اعتبر ابن القيم ﵀ معرفة حكمة الشريعة وأسرارها ومقاصدها ومحاسنها رأس أمر الفقه وذروة سنامه.
_________________
(١) "ابن القيم أصوليًا" (١٩٣).
(٢) انظر في ذلك أيضًا: "الحدود والتعزيرات عند ابن القيم" (ص ٩)، و"أحكام الجناية على النفس وما دونها عند ابن قيم الجوزية" (ص ١٢ - ١٣) كلاهما للشيخ بكر أبو زيد.
[ ١ / ١٨٦ ]
وقد تفوق ابن القيم على غيره في هذا المضمار، وعلى الرغم من تبنِّيه كلام شيخه ابن تيمية فيه، إلا أنه جاء -ولا سيما في كتابنا هذا- بما هو متمم ومكمل له، وقد وسع الكلام عليه. وفصّله في المسائل الفقهية، موظفًا ذلك في خدمة الدليل الشرعي، وقد أفاد وأجاد في ذلك، وأتى بما لم يأتِ به أحد قبله.
يقول بعض الباحثين (١) تحت عنوان (العلماء الذين قالوا: إن الأصل في العادات والعبادات التعليل). وذكر منهم (ابن القيم)، وقال:
- "يؤكد ابن القيم -متبعًا شيخه- على أن اللَّه تعالى عرف عباده عموم جلائل خلقه وأمره دون دقائقها وتفاصيلها، وهذا مطرد في الأشياء أصولها وفروعها، وأما تفاصيل أسرار المأمورات والمنهيات فلا سبيل إلى علم البشر بها، ولكن اللَّه يطلع من شاء من خلقه على ما شاء منها (٢). فهذا "أمر يضيق الجنان عن معرفة تفاصيله، ويحصر اللسان عن التعبير عنه" (٣) قال ﵀: "الحق أن جميع أفعاله وشرعه سبحانه لها حكم وغايات لأجلها شرع وفعل، وإن لم يعلمها الخلق على التفصيل، فلا يلزم من عدم علمهم بها انتفاؤها في نفسها" (٤).
ويرى ﵀ أنه ليس في الشريعة حكم واحد إلا وله معنى وحكمة يعقله من عقله، ويخفى على من خفي عليه (٥). ويرى -كما يرى شيخه (٦) - أنه ليس في الشريعة ما يخالف القياس، فمن رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس، فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، ليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر (٧).
وفي معرض رده على الذين لا يعللون تقديرات العقوبات يقول: "إن من شرع هذه العقوبات ورتبها على أسبابها جنسًا وقدرًا فهو عالم الغيب والشهادة، وأحكم الحاكمين، وأحاط علمه بوجوه المصالح دقيقها وجليلها وخفيها وظاهرها، ما يمكن اطلاع البشر عليه وما لا يمكنهم، وليست هذه التخصيصات والتقديرات خارجة عن وجوه الحكم والغايات المحمودة، كما أن التخصيصات والتقديرات
_________________
(١) هو الدكتور يوسف البدوي في كتابه "مقاصد الشريعة عند ابن تيمية" (ص ١٧٦ - ١٨٠) والمنقول بتصرف.
(٢) "مفتاح دار السعادة" (٣٢٨، ٤٣٤).
(٣) "شفاء العليل" (٧٨ - ٧٩).
(٤) "شفاء العليل" (٣٩٥، ٤٥١، ٥٠١).
(٥) "إعلام الموقعين" (٢/ ٢٩٤).
(٦) انظر "مجموع فتاوى ابن تيمية" (٢٠/ ٥٠٥).
(٧) "إعلام الموقعين" (٢/ ١٦٥).
[ ١ / ١٨٧ ]
الواقعة في خلقه كذلك، فهذا في خلقه وذاك في أمره، ومصدرهما جميعًا عن كمال علمه وحكمته ووضعه كل شيء في موضعه الذي لا يليق به سواه ولا يتقاضى إلا إياه، وإذا كان سبحانه قد أتقن خلقه غاية الإتقان، وأحكمه غاية الإحكام، فلأن يكون أمره في غاية الإتقان والإِحكام أولى وأحرى. ومن لم يعرف ذلك مفصلًا لم يسعه أن ينكره مجملًا، ولا يكون جهله بحكمة اللَّه في خلقه وأمره وإتقانه كذلك وصدوره عن محض العلم والحكمة مسوغًا له إنكاره في نفس الأمر" (١).
