وَالْأَقْيِسَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي الِاسْتِدْلَالِ ثَلَاثَةٌ: قِيَاسُ عِلَّةٍ، وَقِيَاسُ دَلَالَةٍ، وَقِيَاسُ شَبَهٍ، وَقَدْ وَرَدَتْ كُلُّهَا فِي الْقُرْآنِ.
[قِيَاسُ الْعِلَّةِ]
فَأَمَّا قِيَاسُ الْعِلَّةِ فَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿ فِي مَوَاضِعَ، مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ عِيسَى نَظِيرُ آدَمَ فِي التَّكْوِينِ بِجَامِعِ مَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ وُجُودُ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَهُوَ مَجِيئُهَا طَوْعًا لِمَشِيئَتِهِ وَتَكْوِينِهِ، فَكَيْفَ يُسْتَنْكَرُ وُجُودُ عِيسَى مِنْ غَيْرِ أَبٍ مَنْ يُقِرُّ بِوُجُودِ آدَمَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَلَا أُمٍّ؟ وَوُجُودِ حَوَّاءَ مِنْ غَيْرِ أُمٍّ؟ فَآدَمُ وَعِيسَى نَظِيرَانِ يَجْمَعُهُمَا الْمَعْنَى الَّذِي يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْإِيجَادِ وَالْخَلْقِ بِهِ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧] أَيْ: قَدْ كَانَ مِنْ قَبْلِكُمْ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ فَانْظُرُوا إلَى عَوَاقِبِهِمْ السَّيِّئَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَهُمْ الْأَصْلُ وَأَنْتُمْ الْفَرْعُ، وَالْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ التَّكْذِيبُ، وَالْحُكْمُ الْهَلَاكُ.
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦] فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ إهْلَاكَ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ الْقُرُونِ، وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِمَعْنَى الْقِيَاسِ، وَهُوَ ذُنُوبُهُمْ، فَهُمْ الْأَصْلُ وَنَحْنُ الْفَرْعُ، وَالذُّنُوبُ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ، وَالْحُكْمُ الْهَلَاكُ؛ فَهَذَا مَحْضُ قِيَاسِ الْعِلَّةِ، وَقَدْ أَكَّدَهُ سُبْحَانَهُ بِضَرْبٍ مِنْ الْأَوْلَى، وَهُوَ أَنَّ مَنْ قَبْلَنَا كَانُوا أَقْوَى مِنَّا فَلَمْ تَدْفَعْ عَنْهُمْ قُوَّتُهُمْ وَشِدَّتُهُمْ مَا حَلَّ بِهِمْ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [التوبة: ٦٩] .
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَحَلِّ هَذَا الْكَافِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَقِيلَ: هُوَ رَفْعٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ أَنْتُمْ كَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، وَقِيلَ: نَصْبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ فَعَلْتُمْ كَفِعْلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، وَالتَّشْبِيهُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فِي أَعْمَالِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ، وَقِيلَ: إنَّ التَّشْبِيهَ فِي
[ ١ / ١٠٤ ]
الْعَذَابِ، ثُمَّ قِيلَ: الْعَامِلُ مَحْذُوفٌ، أَيْ لَعَنَهُمْ وَعَذَّبَهُمْ كَمَا لَعَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ، وَقِيلَ: بَلْ الْعَامِلُ مَا تَقَدَّمَ، أَيْ وَعْدُ اللَّهِ الْمُنَافِقِينَ كَوَعْدِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، وَلَعْنُهُمْ كَلَعْنِهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ كَالْعَذَابِ الَّذِي لَهُمْ وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَلْحَقَهُمْ بِهِمْ فِي الْوَعِيدِ، وَسَوَّى بَيْنَهُمْ فِيهِ كَمَا تُسَاوَوْا فِي الْأَعْمَالِ، وَكَوْنُهُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَرْقٌ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ، فَعَلَّقَ الْحُكْمَ بِالْوَصْفِ الْجَامِعِ الْمُؤَثِّرِ، وَأَلْغَى الْوَصْفَ الْفَارِقَ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ مُشَارَكَتَهُمْ فِي الْأَعْمَالِ اقْتَضَتْ مُشَارَكَتَهُمْ فِي الْجَزَاءِ فَقَالَ: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] فَهَذِهِ هِيَ الْعِلَّةُ الْمُؤَثِّرَةُ وَالْوَصْفُ الْجَامِعُ، وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٩] هُوَ الْحُكْمُ، وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلُ هُمْ الْأَصْلُ، وَالْمُخَاطَبُونَ الْفَرْعُ.
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٩] قَالَ: بِذَنْبِهِمْ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اسْتَمْتَعُوا بِنَصِيبِهِمْ مِنْ الْآخِرَةِ فِي الدُّنْيَا، وَقَالَ آخَرُونَ: بِنَصِيبِهِمْ مِنْ الدُّنْيَا.
وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْخَلَاقَ هُوَ النَّصِيبُ وَالْحَظُّ، كَأَنَّهُ الَّذِي خُلِقَ لِلْإِنْسَانِ وَقُدِّرَ لَهُ، كَمَا يُقَالُ قَسْمُهُ الَّذِي قُسِمَ لَهُ، وَنَصِيبُهُ الَّذِي نُصِبَ لَهُ أَيْ أُثْبِتَ، وَقِطُّهُ الَّذِي قُطَّ لَهُ أَيْ قُطِعَ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] وَقَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرُ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» وَالْآيَةُ تَتَنَاوَلُ مَا ذَكَرَهُ السَّلَفُ كُلَّهُ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ [التوبة: ٦٩] فَبِتِلْكَ الْقُوَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِيهِمْ كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَعْمَلُوا لِلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَكَذَلِكَ الْأَمْوَالُ وَالْأَوْلَادُ، وَتِلْكَ الْقُوَّةُ وَالْأَمْوَالُ وَالْأَوْلَادُ هِيَ الْخَلَاقُ، فَاسْتَمْتَعُوا بِقُوَّتِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَنَفْسُ الْأَعْمَالِ الَّتِي عَمِلُوهَا بِهَذِهِ الْقُوَّةِ مِنْ الْخَلَاقِ الَّذِي اسْتَمْتَعُوا بِهِ، وَلَوْ أَرَادُوا بِذَلِكَ اللَّهَ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ لَكَانَ لَهُمْ خَلَاقٌ فِي الْآخِرَةِ، فَتَمَتُّعُهُمْ بِهَا أَخْذُ حُظُوظِهِمْ الْعَاجِلَةِ، وَهَذَا حَالُ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ إلَّا لِدُنْيَاهُ، سَوَاءٌ كَانَ عَمَلُهُ مِنْ جِنْسِ الْعِبَادَاتِ أَوْ غَيْرِهَا، ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ حَالَ الْفُرُوعِ فَقَالَ: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٩] فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُهُمْ، وَأَنَّهُ يَنَالُهُمْ مَا نَالَهُمْ؛ لِأَنَّ حُكْمَ النَّظِيرِ حُكْمُ نَظِيرِهِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] فَقِيلَ: الَّذِي صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ
[ ١ / ١٠٥ ]
مَحْذُوفٍ، أَيْ كَالْخَوْضِ الَّذِي خَاضُوا، وَقِيلَ: لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ كَخَوْضِ الْقَوْمِ الَّذِي خَاضُوا، وَهُوَ فَاعِلُ الْخَوْضِ، وَقِيلَ: الَّذِي مَصْدَرِيَّةٌ كَمَا أَيْ كَخَوْضِهِمْ، وَقِيلَ: هِيَ مَوْضِعُ الَّذِينَ
[أَصْلُ كُلِّ شَرٍّ الْبِدَعُ وَاتِّبَاعُ الْهَوَى]
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ جَمَعَ بَيْنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْخَلَاقِ وَبَيْنَ الْخَوْضِ بِالْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الدِّينِ إمَّا أَنْ يَقَعَ بِالِاعْتِقَادِ الْبَاطِلِ وَالتَّكَلُّمِ بِهِ وَهُوَ الْخَوْضُ، أَوْ يَقَعُ فِي الْعَمَلِ بِخِلَافِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ وَهُوَ الِاسْتِمْتَاعُ بِالْخَلَاقِ، فَالْأَوَّلُ الْبِدَعُ، وَالثَّانِي اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَهَذَانِ هُمَا أَصْلُ كُلِّ شَرٍّ وَفِتْنَةٍ وَبَلَاءٍ، وَبِهِمَا كُذِّبَتْ الرُّسُلُ، وَعُصِيَ الرَّبُّ، وَدُخِلَتْ النَّارُ، وَحَلَّتْ الْعُقُوبَاتُ، فَالْأَوَّلُ مِنْ جِهَةِ الشُّبُهَاتِ، وَالثَّانِي مِنْ جِهَةِ الشَّهَوَاتِ، وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يَقُولُونَ: احْذَرُوا مِنْ النَّاسِ صِنْفَيْنِ: صَاحِبُ هَوًى فِتْنَتُهُ هَوَاهُ، وَصَاحِبُ دُنْيَا أَعْجَبَتْهُ دُنْيَاهُ.
