يظهر من خلال ما سبق أن القرآن والسنة عند ابن القيم في منزلة واحدة، ويؤكد ذلك أمور:
أولًا: قال في معنى (الذكر): "اللَّه أمر بسؤال أهل الذكر، والذكر هو
_________________
(١) انظر: "ابن القيم أصوليًا" (٤٨).
(٢) انظر تخريجه في التعليق على (١/ ٩٣، ٣/ ١١٢).
(٣) انظر تخريجه في التعليق على (٢/ ١١٣).
(٤) "إعلام الموقعين" (٢/ ١١٤).
[ ١ / ١٦٥ ]
القرآن، والحديث الذي أمر اللَّه نساء نبيّه أن يذكرنه بقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]، فهذا هو الذكر الذي أمرنا اللَّه باتباعه" (١).
فجعل ﵀ الكتاب والسنة في منزلة واحدة.
ثانيًا: لما عدّ أصول الإمام أحمد (٢)، اعتبر الكتاب والسنة شيئًا واحدًا أو أصلًا واحدًا، فعبر عنه بالنصوص، فهو بذلك يضعهما في رتبة واحدة، للتلازم بين الكتاب والسنة، من حيث أن السنة مبيّنة ومفصّلة وموضّحة لمجمل القرآن.
ثالثًا: ذكر أن اللَّه ﷿ نصب رسوله -ﷺ-: "منصب المبلغ المبتن عنه، فكل ما شرعه للأمة فهو بيان منه عن اللَّه أن هذا شرعه ودينه" (٣) قال:
"ولا فرق بين ما يبلِّغه عنه من كلامه المتلو، ومن وحيه الذي هو نظير كلامه في وجوب الاتباع، ومخالفة هذا كمخالفة هذا" (٤).
فهذا تصريح منه في وجوب امتثال أوامر الكتاب والسنة، واجتناب نواهيهما.
رابعًا: قال في معنى (الرد) الواجب عند التنازع في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، "إن الناس أجمعوا أنّ الرد إلى اللَّه سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول -ﷺ- هو الرد إليه نفسه في حياته، وإلى سنّته بعد وفاته" (٥).
وجاء هذا الرد في سياق واحد، لخروجهما من مشكاة واحدة.
خامسًا: لما تحدث عن إتيان السنة بأحكام زائدة عن القرآن، قال: "فما كان منها زائدًا عن القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي -ﷺ-، تجب طاعته فيه، ولا تحل معصيته، وليس هذا تقديمًا لها على كتاب اللَّه، بل امتثال لما أمر اللَّه به من طاعة رسوله -ﷺ-" (٦).
سادسًا: قوله عند شرح حديث: "إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب اللَّه وسنتي، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض" (٧): "فلا يجوز
_________________
(١) "إعلام الموقعين" (٢/ ٥٢٩).
(٢) انظرها في "الإعلام" (١/ ٥٠).
(٣) "الإعلام" (٣/ ٩٧).
(٤) "الإعلام" (٣/ ٩٧ - ٩٨).
(٥) "إعلام الموقعين" (١/ ٩٣).
(٦) "إعلام الموقعين" (٣/ ٨٤ - ٨٥).
(٧) انظر تخريجه في التعليق على (٣/ ٨٤).
[ ١ / ١٦٦ ]
التفريق بين ما جمع اللَّه بينهما، ويرد أحدهما بالآخر" (١)، ويدل على هذا استدلاله بحديث: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه" (٢).
سابعًا: يظهر هذا جليًا عند حديث ابن القيم عن (بيان السنة للقرآن)، نعم، هو مسبوق (٣) بما قرره في كتابنا هذا، ولكنه فَصّل في هذا المبحث تفصيلًا دقيقًا جدًّا، يدل على عمق تفكره، وجعله عشرة أقسام (٤)، ومن هذه الأقسام:
١ - بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيًا.
٢ - بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك.
٣ - بيانه بالفعل.
٤ - بيان ما سئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن، فنزل القرآن ببيانها.
٥ - بيان ما سئل عنه بالوحي وإن لم يكن قرآنًا.
٦ - أن يحكم القرآن بإيجاب شيء أو تحريمه أو إباحته، ويحيل اللَّه على رسوله في بيانها.
فهذه الأقسام الست في درجة القرآن من حيث الاحتجاج، تساويه وتدانيه، وهي وإياه في مرتبة واحدة، والأنواع الأخرى تلحق بها، و"أن الرسول -ﷺ- لا يقول ولا يفعل ولا يقر ما يخالف القرآن، فهو المبلّغ عن ربه، الخبير بمقاصد الشريعة، والمعصوم من الخطأ" (٥).