(وَبِه نستعين) وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه
الْحَمد لله الَّذِي أنعم على الْعلمَاء بالإسعاد والإسعاف وَمن عَلَيْهِم بالإتحاف والألطاف وشرفهم بالفضائل وَبهَا يحصل الشّرف والإشراف ذلت الموجودات لهيبته وأقرت عَن اعْتِرَاف وانقادت الأفئدة خاضعة لعظمته وَهِي فِي انقيادها تخَاف
أَحْمَده على ستر الْخَطَايَا والاقتراف وأصلي على رَسُوله مُحَمَّد مَا لبّى محرم وسعى ساع وَطَاف وعَلى آله وَصَحبه الْفُضَلَاء الْأَشْرَاف
وَبعد فَإِن جمَاعَة من إخْوَان الْفُقَهَاء كثر الله عَددهمْ ووفر مددهم كَانُوا يسألونني جمع أَحَادِيث التَّعْلِيق و(بَيَان) مَا صَحَّ مِنْهَا وَمَا لم يَصح لكل فريق وَكنت اقتنع من ذَلِك لشيئين
أَحدهمَا لِأَنِّي ذكرت جَمِيع الْأَحَادِيث المختصة بِالْأَحْكَامِ فِي كتابي الْمُسَمّى ب الْمُخْتَصر اللامع على شرح الْمُخْتَصر وَالْجَامِع
وَالثَّانِي ظَنِّي أَن مَا فِي الطّرق من ذَلِك يَكْفِي وَيحصل المُرَاد ويشفي فَلَمَّا نظرت فِي عَامَّة التَّعَالِيق رَأَيْت بضَاعَة أَكْثَرهم فِي هَذَا الْفَنّ مزجاة وَرُبمَا اعْتمد الْمُسْتَدلّ على حَدِيث وَلَا يدْرِي من رَوَاهُ وَكَيف يحسن بفقيه لَا يعرف صَحِيح حَدِيث الرَّسُول عَلَيْهِ
[ ٣٣ ]
الصَّلَاة وَالسَّلَام من سقيمه وَلَا سالمه من سليمه وَكَثِيرًا مَا أسمع الْعَجَائِب فِي المناظرات فَمن قَائِل عَن الحَدِيث الصَّحِيح هَذَا لَا يعرف وَإِنَّمَا هُوَ لَا يعرفهُ ومحتج بالواهي ويظنه ثَابتا وَرُبمَا جَاءَ حَدِيث ضَعِيف يُخَالف مذْهبه (فيبين) وَجه الطعْن فِيهِ وَإِن كَانَ مُوَافقا سكت عَن ذَلِك سكُوت غير فَقِيه
فاستخرت الله تَعَالَى فِي إِجَابَة سُؤَالهمْ بتقرير مَذْهَبنَا وَمذهب الْمُخَالف وكشف الغوامض من دقائق الْأَحَادِيث الَّتِي يهتدى بِصِحَّتِهَا إِلَى المعارف وَمَتى ورد حَدِيث فِيهِ نظر بيّنت مَا جَاءَ فِي علته وأظهرت فَسَاده من صِحَّته وَلَا فرق بَين أَن يكون حجَّة لنا أَو يلْزمنَا الْخصم بِهِ إلزاما لِأَنِّي أعتقد العصبية فِي مثل هَذَا حَرَامًا ونادر (مُصَنف) منصف
وعزيت أَحَادِيث الْأَحْكَام إِلَى أَئِمَّة النَّقْل الْأَعْلَام
فلأحمد (حد) وللبخاري (خَ) وَلمُسلم (م) وَلأبي دَاوُد (د) وللترمذي (ت) وَلابْن مَاجَه (جه) وللنسائي (نس) وللدار قطني (ق)
وسميته إِيثَار الْإِنْصَاف فِي آثَار الْخلاف واقتصرت على أَحَادِيث الْمسَائِل الْمَشْهُورَة إِجَابَة لسؤالهم وتبليغا لآمالهم فَمن رام الْوُقُوف على بَاقِي الْمسَائِل وَإِدْرَاك بسط الْأَدِلَّة فَعَلَيهِ بطريقتنا الخلافية فَفِيهَا مقنع وَمَتى طلبنا التَّرْجِيح اقتبسناه من إِجْمَاع الصَّحَابَة وَإِلَى الله سُبْحَانَهُ الإناية
وَرُبمَا استدللنا فِي بعض الْمسَائِل بعمومات الْكتاب لعدم المنقولات فِي الْبَاب وَالله الْمُوفق للصَّوَاب
[ ٣٤ ]
= كتاب الطَّهَارَة =
مَسْأَلَة الْخَارِج النَّجس من غير السَّبِيلَيْنِ ينْقض الْوضُوء عِنْد عُلَمَائِنَا وَهُوَ قَول الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَزيد بن ثَابت وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَأبي الدَّرْدَاء وثوبان وصدور التَّابِعين
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله لاينقض وَفرق أَحْمد بَين الْقَلِيل وَالْكثير ٢
لنا مَا رُوِيَ أَن فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش سَأَلت النَّبِي ﷺ فَقَالَت إِنِّي أسْتَحَاض فَلَا أطهر أفأدع الصَّلَاة فَقَالَ لَا إِنَّمَا ذَلِك عرق وَلَيْسَ بالحيضة فَإِذا أَقبلت فدى الصَّلَاة وَإِذا أَدْبَرت فاغسلي عَنْك الدَّم وتوضئي لَك صَلَاة خَ ٠ م ٠ ت وَصلي وروى زيد بن عَليّ عَن أَبِيه عَن جده قَالَ قَالَ لرَسُول الله ﷺ القلس حدث ٠ ق ٠
وروى ٨ ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة رَضِي الله عنهاقالت قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا قاء أحدكُم فِي صلَاته أَو قلس فلينصرف وليتوضأ وليبن على مَا مضى من صلَاته مَا لم يتَكَلَّم ٠ ق ٠
[ ٣٥ ]
وَفِي رِوَايَة أبي سعيد أَو أحدث ٠ ق ٠
وَفِي رِوَايَة ابْن عَبَّاس كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا رعف فِي صلَاته تَوَضَّأ ثمَّ بنى على صلَاته ٠ ق ٠
وروى تَمِيم الدَّارِيّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْوضُوء من كل دم سَائل
وروى سلمَان قَالَ سَالَ من أنفي دم فَقَالَ لي النَّبِي ﷺ أحدث لما حدث لَك وضُوءًا ٠ ق ٠
وروى أَبُو هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَيْسَ فِي القطرة وَلَا القطرتين من الدَّم وضوء وَإِلَّا أَن يكون سَائِلًا ٠ ق ٠
وروى معدان بن أبي طَلْحَة عَن أبي الدَّرْدَاء أَن النَّبِي ﷺ قاء فَتَوَضَّأ
(قَالَ معدان) فَلَقِيت ثَوْبَان فِي مَسْجِد دمشق فَذكرت لَهُ ذَلِك فَقَالَ صدق أَنا صببت لَهُ وضُوءًا حد
[ ٣٦ ]
فَإِن قيل فِي إِسْنَاد حَدِيث زيد بن عَليّ سوار بن مُصعب قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ إِنَّه مَتْرُوك
وَفِي حَدِيث ابْن أبي مليكَة اسماعيل بن عَيَّاش ضَعِيف ثمَّ هُوَ مُرْسل
وَفِي رِوَايَة أبي سعيد أَبُو بكر (الداهريء) قَالَ ابْن معِين لَيْسَ بِشَيْء
وَفِي إِسْنَاد حَدِيث ابْن عَبَّاس عمر بن ريَاح وَسليمَان بن أَرقم ضعفهما الدَّارَقُطْنِيّ
[ ٣٧ ]
وَحَدِيث تَمِيم مُرْسل
وَحَدِيث سلمَان فِيهِ (عَمْرو) الْقرشِي ضعفه أَحْمد
وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة فِيهِ مُحَمَّد بن الْفضل وَهُوَ ضَعِيف
وَحَدِيث ثَوْبَان مُرْسل
فَالْجَوَاب أما حَدِيث زيد فقد رَوَاهُ عَن آبَائِهِ الطاهرين وَزيد غير مُتَّهم واضطراب سوار لَا يقْدَح فِي عَدَالَة زيد وَقد احْتج بِهِ أَبُو بكر الْخلال وَغَيره وَقد قيل إِن اضطرابه من حَيْثُ الْإِرْسَال وَذَلِكَ حجَّة عندنَا
وَأما ابْن عَيَّاش فقد وَثَّقَهُ يحيى بن معِين
[ ٣٨ ]
وَأما حَدِيث ثَوْبَان فقد قَالَ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ هُوَ أصح شَيْء فِي هَذَا الْبَاب
وَأما مُحَمَّد بن الْفضل فَإِنَّمَا تكلم فِيهِ لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَن أَبِيه عَن مَيْمُون بن مهْرَان عَن أبي هُرَيْرَة وَابْن الْمسيب بَين مَيْمُون وَأبي هُرَيْرَة وَلم يذكرهُ وَهَذِه صفة الْإِرْسَال
وَبَاقِي الْأَحَادِيث إِنَّمَا طعنوا فِيهَا من جِهَة الْإِرْسَال والمراسيل عندنَا حجَّة لما عرف من أصولنا
احْتَجُّوا بِأَحَادِيث مِنْهَا
مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قاء فَغسل فَمه فَقيل لَهُ أَلا تتوضأ وضوءك للصَّلَاة فَقَالَ هَكَذَا الْوضُوء من الْقَيْء
وروى أَنه ﵊ قَالَ لَا وضوء إِلَّا من حدث قيل وَمَا الْحَدث قَالَ الْخَارِج من السَّبِيلَيْنِ ٠ (ت)
وروى أَبُو هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا وضوء إِلَّا من صَوت أَو ريح ٠ ت ٠
وروى أَن النَّبِي ﷺ احْتجم وَلم يتَوَضَّأ وَلم يزدْ على غسل محاجمه ق
وَفِي رِوَايَة ثَوْبَان فَسَكَبت لَهُ وضُوءًا قلت من هَذَا وضوء فَقَالَ لَو
[ ٣٩ ]
كَانَ لوجدته فِي كتاب الله تَعَالَى ٠ ق ٠
وَعَن جَابر أَن النَّبِي ﷺ خرج من غزَاة ذَات الرّقاع فَقَالَ من يكلؤنا فِي اللَّيْل فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار وَرجل من الْمُهَاجِرين نَحن بِفَم الشّعب فَنَامَ الْأنْصَارِيّ وحرس الْمُهَاجِرِي فجَاء رجل من الْمُشْركين فَرَمَاهُ بِسَهْم فَنَزَعَهُ فَرَمَاهُ بآخر حَتَّى رَمَاه بِثَلَاثَة أسْهم فَلَمَّا خَافَ على نَفسه أيقظ صَاحبه فَلَمَّا رأى الدَّم يسيل مِنْهُ قَالَ هلا أيقظتني من الأول فَقَالَ كنت أتلو سُورَة فَوَقَعت فِي روضات دمثات وَلَوْلَا أَنِّي أَخَاف أَن أضيع ثغرا أَمرنِي رَسُول الله ﷺ بحفظه لما أيقظتك وَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ فَدَعَا لَهما ٠ د ٠
[ ٤٠ ]
وَلم يَأْمُرهُ بِالْوضُوءِ وَلَا إِعَادَة الصَّلَاة
فَالْجَوَاب أما الحَدِيث الأول فَغَرِيب فَلَا يُعَارض الْمَشْهُور
وَأما الثَّانِي فَلَا يعرف أصلا
وَأما الثَّالِث فمتروك الظَّاهِر لِأَن الْوضُوء يجب من غير الصَّوْت وَالرِّيح بالِاتِّفَاقِ وَأما حَدِيث ثَوْبَان فَفِي إِسْنَاده عتبَة بن السكن قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ هُوَ مَتْرُوك
وَأما الرَّابِع فَيحْتَمل أَن النَّبِي ﷺ لم يعلم بِحَالهِ على الْفَوْر ثمَّ علم بعد ذَلِك فَأمره بِالْإِعَادَةِ بِغَيْر علم الرَّاوِي وَلَو وَقع التَّعَارُض طلبنا التَّرْجِيح وَذَلِكَ من وَجْهَيْن
أَحدهمَا إِجْمَاع الصَّحَابَة على مثل مَذْهَبنَا وَلَو كَانَت الْأَخْبَار غير ثَابِتَة لما أَجمعُوا
وَالثَّانِي أَن أخبارنا مثبة وأخبارهم نَافِيَة والمثبت مقدم
وَأحمد ﵀ يفرق بَين الْقَلِيل وَالْكثير بِمَا روى ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ رخص فِي دم (الحبون) ٠ ق ٠ يَعْنِي الدماميل
قُلْنَا فِي إِسْنَاده بَقِيَّة قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ كَانَ يُدَلس إِلَّا أَنه قد أخرج عَنهُ مُسلم
[ ٤١ ]
فِي الصَّحِيح فَيحمل على الْقَلِيل إِذا لم يسل
مَسْأَلَة النِّيَّة لَيست بِشَرْط فِي الْوضُوء وَالْغسْل عندنَا
قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد ﵏ هِيَ شَرط
لنا مَا رُوِيَ أَن أم سَلمَة ﵂ سَأَلت النَّبِي ﷺ فَقَالَت يَا رَسُول الله إِنِّي امْرَأَة أَشد ضفر رَأْسِي أفأنقضه فِي الْجَنَابَة فَقَالَ لَا إِنَّمَا يَكْفِيك أَن تحثي على رَأسك ثَلَاث حثيات من مَاء فتطهرين م حد
وَفِي رِوَايَة أما أَنا فأحثي على رَأْسِي ثَلَاث حثيات من مَاء فَإِذا أَنا قد طهرت
وَلَو كَانَت النِّيَّة وَاجِبَة لذكرها
وَعلم النَّبِي ﷺ الْأَعرَابِي الْوضُوء وَلم يذكر لَهُ النِّيَّة خَ م مَعَ جَهله بِالْأَحْكَامِ
[ ٤٢ ]
احْتَجُّوا بِأَحَادِيث مِنْهَا
مَا روى عمر ﵁ أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَلكُل امرىء مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ خَ م
وروى أَبُو مَالك الْأَشْعَرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الطّهُور شطر الْإِيمَان وَالْحَمْد لله تملأ الْمِيزَان م
وَفِي رِوَايَة وَلَيْسَ لِلْمُؤمنِ من عمله إِلَّا مَا نَوَاه
وروى أَنه ﷺ قَالَ لاصلاة لمن لَا وضوء لَهُ وَلَا وضوء لمن لم ينود وَهُوَ قَول ابْن عمر وَابْن مَسْعُود
[ ٤٣ ]
وَالْجَوَاب أما الحَدِيث الأول فمتروك الظَّاهِر لِأَن الْعَمَل يُوجد من غير نِيَّة لما عرف ثمَّ هُوَ ورد على سَبَب فَكَانَ خطابا لرجل هَاجر لذَلِك السَّبَب وَكَذَا الثَّانِي لِأَن الْإِيمَان عبارَة عَن التَّصْدِيق وَالْوُضُوء لَيْسَ من التَّصْدِيق فِي شَيْء
وَأما الثَّالِث فَيحمل على الِاسْتِحْبَاب تَوْفِيقًا بَين الدَّلَائِل
مَسْأَلَة التَّرْتِيب لَيْسَ بِشَرْط فِي الْوضُوء عندنَا وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَبِه قَالَ مَالك إِلَّا أَنه يشْتَرط الدَّلْك وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد رحمهمَا الله هُوَ شَرط
لنا مَا روى أَن النَّبِي ﷺ مسح رَأسه بِمَا فضل من وضوئِهِ
قلت وَالَّذِي روينَاهُ على غير هَذَا وَهُوَ مَا رَوَت الرّبيع بنت معوذ بن عفراء قَالَت كَانَ رَسُول الله ﷺ يأتينا فيكثر فَأَتَانَا فَوَضَعْنَا لَهُ الميضأة فَتَوَضَّأ فَغسل كفيه وتمضمض واستنشق وَغسل وَجهه وذراعيه وَمسح رَأسه بِمَا بَقِي من وضوئِهِ فِي يَدَيْهِ ثمَّ غسل رجلَيْهِ حد
وَقد احْتج الإِمَام الرضي فِي طَرِيقَته فَقَالَ روى أَبُو دَاوُد أَن النَّبِي ﷺ تيَمّم فَبَدَأَ بذراعيه
قلت وَلم أَجِدهُ فِي سنَنه
[ ٤٤ ]
احْتَجُّوا بِمَا روى خَلاد بن السَّائِب عَن أيه أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يقبل الله تَعَالَى صَلَاة امرىء حَتَّى يضع الطّهُور موَاضعه فَيغسل وَجهه ثمَّ ذِرَاعَيْهِ ثمَّ يمسح بِرَأْسِهِ ثمَّ يغسل رجلَيْهِ ق
وَهَذَا هُوَ التَّرْتِيب وَكَانَ النَّبِي ﷺ يتَوَضَّأ مُرَتبا حد م وَقَالَ صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي
فَالْجَوَاب أما الحَدِيث الأول فقد ضعفه الرَّازِيّ فِي أَحْكَام الْقُرْآن وَلَو سلم
[ ٤٥ ]
فكلمة ثمَّ تذكر بِمَعْنى الْوَاو كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ثمَّ الله شَهِيد﴾ ﴿ثمَّ كَانَ من الَّذين آمنُوا﴾
وَأما مَا فعله ﵊ فَيحمل على الِاسْتِحْبَاب لِئَلَّا ترد النُّصُوص الدَّالَّة على جَوَاز الطَّهَارَة بِغَيْر تَرْتِيب كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وأنزلنا من السَّمَاء مَاء طهُورا﴾ وَنَحْوه وَالْمَاء مطهر بطبعه فَلَا يتَوَقَّف على صنع العَبْد
مَسْأَلَة تجوز إِزَالَة النَّجَاسَة الْحَقِيقِيَّة بِغَيْر المَاء من الْمَائِعَات الطاهرات كالخل وَنَحْوه
وَقَالَ مُحَمَّد ﵀ لَا تجوز وَهُوَ قَول زفر ﵀ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد ﵏
لنا مَا روى عَليّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا ولغَ الْكَلْب فِي إِنَاء أحدكُم فليغسله سبعا ٠ خَ ٠ م ٠
وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ ثَلَاثًا أَمر بِالْغسْلِ مُطلقًا فتقييده بِالْمَاءِ يحْتَاج إِلَى دَلِيل وَكَذَا الْأَحَادِيث الْمُطلقَة فِي الْبَاب
[ ٤٦ ]
وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت كُنَّا نقرض الدَّم على عهد رَسُول الله ﷺ ثمَّ نبله بالريق
وَالظَّاهِر أَنه ﷺ علم بذلك
احْتَجُّوا بقوله ﵊ لأسماء وَقد سَأَلته عَن دم الْحيض يُصِيب الثَّوْب حتيه ثمَّ اقرضيه ثمَّ اغسليه بِالْمَاءِ ٠ خَ ٠ م ٠
أَمر بِالْغسْلِ بِالْمَاءِ فَلَمَّا لم يغسلهُ بِهِ لَا يخرج عَن الْعهْدَة
وثبث أَن ﷺ نهى عَن قيل وَقَالَ وإضاعة المَال وَغسل هَذِه الْأَشْيَاء بالخل وَنَحْوه إِضَاعَة
فَالْجَوَاب أَنه لَيْسَ فِيهِ نفي الْغسْل بِغَيْر المَاء وَذكر المَاء إِنَّمَا كَانَ على الْأَعَمّ الْأَغْلَب كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَا طَائِر يطير بجناحيه﴾
وَأما الحَدِيث الثَّانِي فإنفاق المَال لغَرَض صَحِيح يجوز فَإِن من الْآثَار مَا لَا يَزُول إِلَّا بالخل
مَسْأَلَة جُلُود الْميتَة تطهر بالدباغ عندنَا
[ ٤٧ ]
وَقَالَ مَالك وَأحمد لَا تطهر
ووافقنا الشَّافِعِي ﵁ إِلَّا فِي جلد الْكَلْب فَإِنَّهُ نجس الْعين عِنْده كالخنزير وَهُوَ رِوَايَة عَن أبي حنيفَة ﵀
لنا مَا روى ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ مر بِشَاة لميمونة ميتَة فَقَالَ هلا انتفعتم بإهابها فَقَالُوا إِنَّهَا ميتَة فَقَالَ إِنَّمَا حرم من الْميتَة أكلهَا ٠ خَ ٠ م ٠
وروى ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا دبغ الإهاب فقد طهر م وَهَذِه نُصُوص فِي مَحل النزاع
احتجا بِمَا روى عبد الله بن عكيم قَالَ أَتَانَا كتاب رَسُول الله ﷺ قبل مَوته كنت رخصت لكم فِي جُلُود الْميتَة فَإِذا أَتَاكُم كتابي هَذَا فَلَا تنتفعوا مِنْهَا بإهاب وَلَا عصب حد
وَقَوله كنت دَلِيل على نسخ مَا تقدمه
وَالْجَوَاب من وُجُوه
[ ٤٨ ]
أَحدهَا أَنه كتاب لَا يعرف حامله
وَالثَّانِي أَن أَلْفَاظه مضطربه فَتَارَة يَقُول وَأَنا شَاب وَتارَة يَقُول وَأَنا صبي وَتارَة قبل مَوته بِشَهْر وَتارَة بشهرين
وَقد قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ مَاتَ رَسُول الله ﷺ وَلابْن عكيم سنة وَإِنَّمَا يرويهِ عَن مشيخة من جُهَيْنَة
وَالثَّالِث أَن حديثنا فِي الصَّحِيحَيْنِ وحديثهما مُضْطَرب فَلَا يقاومه وَلَو سلم لم يكن فِيهِ دَلِيل على مَوضِع الْخلاف لِأَن الإهاب فِي اللُّغَة اسْم للجلد مَا لم يدبغ فَإِذا دبغ فَهُوَ أَدِيم
وَالشَّافِعِيّ ﵀ يحْتَج بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ دَعَاهُ بعض الْأَنْصَار إِلَى دَار فَلم يجب وَدعَاهُ آخر فَأجَاب فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ كَانَ فِي الأولي كلب وَفِي الثَّانِيَة هرة وَإِنَّهَا لَيست نَجِسَة إِنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم أَو الطوافات وَهَذَا الْجَواب وَقع فِي معرض الْفرق تمهيدا لعذره ﷺ
وَالْجَوَاب أَنه غَرِيب فَلَا يُعَارض الْمَشْهُور وَلَو اشْتهر لم يكن حجَّة لِأَنَّهُ لَا يدل بالمنطوق لِأَنَّهُ مسكوت عَنهُ وَلَا بِالْمَفْهُومِ لِأَنَّهُمَا عينان مُخْتَلِفَانِ وَيحْتَمل أَنه ﷺ لم يجبهُ لِمَعْنى آخر لَا لماقال وَمَتى احْتمل بَطل الِاحْتِجَاج بِهِ
[ ٤٩ ]
= كتاب الصَّلَاة =
مَسْأَلَة العَاصِي بِسَفَرِهِ يترخص برخص الْمُسَافِرين عندنَا وَقَالَ أَحْمد وَالشَّافِعِيّ لَا يترخص وَاتَّفَقُوا على العَاصِي فِي سَفَره يترخص
لنا إِجْمَاع الصَّحَابَة فَإِن عمر وَابْن عَبَّاس ﵄ قَالَا صَلَاة الْمُسَافِر رَكْعَتَانِ على لِسَان نَبِيكُم وَقد خَابَ من افترى فَيجب الْعَمَل بِالْعُمُومِ
لَهما أَن الرُّخْصَة مُقَيّدَة بالاضطرار وَكَونه غير بَاغ وَلَا عَاد لقَوْله تَعَالَى ﴿فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ﴾ فَكَانَ الْمُسَافِر العَاصِي مَنْصُوصا عَلَيْهِ فِيمَا تمسكنا بِهِ ومسكوتا عَنهُ فِيمَا تمسكتم بِهِ وَالْمَنْصُوص عَلَيْهِ مقدم على الْمَسْكُوت عَنهُ
وَالْجَوَاب لَا خلاف أَن الْإِثْم مَرْفُوع عَن الْمُضْطَر غير الْبَاغِي العادي وَإِنَّمَا الْخلاف فِي الْبَاغِي العادي إِذا تحقق الِاضْطِرَار فِي حَقه وَالْآيَة ساكتة عَن حكمه
مَسْأَلَة تَارِك الصَّلَاة لَا يجب قَتله عندنَا وَيحبس ويستتاب وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد يُسْتَتَاب فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل
لنا قَوْله ﵊ لَا يحل دم امرىء مُسلم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث كفر
[ ٥٠ ]
بعد إِيمَان وزنى بعد إِحْصَان وَقتل نفس بِغَيْر حق حد
وَلَفظ الصَّحِيحَيْنِ فِي رِوَايَة ابْن مَسْعُود لَا يحل دم امرىء مُسلم يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث الثّيّب الزَّانِي وَالنَّفس بِالنَّفسِ والتارك لدينِهِ المفارق للْجَمَاعَة
وَرِوَايَة الْمسند قَالَهَا عُثْمَان يَوْم الدَّار عَن رَسُول الله ﷺ وَهَذَا لم يَأْتِ بِأحد هَذِه الْأَشْيَاء فَلَا يُبَاح دَمه
وَقَالَ ﵊ أرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله الحَدِيث
فاقتضي عصمَة مَاله وَدَمه عملا بِعُمُومِهِ
فَإِن قيل ظَاهره مَتْرُوك فَإِنَّهُ لَو بغى أُبِيح دَمه
وَأما الحَدِيث الثَّانِي فَفِي سِيَاقه إِلَّا بِحَقِّهَا وَالصَّلَاة من حَقّهَا وبتركها زَالَت الْعِصْمَة
قُلْنَا الْبَغي أَيْضا مَحْمُول على (إصراره) أَو بدايته بِالْقِتَالِ وَلَا نسلم أَن بِتَرْكِهَا زَالَت الْعِصْمَة وَالْخلاف فِيهِ
[ ٥١ ]
احْتَجُّوا بقوله ﵊ بَين العَبْد وَالْكفْر ترك الصَّلَاة م إِلَى غير ذَلِك من الْأَخْبَار المستفيضة وَحكم الْكفْر الْقَتْل
لنا الحَدِيث مَحْمُول على مَا إِذا تَركهَا اعتقادا وَلم يرهَا فرضا أَو يحمل على المتهاون بهَا فقاله ﵊ مُبَالغَة فِي الزّجر كَمَا قَالَ شَارِب الْخمر عَابِد وثن
[ ٥٢ ]
= كتاب الزَّكَاة =
مَسْأَلَة تجب الزَّكَاة فِي حلي النِّسَاء عندنَا وَهُوَ قَول عمر وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة ﵃
وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ لَا تجب وَعَن أَحْمد كالمذهبين لنا أَحَادِيث عَامَّة وخاصة فالعامة أَرْبَعَة مِنْهَا مَا روى أَبُو سعيد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَيْسَ فِيمَا دون خمس أَوَاقٍ صَدَقَة م وَرُوِيَ عَن عَليّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ هاتوا صَدَقَة الرقة ت قَالَ ابْن قُتَيْبَة الرقة الْفضة دَرَاهِم كَانَت أَو غَيرهَا
وروى عمر بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَيْسَ فِي أقل من عشْرين مِثْقَالا من الذَّهَب شَيْء وَلَا فِي أقل من مِائَتي دِرْهَم شَيْء ق وروى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لعَلي ﵁ لَيْسَ عَلَيْك فِي الذَّهَب شَيْء حَتَّى
[ ٥٣ ]
يبلغ عشْرين مِثْقَالا
نفى الْوُجُوب إِلَى غَايَة بُلُوغه عشْرين مِثْقَالا فَإِذا بلغ هَذَا الْقدر ثَبت الْوُجُوب وَكَذَا مَا ذكرنَا من الْأَحَادِيث
أما الْخَاصَّة فثمانية مِنْهَا
رُوِيَ عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ أَتَت النَّبِي ﷺ امْرَأَتَانِ فِي أَيْدِيهِمَا أساور من ذهب فَقَالَ ﵊ أتحبان أَن يسوركما الله يَوْم الْقِيَامَة أساور من نَار قَالَتَا لَا قَالَ فأديا حق الله فِيمَا فِي أيديكما حد
وَفِي رِوَايَة جَاءَت امْرَأَة وابنتها من أهل الْيمن إِلَى رَسُول الله ﷺ وَفِي يَدهَا مسكتان غليظتان من ذهب قَالَ هَل تعطين زَكَاة هَذَا قَالَت لَا قَالَ فيسرك أَن يسورك الله بسوارين من نَار قَالَ فخلعتهما وَقَالَت هما لله وَلِرَسُولِهِ ق
الحَدِيث الثَّانِي عَن أَسمَاء بنت يزِيد قَالَت دخلت أَنا وخالتي على النَّبِي ﷺ وعلينا أسورة من ذهب فَقَالَ لنا أتعطيان زَكَاته فَقُلْنَا لَا فَقَالَ أما تخافان أَن يسوركما الله تَعَالَى أسورة من نَار أديا زَكَاته حد
[ ٥٤ ]
(الحَدِيث) الثَّالِث عَن أم سَلمَة أَنَّهَا كَانَت تلبس أَوْضَاحًا من ذهب فَسَأَلت النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك فَقَالَت أكنز هُوَ قَالَ إِذا أدّيت زَكَاته فَلَيْسَ بكنز ق
الرَّابِع عَن عَائِشَة قَالَ دخلت على رَسُول الله ﷺ فَرَأى فِي يَدي فتخات من ورق فَقَالَ مَا هَذَا يَا عَائِشَة فَقلت صنعتهن أتزين لَك بِهن قَالَ أتؤدين زكاتهن قلت لَا قَالَ هن حَسبك من النَّار ق
الْخَامِس عَن فَاطِمَة بنت قيس قَالَت أتيت رَسُول الله ﷺ بطوق فِيهِ سَبْعُونَ مِثْقَالا من ذهب فَقلت يَا رَسُول الله خُذ مِنْهُ الْفَرِيضَة فَأخذ مِنْهُ مِثْقَالا وَثَلَاثَة أَربَاع مِثْقَال ق
السَّادِس عَن فَاطِمَة بنت قيس أَيْضا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي الْحلِيّ زَكَّاهُ ق
السَّابِع عَن ابْن مَسْعُود قَالَ قلت يارسول الله إِن لامرأتي جليا من عشْرين مِثْقَالا قَالَ فأد زَكَاته نصف مِثْقَال ق
[ ٥٥ ]
الثَّامِن عَن ابْن مَسْعُود أَيْضا أَن امْرَأَة جَاءَت النَّبِي ﷺ فَقَالَت إِن لي حليا وَإِن زَوجي خَفِيف ذَات الْيَد وَإِن لي بني أَخ أفيجزيني أَن أجعَل زَكَاة الْحلِيّ فيهم قَالَ نعم ق
فَإِن قيل أما حَدِيث عَليّ فَالْمُرَاد مِنْهُ الْمُسْتَخْرج من الْمَعْدن لَا مُطلق الذَّهَب وَأما الْأَحَادِيث الْخَاصَّة فَفِيهَا مقَال
أما الأول فَفِيهِ الْحجَّاج بن أَرْطَاة قَالَ أَحْمد كَانَ يرْوى عَمَّن لم يلقه وَفِي طَرِيق الْمَرْأَة الَّتِي جاءن من الْيمن الْمثنى بن الصَّباح ضعفه أَحْمد
وَأما الثَّانِي ففه شهر بن حَوْشَب ضعفه ابْن عدي
[ ٥٦ ]
وَأما الثَّالِث فَفِيهِ مُحَمَّد بن مهَاجر ضَعِيف وَأما الرَّابِع فَفِيهِ مُحَمَّد بن عَطاء قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ هُوَ مَجْهُول أما الْخَامِس فَفِيهِ الْهُذلِيّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ اسْمه ابو بكر لم يَأْتِ بِهِ غَيره أما السَّادِس فَفِيهِ مَيْمُون قَالَ أَحْمد مَتْرُوك
[ ٥٧ ]
وَأما السَّابِع فَفِيهِ يحيى بن أبي أنيسَة ضعفه أَحْمد قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالصَّوَاب أَنه مُرْسل مَوْقُوف وَأما الثَّامِن فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا إِنَّه مُرْسل مَوْقُوف وَلَو سلمت كَانَت الأول مجملة فافتقرت إِلَى الْبَيَان
الْجَواب أما حَدِيث عَليّ فَلَا يُمكن حمله على الْمَعْدن لِأَن الْوَظِيفَة فِيهِ الْخمس بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُور فَمن أوجب فِيهِ ربع الْعشْر فقد خَالف الحَدِيث
وَأما الْحجَّاج بن أَرْطَاة فمشهور بِصِحَّة الرِّوَايَة وَمَا ذكره أَحْمد عَنهُ فَهُوَ صفة الْإِرْسَال وَأما شهر بن حَوْشَب فقد وَثَّقَهُ أَحْمد وروى عَنهُ فِي غير مَوضِع وَأما بَاقِي الأجاديث فطريقة الْفُقَهَاء فِي قبُول الْأَحَادِيث غير طَريقَة الْمُحدثين والمراسيل عندنَا حجَّة وَالَّذِي يدل على أحاديثنا إِجْمَاع الصَّحَابَة على مثل مَذْهَبنَا وَلَو لم تكن ثَابِتَة لما ذَهَبُوا إِلَى ذَلِك احْتَجُّوا بِمَا روى جَابر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَيْسَ فِي الْحلِيّ زَكَاة
[ ٥٨ ]
وَعَن ابْن عمر مَوْقُوفا وَمَرْفُوعًا زَكَاة الْحلِيّ إعارته وَكَذَا روى جَابر وَأنس وَعَائِشَة ﵃ وَالْجَوَاب أما الحَدِيث الأول فَعَنْهُ أجوبة أَحدهَا إِن فِي إِسْنَاده عَافِيَة بن أَيُّوب ضَعِيف وَالثَّانِي أَنه مَوْقُوف عَليّ جَابر وَالثَّالِث أَن التِّرْمِذِيّ قَالَ لَا يَصح فِي هَذَا الْبَاب شَيْء عَن النَّبِي ﷺ يُشِير
[ ٥٩ ]
إِلَى مَذْهَب الْخصم فَإِن ادعوا أَنه أَشَارَ إِلَى أَحَادِيث مَذْهَبنَا لم يَصح لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا للأحاديث الْعَامَّة لِأَنَّهُ لَا مطْعن فِيهَا وَالثَّانِي لإِجْمَاع الصَّحَابَة فَلم تبْق الْإِشَارَة إِلَّا إِلَى جانبهم وَلَو سلم حمل على الْجَوَاهِر لِأَنَّهَا حلي بِالنَّصِّ مَسْأَلَة لَا زَكَاة فِي مَال الضمار عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة وَقَالَ زفر فِيهِ الزَّكَاة وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
وَتَفْسِير الضمار أَن يكون المَال قَائِما وينسد طَرِيق الْوُصُول إِلَيْهِ كَالْعَبْدِ الْآبِق والضال وَالْمَال السَّاقِط فِي الْبَحْر وَالَّذِي أَخذ مصادرة وَالدّين المجحود إِذا لم تكن لَهُ بَيِّنَة ثمَّ صَار بِأَن أقرّ عِنْد النَّاس والمدفون فِي الصَّحرَاء إِذا خفى على الْمَالِك مَكَانَهُ وَاتَّفَقُوا على انْعِقَادهَا فِي المدفون فِي الْبَيْت وَفِي المدفون فِي الْكَرم اخْتِلَاف الْمَشَايِخ لنا مَا روى أَبُو هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَيْسَ على الْمُسلم فِي عَبده وَلَا فِي فرسه صَدَقَة حد وَالْعَبْد الْآبِق من مَحل النزاع
[ ٦٠ ]
وروى عَن عُثْمَان وَعلي وَابْن عمر ﵃ أَنهم قَالُوا لَا زَكَاة فِي مَال الضمار وَهُوَ مَأْخُوذ من الْبَعِير الضامر الَّذِي لَا ينْتَفع بِهِ لشدَّة هزاله وَقَالَ الرَّاعِي
وأنضاء أنخن إِلَى سعيد
طروقا ثمَّ عجلن ابتكارا حمدن مزاره فأصبن مِنْهُ
عَطاء لم يكن عدَّة ضمارا
وَعَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه رد مَا وجده فِي بَيت المَال مِمَّا أَخذه بَنو أُميَّة من أَمْوَال الْمُسلمين على أَهله وَقَالَ لَا زَكَاة فِي مَال الضمار
احتجا بالعمومات الْوَارِدَة فِي الْبَاب مثل قَوْله ﵊ فِي عشْرين مثقالامن الذَّهَب نصف مِثْقَال (وَفِي مِائَتي دِرْهَم خَمْسَة دَرَاهِم) من غير فصل بَين الضمار وَغَيره
