ولم يقتصر نَقلُ المصنف على كتب الإمام الشافعي، وإنما تعداه إلى أصحابه، فنقل -مثلًا- من:
- "مختصر المزني" (١)، وصرح باسمه في (٢/ ٤٦٩)، ونقل منه في (١/ ٤٧، ٢٢٢، ٣٥٩، و٢/ ١٠٣، ٤٦٢ و٤/ ٢٠٤، ٢٠٦، ٢٠٨، ٣٣٤، ٤٥٤ و٥/ ١٢٦).
_________________
(١) = (ص ٣١١) وزعم أنه "ما خرجه من الأحاديث في كتاب "الأم""!! والصواب أنه ليس من تأليفه، وإنما جمعه من سماعات الأصم بعض أصحابه، ولذلك لا يستوعب حديث الشافعي، فإنه مقصور على ما كان عند الأصم من حديثه، قاله النووي في "طبقات الشافعية" في ترجمة (محمد بن يعقوب، أبي العباس النيسابوري الأصم، ت ٣٤٦ هـ)، وقال أحمد بن عبد الرحمن البنا في "بدائع المنن" (ص ٣) بعد كلام: "التحقيق أن هذا "المسند" جمعه أبو العباس الأصم من كتب الإمام الشافعي"، وبيَّن الذهبي سبب هذا الجمع، فقال في "السير" (١٢/ ٥٨٩) في ترجمة (الربيع بن سليمان): "وقد سمعنا من طريقه "المسند" للشافعي، انتقاه أبو العباس الأصم من كتاب "الأم" لينشط لروايته للرَّحالة، وإلا فالشافعي ﵀ لم يؤلف مسندًا". قال أبو عبيدة: لا تعارض بين الأقوال المذكورة -أعني قول النووي: "جمعه من سماعات الأصم بعض أصحابه"، وأن الأصم الذي جمعه- فإن الأصم أفسد أصوله بعد جمعه، واعتمد على ما انتقاه عنه تلميذه الشيخ الإمام القدوة المحدث أبو عمرو محمد بن جعفر بن محمد بن مطر النيسابوري (ت ٣٦٠ هـ). و"المسند" يقع في ثمانية أجزاء، كما في "التحبير"، وهو مطبوع مرارًا، وله أكثر من شرح.
(٢) انتشر هذا الكتاب انتشارًا واسعًا، وشرحه عدّة من الكبار، وكان يقال: كانت البكر يكون في جهازها نسخة منه، وكان صاحبُه إذا فرغ من تبييض مسألة، وأودعها في "مختصره" صلى للَّه ركعتين، قال أحمد بن سريج فيه: "يخرج "مختصر المزني" من الدنيا عذراء، لم يفتض، وهو أصل الكتب المصنّفة في مذهب الشافعي، وعلى مثاله رتَّبوا، ولكلامه فسَّروا وشرحوا"، وكان أبو زرعة القاضي شرط لمن حفظه مئة دينار، كذا في "السير" (١٤/ ٢٣٣)، وانظر: "وفيات الأعيان" (١/ ١٧،)، و"طبقات الشافعية الكبرى" (٢/ ٩٤)، و"طبقات الشافعية" (٢١) لابن هداية اللَّه.
[ ١ / ٨٩ ]
ونقل من كثير من كتب الشافعية المتأخرين، مثل:
- "شرح التنبيه" وصرح باسمه في (٣/ ٤٤٦) وعزاه لأبي القاسم بن يونس، وصرح به في (٤/ ٥١٨) قال بعد مسألة: "والوجوه الثلاثة في مذهب الشافعي، حكاها شارح "التنبيه" وغيره".
والظاهر أن مراده: أبو القاسم بن يونس السابق، ولكن يا ترى من أبو القاسم هذا؟ وما هو شرحه؟
الشروح على "التنبيه" للشيرازي كثيرة جدًا، ذكر منها أستاذنا محمد عقلة -حفظه اللَّه- في أطروحته للدكتوراه في الأزهر "الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وأثره في الفقه" ثمانية وأربعين شرحًا وذكر فيه (١/ ١٤٢) من بينها:
- "غنية الفقيه في شرح التنبيه" (١) لشرف الدين أبي العباس أحمد بن كمال الدين بن يونس الأربلي الموصلي (المتوفى سنة ٦٢٢ هـ)، فلعله المراد هنا، وإن اختلفت الكنية! إذ هو مذكور في كتب التراجم بـ (أبي الفضل) كما في "التكملة لوفيات النقلة" للمنذري (٣/ ١٤٥ رقم ٢٠٣٣)، و"السير" (٢٢/ ٢٤٨) وغيرهما؛ خلافًا للمثبت على النسخ الخطية من "شرحه" هذا (أبو العباس)؛ وخلافًا لما في الأصول الخطية وجميع طبعات كتابنا "الإعلام" (٢): "أبو القاسم"، ولعل ابن السبكي أهمل لذلك كنيته في "طبقات الشافعية الكبرى" (٨/ ٣٩ - ٤٠)، مع عنايته التامة بالشافعية المتأخرين، والتفصيل في ذكر أحوالهم واختياراتهم.
وعملتُ جاهدًا في النظر في فهارس المخطوطات لأعثر على شيء يسعف بشأن هذا الكتاب، فلعل هناك ابن يونس آخر شرح "التنبيه"، فلم أفز بشيء، وذكرتُ ما وقفتُ عليه من نسخ (٣) لهذا الكتاب في التعليق على (٣/ ٤٤٦).
ووجدته ينقل أيضًا من:
_________________
(١) يغلب على الظن أن المصنف ينقل مذهب الشافعي والأقوال فيه منه، والأمر يحتاج إلى عرض ذلك عليه، واللَّه الموفق.