ولقد خصص ابن القيم كثيرًا من كتبه لبيان حكم اللَّه ومقاصده في أفعاله وأحكامه سبحانه مثل: كتابنا هذا، و"مفتاح دار السعادة"، و"شفاء العليل". ولقد ذكر عللًا كثيرة لكثير من أحكام الشريعة، ففي الطهارة والصلاة ذكر حكمًا عديدة لقراءة سورة الفاتحة في الصلاة، وطهارة الأعضاء والثياب والمكان، وأخذ الزينة، واستقبال القبلة، ثم حكم هيئات الصلاة من الركوع والقيام منه ثم السجدتين والجلوس بينهما والجلوس للتشهد والترتيب بين هذه الأركان، كما أنه أفاض في ذكر حكم غسل أعضاء الوضوء والاغتسال (٢). وبين الحكمة في التفريق بين صلاة الليل وصلاة النهار (٣). وفي الصوم والزكاة والحج وفيما يتعلق بها من أوقات وأماكن ومقادير بين حكم الشريعة ومحاسنها فيها، إلى غير ذلك من المعاملات وأحكام الأسرة والعقوبات (٤).
كل ذلك قوى ظني وشد أزره بأن المراد من كلام الشاطبي الآتي هو ابن القيم -مما يثبت اطلاعه على كتب ابن القيم وابن تيمية واستفادته منهما، حيث يقول الشاطبي: "الحِكَم المستخرجة لما لا يعقل معناه على الخصوص في التعبدات، كاختصاص الوضوء بالأعضاء المخصوصة، والصلاة بتلك الهيئة من رفع اليدين والقيام والركوع والسجود، وكونها على بعض الهيئات دون بعض، واختصاص الصيام بالنهار دون الليل، وتعيين أوقات الصلوات في تلك الأحيان المعينة دون ما سواها من أحيان الليل والنهار، واختصاص الحج بالأعمال المعلومة، وفي الأماكن المعروفة، وإلى مسجد مخصوص، إلى أشباه ذلك مما لا تهتدي العقول إليه بوجه، ولا تطور (٥) نحوه، فيأتي بعض الناس فَيُطرِّق إليه حِكَمًا
_________________
(١) "إعلام الموقعين" (٢/ ٣٤٨، ٢/ ١٢٠).
(٢) "شفاء العليل" (٤٧٨ - ٤٨٥).
(٣) "إعلام الموقعين" (٢/ ٣٦٩).
(٤) "مفتاح دار السعادة" (٣٢٨ - ٣٣٢).
(٥) أي: تحوم.
[ ١ / ١٨٨ ]
يزعم أنها مقصودُ الشارع من تلك الأوضاع، وجميعها مبنى على ظنٍّ وتخمينٍ غير مطرد في بابه، ولا مبنيّ عليه عمل، بل كالتعليل بعد السماع للأمور الشواذ" (١).
وهذا الموقف من الشاطبي هو الذي حمل الريسوني على أن ينسب إلى ابن القيم البعد في تعليل الأحكام، بما في ذلك الأحكام العادية والتعبدية، وقال: "ورغم أن ابن القيم بسبب إصراره على تعليل كل شيء قد وقع في تعليلات ضعيفة، كما في تعليله للفرق بين بول الصبي وبول الصبية، وكما في تعليله لكون صلاة النهار سرية وصلاة الليل جهرية" (٢).