فَالْجَوَاب أَن النُّصُوص كلهَا مَخْصُوصَة بثبات البذلة والمهنة وَنَحْوهمَا فيخص
[ ٦١ ]
الْمُتَنَازع فِيهِ بِالْقِيَاسِ مَسْأَلَة كل دين لَهُ مطَالب من جِهَة الْعباد يمْنَع وجوب الزَّكَاة عندنَا وَهُوَ قَول أَحْمد وَقَالَ مَالك لَا يمْنَع وَعَن الشَّافِعِي كالمذهبين
وَاتَّفَقُوا على أَن الدُّيُون الَّتِي لَا مطَالب لَهَا من جِهَة الْعباد لَا تمنع الزَّكَاة كالنذور وَالْكَفَّارَات لنا مَا روى أَبُو نضر الْمَالِكِي عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا كَانَ للرجل ألف دِرْهَم وَعَلِيهِ ألف دِرْهَم فَلَا زَكَاة عَلَيْهِ وَهُوَ صَرِيح فِي مَحل النزاع
وروى الزُّهْرِيّ أَن عُثْمَان خطب فَقَالَ هَذَا شهر زَكَاتكُمْ فَمن كَانَ عَلَيْهِ دين فليقضه وزكوا بَقِيَّة أَمْوَالكُم بِمحضر من الضحابة من غير نَكِير فَكَانَ إِجْمَاعًا مِنْهُم على أَنه لَا زَكَاة فِي المَال المشغول بِالدّينِ
احْتَجُّوا بالخطابات الْوَارِدَة فِي الْبَاب لإِيجَاب الزَّكَاة من غير فصل بَين مَال وَمَال مثل قَوْله ﵊ لِمعَاذ خُذْهَا من أغنيائهم وردهَا على فقرائهم خَ م ت
[ ٦٢ ]
وروى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تحل الصَّدَقَة إِلَّا لخمسة غاز فِي سَبِيل الله تَعَالَى وَالْعَامِل عَلَيْهَا والغارم أَو رجل اشْترى بِمَالِه أَو مِسْكين تصدق عَلَيْهِ فأهدى لَغَنِيّ د ق اسْتثْنِي الْغَنِيّ
وَالْجَوَاب أَن الخطابات مُقَيّدَة أَو خصوصة فِي المَال الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ حَاجَة أَصْلِيَّة وَمَال الْمَدْيُون كَذَلِك فَلم يكن غَنِيا فَلَا تتناوله الخطابات
مَسْأَلَة الْمُسْتَفَاد من جنس النّصاب يضم إِلَى مَا عِنْده من النّصاب فِي حكم الْحول وَهُوَ قَول مَالك وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ لَا يضم وَاتَّفَقُوا على الْأَوْلَاد والأرباح وعَلى خلاف الْجِنْس لنا قَوْله ﵊ فِي مِائَتي دِرْهَم خَمْسَة دَرَاهِم من غير فصل
وروى أَنه ﵊ قَالَ إِن من السّنة شهرا تؤدون فِيهِ زَكَاة أَمْوَالكُم فَمَا حدث بعد ذَلِك فَلَا زَكَاة فِيهِ حَتَّى يَجِيء رَأس الشَّهْر ت بِمَعْنَاهُ وَقيل إِنَّه مَوْقُوف على عُثْمَان وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس
[ ٦٣ ]
احْتَجُّوا بِمَا روى ابْن عمر وَأنس وَعَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا زَكَاة فِي مَال حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول ت وَهَذَا مَا لم يحل عَلَيْهِ الْحول وَالْجَوَاب أَنه لَا يَصح لِأَن فِي إِسْنَاد ابْن عمر عبد الرحمن بن زيد
[ ٦٤ ]
ضعفه التِّرْمِذِيّ وَالْجَمَاعَة وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ الصَّحِيح أَنه عَن مَالك مَوْقُوف وَفِي إِسْنَاده (اسحق بن) إِبْرَاهِيم الحنيني لَيْسَ بمرضي قَالَ التِّرْمِذِيّ الْأَصَح أَن هَذَا الحَدِيث مَوْقُوف على ابْن عمر وَفِي إِسْنَاد أنس حسان بن سياه قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ضَعِيف
وَفِي إِسْنَاد عَائِشَة (حَارِثَة) قَالَ أَحْمد (حَارِثَة) لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ يحيى لَيْسَ بِثِقَة وَلَو سلم فَهُوَ ناف وَمَا روينَا مُثبت لِأَن معنى الضَّم أَن تجب الزَّكَاة فِيهِ عِنْد تَمام الْحول وَعند الْخُصُوم يعْتَبر للْوُجُوب حول كَامِل
[ ٦٥ ]
مَسْأَلَة أَثمَان الْإِبِل المزكاة لَا تضم إِلَى مَا عِنْده من النّصاب فِي حكم الْحول عِنْد أبي حنيفَة ﵀ وَقَالا يضم وَصورته إِذا كَانَ لَهُ خمس من الْإِبِل وَمِائَتَا دِرْهَم فتم حول الْإِبِل فزكاها ثمَّ بَاعهَا بِدَرَاهِم لَا تضم إِلَى الْمِائَتَيْنِ بل يُرَاعى لَهَا حول على حِدة عِنْده وَعِنْدَهُمَا يزكّى الْجَمِيع عِنْد عَام حول الدَّرَاهِم لَهُ مَا روى أَنه ﵊ قَالَ لَا ثنى فِي الصَّدَقَة حد وَقَوله ﵊ إِن الله حرم عَلَيْكُم الرِّبَا أفيأخذه مِنْكُم
وَلَهُمَا مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﵊ قَالَ إِن من السّنة شهرا تؤدون فِيهِ زَكَاة أَمْوَالكُم فَمَا حدث بعد ذَلِك فَلَا زَكَاة فِيهِ حَتَّى يَجِيء رَأس ذَلِك الشَّهْر من غير فصل بَينهمَا إِذا كَانَت السّنة حائلة على جَمِيعهَا أَو على بَعْضهَا
وَالْجَوَاب أَنه لَا يَصح مَرْفُوعا وَإِنَّمَا رَوَاهُ الزُّهْرِيّ مَوْقُوفا على عُثْمَان وَلَو سلم فقد خص عَنهُ المستفادات الْمُخْتَلفَة (بالحول)
[ ٦٦ ]
مَسْأَلَة من عَلَيْهِ الزَّكَاة إِذا فرط فِي أَدَاء الزَّكَاة حَتَّى هلك النّصاب سَقَطت عَنهُ الزَّكَاة وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد لَا تسْقط وعَلى هَذَا الْعشْر وَالْخَرَاج لنا قَوْله ﵊ فِي كل أَرْبَعِينَ شَاة شَاة وَفِي مِائَتي دِرْهَم خَمْسَة دَرَاهِم وَفِي للظريفة وَلم تبْق فَلَو كلفناه بِالْأَدَاءِ لَكَانَ تَكْلِيف الْعَاجِز وَإنَّهُ لَا يجوز
احْتَجُّوا بالعمومات الْوَارِدَة فِي الْبَاب إِلَّا أَن الْمحل قد فَاتَ وَله ولَايَة الدّفع إِلَى من يخْتَار فالتأخير لم يفوت على الْفَقِير حَقًا
مَسْأَلَة يجوز دفع الْقيم فِي الزَّكَاة وَهُوَ قَول عمر وَابْن عمر وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ لَا يجوز وَعَن أَحْمد كالمذهبين وعَلى هَذَا الْخلاف الْعشْر وَالْخَرَاج وَصدقَة الْفطر وَالنُّذُور وَالْكَفَّارَات
[ ٦٧ ]
لنا مَا روى الصنَابحِي أَن النَّبِي ﷺ خرج يَوْمًا إِلَى إبل الصَّدَقَة فَرَأى فِيهَا نَاقَة كوماء فَغَضب فَقَالَ ألم أنهاكم عَن كرائم أَمْوَال النَّاس فَقَالَ ارتجعتها ببعيرين فَسكت حد
قَالَ أَبُو عبيد الارتجاع أَن يَأْخُذ سنا مَكَان سِنِين وَتلك تسمى رَجْعَة بِكَسْر الرَّاء وَمَعْنَاهُ إِذا وَجب على رب المَال أَسْنَان من الْإِبِل فَأخذ الْمُصدق مَكَانهَا أسنانا فَوْقهَا أَو دونهَا فَتلك رَجْعَة لِأَنَّهُ ارتجعها من الَّتِي وَجَبت على رَبهَا وَهَذَا عين الْبَدَل وَالنَّبِيّ ﵊ أقره على ذَلِك
[ ٦٨ ]
وروى طَاوس أَن معَاذًا قَالَ لأهل الْيمن ائْتُونِي بِكُل خَمِيس أَو لبيس آخذه مِنْكُم مَكَان الذّرة وَالشعِير فَإِنَّهُ أَهْون عَلَيْكُم وأنفع لمن بِالْمَدِينَةِ من الْمُهَاجِرين ق وَلم يخف فعله على النَّبِي ﵊ وَلَا على الصَّحَابَة
وروى مَسْرُوق عَن معَاذ قَالَ بَعثه النَّبِي ﷺ إِلَى الْيمن فَأمره أَن يَأْخُذ من كل ثَلَاثِينَ بقرة تبيعا أَو تبيعة وَمن كل أَرْبَعِينَ مُسِنَّة وَمن كل حالم دِينَارا أَو عدله معافر حد
وروى البُخَارِيّ أَن أَبَا بكر ﵁ كتب كتاب الصَّدقَات إِلَى أنس وَكَانَ اسْتَخْلَفَهُ على الْبَحْرين هَذِه فَرِيضَة الصَّدَقَة الَّتِي فرض رَسُول الله ﷺ على الْمُسلمين إِلَى أَن قَالَ فِي سِيَاقه وَمن بلغت صدقته الْجَذعَة وَلَيْسَ عِنْده جَذَعَة
[ ٦٩ ]
وَعِنْده حقة فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ الحقة وَيجْعَل مَعهَا شَاتين إِن استيسرتا لَهُ أَو عشْرين درهما وَمن بلغت صدقته الحقة وَلَيْسَت عِنْده الحقة وَعِنْده الْجَذعَة فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ الجزعة وَيُعْطِيه الْمُصدق عشْرين درهما أَو شَاتين وَهَذَا دَلِيل على التعادل فِي الْقيمَة فَإِن قيل حَدِيث النَّاقة مُرْسل لِأَن طاوسا لم يلق معَاذًا وَلَعَلَّ السَّاعِي اشْتَرَاهَا ببعيرين بعد أَن قبضهما
وروى عَن أبي عبيد أَن الارتجاع أَن يقدم الرجل الْمصر بإبله فيبيعها وَيَشْتَرِي بِثمنِهَا مثلهَا أَو غَيرهَا وَحَدِيث معَاذ مُرْسل أَيْضا
أَو يحمل على الْجِزْيَة لِأَن مَذْهَب معَاذ لَا يرى نقل الزَّكَاة من بلد إِلَى بلد فسماها صَدَقَة مجَازًا قُلْنَا الْمُرْسل حجَّة عندنَا
[ ٧٠ ]
وَلَو فسر الارتجاع بِمَا قَالُوا لَكَانَ على خلاف تَفْسِير أهل اللُّغَة فَكَانَ تعطيلا لَا تَأْوِيلا والساعي لَا يملك التَّصَرُّف على الْوَجْه الَّذِي قَالُوا وَلَا يَصح حمل حَدِيث معَاذ على الْجِزْيَة فَإِنَّهُ صَرِيح فَلَا يُعَارضهُ الِاحْتِمَال
احْتَجُّوا بقوله ﵊ وَفِي خمس وَعشْرين بنت مَخَاض خَ نَص على بنت مَخَاض فَلَا يجوز الْعُدُول إِلَى الْقيَاس مَعَ تَقْدِير الشَّرْع
وَرُوِيَ أَنه ﵊ قَالَ لِمعَاذ لما بَعثه إِلَى الْيمن خُذ الْحبّ من الْحبّ وَالشَّاة من الْغنم وَالْبَعِير من الْإِبِل وَالْبَقَرَة من الْبَقر ق
الْجَواب أما الحَدِيث الأول ف فِي للظرفية وَقد لَا يكون فِي خمس وَعشْرين بنت مَخَاض فيتقدر بمالية بنت مَخَاض
وَأما حَدِيث معَاذ فَظَاهره مَتْرُوك فَإِنَّهُ تُؤْخَذ الشَّاة من الْإِبِل فَكَانَ المُرَاد مِنْهُ الْأَوْلَوِيَّة
ومعاذ بعث إِلَى سكان المفاوز غَالِبا وهم كَانُوا أهل الْمَوَاشِي فَكَأَنَّهُ أمره أَن يَأْخُذ مِمَّن أَخذ الْإِبِل وَنَحْوهَا (أيسروا) أسهل عَلَيْهِ
[ ٧١ ]
مَسْأَلَة لَا تجب الزَّكَاة فِي مَال الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَحكى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ إِجْمَاع الصَّحَابَة على مثل مَذْهَبنَا وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ تجب لنا مَا روى أَبُو عبيد أَن النَّبِي ﵊ كتب كتابا الى الْبَحْرين إِلَى الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ أما الْعِبَادَة فالصيام وَالْقِيَام وَالصَّدََقَة النَّافِلَة بعد الزَّكَاة سَمَّاهَا عبَادَة وَالصَّبِيّ وَالْمَجْنُون ليسَا من أهل الْعِبَادَة
وروت عَائِشَة ﵁ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة عَن الصَّبِي حَتَّى يَحْتَلِم وَعَن النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظ وَعَن الْمَجْنُون حَتَّى يعقل (حد)
احْتَجُّوا بِمَا روى عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي ﷺ خطب فَقَالَ ابْتَغوا فِي أَمْوَال الْيَتَامَى خيرا لِئَلَّا تأكلها الزَّكَاة ق وَفِي رِوَايَة عَمْرو أَيْضا لِئَلَّا تأكلها الصَّدَقَة وَفِي رِوَايَة عَمْرو أَيْضا وَمن ولي يَتِيما لَهُ مَال فليتجر لَهُ وَلَا يتْركهُ حَتَّى تَأْكُله الصَّدَقَة
[ ٧٢ ]
وروى عَمْرو أَيْضا عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي ﵊ قَالَ فِي مَال الْيَتِيم زَكَاة ق
وَالْجَوَاب أما الرِّوَايَة الأولى فَفِيهَا مُحَمَّد بن عبيد الله الْعَرْزَمِي ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة المثني بن الصَّباح قَالَ أَحْمد لَا يُسَاوِي شَيْئا وَأما الرِّوَايَة الثَّالِثَة فَفِيهَا منْدَل قَالَ ابْن حبَان كَانَ يرفع الْمَرَاسِيل ويسند الْمَوْقُوفَات من سوء حفظه فَلَمَّا فحش ذَلِك مِنْهُ اسْتحق التّرْك وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ الْأَصَح أَنه من كَلَام عَمْرو وَأما الرِّوَايَة الرَّابِعَة فَفِي إسنادها من ذكرنَا من الضُّعَفَاء
على أَن أَحَادِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده لَا تصح عِنْد الحذاق من أهل الصَّنْعَة
[ ٧٣ ]
قَالَ أَبُو حَاتِم الْحَافِظ لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِأَحَادِيث عَمْرو لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو من أَن تكون مُرْسلَة أَو مُنْقَطِعَة لِأَن عَمْرو بن شُعَيْب بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ فَإِذا روى عَن أَبِيه عَن جده وَأَرَادَ بجده مُحَمَّدًا فمحمد لَا صُحْبَة لَهُ وَإِن أَرَادَ عبد الله فأبوه شُعَيْب لم يلق عبد الله فَلم يبْق إِلَّا مُنْقَطِعًا والمنقطع لَيْسَ بِحجَّة
فَإِن قَالُوا قد كَانَ يحيى بن معِين يكْتب حَدِيث المثني والعرزمي روى عَنهُ سُفْيَان
قُلْنَا قَالَ يحيى بن سعيد إِن المثني اخْتَلَط وَالْجرْح مقدم ثمَّ مَدَاره على عَائِشَة وَالأَصَح من مذهبها مثل قَوْلنَا وَذَلِكَ يُوجب وَهنا فِي الرِّوَايَة والعرزمي
[ ٧٤ ]
ضَعِيف باتفاقهم وَلَو سلمت كَانَت أَخْبَار آحَاد وَردت فِيمَا (تعم) بِهِ الْبلوى
وَالْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا بَين الصَّحَابَة وَلَو كَانَت ثَابِتَة لما اخْتلفُوا وَلَو سلمت حملت على النَّفَقَة لِأَن اسْم الصَّدَقَة ينْطَلق عَلَيْهَا قَالَ ﵊ نَفَقَة الرجل على نَفسه وَعِيَاله صَدَقَة
وَفِيه أَيْضا دَلِيل عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أضَاف الْأكل إِلَى جَمِيع المَال وَالنَّفقَة هِيَ الَّتِي تَأْكُله لَا الزَّكَاة أَو يحمل قَوْله فيلزك مَاله أَي يتَصَرَّف فِيهِ لينمو لِأَن التَّزْكِيَة هِيَ التنمية وَالله أعلم
[ ٧٥ ]
= كتاب الصَّوْم =
مَسْأَلَة يَصح صَوْم رَمَضَان من الصَّحِيح الْمُقِيم (فِي الْمصر) بِمُطلق النِّيَّة وبنية النَّفْل وبنية وَاجِب آخر
وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ لَا يَصح
لنا قَوْله ﷺ الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ خَ م فَدلَّ على أَن جملَة الصّيام يَقع لله تَعَالَى
احْتَجُّوا بِمَا روينَا من قَوْله ﵊ وَلكُل امرىءما نوى وَهَذَا لم ينْو الْفَرْض وَلَا غَيره فَيكون عابثا
وَالْجَوَاب أَنه نوى عبَادَة الصَّوْم (فِي هذااليوم) فَحصل لَهُ ذَلِك
مَسْأَلَة إِذا صَامَ رَمَضَان بنية قبل انتصاف النَّهَار جَازَ وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ لَا يجوز
وَاتَّفَقُوا على أَن صَوْم النَّفْل يتَأَدَّى بنيته قبل الزَّوَال وَإِن كَانَ صوما مَا لم ينْعَقد بعد الزَّوَال
