نقل المصنّف كثيرًا عن ابن حزم، واعتمد عليه في ذكر مذاهب بعض فقهاء السلف وعلماء الأمصار، وأورد من بعض كتبه آثارًا سلفية، وتبرهن لي كثرة نقله من:
- "المحلى" صرح باسمه في (٤/ ٥٠١، ٥٢١، ٥٢٥)، ونقل منه ولم يصرح باسمه في (١/ ١٨٤، ٢٠٨، ٢١٨، ٢٢٠ - ٢٢١، ٢٢٢، ٢٢٤، ٢٤٥، ٢٣٦ - ٢٣٧، ٢٣٨، ٢٣٩، ٣٦٧، ٣٦٨، ٣٧٥ - ٣٧٦، ٣٩٣ - ٣٩٤، و٢/ ٢٠، ٢١ - ٢٢، ١٤٣، ١٥٩، ١٦١، ٣٩٢، ٣٩٤، ٣٩٩، ٤٥٠ و٣/ ٣٧٢، ٣٨٨، ٤٢١، ٤٤٠، ٤٤١، ٤٤٤، ٤٤٨، ٤٥١، ٤٥٢، ٤٥٣، ٤٥٤، ٤٥٥، ٤٥٦، ٤٥٧، ٤٥٨، ٤٧١، و٤/ ١٢٣، ١٢٥، ٢٢٧، ٤٣٣، ٥٢١، ٥٢٢، ٥٣٧، ٥٤٢).
ومما يلاحظ من هذه النقول الأمور الآتية:
أولًا: في كثير من هذه المواطن نقولات عن ابن حزم في "المحلى"، ولم يَعزُها المصنف له ولا لكتابه.
ثانيًا: جل هذه النقولات في تحرير مذاهب العلماء، وقد صرح المصنف بذلك لما قال -مثلًا- في (٤/ ٥٣٧): ". . . ثلاثة أقوال للسلف معروفة صرح بها
_________________
(١) يحتمل أن يكون النقلان الآتيان اللذان ظفرتُ بهما في "الإجماع" و"الإقناع" لابن المنذر -وهما يناسبان ما عد المصنف- في "الإشراف" ولكن مطبوعه ناقص، وتأمل مواطن الإحالات.
(٢) النقل منه إنما هو حديث نبوي، وهو في "صحيح مسلم"! كما بيّنته في التعليق على الموطن المذكور.
[ ١ / ١١٣ ]
أبو محمد بن حزم"، وقال في (٤/ ٥٤٢): ". . . وأما من بعد التابعين، فقد حكى المعتنون بمذاهب العلماء كأبي محمد بن حزم. . . ".
ثالثًا: في كثير من هذه النقولات أحاديث وآثار، ذكر المصنف طرفًا من سندها، ونقله عن إمام مشهور من أئمة التصنيف من العلماء، كابن أبي شيبة وعبد الرزاق وأبي عبيد القاسم بن سلام (١) وسعيد بن منصور وغيرهم، وإنما هو عند ابن حزم بسنده إلى واحد من هؤلاء وغيرهم.
رابعًا: ذكر المصنف في بعض هذه المواطن مذهب ابن حزم، واختيار أهل الظاهر، كما تراه -مثلًا- في (٣/ ٤٧١ و٤/ ٢٢٧، ٥٢٥).
خامسًا: مدح المصنف ابن حزم، ونعته في (٤/ ١٢٣): "إمام الظاهرية في وقته"؛ وقال عنه في (٤/ ٢٢٧): "وهو مذهب حافظ الغرب وإمام أهل الظاهر في وقته أبو محمد بن حزم".