لكن لو أنعمنا النظر في موقف الشاطبي لتبين لنا أنه تردد وقدم قدمًا وأخَّرَ أخرى (٣). فهو مع أنه أنكر على بعض الناس تعليل اختصاص الصلاة بتلك الهيئات دون بعض إلى غير ذلك مما تقدم ذكره عنه، إلا أنه يذهب إلى تفصيل وتعليل كثير من العبادات كما قال الريسوني: "والشاطبي نفسه يسعفنا بتعليلات أكثر تفصيلًا في الأحكام التي نعى هو على غيره تعليلها وذكر حكمها" (٤)، فيقول الشاطبي: "وذلك أن الصلاة مثلًا إذا تقدمتها الطهارة أشعرت بتأهُّب لأمر عظيم، فإذا استقبل القبلة أشعر التوجه بحضور المتوجَّه إليه، فإذا أحضر نية التعبد، أثمر الخضوع والسكون. ثم يدخل فيها على نسقها بزيادة السورة خدمة لفرض أمِّ القرآن، لأن الجميع كلام الرب المتوجِّه إليه، وإذا كبَّر وسبَّح وتشهَّد، فذلك كله تنبيه للقلب، وإيقاظ له أن يغفُل عما هو فيه من مناجاة ربِّه والوقوف بين يديه، وهكذا إلى آخرها، فلو قدَّم قبلها نافلةً؛ كان ذلك تدريجًا للمصلي واستدعاءً للحضور، ولو أتبعها نافلة أيضًا، لكان خليقًا باستصحاب الحضور في الفريضة. ومن الاعتبار في ذلك أن جُعلت أجزاء الصلاة غير خالية من ذكر مقرون بعمل، ليكون اللسانُ والجوارحُ متطابقةً على شيء واحد، وهو الحضور مع اللَّه فيها بالاستكانة والخضوع، والتَّعظيم والانقياد، ولم يخلُ موضعٌ من الصَّلاة من قول أو عمل، لئلا يكون ذلك فتحًا لباب الغفلة ودخول وساوس الشيطان" (٥).
_________________
(١) "الموافقات" (١/ ١١١ - ١١٢ - بتحقيقي).
(٢) "نظرية المقاصد" (٢١٨).
(٣) حتى أن ابن عاشور قال: "اعلم أنّ الشاطبي ذكر كلامًا مطولًا في العبد والتعليل معظمه غير محرر، ولا متجه، وقد أعرضت عن ذكره هنا لطوله واختلاطه"، انظر: "مقاصد الشريعة" له (ص ٤٨).
(٤) "نظرية المقاصد" (ص ٢١٥).
(٥) "الموافقات" (٢/ ٤٢ - ٤٣ - بتحقيقي).
[ ١ / ١٨٩ ]
وفي نظري فإن ابن القيم قد تكلم في كثير من علل الأحكام سواء في مجال العبادات أو المعاملات، مما لم يتطرق إليه ابن تيمية، حتى إنه ليعلل الأعداد والمقدرات التي جاءت بها الشريعة. فيذكر أن عدة المتوفى عنها زوجها كانت أربعة أشهر وعشرًا لأنها أولى المدد التي يعلم فيها بوجود الولد وعدمه، فكانت على وفق الحكمة والمصلحة (١). وأن المقادير التي جاءت بها الشريعة في الزكاة تحقق العدل والمصلحة لكل من الفقراء وأرباب الأموال (٢). وإن إحداد المرأة على غير الزوج يناسبه ثلاثة أيام ترتاح فيها النفس وتقضي بها وطرًا من الحزن، بخلاف الإحداد على الزوج، فإنه تابع للعدة، وهو من مقتضياتها ومكملاتها (٣). وكما قال الجويني، عند عرضه لمذاهب العلماء في عدد من تنعقد بهم بيعة الإمام وذكره بعض العلل لذلك قال: "ولو تتبع المتتبع الأعداد المعتبرة في مواقع الشرع، لم يعدم وجوهًا بعيدة عن التحصيل في التشبيه" (٤).
فلا يشترط أن تكون كل تلك التعليلات قد أصابت كبد الحقيقة، وأظهرت سر الشريعة، ولكنها اجتهادات قد تخطئ وقد تصيب".
قال أبو عبيدة: هذه المباحث وغيرها؛ تدلل على أصالة ابن القيم في علمَي (الفقه) و(أصوله)، وأن له يدًا طولى فيه، وأن عنده فيه عقلية تحليلية إحصائية استقرائية تجمع المسائل تحت منضَبَطٍ واحد، والتمس من خلال ذلك "أسرار التشريع، وعلل الأحكام، ليظهر جمال شرع اللَّه تعالى، وكمال حكمته، ولطف علمه وخبرته، فعلل تلك الأحكام بما يناسبها من سر التشريع، وعمق المأخذ، وعلّة الحكم، ليجعل من تلك الأسرار التشريعية، والحِكَم الإلهية، قواعد وضوابط يبني عليها الكثير من جزئيات الأحكام.