وَعند مَالك لَا يَصح التَّطَوُّع إِلَّا بنية من اللَّيْل
[ ٧٦ ]
لنا مَا روى سَلمَة بن الْأَكْوَع قَالَ أَمر النَّبِي ﷺ رجلا من أسلم أَن أذن فِي النَّاس من كَانَ أكل فليصم بَقِيَّة يَوْمه وَمن لم يكن أكل فليصم فَإِن الْيَوْم يَوْم عَاشُورَاء خَ م فَدلَّ على جَوَاز الصَّوْم فِي أثنار النَّهَار
فَإِن قيل كَانَ ذَلِك الصَّوْم نفلا وَلَا كَلَام فِيهِ إِنَّمَا الْكَلَام فِي الْفَرْض وَإِنَّمَا كَانُوا يَصُومُونَ عَاشُورَاء بطرِيق الشُّكْر وَالصَّوْم على هَذَا الْوَجْه لَا يكون فرضا
وَلما خطب مُعَاوِيَة بِالْمَدِينَةِ قَالَ يَا أهل الْمَدِينَة أَيْن عُلَمَاؤُكُمْ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول هَذَا يَوْم عَاشُورَاء وَلم يفْرض علينا صِيَامه فَمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَصُوم فليصم فَإِنِّي صَائِم فصَام النَّاس حد فَالْجَوَاب قد ثَبت أَن صَوْم عَاشُورَاء كَانَ هُوَ الْفَرْض وَإِنَّمَا نسخ برمضان
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه ص فصل بَين من أكل وَبَين من لم يَأْكُل فأمربالصيام من لم يَأْكُل وبالتشبه من أكل
والتشبه إِنَّمَا يكون فِي الْفَرْض دون النَّفْل ثمَّ هُوَ أَمر وَمُقْتَضَاهُ الْوُجُوب وصومه
[ ٧٧ ]
بطرِيق الشُّكْر لَا يَنْفِي الْوُجُوب قِيَاسا على سَائِر الْعِبَادَات فَإِنَّهَا وَجَبت شكرا لله تَعَالَى
وَمَا رُوِيَ عَن مُعَاوِيَة لَا حجَّة فِيهِ لِاتِّفَاق الْعلمَاء على نسخه بِشَهْر رَمَضَان ثمَّ هُوَ ناف وحديثنا مُثبت فَيقدم
احْتَجُّوا بِمَا رَوَت عَائِشَة رَضِي الله عنهاأن النَّبِي ﷺ قَالَ من لم يبيت الصّيام قبل طُلُوع الْفجْر فَلَا صِيَام لَهُ ق وروت حَفْصَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من لم يجمع الصّيام من اللَّيْل فَلَا صِيَام لَهُ ق
وروت ميمونه بنت سعد قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من أجمع الصَّوْم من اللَّيْل فليصم وَمن أصبح وَلم يجمعه فَلَا يصم ق وَفِي رِوَايَة من لم يبيت وَفِي رِوَايَة أُخْرَى من لم يعزم
[ ٧٨ ]
وكل هَذِه الرِّوَايَات تدل على اشْتِرَاط التبييت والتقديم وَالْجَوَاب أما حَدِيث عَائِشَة ﵂ فَيحمل على نفي الْكَمَال وَقد خص مِنْهُ صَوْم النَّفْل وَأما حَدِيث حَفْصَة فموقوف عَلَيْهَا وَأما حَدِيث مَيْمُونَة فَفِيهِ الْوَاقِدِيّ اتَّفقُوا على تَضْعِيفه وَلَو سلما حملا على مَا قُلْنَا تَوْفِيقًا بَين الدَّلَائِل
وَقد احْتج أَصْحَابنَا بِمَا روى أَن أَعْرَابِيًا شهد عِنْد النَّبِي ﷺ فِي رَمَضَان بعد طُلُوع الشَّمْس بِرُؤْيَة الْهلَال فَأمر مناديه أَن يُنَادي من أكل فليمسك وَمن لم يَأْكُل فليصم
قلت وَهَذَا اللَّفْظ لَا يعرف وَإِنَّمَا الْمَشْهُور الَّذِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَن أَعْرَابِيًا
[ ٧٩ ]
شهد عِنْد النَّبِي ﷺ لَيْلَة رَمَضَان بِرُؤْيَة الْهلَال وذكرالحديث مَسْأَلَة إِذا نذر صَوْم يَوْم النَّحْر وَأَيَّام التَّشْرِيق صَحَّ نَذره
وَقَالَ زفر لَا يَصح وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَرِوَايَة ابْن الْمُبَارك عَن أبي حنيفَة ﵀ وَالْأولَى أَن يَصُوم يَوْمًا آخر مَكَانَهُ وَلَو صَامَ فِي هَذَا خرج عَن عُهْدَة النّذر خلافًا لَهُم وَلَا يلْزمه الْمُضِيّ بِالشُّرُوعِ وَلَا الْقَضَاء بالإفساد عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله وَعند أبي يُوسُف ﵀ يلْزمه الْمُضِيّ وَالْقَضَاء لنا مَا روى عمر وَأَبُو سعيد وَأَبُو هُرَيْرَة ﵃ أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن صِيَام يَوْمَيْنِ يَوْم الْفطر وَيَوْم النَّحْر خَ م
[ ٨٠ ]
وروى عَليّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن هَذِه أَيَّام أكل وَشرب قُم فَأذن عني لَا صَوْم فِيهَا حد
وَالنَّهْي يَقْتَضِي تصور المنهى عَنهُ لِأَنَّهُ عَمَّا لَا يتَصَوَّر لَغْو لِأَنَّك لَا تَقول (للأكمه) لَا تنظر وَلَا للأعمى لَا تبصر فَكَانَ الْمنْهِي عَنهُ غير الصَّوْم
وروت عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من صَامَ ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْر الثَّالِث عشر وَالرَّابِع عشر وَالْخَامِس عشر خَ م فقد تنَاول آخر أَيَّام التَّشْرِيق وَفِي رِوَايَة لم يكن النَّبِي ﵊ يُبَالِي من أَي الشَّهْر يَصُوم خَ م احْتَجُّوا بِهَذِهِ الْأَحَادِيث وَوجه الْحجَّة أَنَّهَا صَرِيحَة فِي النَّهْي وَذَلِكَ دَلِيل الْحُرْمَة وَكَذَا أَشَارَ فِي الحَدِيث بقوله ﵊ إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب فَمَتَى
[ ٨١ ]
وجد الصَّوْم كَانَ أمرا بضده
وروت عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ من نذر أَن يُطِيع الله فليطعه وَمن نذر أَن يعصيه فَلَا يَعْصِهِ خَ م وروى عمرَان بن حُصَيْن ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لانذر فِي مَعْصِيّة الله تَعَالَى م
وَالْجَوَاب قد بَينا أَن الْمعْصِيَة صَوْم يَوْم النَّحْر لَا نفس الصَّوْم وَنحن لَا ندعي وجود النّذر بِصَوْم يَوْم النَّحْر وَإِنَّمَا ندعي وجود النّذر بِنَفس الصَّوْم وَأَنه مَوْجُود وَقد يتَصَوَّر ان لَا يُوجد معنى الدعْوَة بِأَن تقدم القرابين أَو لَا يُوجد من هُوَ من أَهلهَا فَتبْطل الدعْوَة لِأَنَّهَا بلحوم القرابين مَسْأَلَة الْمَجْنُون إِذا أَفَاق فِي شهر رَمَضَان يلْزمه قَضَاء مَا مضى وَقَالَ زفر لَا يلْزمه وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَاحْمَدْ
لنا عمومات الْكتاب الْمُوجبَة للصَّوْم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ ومعنا فليصم عدَّة
[ ٨٢ ]
احْتَجُّوا بِمَا روينَا من قَوْله ﵊ رفع الْقَلَم عَن ثَلَاثَة الحَدِيث نفى الْخطاب عَن الْمَجْنُون قبل الْإِفَاقَة فَإِذا خُوطِبَ بِالْوُجُوب يتَضَرَّر
وَالْجَوَاب أَن المُرَاد مِنْهُ رفع الْقَلَم من حق الْأَدَاء لَا فِي حق الْوُجُوب ثمَّ هُوَ خبر (آحَاد) ورد على مُخَالفَة الْكتاب فَلَا يقبل أَو يحمل على مَا أولناه تَوْفِيقًا بَين الْأَدِلَّة
مَسْأَلَة الْمُنْفَرد بِرُؤْيَة الْهلَال إِذا رد القَاضِي شَهَادَته صَامَ بالِاتِّفَاقِ وَلَو أفطر بِالْجِمَاعِ لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ عندنَا وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَة
وَلَو أفطر قبل أَن يرد الإِمَام شَهَادَته أَو بعد أَدَائِهَا قبل الرَّد لَا رِوَايَة فِيهِ عَن أَصْحَابنَا وَاخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ
لنا مَا روى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من أفطر فِي رَمَضَان فَعَلَيهِ مَا على الْمظَاهر ق علق وجوب الْكَفَّارَة (بالإفطار) فِي نَهَار رَمَضَان فَلَا يجب عَلَيْهِ لفَوَات شَرطه
وروى أَن رجلا أخبر عمر ﵁ بِرُؤْيَة الْهلَال فَمسح عمر على حَاجِبه ثمَّ قَالَ أَيْن الْهلَال فَقَالَ فقدته يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَعلم أَن شَعْرَة من حَاجِبه تقوست فظنها هلالا فَاحْتمل أَن لَا يكون من رَمَضَان فَلَا تتَعَلَّق بِهِ الْكَفَّارَة
[ ٨٣ ]
احْتَجُّوا بِمَا روى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ هَلَكت فَقَالَ مَا أهْلكك قَالَ واقعت أَهلِي فِي رَمَضَان فَقَالَ أتجد رَقَبَة تعتقها قَالَ لَا قَالَ أتستطيع أَن تَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين قَالَ لَا قَالَ أتستطيع أتطعم سِتِّينَ مِسْكينا قَالَ لَا قَالَ فاجلس فَأتي النَّبِي ﷺ بعرق من تمر والعرق المكتل الضخم فَقَالَ لَهُ تصدق بِهَذَا فَقَالَ مَا بَين لابتيها أهل بَيت أفقر منا فَضَحِك رَسُول الله ﷺ وَقَالَ أطْعمهُ أهلك خَ م وَالْمُنْفَرد هَكَذَا نقُول وَالْجَوَاب لم يثبت كَون هَذَا الْيَوْم من رَمَضَان أَو تمكنت فِيهِ الشُّبْهَة
وَقد احْتج بعض أَصْحَابنَا بِمَا روى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ صومكم يَوْم تصومون وفطركم يَوْم تفطرون ت ق إِلَّا أَن التِّرْمِذِيّ قَالَ هُوَ غَرِيب وَفِي إِسْنَاد الدَّارَقُطْنِيّ مُحَمَّد بن عمر الْوَاقِدِيّ ضَعِيف
[ ٨٤ ]
مَسْأَلَة الْإِفْطَار بِالْأَكْلِ وَالشرب فِي نَهَار رَمَضَان مُتَعَمدا يُوجب الْكَفَّارَة عندنَا وَهُوَ قَول مَالك وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ لَا يُوجب وَاتَّفَقُوا على وُجُوبهَا بالوقاع
لنا مَا روى أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ أفطرت يَوْمًا من رَمَضَان فَقَالَ أعتق رَقَبَة أَو صم شَهْرَيْن مُتَتَابعين أَو أطْعم سِتِّينَ مِسْكينا ق
وَفِي روايه أبي هُرَيْرَة أَن رجلا أكل فِي رَمَضَان فَأمره النَّبِي ﷺ بِأَن يعْتق رَقَبَة أَو يَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين أَو يطعم سِتِّينَ مِسْكينا ق وَفِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَيْضا أَن النَّبِي ﷺ أَمر الَّذِي أفطر يَوْمًا من رَمَضَان بكفارة الظِّهَار ق
فَإِن قيل هَذَا حَدِيث الْأَعرَابِي الَّذِي وَاقع أَهله فِي رَمَضَان بِعَيْنِه وَإِنَّمَا عبر بعض الروَاة عَن الْجِمَاع بِالْفطرِ والجم الْغَفِير على لَفْظَة الْجِمَاع وَأما الحَدِيث الثَّانِي وَهُوَ لَفْظَة الْأكل فَفِي إِسْنَاده أَبُو معشر ضَعِيف واسْمه نجيح
[ ٨٥ ]
وَأما الثَّالِث فَفِي إِسْنَاده يحيى الْحمانِي تكلم فِيهِ أَحْمد قُلْنَا قد روى لَفْظَة الْفطر خلق كثير مِنْهُم مَالك وَيحيى بن سعيد وَابْن
[ ٨٦ ]
جريج وَأَبُو أويس وفليح بن سُلَيْمَان وَعمر بن عُثْمَان المَخْزُومِي وَيزِيد
[ ٨٧ ]
بن عِيَاض وشبل بن عباد وَاللَّيْث بن سعد وَابْن عُيَيْنَة وَإِبْرَاهِيم بن سعد عَن الزُّهْرِيّ ﵃ أرجلا أفطر وَلنْ يجْتَمع هَؤُلَاءِ عل الضَّلَالَة
احْتَجُّوا بِحَدِيث الْأَعرَابِي وَوجه الْحجَّة مِنْهُ أَنه علق الْكَفَّارَة بِالْجِمَاعِ وَالْكَفَّارَات لَا تثبت قِيَاسا بل نصا
[ ٨٨ ]
وَالْجَوَاب أَنه معَارض بِمَا روينَا وَمَا روينَاهُ مُثبت فيترجح مَسْأَلَة الكفارتان تتداخلان وَقَالَ الشَّافِعِي لَا تتداخلان وَصورته أَن يُجَامع فِي نَهَار رَمَضَان مُتَعَمدا فِي يَوْم ثمَّ يُجَامع فِي الْيَوْم الثَّانِي ثمَّ فِي الثَّالِث وَلم يكفر فَعَلَيهِ لذَلِك كَفَّارَة واحده عندنَا وَعِنْدهم لكل يَوْم كَفَّارَة وَأَجْمعُوا على أَنه لَو أفطر بِالْجِمَاعِ ثمَّ كفر ثمَّ أفطر (أَنه) تجب كفارتان وروى عَن أبي حنيفَة ﵀ أَنه لَا تجب إِلَّا كَفَّارَة وَاحِدَة لنا مَا رَوَت عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ادرأوا الْحُدُود بِالشُّبُهَاتِ وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد ادرءوا الْحُدُود عَن الْمُسلمين
[ ٨٩ ]
والشبهة متمكنة فِي حق وجوب الْكَفَّارَة لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يحصل الانزجار ومحو الذَّنب بِالْإِعْتَاقِ الأول
واحتجو بِمَا روينَا من قَوْله ﵊ من أفطر فِي رَمَضَان فَعَلَيهِ مَا على الْمظهر وَبِحَدِيث الْأَعرَابِي وَهَذَا يتَنَاوَل الْيَوْم الثَّانِي كَمَا يتَنَاوَل الْيَوْم الأول وَالْجَوَاب لَا حجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التّكْرَار وَالْكَلَام فِيهِ وَأما حَدِيث الْأَعرَابِي فالنبي ﵊ لم يستفسره فيكتفي بكفارة وَاحِدَة
مَسْأَلَة إِذا شرع فِي صَوْم التَّطَوُّع أَو صَلَاة التَّطَوُّع لزمَه الْمُضِيّ وَلَو أفطر لزمَه الْقَضَاء وَهُوَ قَول أبي بكر وَابْن عَبَّاس وَمَالك وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ لَا يلْزمه الْمُضِيّ وَلَو أفسد لَا قَضَاء عَلَيْهِ لنا على الأول قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم﴾
وعَلى الثَّانِي مَا رَوَت عَائِشَة ﵂ قَالَت أَصبَحت أَنا وَحَفْصَة صائمتين فأهديت لنا شَاة فأكلنا فَدخل علينا النَّبِي ﷺ فَأَخْبَرنَاهُ فَقَالَ صوما يَوْمًا
[ ٩٠ ]
مَكَانَهُ حد وَفِي لفظ آخر أبدلا أَمر بِالْقضَاءِ والأمرللوجوب
وَفِي رِوَايَة كنت أَنا وَحَفْصَة صائمتين فَعرض لنا طَعَام فاشتهيناه فأكلنا مِنْهُ فجَاء النَّبِي ﷺ فبدرتني إِلَيْهِ حَفْصَة وَكَانَت ابْنة أَبِيهَا فَأَخْبَرته فَقَالَ اقضيا يَوْمًا آخر مَكَانَهُ
وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِنِّي أُرِيد الصَّوْم فأهدي لَهُ حيس فَقَالَ إِنِّي آكل وَأَصُوم يَوْمًا مَكَانَهُ ق
وَعَن إِبْرَاهِيم بن عبيد قَالَ صنع أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ طَعَاما فَدَعَا النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه فَقَالَ رجل من الْقَوْم إِنِّي صَائِم فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ صنع لَك أَخُوك وتكلف لَك أفطر وصم يَوْمًا مَكَانَهُ ق
وَعَن ثَوْبَان قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ صَائِما فِي غير رَمَضَان فَأَصَابَهُ غم فآذاه فقاء فَدَعَا بِوضُوء فَتَوَضَّأ ثمَّ أفطر فَقلت يَا رَسُول الله أفريضة الْوضُوء من الْقَيْء
[ ٩١ ]
قَالَ لَو كَانَ فَرِيضَة لوجدته فِي الْقُرْآن قَالَ ثمَّ صَامَ من الْغَد فَسَمعته يَقُول هَذَا مَكَان إفطاري أمس ق وَعَن أم سَلمَة انها صَامت يَوْمًا تَطَوّعا فأفطرت فَأمرهَا النَّبِي ﷺ أَن تقضي يَوْمًا مَكَانَهُ ق فَإِن قيل فقد قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الحَدِيث الأول وَالثَّانِي إنَّهُمَا لَا يثبتان