سادسًا: لا يعني من كل ما سبق أن المصنف كان ينقل عن ابن حزم دون تحر ولا تدقيق، أو أنه كان يقبل كلامه جميعه، بل صرح بالرد عليه في مواطن، منها (١/ ٣٧٧)، وردَّ على إهماله المعاني، وعدم إعماله القياس حتى الجلي منه، فقال في (٢/ ٢٧٧) بعد كلام: "الآن حَمِي الوطيسُ (٢)، وحميت أنوف أنصار اللَّه ورسوله لنصرِ دينه وما بعث به رسوله، وآن لحزب الحق أن لا تأخذهم في اللَّه لومةُ لائم، وأن لا يتحيزوا إلى فئة معينة، وأن ينصروا اللَّه ورسوله بكل قولِ حَقٍّ قاله مَنْ قاله، ولا يكونوا من الذين يقبلون ما قالته طائفتهم وفريقهم كائنًا ما كان ويردون ما قاله منازعوهم وغير طائفتهم كائنًا ما كان؛ فهذه طريقة أهل العصبية وحميَّة أهل الجاهلية، ولعمرُ اللَّه!! إن صاحب هذه الطريقة لمضمونٌ له الذمُّ إنْ أخطأ، وغير ممدوح إن أصاب، وهذا حالٌ لا يرضى بها من نصحَ نفسه وهُدي لرشده، واللَّه الموفق".
- "الإحكام" له أيضًا، ولم يصرح باسمه، وأَكثرَ جدًّا من النقل عنه، وهذا الدليل:
- نقل منه أسماء المفتين من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- في (١/ ١٨ - ٢٢) قال
_________________
(١) انظر الكلام الآتي على كتاب "القضاء" له.
(٢) "حمي الوطيس" كلمة ضمن حديث طويل، أخرجه مسلم في "صحيحه": كتاب الجهاد والسير: باب في غزوة حنين (رقم ١٧٧٥). قال النووي في "المنهاج" (١٢/ ١٦٤) في شرحها: "هو بفتح الواو وكسر الطاء المهملة وبالسين المهملة، قال الأكثرون: هو شبه التنور، يسجر فيه، ويضرب مثلًا لشدّة الحرب التي يشبه حرها حره" ثم قال بعد كلام: "وهذه اللفظة من فصيح الكلام وبديعه، الذي لم يسمع من أحدٍ قبل النبي -ﷺ-".
[ ١ / ١١٤ ]
ناسخ بعض الأصول الخطية عقبه: "هذا كله كلام ابن حزم" قلت: وهو في "الإحكام" له (٥/ ٩٢ - ١٠٤) ونحوه في رسالة "الفتيا من الصحابة ومن بعدهم على مراتبهم في كثرة الفتيا" (١) (ص ٣١٩ - ٣٣٥).
- ونقل منه في (١/ ٤٠ - ٤٨) من صارت إليه الفتوى من التابعين، وهو في "الإحكام" (٥/ ٩٥ - ١٠٣) ورسالة "الفتيا" (٣٢٤ - ٣٣٥) كلاهما لابن حزم.
- نقل منه في (١/ ١٢٨ - ١٤٢) جملة أخبار هي موجودة في "الإحكام" (٦/ ٥٣ - ٥٧) بالأسانيد التي عند المصنف.
- وكذلك فعل فى (١/ ٤٦١ - ٤٦٥، ٤٦٧ - ٤٧١)، فنقل جملة من الآثار هي في "الإحكام" (٨/ ٢٨ - ٣٦)، وبعضها أقوال للأئمة، وكذلك فعل في (٢/ ٤٥١ - ٤٥٢) قارن بما في "الإحكام" (٦/ ١٧٩ - ١٨٠).
- ونقل في (١/ ٤٧٩) فقرةً هي في "الإحكام" (٨/ ٤٤) في (عدم حجية القياس).
ونقل في (٢/ ٦) مذهب أبي بكر بن الفرج القاضي وأبي بكر الأبهري المالكيين، وكلامهما بالحرف في "الإحكام" (٨/ ٤٥)، وتعقَّبهما ابن حزم، ولم ينقل المصنف تعقّبه.