وهذه العلل المرفقة، والأسرار المنقحة في كتابنا الجليل -الذي لم يصنف في بابه على منواله- تدلل على غوص صاحبه في أغوار التشريع" (٥) وفيها "قلائد وفوائد وموائد وفرائد، وكتب لها السلاسة مزية، ووضوح من غير تعقيد ولا
_________________
(١) "إعلام الموقعين" (٢/ ٣٩٥).
(٢) "إعلام الموقعين" (٢/ ٣٣٣)، وانظر: "حجة اللَّه البالغة" (٢/ ٤٣ - ٤٤).
(٣) "إعلام الموقعين" (٢/ ٤١٤).
(٤) "الغياثي" (ص ٦٩).
(٥) من مقدمة الشيخ عبد اللَّه البسام لكتاب "أسرار الشريعة من إعلام الموقعين" لمساعد بن عبد اللَّه السلمان (ص ٥) بتصرف يسير.
[ ١ / ١٩٠ ]
تكلف ولا وكس ولا شطط، ومن واظب عليها دراسة ودراية وقراءةً وبحثًا وتنقيبًا وحفظًا وفهمًا، وقرأها على من هو أعلم منه، حصل على خير كثير" (١) ولا سيما أن "الحاجة إلى معرفة أسرار الشريعة الإسلامية صار أمرًا ضروريًا، لا سيما في هذا الزمن الذي كثر فيه أعداء اللَّه، حيث تحركت الأقلام القذرة والأيادي الملطخة بالكفر والزندقة لتشكك المسلم في دينه وعقيدته ليبقى في شراك الشك والحيرة يصطلي بنار الضلال ولا يبصر أمامه إلا سرمديًا.
وهذا -أعني التشكيك- منهج قديم ومسار تليد لكنه نما وازداد في هذه الآونة الأخيرة، وصار تخصصًا يتفنن فيه أساتذته وطلابه، بتنويع الشبه وتزيين الاعتراض وعدم القبول وتقبيح الانقياد والخضوع بلا اقتناع" (٢).
وعلى الرغم من عناية ابن القيم المتميزة في كتابنا هذا بأسرار الشريعة (٣) إلا أنه ليس خاصًا بها، وهنالك كلمة للمصنف ظفرتُ بها في "بدائع الفوائد" (٢/ ١٧٩)، تدلل على أهمية هذا العلم عند المصنف، وفيها عزمه على إفراده بالتصنيف، قال ﵀:
"ومن فهم هذا انفتح له باب عظيم من أبواب العلم والإيمان، بل باب من أبواب الجنة العاجلة، يرقص القلب فيه طربًا ويتمنى أن له الدنيا وما فيها، وعسى اللَّه أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده، فيساعد على تعليق كتاب يتضمن ذكر بعض محاسن الشريعة وما فيها من الحكم البالغة والأسرار الباهرة، التي هي من أكبر الشواهد على كمال علم الرب تعالى وحكمته ورحمته وبره بعباده ولطفه بهم، وما اشتملت عليه من بيان مصالح الدارين والإرشاد إليها، وبيان مفاسد الدارين والنهي عنها، وأنه سبحانه لم يرحمهم في الدنيا برحمة، ولم يحسن إليهم إحسانًا أعظم من إحسانه إليهم بهذا الدين القيم وهذه الشريعة الكاملة".
ومن الجدير بالذكر أن العناية بهذا اللون من التصنيف بقيت قاصرة (٤)، على
_________________
(١) من مقدمة الشيخ إبراهيم الجطيلي لكتاب "أسرار الشريعة" (ص ٧ - ٨) بتصرف.
(٢) "أسرار الشريعة" (ص ١٠).
(٣) قال محمد رشيد رضا في "المنار" (مجلد ١٢، عدد شوال، ١٣٢٧ هـ ص ٧٨٦): "لم يؤلف مثله أحد من المسلمين في حكمة التشريع. . . ".
(٤) لا تنسى في هذا المقام جهود ثلة من العلماء، من أبرزهم: * محمد بن عبد الرحمن البخاري (ت ٥٤٦ هـ) في كتابه: "محاسن الإسلام وشرائع الإسلام" وهو مطبوع. * علي بن أحمد الجرجاوي الأثري الحنبلي (ت ١٣٣١ هـ) في كتابه: (حكمة التشريع =
[ ١ / ١٩١ ]
الرغم من الحاجة الماسة إليها، عسى اللَّه أن ييسر له علماء ربانيين، إنه ولي ذلك، والقادر عليه.