وَأما الثَّالِث فقد قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ لم يروه بِهَذَا اللَّفْظ عَن ابْن عُيَيْنَة غير الْبَاهِلِيّ وَلم يُتَابع على قَوْله وَأَصُوم يَوْمًا مَكَانَهُ وَلَعَلَّه شبه عَلَيْهِ لِكَثْرَة من خَالفه عَن ابْن عُيَيْنَة
وَأما الرَّابِع فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ هُوَ مُرْسل وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن أبي حميد ضعفه سعيد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان وَأما الْخَامِس فَفِي إِسْنَاده عتبَة بن السكن قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ مَتْرُوك
[ ٩٢ ]
وَأما السَّادِس فَفِي طَرِيقه الضَّحَّاك بن حمرَة ضعفه ابْن معِين وَأَبُو زرْعَة قُلْنَا أما الأول وَالثَّانِي فَقَالَ التِّرْمِذِيّ رَوَاهُمَا مَالك بن أنس وَمعمر وَعبيد الله بن عمر وَزِيَاد بن سعد وَغير وَاحِد من الْحفاظ عَن الزُّهْرِيّ عَن عَائِشَة ﵂ مُرْسلا وَلم يذكرُوا فِيهِ عَن عُرْوَة والمراسيل حجَّة عندنَا
وَأما طعن الدَّارَقُطْنِيّ فَلَا يقبل إِذا انْفَرد لما عرف من عصبيته فِي الْمسَائِل الَّتِي يعْتَمد عَلَيْهَا أَصْحَابنَا وَقد روى الْحَدِيثين الْأَوَّلين المتصلين أبوداود
[ ٩٣ ]
احْتَجُّوا بِمَا رَوَت جوَيْرِية أَن النَّبِي ﷺ دخل عَلَيْهَا فِي يَوْم الْجُمُعَة هِيَ صَائِمَة فَقَالَ لَهَا أصمت أمس قَالَت لَا قَالَ اتصومين غَدا قَالَت لَا قَالَ فافطري ح وَفِي رِوَايَة الْمسند فافطري إِذا
وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَأْتِيهَا وَهُوَ صَائِم فَيَقُول أصبح عنْدكُمْ شَيْء تطعمونيه فَتَقول لَا مَا أصبح عندنَا شَيْء فَيَقُول إِنِّي صَائِم ثمَّ جاءها بعد ذَلِك فَقَالَت أهديت لنا هَدِيَّة (وَقد خبأت لَك شَيْئا) قَالَ ماهو قَالَت حيس قَالَ قد أَصبَحت صَائِما فَأكل م وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ أَنه ﷺ قَالَ لَهَا إِذن أطْعم وَإِن كنت قد فرضت الصَّوْم
وروت أم سَلمَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يصبح من اللَّيْل وَهُوَ يُرِيد الصَّوْم فَيَقُول أعندكم شَيْء أَتَاكُم شَيْء قَالَت (فَنَقُول أَو لم تصبح
[ ٩٤ ]
صَائِما فَيَقُول) بلَى وَلَكِن لَا بَأْس أَن أفطر مَا لم يكن نذرا أَو قَضَاء من رَمَضَان ق
وَعَن أم هانىء قَالَت كنت قَاعِدَة عِنْد النَّبِي ﵊ فَأتى بشراب فَشرب مِنْهُ ثمَّ ناولني فَشَرِبت فَقلت إِنِّي أذنبت فَاسْتَغْفر لي فَقَالَ وَمَا ذَاك قلت كنت صَائِمَة فأفطرت فَقَالَ أَمن قَضَاء كنت تقضينه قلت لَا قَالَ فَلَا يَضرك ت
وَفِي رِوَايَة الْمسند أَن النَّبِي ﷺ دخل على أم هانىء فَدَعَا بشراب فَشرب مِنْهُ ثمَّ ناولها فَشَرِبت وَقَالَت يَا رَسُول الله أما إِنِّي كنت صَائِمَة فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن الصَّائِم المتطوع أَمِير نَفسه إِن شَاءَ صَامَ وَإِن شَاءَ أفطر
وَفِي لفظ الْمسند أَيْضا فَشرب ثمَّ ناولني فَقلت إِنِّي صَائِمَة فَقَالَ إِن المتطوع أَمِير نَفسه فَإِن شِئْت فصومي وَإِن شِئْت فأفطري
وَفِي رِوَايَة الْمسند أَيْضا فناولها لتشرب فالت إِنِّي صَائِمَة وَلَكِنِّي كرهت أَن أرد سؤرك فَقَالَ إِن كَانَ قَضَاء من رَمَضَان فاقضي يَوْمًا مَكَانَهُ وَإِن كَانَ تَطَوّعا فَإِن شِئْت فاقضي وَإِن شِئْت فَلَا تقضي
[ ٩٥ ]
وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الصَّائِم المتطوع أَمِير نَفسه إِن شَاءَ صَامَ وَإِن شَاءَ أفطر حد
وَالْجَوَاب أما حَدِيث جوَيْرِية فَإِنَّمَا أمرهَا بالإفطار عِنْد تَحْقِيق وَاحِد من الْأَعْذَار كالضيافة وَكَذَا حَدِيث عَائِشَة ﵂ مَحْمُول على هَذَا وَأما حَدِيث أم سَلمَة ﵂ فَفِيهِ مُحَمَّد بن عبيد الله الْعَرْزَمِي
وَأما حَدِيث أم هانىء فمطلق الْإِفْطَار غير مُوجب للْقَضَاء بل الْمُوجب الْإِفْطَار فِي الصَّوْم الْمَشْرُوع فَلم قُلْتُمْ إِنَّه كَانَ مَشْرُوعا لِأَنَّهُ ﷺ لما دَعَاهَا صَار الصَّوْم عَلَيْهَا حَرَامًا
وَأما الحَدِيث الْأَخير فَمَحْمُول على الصَّائِم المتردد وَلِهَذَا روى مَا لم تزل الشَّمْس مد الْخيرَة إِلَى الزَّوَال فَكَانَت خيرة الشُّرُوع لَا خيرة الْإِبْطَال على أَنَّهَا أَخْبَار آحَاد وَردت على مُخَالفَة الْكتاب وَهُوَ مَا تلونا فَترد وَلَو وَقع التَّعَارُض بَين الْأَخْبَار فالترجيح مَعنا لثَلَاثَة أوجه أَحدهَا إِجْمَاع الصَّحَابَة وَالثَّانِي إِن أحاديثنا مثبتة وأحاديثهم نَافِيَة والمثبت مقدم وَالثَّالِث أَنه احْتِيَاط فِي الْعِبَادَة مَسْأَلَة المطاوعة فِي الوقاع فِي نَهَار رَمَضَان يجب عَلَيْهَا الْكَفَّارَة عندنَا وَهُوَ قَول أَحْمد
[ ٩٦ ]
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا كَفَّارَة عَلَيْهَا لنا مَا روينَا من قَوْله ﷺ من أفطر فِي نَهَار رَمَضَان فَعَلَيهِ مَا على الْمظَاهر من غير فصل بَين مفطر ومفطرة وَهَذِه مفطرة فيتناولها الحَدِيث
احْتج بِحَدِيث الْأَعرَابِي الَّذِي وَاقع اهله فِي رَمَضَان وَالْحجّة مِنْهُ أَنه ﷺ لم يَأْمُرهُ فِي حق الْمَرْأَة بِشَيْء وَالْجَوَاب من وُجُوه أَحدهمَا أَنه يحتم أَنه ذكر حكمهَا وَلم ينْقل وَالثَّانِي أَنه اسْتِدْلَال بِعَدَمِ والعدم لَا صِيغَة لَهُ وَالثَّالِث أَن فِي سِيَاق الحَدِيث هَلَكت وأهلكت وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَنه
[ ٩٧ ]
أكرهها والمكرهة لَا تجب عَلَيْهَا الْكَفَّارَة وَبَاقِي الْأَجْوِبَة (ذَكرنَاهَا) فِي الخلافيات
[ ٩٨ ]
= كتاب الْحَج =
مَسْأَلَة الْحَج وَاجِب على الْفَوْر عِنْد أبي حنيفَة ﵀ فِي الْأَصَح وَهُوَ قَول أبي يُوسُف حَتَّى يَأْثَم بِالتَّأْخِيرِ عَن أول وَقت الْإِمْكَان وَهُوَ السّنة الأولى عِنْد اجْتِمَاع الشَّرَائِط وَهُوَ قَول مَالك وَأحمد وَقَالَ أَحْمد على التَّرَاخِي وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَهُوَ رِوَايَة عَن أبي حنيفَة ﵀ لنا مَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من ملك زادا وراحلة تبلغه الْبَيْت الْحَرَام فَلم يحجّ فليمت إِن شَاءَ يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا ت وَالْفَاء للتعقيب أَي عقيب ملك الزَّاد وَالرَّاحِلَة
وَعَن عمر ﵁ لقد هَمَمْت بِأَقْوَام وجدوا الزَّاد وَالرَّاحِلَة وَلم يحجوا أَن اخرب عَلَيْهِم بُيُوتهم بِمحضر من الصَّحَابَة من غير نَكِير فَإِن قيل فِي إِسْنَاده هِلَال والْحَارث ضعيفان
[ ٩٩ ]
وَلَو سلم حمل على الِاعْتِقَاد بِدَلِيل قَوْله ﷺ فليمت إِن شَاءَ يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا قُلْنَا لَيْسَ فِي الْبَاب حَدِيث يُعَارضهُ وَحمله على الِاعْتِقَاد إِثْبَات زِيَادَة لَا يتَعَرَّض لَهَا الحَدِيث احْتَجُّوا بعفله ﷺ فَإِنَّهُ حج سنة عشر من الْهِجْرَة وَالْحج فرض سنة خمس وَمَكَّة فتحت سنة ثَمَان فقد أخر ﷺ مَعَ الِاسْتِطَاعَة وَلَو كَانَ على الْفَوْر لما أَخّرهُ وَالْجَوَاب أَنه قد روى أَن الْحَج فرض سنة تسع وَلَئِن ثبتَتْ الرِّوَايَة الْأُخْرَى فعنها اجوبة أَحدهَا أَن الله تَعَالَى أعلمهُ أَنه لَا يَمُوت حَتَّى يحجّ بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ فَكَانَ على يَقِين من الْإِدْرَاك الثَّانِي خَوفه على الْمَدِينَة وعَلى نَفسه وَلِهَذَا كَانَ يحترس حَتَّى نزل قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله يَعْصِمك من النَّاس﴾ فأزال الحرس وَالثَّالِث اشْتِغَاله بتمهيد قَوَاعِد الدّين وَتَعْلِيم الْعِبَادَات وَالْجهَاد الرَّابِع ظُهُور الْمُشْركين على مَكَّة فَلَمَّا نَادَى لَا يحجّ الْبَيْت بعد الْعَام مُشْرك حج
[ ١٠٠ ]
مَسْأَلَة (الصرورة) إِذا حج بنية النَّفْل أَو النّذر أَو عَن الْغَيْر وَقع حجه (عَمَّا) نَوَاه وَهُوَ قَول مَالك وَقَالَ الشَّافِعِي يَقع عَن فَرْضه وَعَن احْمَد كالمذهبين لنا مَا روى أَن امْرَأَة من خثعم قَالَت يَا رَسُول الله إِن أبي أَدْرَكته فَرِيضَة الْحَج وَإنَّهُ شيخ كَبِير لَا يسْتَمْسك على الرَّاحِلَة أفأحج عَنهُ قَالَ نعم حجي عَن أَبِيك خَ م
وَفِي لفظ لوكان على أَبِيك دين فقضيته عَنهُ أَكَانَ يُجزئهُ قَالَت نعم قَالَ فحجي عَن أَبِيك حد من غير استفسار هَل حجت أم لَا احْتَجُّوا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ سمع رجلا يُلَبِّي عَن شبْرمَة فَقَالَ أحججت
[ ١٠١ ]
عَن نَفسك قَالَ لَا قَالَ حج عَن نَفسك ثمَّ حج عَن شبْرمَة (ق) د قُلْنَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ الصَّحِيح من الرِّوَايَة اجْعَلْهَا فِي نَفسك ثمَّ حج عَن شبْرمَة قَالُوا كَيفَ يَأْمُرهُ بذلك وَالْإِحْرَام وَقع عَن الأول
قُلْنَا يحْتَمل إِنَّه كَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام حِين لم يكن الْإِحْرَام لَازِما على ماروى عَن بعض الصَّحَابَة أَنه تحلل فِي حجَّة الْوَدَاع عَن الْحَج بِأَفْعَال الْعمرَة فَكَانَ يُمكنهُ فسخ الأول وَتَقْدِيم حج نَفسه ثمَّ حديثنا فِي الصَّحِيحَيْنِ وحديثهم لَيْسَ كَذَلِك وَالله أعلم
[ ١٠٢ ]
= كتاب النِّكَاح =
مَسْأَلَة الِاشْتِغَال بِالنِّكَاحِ أفضل من التخلي لنوافل الْعِبَادَة وَهُوَ قَول عَامَّة الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَالك وَأحمد
وَقَالَ الشَّافِعِي التخلي أفضل
وَاتَّفَقُوا على أَنه أفضل حَالَة التوقان
لنا مَا روى ابْن مَسْعُود قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ (شبَابًا) لَيْسَ لنا شئ فَقَالَ يَا معشر الشَّبَاب من اسْتَطَاعَ مِنْكُم الْبَاءَة فليتزوج فانه أَغضّ لِلْبَصَرِ وَأحْصن لِلْفَرجِ وَمن لم يسْتَطع فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ فانه لَهُ وَجَاء حد أوجب النِّكَاح وَقدمه على الصَّوْم
وروى أنس عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لكني أَصوم وَأفْطر وأتزوج النِّسَاء فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني خَ م
[ ١٠٣ ]
وَعَن أنس قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يَأْمر بِالْبَاءَةِ (وَينْهى) عَن التبتل نهيا شَدِيدا وَيَقُول تزوجوا الْوَدُود الْوَلُود (إِنِّي) مُكَاثِر بكم الْأَنْبِيَاء يَوْم الْقِيَامَة حد
وَعَن أبي ذَر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لِعَكَّافِ بن (بشر) هَل لَك زَوْجَة قَالَ لَا قَالَ وَلَا جَارِيَة قَالَ لَا قَالَ وَأَنت مُوسر قَالَ وَأَنا مُوسر قَالَ أَنْت إِذا من إخْوَان الشَّيَاطِين إِن من سنتنا النِّكَاح شِرَاركُمْ عُزَّابُكُمْ (وأراذل) مَوْتَاكُم عُزَّابُكُمْ إِن الشَّيَاطِين يتمرسون حد
احْتج الشَّافِعِي بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أحب الْمُبَاحَات الى الله تَعَالَى النِّكَاح والمباح مَا اعتدل طرفاه فِي الثَّوَاب وَالْعِقَاب
وَقَوله ﷺ إِخْبَارًا عَن ربه تَعَالَى الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ
وَقَوله ﷺ خير أَعمالكُم الصَّلَاة رَوَاهُ أَحْمد عَن ثَوْبَان
[ ١٠٤ ]
وَقَوله ﷺ فِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِخْبَارًا عَن ربه تَعَالَى لَا يزَال العَبْد يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه الحَدِيث خَ وَمَا ورد فِي هَذَا الْبَاب يدل على أَن التخلي لنفل الْعِبَادَة أفضل وَالْجَوَاب أما الحَدِيث الأول فَغَرِيب وَمَا روينَاهُ مَشْهُور وأحاديثنا تدل على الْوُجُوب وَمَا روى الشَّافِعِي يدل على التَّرْغِيب فِي الْعِبَادَات وَبَينهمَا تناف على أَن النِّكَاح لَا يُنَافِي الْعِبَادَات والمباح عبارَة عَمَّا لَا حرج فِيهِ فيتقرب على هَذَا الْوَضع لُغَة
مَسْأَلَة الزِّنَا يُوجب حُرْمَة الْمُصَاهَرَة عندنَا وَهُوَ قَول عمر وَأبي بن كَعْب وَعمْرَان بن الْحصين وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس وَفِي الْأَصَح من مذْهبه وَمَالك وَأحمد ﵃ وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ لايوجب لنا مَا روى وهب بن مُنَبّه أَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَلْعُون من نظر إِلَى فرج امْرَأَة وابنتها فَذكر ذَلِك لسَعِيد بن الْمسيب فأعجبه وَإِذا ثبتَتْ الْحُرْمَة بِالنّظرِ فبالوطء أولى وَفِي رِوَايَة من مس امْرَأَة بِشَهْوَة حرمت عَلَيْهِ أمهَا وابنتها وَالأَصَح أَنه
[ ١٠٥ ]
مَوْقُوف على عمر ﵁
احْتج الشَّافِعِي بِمَا رَوَت عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ الْحَلَال لَا يفْسد بالحرام ق
وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن الرجل يتبع الْمَرْأَة حَرَامًا ثمَّ ينْكح ابْنَتهَا أَو يتبع الِابْنَة ثمَّ ينْكح امها قَالَ لَا يحرم الْحَرَام الْحَلَال
وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يحرم الْحَرَام والحلال
وَهَذِه نُصُوص صَرِيحَة فِي نفي حُرْمَة الْمُصَاهَرَة لِأَنَّهُ نفى أَن يكون الْحَرَام محرما للْحَلَال
وَالْجَوَاب أما الرِّوَايَة الأولى فَفِي إسنادها عُثْمَان بن عبد الرحمن الوقاصي قَالَ ابْن معِين كَانَ يكذب وَضَعفه ابْن الْمَدِينِيّ جدا وَقَالَ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ والرازي وَأَبُو دَاوُد لَيْسَ بِشَيْء وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ مَتْرُوك وَقَالَ ابْن حبَان يروي الموضوعات عَن الثِّقَات لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ
وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة عبد الله بن عمر أَخُو عبيد الله قَالَ ابْن حبَان فحش
[ ١٠٦ ]
خَطؤُهُ فَاسْتحقَّ التّرْك وَفِيه إِسْحَاق الْفَروِي كذبه البُخَارِيّ وَابْن معِين وَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَة الثَّالِثَة وَلَو سلمت لَكَانَ السُّؤَال وَاقعا عَن الابتغاء اَوْ الِاتِّبَاع وهما لَا يحرمان شَيْئا ثمَّ هِيَ أَخْبَار آحَاد وَردت على مُخَالفَة قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم﴾ وَالنِّكَاح حَقِيقَة فِي الْوَطْء وَقد عضد هَذَا إِجْمَاع الصَّحَابَة مَسْأَلَة الْبِنْت المخلوقة من مَاء الزِّنَى يحرم على الزَّانِي نِكَاحهَا وَهُوَ قَول أَحْمد وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ لَا يحرم وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا ملكهَا تعْتق عَلَيْهِ عندنَا لنا مَا روينَا من النُّصُوص فِي الْمَسْأَلَة الْمَاضِيَة وفيهَا دَلِيل على حُرْمَة النِّكَاح فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بل أولي لِأَنَّهَا بنته بِالنَّصِّ
[ ١٠٧ ]
وَلَهُمَا العمومات وَقَوله ﷺ الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر وَمَعْنَاهُ قطع الْإِضَافَة عَن الزَّانِي شرعا فَيقطع عرفا وَالْجَوَاب أَن هَذِه بنته بِالنَّصِّ فَتحرم عَلَيْهِ وَإِذا حرمت عَلَيْهِ لم تدخل تَحت العمومات وَأما الحَدِيث فخبر آحَاد ورد على مُخَالفَة الْكتاب وَلَا نسلم أَنه لقطع الْإِضَافَة بل لقطع الْأَحْكَام التابعة كالملك وَنَحْوه مَسْأَلَة يجوز للْأَب أَن يتَزَوَّج جَارِيَة ابْنه عندنَا وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ لَا يجوز لنا العمومات الْمُطلقَة لجَوَاز النِّكَاح وَلَهُمَا مَا روى عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن أَعْرَابِيًا أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن أبي يُرِيد أَن يجتاح مَالِي فَقَالَ انت وَمَالك لأَبِيك حد وَفِي رِوَايَة اطيب مَا أكلْتُم من كسبكم وَإِن أَمْوَال أَوْلَادكُم من كسبكم فَكُلُوا
[ ١٠٨ ]
هَنِيئًا خَ أضَاف مَاله إِلَى الْأَب بلام التَّمْلِيك فَيثبت لَهُ الْملك فِيهَا وَالْجَوَاب لَا نسلم أَن اللَّام فِيهِ للتَّمْلِيك بل للاختصاص لِأَنَّهُ لَو حمل على الْملك لتعارض إِضَافَة المَال إِلَى الابْن أَيْضا فَلَا يَصح مَسْأَلَة الْمولى يملك إِجْبَار عَبده على النِّكَاح وَهُوَ قَول مَالك وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ لَا يملك وَهُوَ رِوَايَة التسترِي عَن أبي حنيفَة وَاتَّفَقُوا على إِجْبَار أمته لنا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم وَالصَّالِحِينَ من عبادكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ وَمُقْتَضَاهُ الْإِجْبَار إِذا أَبى لِأَن الْأَمر مُقْتَضَاهُ التَّمَكُّن فَلَو كَانَ عَاجِزا لَكَانَ خلاف ذَلِك احْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿لَا إِكْرَاه فِي الدّين﴾ وَبِمَا روى فِي الْبَاب من هَذَا الْقَبِيل وَنحن نعارضه بِمَا تلونا (ونمنع) أَن هَذَا الْفِعْل إِكْرَاه لِأَن الْإِكْرَاه إخافة وَهَذَا مَنْفَعَة
[ ١٠٩ ]
مَسْأَلَة الْأَب لَا يملك إِجْبَار الْبكر الْبَالِغَة على النِّكَاح وَهُوَ قَول عمر وَابْن عَبَّاس وَأبي مُوسَى وَأبي هُرَيْرَة وَجَابِر وَابْن عمر وَمَالك ﵃ وَقَالَ الشَّافِعِي يملك وَعَن أَحْمد كالمذهبين لنا سَبْعَة أَحَادِيث أَحدهَا مَا روى ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الثّيّب أَحَق بِنَفسِهَا من وَليهَا وَالْبكْر تستأمر وإذنا صماتها حد ق
فالنبي ﷺ أَمر بالاستئمار وَجعل سكُوتهَا إِذْنا مِنْهَا فَمن جوز نِكَاحهَا من غير استئمار مِنْهَا وَلَا إِذن فقد خَالف النَّص
وروى ابْن عَبَّاس أَن جَارِيَة بكرا أَتَت النَّبِي ﷺ فَذكرت لَهُ أَن أَبَاهَا زَوجهَا وَهِي كارهة فَخَيرهَا النَّبِي ﷺ حد
وروى ابْن عَبَّاس أَن خذاما أَبَا وَدِيعَة أنكح ابْنَته رجلا فَأَتَت النَّبِي ﵊ فاشتكت إِلَيْهِ أَنَّهَا أنكحت وَهِي كارهة فانتزعها النَّبِي ﷺ من زَوجهَا وَقَالَ لَا تكرهوهن حد
وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت جَاءَت فتاة إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَت يَا رَسُول الله إِن أبي وَنعم الْأَب هُوَ زَوجنِي ابْن أَخِيه ليرْفَع بِي خسيسته قَالَ فَجعل الْأَمر إِلَيْهَا
[ ١١٠ ]
فَقَالَت إِنِّي قد أجزت مَا صنع أبي وَلَكِنِّي أردْت أَن تعلم النِّسَاء أَن لَيْسَ للآباء من أُمُور بناتهم شَيْء حد وَعَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ رد نِكَاح بكر وثيب أنكحهما أَبوهُمَا وهما كارهتان ق وَعَن ابْن عمر أَن رجلا زوج ابْنَته بكرا فَكرِهت ذَلِك فَرد النَّبِي ﷺ نِكَاحهَا ق وَفِي رِوَايَة عَن ابْن عمر قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ ينْزع النِّسَاء من أَزوَاجهنَّ ثيبات وأبكارا بعد أَن يزوجهن
وَعَن جَابر ﵁ أَن رجلا زوج ابْنَته وَهِي بكر من غير أمرهَا فَأَتَت النَّبِي ﷺ فَفرق بَينهمَا ق فَإِن قيل أما استئمار الْبكر فلتطييب قَلبهَا وَجُمْهُور الْأَحَادِيث مَحْمُولَة إِمَّا على
[ ١١١ ]
الِاسْتِحْبَاب أَو على التَّزَوُّج من غير كُفْء
وَأما أَحَادِيث ابْن عَبَّاس وَجَابِر وَعَائِشَة فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ إِنَّهَا مَرَاسِيل وَحَدِيث ابْن عمر طعن فِيهِ أَحْمد وَلَو سلمت حملت على مَا قُلْنَا فَالْجَوَاب أما الحَدِيث الأول فصيغته وَإِن كَانَت إِخْبَارًا لَكِن المُرَاد مِنْهَا الْأَمر لِأَنَّهُ يرد (الْأَمر بِصِيغَة الْإِخْبَار) فَيحمل على الْوُجُوب لِأَنَّهُ مُقْتَضَاهُ أَلا ترى أَنه حمل على الْوُجُوب فِي حق الثّيّب وَالْبكْر فِي غير الْأَب وَالْجد بِالْإِجْمَاع وَخرج الْجَواب عَن حملهَا على الِاسْتِحْبَاب وَحملهَا على التَّزْوِيج من غير كُفْء بِأَن ذَلِك لَا يَصح لِأَنَّهَا مُطلقَة فَلَا تتقيد إِلَّا بِدَلِيل
وَأما قَول الدَّارَقُطْنِيّ إِن سلم من عصبيته أَو قبلناه بِانْفِرَادِهِ فالمراسيل عندنَا حجَّة وَطعن احْمَد فِي حَدِيث ابْن عمر من حَيْثُ إِن ابْن أبي ذِئْب لم يسمعهُ من نَافِع وَإِنَّمَا سَمعه من عمر بن حُسَيْن وَهَذَا وصف الْإِرْسَال
[ ١١٢ ]
احْتج الشَّافِعِي بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ وَالثَّيِّب تشَاور ق
وَهُوَ الحَدِيث الَّذِي روينَاهُ إِلَّا أَن الدَّارَقُطْنِيّ رَوَاهُ تشَاور فَلَو كَانَت الْبكر تشَاور لم يكن لتخصيص الثّيّب بِالذكر فَائِدَة
وَلما روى الْحسن أَن النَّبِي ﷺ قَالَ تستأمر الْأَبْكَار فِي أبضاعهن فَإِن أبين أجبرن وَالْجَوَاب أما الأول فاللفظ الصَّحِيح الأيم أَحَق بِنَفسِهَا من وَليهَا وَهِي الَّتِي لَا زوج لَهَا بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا بِمَنْزِلَة العزب من الرِّجَال كَذَا نقل الْكَرْخِي عَن أَصْحَابنَا وَهُوَ مَذْهَب أهل اللُّغَة
وَلَا اعْتِبَار بقول الدَّارَقُطْنِيّ قد رَوَاهُ جمَاعَة الثّيّب لِأَن قَوْله لَا يُعَارض لفظ الصَّحِيح وَهُوَ أَيْضا روى الأيم ثمَّ هُوَ حجَّة عَلَيْهِم لأَنهم لَا يجْعَلُونَ الثّيّب أَحَق بِنَفسِهَا من وَليهَا وَأما الثَّانِي فَفِي إِسْنَاده عبد الكريم الْبَصْرِيّ أَجمعُوا على الطعْن فِيهِ وَلَو سلم
[ ١١٣ ]
كَانَ مُرْسلا والمرسل عِنْدهم لَيْسَ بِحجَّة أَو يحمل هَذَا على الِاسْتِحْبَاب تَوْفِيقًا بَين الدَّلَائِل
مَسْأَلَة الْحرَّة الْبَالِغَة الْعَاقِلَة إِذا زوجت نَفسهَا من كُفْء بِدُونِ الْوَلِيّ ينْعَقد نَافِذا عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف
وَعند مُحَمَّد ينْعَقد مَوْقُوفا على إجَازَة الْوَلِيّ فَإِن زوجت نَفسهَا من كُفْء وَأَجَازَ جَازَ وَإِن أبي فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا يجْبرهُ الْحَاكِم وَالثَّانيَِة يسْتَأْنف الْحَاكِم النِّكَاح
وَلَو زوجت نَفسهَا من غير كُفْء فموضعه الأَصْل وَفِي رِوَايَة كتاب الْحِيَل أَنه رَجَعَ إِلَى قَوْلهمَا وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ لَا ينْعَقد النِّكَاح بِعِبَارَة النِّسَاء أصلا وَقَالَ ملك لَا تلِي وَهل لَهَا أَن تَأذن لرجل أَن يَتَزَوَّجهَا فِيهِ ثَلَاث رِوَايَات إِحْدَاهَا الْجَوَاز وَالثَّانيَِة عَدمه وَالثَّالِثَة إِن كَانَت شريفة لم يجز وَإِن كَانَت دنية جَازَ لنا مَا روى من قَوْله ﷺ الأيم أَحَق بِنَفسِهَا من وَليهَا وَالْبكْر تستأمر شَارك بَينهَا وَبَين الْوَلِيّ ثمَّ قدمهَا بقوله أَحَق وَقد صَحَّ
[ ١١٤ ]
العقد مِنْهُ فَوَجَبَ أَن يَصح مِنْهَا
وروى الْحَافِظ الْأنمَاطِي عَن أبي سَلمَة بن عبد الرحمن قَالَ جَاءَت امْرَأَة إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَت إِن أبي أنكحني رجلا وَأَنا كارهة فَقَالَ النَّبِي ﷺ لأَبِيهَا لَا نِكَاح لَك اذهبي فَانْكِحِي من شِئْت أمرهَا النَّبِي بإنكاح من شَاءَت وَهَذَا آيَة الْقُدْرَة
فَإِن قيل (قد رده) مَا أخرج فِي الصَّحِيح فَرد رَسُول الله ﷺ نِكَاحهَا وَقَوله انكحي من شِئْت رَوَاهُ أَبُو سَلمَة مُرْسلا قُلْنَا الزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة (والمرسل عندنَا حجَّة مَقْبُولَة)
احْتَجُّوا بِمَا رَوَت عَائِشَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَيّمَا امْرَأَة نكحت بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل فنكاحها بَاطِل فنكاحها بَاطِل (فَإِن دخل بهَا فلهَا الْمهْر بِمَا اسْتحلَّ من فرجهَا) فَإِن اشتجروا فالسلطان ولي من لَا
[ ١١٥ ]
ولي لَهُ ت
وروت عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وَالسُّلْطَان ولي من لَا ولي لَهُ حد وَعَن عَائِشَة أَيْضا قَالَت قَالَ النَّبِي ﷺ لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وشاهدي عدل حد ق
وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ النَّبِي ﷺ لَا بُد فِي النِّكَاح من أَرْبَعَة الْوَلِيّ وَالزَّوْج والشاهدين (ق)
وَعَن أبي بردة عَن أَبِيه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا نِكَاح إِلَّا بولِي حد وَكَذَا روى ابْن عَبَّاس حد
وروى الْأنمَاطِي عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ البغايا اللَّاتِي ينكحن أَنْفسهنَّ لَا يجوز النِّكَاح إِلَّا بولِي وشاهدين وَمهر قل أَو كثر
[ ١١٦ ]
وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وشاهدي عدل ق وَعَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وشاهدي عدل ق
وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تزوج الْمَرْأَة الْمَرْأَة وَلَا تزوج الْمَرْأَة نَفسهَا فَإِن الزَّانِيَة هِيَ الَّتِي تزوج نَفسهَا ق
وروى الْحسن أَن معقل بن يسَار زوج أُخْتا لَهُ فَطلقهَا الرجل ثمَّ أنشأ يخطبها فَقَالَ زَوجتك كَرِيمَتي فطلقتها ثمَّ أنشأت تخطبها فَأبى أَن يُزَوجهُ وهوته الْمَرْأَة فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَإِذا طلّقْتُم النِّسَاء فبلغن أَجلهنَّ فَلَا تعضلوهن أَن ينكحن أَزوَاجهنَّ﴾ خَ وَعَن معَاذ بن جبل قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ايما امْرَأَة زوجت نَفسهَا من غير إِذن ولي فَهِيَ زَانِيَة وَالْجَوَاب أَن هَذِه الْأَحَادِيث لَيْسَ فِيهَا مَا يَصح قَالَ يحيى بن معِين وَإِسْحَاق
[ ١١٧ ]
ثَلَاثَة أَحَادِيث لم تثبت عَن النَّبِي ﷺ هَذَا وَمن مس ذكره فَليَتَوَضَّأ وَمَا أسكر كَثِيره فقليه حرَام
أما الحَدِيث الأول فقد قَالَ ابْن جريح لقِيت الزُّهْرِيّ فَسَأَلته عَن هَذَا الحَدِيث وَقلت أَنْت رويته فَلم يعرفهُ
فَإِن بالوا رجال هدا الحَدِيث رجال الصَّحِيح وَقد خرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك على الصَّحِيحَيْنِ وَيحْتَمل أَن الزُّهْرِيّ نسي
قُلْنَا إِنْكَار الزُّهْرِيّ أَو نسيانه يُوجب وَهنا فِي الرِّوَايَة وَالْجرْح مقدم وَسليمَان ابْن مُوسَى بَين ابْن جريج وَالزهْرِيّ والمرسل لَيْسَ بِحجَّة عِنْدهم وَأما حَدِيث عَائِشَة ﵂ الثَّانِي فَفِيهِ الْحجَّاج من أَرْطَاة ضَعِيف
وَأما حَدِيثهَا الثَّالِث فَفِيهِ يزِيد بن سِنَان ضعفه أَحْمد وَابْن الْمَدِينِيّ وَابْن معِين وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَفِي حَدِيثهَا الرَّابِع أَبُو الخصيب قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ واسْمه نَافِع بن ميسرَة مَجْهُول وَأما حَدِيث أبي بردة فمرسل
[ ١١٨ ]
وَأما رِوَايَة ابْن عَبَّاس الأولى فَفِيهَا الْحجَّاج بن أَرْطَاة وَقد سبق تَضْعِيفه فِيهَا أَيْضا عدي بن الْفضل مَجْهُول
وَأما الرِّوَايَة الثَّانِيَة فَفِيهَا النهاس بن قهم قَالَ يحيى هُوَ ضَعِيف وَقَالَ ابْن عدي لَا يُسَاوِي شَيْئا
وَأما رِوَايَة ابْن مَسْعُود فَفِيهَا بكر بن بكار قَالَ ابْن معِين لَيْسَ بِشَيْء وفيهَا ايضا عبد الله بن مُحَرر قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ مَتْرُوك
وَأما رِوَايَة ابْن عمر فَفِيهَا ثَابت بن زُهَيْر قَالَ أَبُو حَاتِم هُوَ مُنكر الحَدِيث
[ ١١٩ ]
وَضَعفه ابْن عدي وَابْن حبَان