(٢) لم يرد لهذا الكتاب ذكر -حسب ما في "موارد ابن القيم في كتبه" (٦١) - عند ابن القيم إلا في كتابنا هذا و"إغاثة اللهفان"، وأهمل في "الإغاثة" (٢/ ٩١ - ط الفقي و٢/ ١٢٢ - ط محمد عفيفي) كنيته، واقتصر على قوله (ابن يونس).
(٣) ثم طبع (الجزء السادس) من "الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط" (الفقه وأصوله) عن (مؤسسة آل البيت/ الأردن) فوجدت فيه (ص ٤٦٠ - ٤٦١) (١٨) نسخة خطية لهذا الكتاب، وبعضها قد فات في تلك التعليقة، فيتنبه لذلك، واللَّه ولي التوفيق.
[ ١ / ٩٠ ]
- "المهذب" للشيرازي، كما في (٤/ ٢١٧) ولم يسمّه.
- "بحر المذهب" لأبي المحاسن الروياني، صرح به في (٥/ ١٥٠)، ولكن ضمن كلام عزاه لابن الصلاح، وهو في "أدب المفتي والمستفتي" له، فهو إذًا ينقل منه بواسطة.
- "نهاية المطلب في دراية المذهب" (١) للجويني، صرح باسمه مختصرًا هكذا "النهاية" في (٤/ ٤٥٤)، ونقل منه دون تصريح في مواطن، منها (٤/ ٥١٥).
- "التتمة" للمتولّي أبو سعد عبد الرحمن بن مأمون النيسابوري، صرح باسمه والنقل منه في (٣/ ٤٦٧)، وعرَّفْتُ به وبنسخه الخطية في التعليق على نشرتنا هذه.
- "الذخائر" كذا ذكره في (٤/ ٥٣٣)، ونقل منه مذهب الحنفية في مسألة من (الأيمان) وهي في (الفصل السادس: في تقييد الأيمان المطلقة بالدلالة) منه، إلا أني رأيته في "زاد المعاد" (٥/ ٥٠٥ - ط مؤسسة الرسالة) يذكره ضمن كتب الشافعية، ولم يسمّ صاحبه؛ وفي "كشف الظنون" (١/ ٨٢٢): ""الذخائر في فروع الشافعية" (٢) للقاضي أبي المعالي [علي بن] مجلّي بن جميع المخزومي الشافعي (المتوفى سنة ٥٥٠)، وهو من الكتب المعتبرة في هذا المذهب" ولم أظفر له -بعد بحث- بأية نسخة خطية.
- "فتاوى القفال" ذكره بهذا الاسم في (٤/ ٢٢٨، ٥١٧)، وهكذا مذكور في "كشف الظنون" (٢/ ١٢٢٨) دون أيّ إيضاح، ونقل المصنف عن صاحبه في (٤/ ٥٤٣ و٥/ ١٦٧) أيضًا، ولم يرد له ذكر (٣) في كتب المصنف الأخرى!
ثم استدركتُ، فقلت: وجدته مذكورًا في "إغاثة اللهفان" (٢/ ٩١ - ط الفقي)، قال: "وأما الشافعية، فقال ابن يونس في "شرح التنبيه". . . " إلى قوله: "وقال القفال في "فتاويه" (٤). . . " ثم قال: "هذا لفظه" أي: لفظ ابن يونس، واستفدنا
_________________
(١) هو أهم كتب إمام الحرمين الفقهية وأوسعها وأكبرها وأشهرها، وهو كبير جدًا، إذ تقع بعض نسخه الخطية في ستة وعشرين مجلدًا، له نسخ كثيرة في دار الكتب المصرية وفي مكتبات الإسكندرية، وآيا صوفيا، والظاهرية، والأحمدية بحلب، وأحمد الثالث، وغيرها.
(٢) مدحه ابن شاكر الكنبي في "عيون التواريخ" (١٢/ ٤٩٥ - ط العراقية) بقوله: "وهو كتاب مبسوط جمع من المذاهب شيئًا كثيرًا، وفيه نقل غريب، ربما لا يوجد في غيره، وهو من الكتب المعتبرة المرغوب فيها".
(٣) حسب ما في "موارد ابن القيم في كتبه" (٧٤/ رقم ٣١٧)!
(٤) ونقل الكلام المذكور في كتابنا هذا.
[ ١ / ٩١ ]
من هذا أمرين: الأول: إن المصنف ينقل منه بواسطة، والآخر: إن الكتاب من كتب الشافعية، وقد صرح المصنف بذلك في (٥/ ١٦٧).
وأخيرًا. . مما يجدر التنبيه عليه أن المصنّف ينقل عن الشافعي، ويفرق بين مذهبه الجديد والقديم، انظر -على سبيل المثال-: (٤/ ٥٥٠)، ويبيّن غلط العلماء عليه وعلى مذهبه، وزيف ما ادّعاه بعض المتأخرين من أقوال نسبت للشافعي وهو منها بريء، انظر -على سبيل المثال-: (١/ ٨٠ و٣/ ١١ و٤/ ٢٣٢، ٥٥٠)، وتعرض لتاريخ وجود الحيل في هذا المذهب وسببه في (٤/ ٢٣٢).
وجميع هذا يدل على معرفة المصنف بهذا المذهب على وجه جيد قوي، ويدل أيضًا على معرفة أعلامه وكتب تراجمه، فقد نقل من "طبقات الفقهاء" لأبي إسحاق الشيرازي في (٥/ ٧٧) -ولم يسمه- وسماه في (٤/ ٥٢٥): "طبقات أصحاب الشافعي" ونقل من "آداب الشافعي ومناقبه" لابن أبي حاتم (٥/ ١٨١) -ولم يسمه- وسبق أن قررنا نقله من "مناقب الشافعي" للبيهقي.