وَكَانُوا يَقُولُونَ: احْذَرُوا فِتْنَةَ الْعَالِمِ الْفَاجِرِ وَالْعَابِدِ الْجَاهِلِ؛ فَإِنَّ فِتْنَتَهُمَا فِتْنَةٌ لِكُلِّ مَفْتُونٍ، فَهَذَا يُشْبِهُ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ وَيَعْمَلُونَ بِخِلَافِهِ، وَهَذَا يُشْبِهُ الضَّالِّينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
وَفِي صِفَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - ﵀ -: عَنْ الدُّنْيَا مَا كَانَ أَصَبَرَهُ، وَبِالْمَاضِينَ مَا كَانَ أَشْبَهَهُ، أَتَتْهُ الْبِدَعُ فَنَفَاهَا، وَالدُّنْيَا فَأَبَاهَا، وَهَذِهِ حَالُ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] فَبِالصَّبْرِ تُتْرَكُ الشَّهَوَاتُ، وَبِالْيَقِينِ تُدْفَعُ الشُّبُهَاتُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] .
وَفِي بَعْضِ الْمَرَاسِيلِ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْبَصَرَ النَّاقِدَ عِنْدَ وُرُودِ الشُّبُهَاتِ، وَيُحِبُّ الْعَقْلَ الْكَامِلَ عِنْدَ حُلُولِ الشَّهَوَاتِ» .
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٩] إشَارَةٌ إلَى اتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ وَهُوَ دَاءُ الْعُصَاةِ وَقَوْلُهُ: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] إشَارَةٌ إلَى الشُّبُهَاتِ وَهُوَ دَاءُ الْمُتَبَدِّعَةِ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْخُصُومَاتِ، وَكَثِيرًا مَا يَجْتَمِعَانِ فَقَلَّ مَنْ تَجِدُهُ فَاسِدَ الِاعْتِقَادِ إلَّا وَفَسَادُ اعْتِقَادِهِ يَظْهَرُ فِي عَمَلِهِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ يَسْتَمْتِعُ بِخَلَاقِهِ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِ بِخَلَاقِهِمْ، وَيَخُوضُ كَخَوْضِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَهُمْ مِنْ الذَّمِّ وَالْوَعِيدِ كَمَا لِلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، ثُمَّ
[ ١ / ١٠٦ ]
حَضَّهُمْ عَلَى الْقِيَاسِ وَالِاعْتِبَارِ بِمَنْ قَبْلَهُمْ فَقَالَ: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [التوبة: ٧٠] .
فَتَأَمَّلْ صِحَّةَ هَذَا الْقِيَاسِ وَإِفَادَتَهُ لِمَنْ عُلِّقَ عَلَيْهِ مِنْ الْحُكْمِ، وَأَنَّ الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ قَدْ تَسَاوَيَا فِي الْمَعْنَى الَّذِي عُلِّقَ بِهِ الْعِقَابُ، وَأَكَّدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ بِضَرْبٍ مِنْ الْأَوْلَى، وَهُوَ شِدَّةُ الْقُوَّةِ وَكَثْرَةُ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، فَإِذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ عَلَى اللَّهِ عِقَابُ الْأَقْوَى مِنْهُمْ بِذَنْبِهِ فَكَيْفَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ عِقَابُ مَنْ هُوَ دُونَهُ؟ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣] فَهَذَا قِيَاسٌ جَلِيٌّ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ: إنْ شِئْت أَذْهَبْتُكُمْ وَاسْتَخْلَفْت غَيْرَكُمْ كَمَا أَذْهَبْت مَنْ قَبْلَكُمْ وَاسْتَخْلَفَتْكُمْ فَذِكْرُ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ الْأَرْبَعَةِ: عِلَّةُ الْحُكْمِ، وَهِيَ عُمُومُ مَشِيئَتِهِ وَكَمَالِهَا، وَالْحُكْمُ، وَهُوَ إذْهَابُهُ بِهِمْ وَإِتْيَانُهُ بِغَيْرِهِمْ، وَالْأَصْلُ، وَهُوَ مَنْ كَانَ مِنْ قَبْلُ، وَالْفَرْعُ، وَهُمْ الْمُخَاطَبُونَ.
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩] فَأَخْبَرَ أَنَّ مِنْ قَبْلُ الْمُكَذِّبِينَ أَصْلٌ يُعْتَبَرُ بِهِ، وَالْفَرْعُ نُفُوسُهُمْ، فَإِذَا سَاوَوْهُمْ فِي الْمَعْنَى سَاوَوْهُمْ فِي الْعَاقِبَةِ.
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلا﴾ [المزمل: ١٦] فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ أَرْسَلَ مُحَمَّدًا - ﷺ - إلَيْنَا كَمَا أَرْسَلَ مُوسَى إلَى فِرْعَوْنَ، وَأَنَّ فِرْعَوْنَ عَصَى رَسُولَهُ فَأَخَذَهُ أَخْذًا وَبِيلًا، فَهَكَذَا مَنْ عَصَى مِنْكُمْ مُحَمَّدًا - ﷺ -، وَهَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ جِدًّا فَقَدْ فُتِحَ لَك بَابُهُ