وَأما رِوَايَة أبي هُرَيْرَة فَفِيهَا جميل بن الْحسن الْجَهْضَمِي وَمُسلم بن أبي مُسلم الْجرْمِي لَا يعرفان وَأما رِوَايَة معَاذ فَفِيهَا أَبُو عصمَة نوح بن أبي مَرْيَم ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن معِين وَقد ضعف البُخَارِيّ هَذِه الْأَحَادِيث
وَلَو سلمت فَلم قُلْتُمْ بِأَنَّهَا لَيست ولية نَفسهَا فَإِنَّهُ يُقَال فِي اللُّغَة ولي وولية ثمَّ (قد) حصر أَرْبَعَة الْوَلِيّ وَهِي الْمَرْأَة والخاطب والشاهدان
وَقد روى الْكَرْخِي والطَّحَاوِي الحَدِيث الأول فَقَالَا أَيّمَا امْرَأَة أنكحت نَفسهَا بِغَيْر إِذن مَوْلَاهَا ثمَّ مَفْهُومه أَنَّهَا لَو نكحت بِإِذن وَليهَا جَازَ والخصوم لَا يَقُولُونَ بِهِ فَكَانَت حجَّة عَلَيْهِم أَو نقُول هِيَ أَخْبَار آحَاد وَردت على مُخَالفَة الْكتاب فَلَا تقبل
[ ١٢٠ ]
وَقد احْتج أَصْحَابنَا بِمَا روى أَن أم سَلمَة ﵂ لما انْقَضتْ عدتهَا من أبي سَلمَة خطبهَا النَّبِي ﷺ فَقَالَت لولدها عمر قُم ياعمر فزوج أمك من رَسُول الله ﷺ فَزَوجهَا وَكَانَ صَغِيرا وَالنِّكَاح إِنَّمَا انْعَقَد بعبارتها وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي الْمسند إِلَّا أَن لَفظه فَقَالَت هِيَ لولدها قُم يَا عمرفزوج أمك لَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ذَلِك وَرووا فِيهِ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ يَا غُلَام قُم فزوج أمك م
وَفِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث نظر من الأَصْل لِأَن عمر كَانَ لَهُ يَوْم تزوج النَّبِي ﷺ أمه ثَلَاث سِنِين فَكيف يُقَال لَهُ قُم فزوج لِأَن النَّبِي ﷺ تزَوجهَا سنة أَربع وَمَات النَّبِي ﷺ ولعمر تسع سِنِين قَالُوا فَيحمل قَوْلهمَا لعمر قُم فزوج على وَجه الملاعبة للصَّغِير وَقد ذكر تَارِيخ سنه على مَا قُلْنَا مُحَمَّد بن سعد فِي الطَّبَقَات وَغَيره
وَقد نقل عَن أَحْمد أَنه قَالَ من يَقُول إِن عمركان صَغِيرا وَهَذَا خلاف قَول المؤرخين وَيحْتَمل أَن احْمَد قَالَ ذَلِك قبل أَن يعلم مِقْدَار سنة مَسْأَلَة يجوز للْأَب أَن يُزَوّج الثّيّب الصَّغِيرَة وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يملك وَعَن أَحْمد كالمذهبين لنا العمومات الْمُطلقَة فِي بَاب النِّكَاح وروى أَبُو حَاتِم الْمُزنِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا جَاءَكُم من ترْضونَ دينه
[ ١٢١ ]
وخلقه فأنكحوه إِلَّا تفعلوه تكن فتْنَة فِي الأَرْض وَفَسَاد ت
وروى عَليّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاث لَا يؤخرن الصَّلَاة إِذا أَتَت والجنازة إِذا حضرت والأيم إِذا وجدت كُفؤًا نس
احْتج الشَّافِعِي بِمَا روينَا من قَوْله ﷺ الثّيّب أَحَق بِنَفسِهَا من وَليهَا وَأدنى دَرَجَات الأحقية توقف النِّكَاح على إِذْنهَا وروى أَبُو هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا تنْكح الثّيّب حَتَّى تستأمر ت وَلم يرد بِهِ الْإِجْبَار بل المشورة لِأَنَّهُ ﷺ بعث لبَيَان الْأَحْكَام فَاقْتضى تَأْخِير ذَلِك إِلَى مَا بعد الْبلُوغ وَحَدِيث خنساء بنت خذام أَن أَبَاهَا زَوجهَا وَهِي كارهة وَكَانَت ثَيِّبًا فَرد النَّبِي ﷺ نِكَاحهَا خَ
[ ١٢٢ ]
فِي رِوَايَة ابْن عَبَّاس أَن خذاما أَبَا وَدِيعَة أنكح ابْنَته رجلا فَأَتَت النَّبِي ﷺ فاشتكت إِلَيْهِ أَنَّهَا أنكحت وَهِي كارهة فانتزعها النَّبِي ﷺ من زَوجهَا وَقَالَ لاتكرهوهن قَالَ فنكحت بعد ذَلِك أَبَا لبَابَة الْأنْصَارِيّ وَكَانَت ثَيِّبًا حد
وَفِي رِوَايَة ابْن السَّائِب قَالَ كَانَت بنت خذام عِنْد رجل فَبَانَت مِنْهُ فَزَوجهَا أَبوهَا رجلا من بني عَوْف وخطبت هِيَ إِلَى أبي لبَابَة فَأبى أَبوهَا إِلَّا أَن يلْزمهَا الْعَوْفِيّ وأبت هِيَ حَتَّى ارْتَفع شَأْنهَا إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ هِيَ أولى بأمرها فألحقها بهواها فَتزوّجت أَبَا لبَابَة فَولدت لَهُ أَبَا السَّائِب وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَيْسَ للْوَلِيّ مَعَ الثّيّب أَمر ق
وَالْجَوَاب أما الحَدِيث الأول فَالْمُرَاد مِنْهُ الْمَرْأَة الَّتِي لَا زوج لَهَا وَهِي الْبَالِغَة لِأَنَّهَا أَحَق بِنَفسِهَا أما الصَّغِيرَة فَلَا
[ ١٢٣ ]
وَأما الحَدِيث الثَّانِي فلفظه لفظ الْخَبَر وَالْأَمر يرد بِلَفْظ الْخَبَر فالبالغة هِيَ الَّتِي يُؤمر الْوَلِيّ بمشاورتها وَكَذَا بَاقِي الْأَحَادِيث ثمَّ قد خص مِنْهَا الثّيّب الْمَجْنُونَة وَأما الحَدِيث الْأَخير فقد قَالَ الْحَافِظ النَّيْسَابُورِي أَخطَأ فِيهِ معمر وَلَو سلم حمل على مَا قُلْنَا
مَسْأَلَة الْوَلِيّ الإقرب إِذا غَابَ غيبَة مُنْقَطِعَة جَازَ لمن هُوَ أبعد مِنْهُ أَن يُزَوّجهَا عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة وَهُوَ قَول أَحْمد
وَقَالَ زفر وَالشَّافِعِيّ لَا تثبت الْولَايَة وَاخْتلفَا فِيمَا بَينهمَا فَقَالَ زفر لَا تثبت الْولَايَة لأحد أصلا وَقَالَ الشَّافِعِي تثبت للْحَاكِم نِيَابَة عَن الْأَقْرَب
وَالْمُخْتَار فِي حَدهَا أَن يغيب الْأَقْرَب غيبَة لَو انتظرنا حُضُوره فَاتَ الكفؤ الْخَاطِب لِأَن بذلك ينْدَفع الضَّرَر عَنْهَا وَالنَّظَر بِهَذَا السَّبَب
لنا مَا روى عَليّ ﵁ مَوْقُوفا وَمَرْفُوعًا إِلَى النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الْإِنْكَاح إِلَى الْعَصَبَات وَهَذَا يَنْفِي ولَايَة السُّلْطَان وَتثبت ولَايَة الْجد
وروى جَابر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَلا لَا يُزَوّج النِّسَاء إِلَّا الْأَوْلِيَاء وَلَا يزوجن إِلَّا من الْأَكفاء ق فانتفت ولَايَة السُّلْطَان
[ ١٢٤ ]
إِلَّا أَن هَذَا الحَدِيث فِي إِسْنَاده (مُبشر) بن عبيد ضعفه احْمَد
وَاحْتج الشَّافِعِي بِمَا رَوَت عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ زوجوا بناتكم الْأَكفاء ق إِلَّا أَنه لَا يَنْفِي ولَايَة غير الْأَب مَعَ غيبته
مَسْأَلَة الْأَخ وَالْعم يملكَانِ إنكاح الصَّغِير وَالصَّغِيرَة وَهُوَ قَول عمروعلي والعبادلة ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَابْن الزبير وَأبي هُرَيْرَة ﵃ وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ لَا يملكَانِ لنا مَا روينَا من قَوْله ﷺ النِّكَاح إِلَى الْعَصَبَات وَلَا عصبَة هُنَا سوى الْأَخ وَالْعم وروى أَن النَّبِي ﷺ زوج أُمَامَة بنت حَمْزَة من عمر بن أبي سَلمَة وَكَانَت صَغِيرَة وَكَانَ النَّبِي ﷺ ابْن عَمها وَابْن عمر زوج يتيمة وَقَالَ لَهَا الْخِيَار إِذا بلغت فَإِن قيل إِنَّمَا زَوجهَا النَّبِي ﷺ بِولَايَة النُّبُوَّة لَا بِالْقَرَابَةِ بِدَلِيل أَن الْعَبَّاس
[ ١٢٥ ]
كَانَ أقرب مِنْهُ إِلَيْهَا لإنه عَم وَلَا ولَايَة لِابْنِ الْعم مَعَ وجود الْعم وَالْجَوَاب أَن تَزْوِيجه ﷺ إِيَّاهَا بِالْقَرَابَةِ صَرِيح فِيهِ فَلَا حَاجَة إِلَى الِاحْتِمَال وَيحْتَمل أَن يكون الْعَبَّاس غَائِبا وَالْفُقَهَاء والمحدثون يَقُولُونَ إِن هَذَا المزوج عمر بن أبي سَلمَة وَهُوَ غلط إِنَّمَا هُوَ سَلمَة بن أبي سَلمَة احتجا بِمَا روى ابْن عمر قَالَ توفّي عُثْمَان بن مَظْعُون وَترك بِنْتا لَهُ فَقَالَ النَّبِي ﷺ هِيَ يتيمة لَا تنْكح إِلَّا بِإِذْنِهَا ق وروى أَبُو مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تنْكح الْيَتِيمَة حَتَّى تستأمر حد
قُلْنَا المُرَاد باليتيمة الْبَالِغَة إِذْ غير الْبَالِغَة لَا إِذن لَهَا وتسميتها يتيمة مجَاز وَقد دلّ على هَذَا مَا روى أَبُو مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تستأمر الْيَتِيمَة فِي نَفسهَا فَإِن سكتت فَهُوَ إِذْنهَا وَإِن أَبَت فَلَا جَوَاز حد وَهَذَا صَرِيح فِيمَا قُلْنَا مَسْأَلَة وَإِذا نفذ هَذَا النِّكَاح لم ينْعَقد لَازِما حَتَّى يثبت لَهَا الْخِيَار بعد الْبلُوغ
[ ١٢٦ ]
عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَهُوَ قَول أبي يُوسُف أَولا وَقَالَ آخرا يَقع لَازِما وَلَا يثبت لَهَا خِيَار الْبلُوغ وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَمعنى خِيَار الْبلُوغ أَنه إِذا بلغ رفع الْأَمر إِلَى القَاضِي ليفسخ النِّكَاح وَهَذِه فرع الْمَسْأَلَة الْمَاضِيَة لنا مَا روى أَن قدامَة بن مَظْعُون زوج بنت أَخِيه عُثْمَان بن مَظْعُون من عبد الله بن عمر فَرده النَّبِي ﷺ
وَاحْتج بِهِ مُحَمَّد ﵀ فِي الْمَبْسُوط وَقَالَ إِن الرَّد كَانَ بِخِيَار الْبلُوغ وَلِهَذَا قَالَ ابْن عمر وَالله لقد انتزعها مني بعد مَا ملكتها فَدلَّ على ثُبُوت خِيَار الْبلُوغ وروى أَن ابْن عمر زوج يتيمة وَدفع مَالهَا إِلَى زَوجهَا وَقَالَ لَهَا الْخِيَار إِذا بلغت وَحكى الْكَرْخِي إِجْمَاع الصَّحَابَة على مثل مَذْهَبنَا
احتجا بِمَا رُوِيَ عَن عمر مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَمَرْفُوعًا ثَلَاث لَا ردبدى فِيهِنَّ النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالْعتاق والردبدى هِيَ الرَّد لُغَة وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا قيلولة فِي النِّكَاح
[ ١٢٧ ]
وَالْجَوَاب أما ألأول فموقوف فَلَا يُعَارض الْمَرْفُوع وَالثَّانِي غَرِيب مَسْأَلَة إِذا أعتقت الْأمة وَزوجهَا حر ثَبت لَهَا الْخِيَار وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ لَا يثبت وَلَو كَانَ زَوجهَا عبدا ثَبت لَهَا الْخِيَار بالِاتِّفَاقِ بَيْننَا وَبَين الشَّافِعِي وَقَالَ أَحْمد لَهَا الْخِيَار مَا لم تمكنه من وَطئهَا لنا مَا روى عَنهُ عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت كَانَ زوج بَرِيرَة حرا فَخَيرهَا النَّبِي ﷺ ت وَفِي رِوَايَة ملكت بضعك فاختاري وَفِي رِوَايَة ملكت نَفسك وَهَذَا يتَنَاوَل جَمِيع أَجْزَائِهَا فَإِن قيل فقد قَالَ البُخَارِيّ رَوَاهُ الْأسود عَن عَائِشَة وَرِوَايَته مُنْقَطِعَة وَلَفظ الْمسند عَن ابْن عَبَّاس أَن زوج بَرِيرَة كَانَ عبدا لآل الْمُغيرَة واسْمه مغيث وَلَو كَانَ حرا فَلم قُلْتُمْ بِأَن التَّخْيِير بِسَبَب الْعتْق لِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه بِسَبَب آخر
[ ١٢٨ ]
قُلْنَا الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَن خِيَار الْعتْق ثَبت بِهَذَا الحَدِيث وَمَا ذكره البُخَارِيّ لَو ثَبت عَنهُ فَفِيهِ إشاره إِلَى الْإِرْسَال فَلَا يضرنا وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا أَنه كَانَ حرا وَالْأَخْذ بِرِوَايَة ابْن عَبَّاس أولى لِأَنَّهُ إِن كَانَ حرا من الأَصْل فَهُوَ المُرَاد وَإِن كَانَ عبدا فِي الأَصْل ثمَّ تَعَارَضَت الرِّوَايَات فِي حُرِّيَّته وَقت عتق بَرِيرَة فالأخذ بِرِوَايَة الْحُرِّيَّة أولى لِأَنَّهَا حَادِثَة فِي حَقه فناقلها يعْتَمد على دَلِيل حدوثها وناقل الرّقّ رُبمَا يعْتَمد على ظَاهر الْبَقَاء وَقَوْلهمْ لَو كَانَ حرا لما خَيرهَا من قَول عَائِشَة لم تحكه عَن النَّبِي ﷺ وَلَعَلَّه مذهبها
احتجا بالنصوص الَّتِي روينَا فِي خِيَار الْبلُوغ وَبِمَا رُوِيَ أَن عَائِشَة أَرَادَت إِعْتَاق مملوكين لَهَا زَوْجَيْنِ فَأمرهَا النَّبِي ﷺ أَن تعْتق العَبْد أَولا فلولا أَن الْحُرِّيَّة تمنع الخيارلما أمرهَا بذلك لاشْتِرَاكهمَا فِي سَبَب الْإِعْتَاق وَالْجَوَاب أما نُصُوص خِيَار الْبلُوغ فقد سبق الْجَواب عَنْهَا وَحَدِيث عَائِشَة غَرِيب مَسْأَلَة أحد الْأَوْلِيَاء المستوين فِي الدرجَة إِذا زوج موليته من غير كُفْء لَا يثبت للباقين حق الِاعْتِرَاض عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد
[ ١٢٩ ]
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَزفر يثبت لَهُم ذَلِك وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي وَفِي قَوْله الآخر لَا يَصح النِّكَاح أصلا وَهُوَ قَول مَالك وَأحمد وَالأَصَح أَن زفر مَعَ أبي حنيفَة لنا مَا روى أَبُو هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاث جدهن جد وهزلهن جد النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالرَّجْعَة د ت وَقَوله ﷺ لَا قيلولة فِي الطَّلَاق وروى عقبَة بن عَامر قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ إِذا أنكح الوليان فَالْأول أَحَق مِنْهَا حد احْتَجُّوا بِمَا روينَا من قَوْله ﷺ زوجوا بناتكم من الْأَكفاء
وَفِي رِوَايَة لَا تنْكح النِّسَاء إِلَّا من الْأَكفاء وَلَا يزوجهن إِلَّا الْأَوْلِيَاء نهى عَن التَّزْوِيج من غير الْأَكفاء وَبِدُون الْأَوْلِيَاء فَلَا يجوز إِلَّا أَن الحَدِيث لَا يَصح وَقد بَينا ذَلِك
[ ١٣٠ ]
مَسْأَلَة الْمَنْكُوحَة لَا ترد بِشَيْء من الْعُيُوب الْخَمْسَة وَهُوَ قَول عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود ﵃ وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ (ترد) وَوَافَقَهُمَا أَحْمد وَزَاد عَلَيْهِمَا الْعتْق
لنا نُصُوص أحد الْأَوْلِيَاء وروى ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَدّوا العلائق ألى أَهلهَا قيل وَمَا العلائق قَالَ مَا تراضى عَلَيْهِ الأهلون (ق) وَعَلِيهِ إِجْمَاع الصَّحَابَة فقد روى عَن عمر أَنه قَالَ ثَلَاث مبهمات مقفلات لَيْسَ فِيهِنَّ ردبدى النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالْعتاق وَفِي رِوَايَة النّذر
[ ١٣١ ]