ونقل في (٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩) نصًا طويلًا، موجودًا في "الإحكام" (٦/ ١٢٤).
ونقل في (٢/ ٤٥٥ - ٤٥٧) أخبارًا هي عند ابن عبد البر في "الجامع" وابن حزم في "الإحكام" وقال على إثرها: "قال أبو عمر:. . . " يريد ابن عبد البر، ثم قال: "وقال غير ابن عبد البر:. . . " ونقل كلامًا هو بحروفه في "الإحكام" (٦/ ٤٤)، فهذه حيدة متقضدة من المصنف عن ابن حزم.
ونقل في (٢/ ٤٥٧، ٤٥٨، ٤٧٥، ٤٧٢) آثارًا هي في "الإحكام" -على الترتيب- (٦/ ٦٨، ٩٧ - ٩٨، ١٢٠ - ١٢١، ١٢٧) وكذلك فعل في (٢/ ٤٧٣، ٤٧٤) قارن بما في "الإحكام" (٦/ ٦١، ٦٢، ٦٧).
وذكر في (٢/ ٥٣٠) مقولة عمر "إني لأستحيي من اللَّه أن أخالف أبا بكر" وقال: "وهذا تقليد له منه، فجوابه من خمسة أوجه" قلت: هذه الأوجه الخمسة في "الإحكام" (٦/ ٦٥ - ٦٧)، وذكر في (٢/ ٥٣٠ - ٥٣١) أمثلة على مخالفة عمر لأبي بكر هي جميعًا في "الإحكام" (٦/ ٦٦).
_________________
(١) وهي الرسالة الثالثة الملحقة بالطبعة الأولى من كتابه "جوامع السيرة".
[ ١ / ١١٥ ]
وذكر في (٢/ ٥٣٤ - ٥٣٧) أمثلة من مخالفة ابن مسعود لعمر هي جميعًا في "الإحكام" (٦/ ٦١ - ٦٢) وفي (٢/ ٥٣٨): نقل كلامًا بحروفه في "الأحكام" (٤/ ٢١٤) وقارن ما هنا (٢/ ٥٤٣) بما في "الإحكام" (٦/ ٨٣)، وما هنا (٢/ ٥٥٤) بما في "الإحكام" (٦/ ٨٢ - ٨٤) أيضًا.
وذكر في (٣/ ١٩ - ٢٨) مسائل خفيت على أبي بكر، جلها في "الإحكام" (٦/ ٨٥ وما بعد).
ونقل في (٣/ ٢٤٣) عبارة هي في "الإحكام" (٤/ ٢٠٦)، وفيه أيضًا (٣/ ٢٤٣ - ٢٤٤) مثلين، هما في "الإحكام" أيضًا (٤/ ٢٠٦ - ٢٠٧) وقارن ما هنا (٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦) بما في "الإحكام" (٤/ ٢٠٧ - ٢٠٨).
وذكر المصنف في (٣/ ٢٤٨) أن عمل أهل المدينة نوعان، وهما في "الإحكام" (٤/ ٢٠٩) وزاد المصنف عليهما تفريعًا وتأصيلًا وتقعيدًا، مع الإشارة التي استفاد ابن القيم فيها من ابن حزم.
ونقل المصنف من "الإحكام" أيضًا في (٥/ ٧٥، ١١٨).
هذه النقولات تثبت استفادة المصنف الكثيرة من ابن حزم، ولعله يوجد في الكتاب غيرها، وما ذكرناه فيه غنية وكفاية على الدعوى التي ذكرناها، واللَّه الموفق والمسدد.
ونقل المصنف من كتاب آخر لابن حزم، هو:
- "مراتب الإجماع" له، نقل منه وصرح باسمه في (٤/ ٥٣٩).
ونقل كذلك من كتابه "ملخص إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل" (١) ولم يصرح باسمه، وفي كتابنا جل النقولات السلفية التي فيه، واللَّه الموفق.