "ذخائر التراث العربي" (١/ ٢٢٠).
(٣) سيأتي إن شاء اللَّه تعالى وصفُها.
(٤) هو يوسف سركيس الدمشقي في كتابه "معجم المطبوعات العربية والمعربة" (١/ ٢٢٣ رقم ٣).
(٥) انظر -مثلًا-: كلامًا في (الإرجاء) في (٣/ ١٤٤) وكلامًا في (العلو) في (٣/ ٧٥) وكلامًا في (المقارنة بين الشرائع) في (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، ففي هذه المواطن تقر عين الموحد، ويفرح ببرد اليقين الذي يجده عنده، بخلاف غيرهم من أهل البدع والعقائد الفاسدة، واللَّه الهادي.
[ ١ / ١٣ ]
التوحيد، لا تكاد تجدها بالوضوح والقوة المطروقة فيه في الكتب المختصّة بذلك، وهكذا.
ومن هاهنا؛ نستطيع أن نقرر أن الغالب على كتابنا هذا (مباحث أصولية) واستطرادات (فقهية) (١)، جمعها عقدُ (أسرار الشريعة)، وأنها (قواعد) مطردة، والغالب عليها أنها (معلَّلة)، ولم يشذ منها شيء عن (العقل) الصحيح، و(القلب) السليم، و(الذوق) الجيد، التابع ذلك كله لنصوص الوحيين الشريفين، وآثار السلف الصالحين ومنهجهم في التلقِّي والاستنباط والفتوى، البالغ (الذروة)، بحيث اصطفاهم اللَّه لنبيِّه -ﷺ-، كما اصطفى (نبيَّه) -ﷺ- لسائر الخلق، فهم القدوة، وفي منهجهم -فقط- يُعبد اللَّه بحق، وتأتي -حينئذٍ - العبادة بثمارها وبركاتها وآثارها، فينال صاحبها خيري الدنيا والآخرة، ويتقلب في مرضاة اللَّه ﷿ في الدور الثلاثة: الدنيا، والبرزخ، والآخرة.
_________________
(١) يجد الناظر في قائمة مصادر دراسات المعاصرين عند تقسيمهم إياها على (الموضوعات) اضطرابًا في (تصنيف) كتابنا هذا، فمثلًا، ذكره الدكتور مصطفى جمال الدين في كتابه "البحث اللغوي عند الأصوليين" (ص ٣١٨) تحت (مصادر متنوعة في التفسير والحديث والتاريخ والطبقات وأمثاله)! وذكره الدكتور سالم الثقفي في كتابه "الزيادة على النص" (ص ١٣٢) تحت (مراجع عامة ومعاجم لغوية ودوائر معارف)! وذكره بعضهم تحت (كتب الفقه) قال المحمصاني في كتابه "المجاهدون في الحق" (ص ١٦٩) عن ابن القيم: "وأهم كتبه الفقهية كتاب "أعلام الموقعين"" وذكره آخرون تحت (كتب الأصول) كما فعل الشيخ راغب الطباخ في كتابه: "الثقافة الإسلامية" (ص ٤٠٩ ط سنة ١٣٦٩ هـ) وذكره غيرهم تحت (كتب الحنابلة)! مع أنه لم يرد له ذكر في "المنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة". ويعجبني وصفه بـ "موسوعة فقهية أصولية" كما في "مقاصد الشريعة" (ص ١١١). ومما يستحق الذكر بهذا الصدد، قول صاحب "من أحكام الديانة" (السفر الأول) (ص ١٥١): "وأصول الفقه والفقه علمان، لهما علم يشتركان فيه، ينبغي أن يكون فرعًا مستقلًا باسم (علوم علم الفقه وأصوله)، فيدخل فيه آداب المفتي والمستفتي، وأهلية الأصولي والفقيه، وتاريخ التشريع" انتهى. قال أبو عبيدة: ومباحث كتابنا: "الأعلام" هي المشتركة بين علمَي: الفقه والأصول، وإن كانت تارة إلى الفقه أظهر، بل بعض المسائل فيه فقهية خالصة، ولكن ساقها لتعلّقِ لها بالأصول، أو لإظهار حكَمِها وأسرارها، أو تأييدًا لمسألة شبيهة بها، أو نحو ذلك، مع مراعاة بنائه المسائل على الآثر بتَوسع، فهو كتاب فقه، توسع فيه في الاستدلال والتأصيل والتحليل؛ ولذا ذكره الشيخ بكر أبو زيد في "المدخل المفصل" (٢/ ٨٩٤) تحت عنوان (الكتب الجوامع في الفقه وغيره) وذكره (٢/ ٩٩٠) ضمن (الكتب الجوامع)، أيضًا.
[ ١ / ١٤ ]
نعم، هنالك استطرادات في معالجة مسائل امتُحِن بسببها المصنف وشيخه ابن تيمية، هي ثمار لتلك القواعد والأصول والأسرار التي قامت بقوة في نفس صاحبها، وتبرهنت عنده أدلة جليّة قوية تخصّها، وقوّتها عنده لما رآها قد وردت على وجه القطع في عموم نصوص الشريعة، فزادته تقريرًا وزانت في أعين الناظرين إليها، ووزنت حجج المخالفين لما تقع المقارنة بينها.