وهذه كلمات مجموعة من العلماء والباحثين والمطلعين، فيها إبراز لمباحث مميزة في هذا الكتاب:
- قال صديق حسن خان في "ظفر اللاظي بما يجب في القضاء على القاضي" في آخر (مقدمته) (ص ٢٨):
"وفي "إعلام الموقعين عن رب العالمين" فصولٌ نافعة، وأصول جامعة في
_________________
(١) قارنه -لزامًا- بما في "القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب إعلام الموقعين" (١٥١، ١٥٤).
[ ١ / ١٥ ]
تقرير القياس، والاحتجاج به، ولعلك لا تظفر بها في غير ذلك الكتاب، ولا بقريب منه" (١) انتهى.
قلت: نعم، في كتابنا هذا فصول ثلاثة عن القياس تكاد لا تجدها في كتاب، وهي:
الأول: في بيان شمول النصوص للأحكام، والاكتفاء بها عن الرأي والقياس.
الثاني: في سقوط الرأي والاجتهاد والقياس، وبطلانها مع وجود النص.
الثالث: في بيان أنَّ أحكام الشرع كلها على وفق القياس الصحيح، وليس فيما جاء به الرسول -ﷺ- حكم يخالف الميزان والقياس الصحيح.
قال ابن القيم في كتابنا (٢/ ١١٦) بعد ذكره هذه الفصول الثلاثة:
"وهذه الفصول الثلاثة من أهم فصول الكتاب، وبها يتبيّن للعالِم المنصف مقدار الشريعة وجلالتها وهيمنتها وسعتها وفضلها وشرفها على جميع الشرائع، وأن رسول اللَّه -ﷺ- كما هو عامُّ الرسالة إلى كل مكلف، فرسالته عامة في كل شيء من الدين أصوله وفروعه، ودقيقه وجليله، فكما لا يخرج أحدٌ عن رسالته، فكذلك لا يخرج حكم تحتاج إليه الأمة عنها، وعن بيانه له".
قال: "ونحن لا نعلم أنا لا نوفِّي هذه الفصول حقَّها ولا نقارب، وأنها أجلُّ من علومنا، وفوق إدراكنا، ولكن ننبه أدنى تنبيه، ونشير أدنى إشارة إلى ما يفتح أبوابها، وينهج طرقها، واللَّه المستعان، وعليه التكلان".
قرر هذا بعد ذكره خطأ القياسيين من خمسة أوجه (٢)، وركز في مباحث الفصول الثلاثة على ضرورة التنبيه على: "التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفى كثيرٌ منه على أفاضل العلماء فضلًا عمن هو دونهم، فإن إدراك الصفةِ المؤثرةِ في الأحكام على وجهها ومعرفة المعاني التي عُلِّقت بها الأحكام من أشرف العلوم، فمنه الجليُّ الذي يعرفه أكثر الناس، ومنه الدقيقُ الذي لا يعرفه إلا خواصُّهم، فلهذا صارت أقْيِسَةُ كثيرٍ من العلماء تجيءُ مخالفةً للنصوص لخفاء
_________________
(١) ذكرها صديق حسن خان في كتابه "الجنة بالأسوة الحسنة بالسنة" وكذلك فعل ابنه محمد أبو الخير في "الطريقة المثلى في الإرشاد إلى ترك التقليد واتباع ما هو الأولى" (ص ٤٩ - ٦١) الفصلان: السابع والثامن بتمامهما.
(٢) انظرها في (٢/ ١١٥).
[ ١ / ١٦ ]
القياس الصحيح، كما يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل الدقيقة التي تدل على الأحكام" (١).
ولم يأتِ في هذا الذي قرره ببدع من القول، بل هو الجادة المطروقة، وقد صرح هو بذلك؛ فأصغ إليه وهو يقول في (٢/ ٢٥٦):
"لم أجد أجود الأقوال إلا أقوال الصحابة، وإلى ساعتي هذه ما علمت قولًا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا كان القياس معه، لكن العلم بصحيحِ القياسِ وفاسدِه من أجَلِّ العلوم، وإنما يَعرف ذلك من كان خبيرًا بأسرار الشرع ومقاصده، وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التعداد، وما تضمنته من مصالح العباد في المعاش والمعاد، وما فيها من الحكمة البالغة والنعمة السابغة والعدل التام، واللَّه أعلم" (٢).
واشتهر هذا المبحث عن ابن القيم، وصرح في كتابنا هذا أنه كان هو السبب في تقرير شيخه ابن تيمية إياه (٣)، قال في (٢/ ١٦٥): "وسألتُ شيخنا -قدس اللَّه روحه- عما يقع في كلام كثير من الفقهاء من قولهم: هذا خلاف القياس (٤). . . فقال: ليس في الشريعة ما يخالف القياس" قال: "وأنا أذكر ما
_________________
(١) "إعلام الموقعين" (٢/ ٢٣٨).
