ونقله عن جمع من العلماء من لدن الصحابة إلى من قال به في عصره، واستطرد في هذا المقام بالاحتجاج بالآثار السلفية، والفتاوى الصحابية، وأنها أولى بالأخذ من آراء المتأخرين وفتاويهم، وأن قُربها من الصواب بحسب قرب أهلها من عصر الرسول -ﷺ-، وحط على المانعين بالأخذ بها، وصور حال بعض المفتين في عصره، بقوله في (٤/ ٥٤٥ - ٥٤٦):
"فكيف إذا عيَّن الأخذ بها (أي: أقوال الأئمة الأربعة) حكمًا وإفتاءً، ومنع الأخذ بقول الصحابة، واستجاز عقوبة من خالف المتأخرين لها، وشهد عليه بالبدعة والضلالة، ومخالفة أهل العلم وأنه يكيد الإسلام؟ تاللَّه لقد أخذ بالمثل المشهور: (رمتني بدائها وانْسَلَّتْ)، وسمَّى ورثة الرسول باسمه هو، وكساهم أثوابه، ورماهم بدائه، وكثير من هؤلاء يصرخ ويصيح ويقول ويعلن أنه يجب على الأمة كلهم الأخذ بقول من قلدناه ديننا، ولا يجوز الأخذ بقول أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وغيرهم من الصحابة، وهذا كلامٌ مَن أخذ به وتَقَفَده، ولاه اللَّه ما تولى، ويجزيه عليه يوم القيامة الجزاء الأوفى، والذي ندين اللَّه به ضد هذا القول".
- وعمل على ترتيب الأخذ بفتاوى الصحابة، فبدأ بترجيح أقوال أبي
_________________
(١) انظر: (٤/ ٥٤١).
[ ١ / ٦٧ ]
بكر (١)، ثم ذكر قول الصحابي إن لم يخالف قول صحابي آخر، وفصل في مذهب الشافعي وأقواله في الاحتجاج بقول الصحابي، ورد الاعتراضات على ذلك، واحتج على وجوب اتباعهم بالآيات والأحاديث والآثار والمعقول، وذكر ستة وأربعين (٢) وجهًا في وجوب العمل بقول الصحابي (٣).
قال صديق حسن خان عن مباحث المصنف في كتابنا هذا:
"ثم حرَّر فصلًا في جواز الفتوى بالآثار السَّلَفِيَّةِ، والفتاوى الصحابية، وأنها أولى بالأخذ بها من آراء المتأخِّرين وفتاويهم، وأن قربَها إلى الصَّواب بحسب قُرْب أهلِها من عصر الرَّسول صلوات اللَّه وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه؛ فكلَّمَا كان العهدُ بالرَّسُول أقرب، كان الصَّواب أغلب، وهذا حكمٌ بحسب الجنس لا بحسب كلِّ فرْدٍ فرْد من المسائل، لكن المفضَّلون في العصر المتقدِّم أكثرُ من المفضلين في العصر المتأخِّر، وهكذا الصَّواب في أقوالهم أكثرُ من الصَّواب في أقوال من بعدهم، فإن التَّفاوت بين علوم المتقدِّمين والمتأخِّرين كالتَّفاوت الذي بينهم في الفضل والدِّين" (٤).