كتاب "إعلام الموقعين عن رب العالمين" ذخيرة جليلة، عامرة بمباحث قيمة في الفقه والأصول والأحكام والقضاء يعتد بها أهل السنة على اختلاف مذاهبهم، ويقدِّرون ما تميَّزت به من سعة الأفق وشمول النظر ودقة التناول وقوة الحجة في الدفاع عن مذاهب أصحاب السنة.
الفصول الأولى من "الأعلام" خصصت للكلام عن الفتوى (٤) وكونها توقيعًا
_________________
(١) ولذا قال صاحب "ضوابط للدراسات الفقهية" (ص ١٢٥ - ١٢٦): "إن هناك عددًا من العلماء تناولوا الأصول دون التقيّد بمذهب معين كما هي الحال في دراسات شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم تلميذه ابن القيم، خاصة في كتابه "إعلام الموقعين"". وعدّ صاحب "معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة" (ص ٥٤٩) كتابنا هذا ضمن (قائمة بجهود ابن القيم في أصول الفقه) وأعاده (ص ٥٦٣) ضمن (قائمة بأسماء الكتب المشتملة على أبحاث أصولية لأهل السنة والجماعة)، إلا أنه صرح في (ص ٤٠) منه أنه "ليس خاصًا في أصول الفقه إلا أنَّ معظم مباحثه تتعلق بالأصول" ثم عرف به بكلام سأذكره قريبًا إن شاء اللَّه.
(٢) "ابن قيم الجوزية: حياته وآثاره" (ص ٧١ - ٧٢).
(٣) مأخوذ بتصرف من كتاب "رسالة القضاء لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب" (ص ٣٧٢ وما بعد) للأستاذ أحمد سحنون، وفيه رد على من زعم أن كتابنا هو عبارة عن شرح لرسالة عمر فقط!
(٤) اشتهر الكتاب بهذه المباحث، إذ بدأ المصنف كتابه بها، وختمه بمباحثها التأصيلية، ثم سرد فتاوى النبي -ﷺ-، وظهر أثر هذه المباحث التي تخص الفتوى على وجه جلي في =
[ ١ / ٢١ ]
عن اللَّه تعالى (١)، وأول من وقع عنه، سبحانه، الرسول ﵊، ثم الصحابة -﵃- وفيهم مكثرون من الفتوى ومتوسطون ومُقلُّون- ومن صارت إليه الفتوى من التابعين، ثم من فقهاء الأمصار الإسلامية بالمشرق والمغرب، تليها فصول عن الأصول الخمسة لفتاوى الإمام أحمد -﵁-:
النص من الكتاب والسنة، وما أفتى به الصحابة، فإذا اختلفوا في فتاويهم فأقربها إلى الكتاب والسنة، ثم الأخذ بالحديث المرسل وبالضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، ثم القياس. ومنه عقد فصولًا في: كراهة العلماء التسرع في الفتوى والجرأة عليها، وخطر ولاية القضاء، وخطر القول على اللَّه تعالى بغير علم.
وإطلاق الأئمة لفظ الكراهة على ما هو حرام، وكلامهم في أدوات الفتيا وشروطها، وهل تجوز الفتوى بالتقليد؟ وتحريم الإفتاء في دين اللَّه بالرأي إلا ما كان منه مقبولًا محمودًا، وذلك هو رأي الصحابة، والرأي المفسر للنصوص،
_________________
(١) = كتب الأصول التي ألفت في القرن التاسع وما بعد، وسيأتي تفصيل ذلك تحت عنوان (أهمية الكتاب وفائدته وأثره فيما بعده). والغالب على الظن أن جل مباحث كتاب صديق خان المسمى "ذخر المحتي من آداب المفتي" من كتابنا هذا. ثم رأيته مطبوعًا فوجدت الشيخ عبد القادر الأرناؤوط -حفظه اللَّه- يقول في تقديمه له (ص ٥): "وقد اختصر هذا البحث من كتاب "إعلام الموقعين عن رب العالمين" لشيخ الإسلام ابن قيم الجوزية -﵀- وزاد عليه فوائد عظيمة، وفرائد مفيدة. . . " وقال محققه أبو عبد الرحمن الباتني نحوه في (ص ١٢) ثم رأيت المصنف نفسه يقول فيه (ص ٢٥): "فجمعت في هذا السفر من آداب الفتيا وشأن التقليد ما نطق به أئمه هذا الشان، وأثبتوه في كتبهم بأبلغ برهان، وأشفى بيان، لا سيما ما حققه الواحد المتكلم الحافظ محمد بن أبي بكر القيم في كتابه "إعلام الموقعين عن رب العالمين" من فوائد هذا الباب، وشواهد هذا الإياب والذهاب، فاستفدتُ منه فوائد أثيرة، وزدت عليه فرائد يسيرة". وانظر منه: (ص ٣٠، ٣٢، ٣٤، ٤٢، ٤٤، ٤٩، ٥٢، ٥٦، ٥٨، ٦١ - ٦٢، ٦٣، ٦٥، ٦٦، ٦٨، ٩٠، ٩٨، ٩٩، ١٠١، ١١٨، ١٢٦، ١٢٩، ١٣١، ١٣٢، ١٣٤ - ١٣٥، ١٥٢ - ١٥٣، ١٧٣، ١٨٠ - ١٨١).
(٢) هذه تسمية قديمة مسبوق بها ابن القيم، قال ابن الصلاح في "أدب المفتي والمستفتي" (ص ٢٧) بعد كلام: "ولذلك قيل في الفتيا: إنها توقيع عن اللَّه ﵎"، وانظر: "المجموع" (١/ ٧٣) للنووي، وهي خير من تسمية القرافي في كتابه "الإحكام" (ص ٢٥) بـ (ترجمان عن اللَّه)، انظر: "الفتيا" لمحمد الأشقر (ص ٢٦)، و"من يملك حق الاجتهاد" (ص ٧) للعودة، و"ابن القيم أصوليًا" (ص ٣٥٧ - ٣٥٨).
[ ١ / ٢٢ ]
والذي تواطأت عليه الأمة وتلقاه الخلف عن السلف، فإن لم يجد المفتي، أو القاضي، ذلك، اجتهد رأيه ونظر إلى أقرب ذلك من كتاب اللَّه تعالى وسنة نبيه ﵊ وأقضية أصحابه -﵃-.
وهذا هو الرأي الذي سوغه الصحابة واستعملوه وأقر بعضهم بعضًا عليه. . .
وهنا ساق المصنف (كتاب عمر -﵁- في القضاء)، عند وصوله إلى (الرأي المقبول) بأنواعه الأربعة، أورده في النوع الأخير منها.