(٢) انظر -له-: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (١٧/ ١٨٢) وانظر منه: (٨/ ١٧٩ و١٣/ ١٩ و١٤٦/ ١٤) و"شفاء العليل" (٤٠٠ - ٤٣٠) و"الجواب الكافي" (٣٩ - ٤١) و"مفتاح دار السعادة" (٣٥٠ - ٣٥١) كلها لابن القيم، و"تعليل الأحكام للشلبي" (١٤ - ٢٢) و"أضواء البيان" (٤/ ٦٧٩).
(٣) ألف الشيخ عمر بن عبد العزيز ﵀ كتابًا بعنوان "المعدول به عن القياس، حقيقته وحكمه وموقف شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية منه"، وقد نشر محب الدين الخطيب ما يخص هذه المسألة في كتاب، جمع فيه كل كلام ابن تيمية وابن القيم، وانظر -لزامًا-: ما سنذكره في هذه المقدمة تحت عنوان (بين المصنف وشيخه ابن تيمية).
(٤) توسع الحنفية في هذا، ولذا نازع متأخروهم ابنَ القيم في رده عليهم، انظر -مثلًا-: مبحث (الإجارة) هل هو على خلاف القياس أم لا؟ في "إعلاء السنن" (١٦/ ١٨٢ - ١٨٣)، ولأبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري مبحث مطول في ذلك، راجعه في "من أحكام الديانة" (السفر الأول) (ص ٣٣٦ - ٣٥٧)، وهو بعنوان: "عقد الإجارة مظهر للقياس الصحيح، وتحقيق الخلاف بين الحنفية وابن قيم الجوزية، ومعنى القياس هاهنا" واعتنى عناية قوية بمناقشة كلام ابن القيم، وبيان مراده على وجه تفصيلي تحليلي، تظهر منه دقة ابن القيم الشديدة، وقارنه بما في "تمكين الباحث من الحكم بالنص بالحوادث" لوميض العمري (ص ٤٢ - ٤٣)، واللَّه الموفق.
[ ١ / ١٧ ]
حصَّلته من جوابه بخطّه ولفظه، وما فتح اللَّه سبحانه لي بيُمن إرشاده، وبركة تعليمه، وحسن بيانه وتفهيمه". وقال في (٣/ ١٥٨) بعد كلام: "وهذا مما حصّلته عن شيخ الإسلام -قدس اللَّه روحه- وقت القراءة عليه، وهذه كانت طريقته، وإنما يقرر أن القياس الصحيح هو ما دل عليه النص، وأنَّ من خالف النص للقياس فقد وقع في مخالفة القياس والنص معًا".
قلت: فهذا المبحث إذن عند مصنفنا وهو في أصوله من بركات وحسنات شيخه ابن تيمية، ولذا قال محمد بن أحمد الفتوحي، الشهير بـ (ابن النجار) (ت ٩٧٢ هـ) في كتابه النافع "شرح الكوكب المنير" (٤/ ٢٢٥): "وقد ذكر الشيخ تقي الدين -وتبعه ابن القيم- أنه ليس في الشريعة ما يخالف القياس، وما لا يُعقل معناه، وبيّنَا ذلك بما لا مزيد عليه".
وظفرت بنحوه للمرداوي (ت ٨٨٥ هـ)، قال في "التحبير في شرح التحرير" (٧/ ٣٥٣٩): "قلت: قد ذكر الشيخ تقي الدين وتبعه ابن القيم في "إعلام الموقعين" أنه ليس في الشريعة ما يخالف القياس ولا ما لا يعقل معناه، وبيَّنوا ذلك بما لا مزيد عليه، واللَّه أعلم".
ولخَّص العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني في رسالته المسّماة: "الاقتباس لمعرفة الحق من أنواع القياس" كلام ابن القيم هذا، وتصرف فيه، ولم يخرج عنه، وإن لم يصرح بالنقل عن ابن القيم فيها، إلا أن اسمها "الاقتباس" يدلل على ذلك، وكذلك قوله في آخرها (ص ٥٣): "انتهى ما أردتُ نقله، وتقريبه للناظرين، وتحقيقاته للمتناظرين، وبيان طرق القايسين، وشعب الطرق بهم ذات الشمال وذات اليمين، فمن حقق ما قربناه، وكرر النظر فيما سُقناه؛ اتضح له ما كان خفيًّا، وصار بعد ذلك أمرًا جليًا، بنشرنا ما كان مجملًا ومطويًا" وصدق ﵀ فيما قال.