إِلَّا أَن فِي إِسْنَاد حَدِيث ابْن عَبَّاس أَبَا هَارُون الْعَبْدي ضَعِيف احْتَجُّوا بِمَا روى زيد بن كَعْب بن عجْرَة قَالَ تزوج النَّبِي ﷺ امْرَأَة من بني غفار فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ وَوضعت ثِيَابهَا فَرَأى بكشحها بَيَاضًا فَردهَا وَفِي رِوَايَة قَالَ الحقي بأهلك وَقضى عمر ﵁ برد النِّكَاح بالعيوب
[ ١٣٢ ]
وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فر من المجذوم فرارك من الْأسد وَالْجَوَاب أما الحَدِيث الأول فَإِنَّمَا ردهَا بِالطَّلَاق بِدَلِيل قَوْله الحقي بأهلك وَهَذَا كِنَايَة عَن الطَّلَاق وَيحْتَمل أَنه ردهَا بطرِيق الفسح ثمَّ هُوَ حِكَايَة حَال لَا عُمُوم لَهُ وَأما الثَّانِي فالمذكور فِيهِ الْفِرَار لَا طَرِيق الْفِرَار وَالطَّرِيق قد يكون فسخا وَقد يكون طَلَاقا وَمَتى كَانَ مُحْتملا لَا يتَعَيَّن إِلَّا بِدَلِيل وَأما قَضَاء عمر وَمَا جَاءَ عَنهُ فِي هَذَا الْبَاب فمعارض بِمَا روينَا عَنهُ وَهُوَ قَول ابْن مَسْعُود ﵁ وَالْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا بَين الصَّحَابَة مَسْأَلَة الْعَجز عَن الْإِنْفَاق لَا يُوجب الْمُطَالبَة بِالتَّفْرِيقِ وَقَالَ الشَّافِعِي يُوجب وَالْعجز عَن إِيفَاء الْمهْر إِن كَانَ قبل التَّسْلِيم فَهُوَ على الْخلاف وَإِن كَانَ بعده فعندنا لَا يُوجب وَاخْتلف أَصْحَابه فِيهِ لنا مَا مر فِي مَسْأَلَة أحد الْأَوْلِيَاء المستوين فِي الدرجَة وَالشَّافِعِيّ يحْتَج بِمَا روى أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ فِي الرجل لَا يجد مَا ينْفق على امْرَأَته قَالَ يفرق بَينهمَا ق
[ ١٣٣ ]
وَبِمَا روى أَن عمر وعليا كتبا إِلَى أُمَرَاء الأجناد أَن يأمروا من قبلهم ببعث نَفَقَة أَهَالِيهمْ أَو طلاقهن وَعَن سعيد بن الْمسيب أَنه سُئِلَ عَن هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَالَ يفرق بَينهمَا فَقيل أسنة هُوَ فَقَالَ نعم وَالسّنة مَتى أطلقت تَنْصَرِف إِلَى سنة النَّبِي ﷺ
وَالْجَوَاب أما الحَدِيث فخبر وَاحِد ورد على مُخَالفَة قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن كَانَ ذُو عسرة فنظرة إِلَى ميسرَة﴾ ثمَّ (هُوَ) مَحْمُول على مَا لم يملك النَّفَقَة أصلا بِوَجْه مَا
[ ١٣٤ ]
وَأما عمر وَعلي ﵄ فَإِنَّمَا خيرا بَين الْإِنْفَاق وَالطَّلَاق وَنحن نقُول الزَّوْج مُخَيّر بَينهمَا وَلَا كَلَام فِيهِ إِنَّمَا الْكَلَام فِي أَنه هَل يسْتَحق التَّفْرِيق أَولا وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على ذَلِك فَيكون اسْتِدْلَالا بِالسُّكُوتِ عَنهُ ثمَّ (هُوَ) أثر بِمُقَابلَة الْمَرْفُوع وَلَا يَصح
وَأما قَول سعيد بن الْمسيب فسعيد من التَّابِعين فَلَا يكون قَوْله حجَّة على أبي حنيفَة ﵀ لقَوْل أبي حنيفَة مَا جَاءَ عَن التَّابِعين فهم رجال وَنحن رجال
على أَن السّنة تَنْصَرِف إِلَى الطَّرِيقَة الْحَسَنَة وَقد تكون من النَّبِي ﷺ وَقد تكون من الصَّحَابَة كَمَا قيل سنة العمرين فَيحْتَمل أَنه أَرَادَ سنة النَّبِي ﷺ وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ سنة أبي بكر وَعمر وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ سنة عمر وَعلي لِأَنَّهُ مَذْهَبهمَا وَقد تكون من التَّابِعين فَعِنْدَ الْإِطْلَاق لَا تَنْصَرِف إِلَى سنة النَّبِي ﷺ مَسْأَلَة إِذا سبى الزَّوْجَانِ مَعًا لَا يَقع الْفرْقَة بَينهمَا عندنَا وَعند الشَّافِعِي وَاحْمَدْ يَقع
وَاخْتلفَا فِي عِلّة الْفرْقَة فَقَالَ أَصْحَابنَا الْعلَّة تبَاين الدَّاريْنِ حَقِيقَة وَحكما وَمعنى الْحَقِيقَة أَن يكون أَحدهمَا فِي دَار الْإِسْلَام وَالْآخر فِي دَار الْحَرْب وَمعنى الحكم أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا من أهل الدَّار الَّتِي هُوَ فِيهَا وَعند الْخصم عِلّة الْفرْقَة إِنَّمَا هِيَ السَّبي والقهر وَثَمَرَة الْخلاف تظهر فِي مسَائِل
[ ١٣٥ ]
مِنْهَا هَذِه الْمَسْأَلَة لَا تثبت الْفرْقَة عندنَا لِانْعِدَامِ التباين وَعِنْدهم تثبت لوُجُود السَّبي
وَمِنْهَا إِذا أسلمت الحربية وَهَاجَرت أَو أسلم عبد الحربي ثمَّ هَاجر تثبت الْفرْقَة وَالْعِتْق عندنَا خلافًا لَهُم وَقد تساعدنا على أَن الْهِجْرَة مَتى كَانَت على وَجه المراغمة تثبت الْفرْقَة لتحَقّق الْقَهْر والاستيلاء على نَفسه
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات﴾ إِلَى قَوْله ﴿لَا هن حل لَهُم وَلَا هم يحلونَ لَهُنَّ﴾ نفى الْحل بَين المهاجرة وَبَين زَوجهَا الَّذِي فِي دَار الْحَرْب احتجا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاس لَا تُوطأ حَامِل حَتَّى تضع وَلَا حَائِل حَتَّى تستبرأبحيضة (د) وَمُقْتَضَاهُ حل الْوَطْء للسابي بعد وضع الْحمل
وَبِمَا روى أَن زَيْنَب بنت النَّبِي ﷺ هَاجَرت إِلَى الْمَدِينَة وَأسلم زَوجهَا أَبُو الْعَاصِ بن الرّبيع بعد سنتَيْن وَهَاجَر فَردهَا النَّبِي ﷺ بِالنِّكَاحِ الأول فَلَو ثبتَتْ الْفرْقَة بالتباين لما ردهَا بِهِ وَلَا احْتِيجَ إِلَى نِكَاح جَدِيد
[ ١٣٦ ]
وَلما أسلم أَبُو سُفْيَان بمر الظهْرَان فِي عَسْكَر النَّبِي ﷺ وَامْرَأَته هِنْد بِمَكَّة فَلَمَّا فتحت مَكَّة أسلمت فَردهَا النَّبِي ﷺ بِالنِّكَاحِ الأول وَالْهجْرَة إِلَى عَسْكَر الْمُسلمين كالهجرة إِلَى دَار الْإِسْلَام
وروى أَن عِكْرِمَة بن أبي جهل وَصَفوَان هربا يَوْم الْفَتْح إِلَى الطَّائِف والساحل فَأسْلمت امرأتاهما وأخذتا لَهما الْأمان فردهما النَّبِي ﷺ إِلَيْهِمَا بِالنِّكَاحِ الأول وَعَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ مَا أسلمت امْرَأَة وَأسلم زَوجهَا إِلَّا وَقد ردهَا إِلَيْهِ بِالنِّكَاحِ الأول وَهَذِه آثَار مَشْهُورَة وَالْجَوَاب أما الحَدِيث الأول فَمَحْمُول على مَا إِذا سبيت وَحدهَا وَأما حَدِيث زَيْنَب فروى عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي ﷺ ردهَا
[ ١٣٧ ]
بِنِكَاح جَدِيد وَقد روى أَن كفار قُرَيْش أخافوها فَأسْقطت وَبِذَلِك تَنْقَضِي الْعدة
وَأما حَدِيث أبي سُفْيَان فقد اخْتلف النَّاس فِي إِسْلَامه وَالأَصَح أَنه مَا حسن إِلَّا بعد الْفَتْح فَلم يُوجد التباين أويحمل على أَنه ردهَا بِحَق النِّكَاح الأول
وَأما حَدِيث صَفْوَان وَعِكْرِمَة فالساحل كَانَ من حُدُود الْإِسْلَام وروى أَنَّهُمَا هربا إِلَى الْيمن وَهُوَ من حُدُود الْإِسْلَام فَلم يُوجد التباين وَمَا روى الزُّهْرِيّ مَحْمُول على أَنه بِحَق النِّكَاح الأول
مَسْأَلَة نِكَاح الْأُخْت فِي عدَّة الْأُخْت عَن طَلَاق بَائِن أَو ثَلَاث أَو نِكَاح فَاسد أَو وَطْء بِشُبْهَة لَا يجوز عندنَا وَهُوَ قَول أَحْمد وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ يجوز وَقد تساعدنا على أَنه لَا يجوز عَن طَلَاق رَجْعِيّ وَكَذَا الْخلاف فِي نِكَاح أَربع سواهَا لنا مَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يجمعن مَاءَهُ فِي رحم أُخْتَيْنِ
[ ١٣٨ ]
وروى عُبَيْدَة السَّلمَانِي قَالَ مَا اجْتمع أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ على شَيْء كاجتماعهم على تَحْرِيم نِكَاح الْأُخْت فِي عدَّة الْأُخْت لعَلي وَابْن مَسْعُود وروى أَن هَذِه الْحَادِثَة وَقعت فِي زمن مَرْوَان فشاورالصحابة فاتفقوا على تَحْرِيمه (وروى عَن عُثْمَان أَنه قَالَ أحلتها آيَة وحرمتهاآية) وَالتَّحْرِيم أولى وَالْآيَة المحللة ﴿أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ والمحرمة ﴿وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ﴾ فَإِن قيل ظَاهر الحَدِيث مَتْرُوك لِأَنَّهُ يجوز وَطْء أُخْت أم وَلَده وَأما الْإِجْمَاع فقد روى عَن زيد الْجَوَاز وَمَعَ مُخَالفَته لَا إِجْمَاع
[ ١٣٩ ]
قُلْنَا أما وَطْء أُخْت أم وَلَده فَلَا يجوز عندنَا حَتَّى يخرج الَّتِي وَطئهَا عَن ملكه أَو يُزَوّجهَا
وَأما زيد فقد ذكر أَبُو يُوسُف فِي الأمالي رُجُوعه إِلَى قَول الصَّحَابَة وَلَا يلْزم عَلَيْهِ أَن يحمل على الْعدة من الطَّلَاق الرَّجْعِيّ لأَنا نقُول الطَّلَاق الرَّجْعِيّ قَائِم بالِاتِّفَاقِ فَلَا حَاجَة إِلَى الْإِجْمَاع
احتجا بالعمومات وَكلهَا مُعَارضَة بِمَا روينَا وَقد خص مَوضِع الْإِجْمَاع وَهُوَ الطَّلَاق الرَّجْعِيّ ويترجح مَذْهَبنَا بِإِجْمَاع الصَّحَابَة وَالِاحْتِيَاط فِي بَاب الْفروج
مَسْأَلَة زوج الْمُعْتَدَّة إِذا قَالَ أَخْبَرتنِي أَن عدتهَا قد انْقَضتْ وَذَلِكَ فِي مُدَّة يحْتَمل الِانْقِضَاء وكذبته جَازَ للزَّوْج أَن يتَزَوَّج باختها وبأربع سواهَا فِي قَول عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة وَاحْمَدْ وَقَالَ زفر لَا يجوز وَهُوَ قَول الشَّافِعِي لنا عمومات النِّكَاح الْمُطلقَة وَله مَا روينَا من قَوْله ﷺ فَلَا يجمعن مَاءَهُ فِي رحم أُخْتَيْنِ إِلَّا أَن إخْبَاره صدر عَن تَمْيِيز وديانة فيترجح جَانب الصدْق فَلَا يكون جمعا
مَسْأَلَة إِذا تزوج امْرَأَة وَلم يسم لَهَا مهْرا أَو على أَن لَا مهر لَهَا صَحَّ النِّكَاح وَوَجَب مهرالمثل بِالْعقدِ وتأكد بِمَوْت أَحدهمَا
وَلَو طَلقهَا قبل الدُّخُول وَجَبت الْمُتْعَة دون الْمهْر عندنَا وَهُوَ قَول أَحْمد وَقَالَ
[ ١٤٠ ]
مَالك وَالشَّافِعِيّ يَصح النِّكَاح وَلَا يجب الْمهْر بِنَفس العقد وَلَا يتَأَكَّد بِمَوْت احدهما أَيهمَا كَانَ وَلَكِن لَهَا أَن تطالبه بِمهْر الْمثل هَذَا هُوَ الْمَشْهُور عَنهُ وَفِي قَول لَا يجب لَهَا شَيْء أصلا وَتسَمى المفوضة
لنا مَا روى عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود أَنه سُئِلَ عَن رجل تزوج امْرَأَة ثمَّ مَاتَ عَنْهَا وَلم يفْرض لَهَا صَدَاقا وَلم يكن دخل بهَا فَقَالَ أرى لَهَا مثل صدَاق نسائها وَلها الْمِيرَاث وَعَلَيْهَا الْعدة فَقَالَ أَبُو الْجراح معقل بن سِنَان الْأَشْجَعِيّ (أشهد أَن النَّبِي ﷺ قضى) فِي تَزْوِيج بروع بنت واشق الأشجعية بِمثل مَا قضيت حد ت وَقَالَ حَدِيث صَحِيح
[ ١٤١ ]
وَفِي الحَدِيث رِوَايَات ذَكرنَاهَا فِي الخلافيات
فَإِن قيل قد روى فِي بعض الرِّوَايَات حَدِيث ابْن مَسْعُود وَرَوَاهُ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه بِسَنَد صَحِيح
وَأما التِّرْمِذِيّ فَرَوَاهُ من حَدِيث زيد بن الْحباب عَن الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن ابراهيم عَن عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح
وَرَوَاهُ الْبَقِيَّة من حَدِيث ابْن مهْدي عَن سُفْيَان عَن فراس عَن الشّعبِيّ عَن مَسْرُوق عَن عبد الله وَهَذَانِ السندان رجالهما مُتَّفق على عدالتهم وروى لَهُم مُسلم وَالْبُخَارِيّ فَقَامَ معقل بن يسَار وَاخْتِلَاف الرِّوَايَة يُوجب وَهنا فِي الحَدِيث وَقد رده عَليّ ﵁ بقوله مَا نصْنَع بقول أَعْرَابِي بوال على عَقِبَيْهِ
وَلَو سلم احْتمل أَن قَضَاء النَّبِي ﷺ كَانَ فِي صَغِيرَة زَوجهَا أَبوهَا من غير مهر فَأوجب لَهَا النَّبِي ﷺ الْمهْر وَبِه نقُول وَقد روى عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَزيد ﵃ أَنهم قَالُوا فِي المفوضة لَهَا الْمِيرَاث وَلَا صدَاق لَهَا
[ ١٤٢ ]
قُلْنَا الحَدِيث قد حكم الْحَافِظ بِصِحَّتِهِ حَتَّى قَالَ أَبُو دَاوُد لما بلغ الشَّافِعِي هَذَا الحَدِيث وَهُوَ بِمصْر رَجَعَ عَن مذْهبه
وَأما معقل بن يسَار فهما اثْنَان ابْن يسَار وَابْن سِنَان وَالِاخْتِلَاف فِي اسْم أبي الرَّاوِي إِذا كَانَ الرَّاوِي مَشْهُورا لَا يقْدَح فِي رِوَايَته
وَأما طعن عَليّ ﵁ إِن ثَبت فمذهبه أَنه لَا يقبل مَا ورد فِي هَذَا الْبَاب بِرِوَايَة أَعْرَابِي وَيحلف غير الْأَعرَابِي وَهَذَا مَذْهَب مَتْرُوك بِالْإِجْمَاع
وَمَا ذَكرُوهُ من الِاحْتِمَال لَا يَصح لِأَن الشَّهَادَة وَقعت على أَن النَّبِي ﷺ قضى بِمثل ذَلِك فِي بروع وَهِي كَانَت مفوضه
وَأما قَول عَليّ وَابْن عَبَّاس فقد أفتى ابْن مَسْعُود بِمثل مَذْهَبنَا بِمحضر من الصَّحَابَة وأصحابنا يحتجون بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لانكاح إِلَّا بِمهْر إِلَّا أَنه غَرِيب
احتجا بِمَا روى ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أنكحوا الْأَيَامَى وأدوا العلائق قيل وَمَا العلائق قَالَ مَا تراضي عَلَيْهِ الأهلون وَلَو قضيب من أَرَاك ق وروى أَبُو النُّعْمَان الْأَزْدِيّ قَالَ زوج النَّبِي ﷺ امْرَأَة على سُورَة من الْقُرْآن. ق
[ ١٤٣ ]
وَفِي رِوَايَة ابْن مَسْعُود أَن النَّبِي ﷺ قَالَ قد أنكحتكها على أَن تقرئها وتعلمها وَإِذا رزقك الله عوضتها ق وَالْجَوَاب أَنه لَا يَصح فِي هَذَا الْبَاب شَيْء
أما الحَدِيث الأول فَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ هُوَ مُنكر وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن عبد الرحمن قَالَ ابْن معِين لَيْسَ بِشَيْء
وَأما الثَّانِي فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي إِسْنَاده تفرد عتبَة بن السكن وَهُوَ مَتْرُوك ثمَّ قد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ فِيهِ (ثمَّ) لَا يكون لأحد بعْدك مهْرا وَكَانَ مَكْحُول يَقُول لَيْسَ ذَلِك لأحد بِعْ رَسُول الله ﷺ
مَسْأَلَة الْخلْوَة الصَّحِيحَة فِي النِّكَاح توجب كَمَال الْمهْر وَالْعدة عندنَا وَهُوَ قَول أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَزيد بن ثَابت وَابْن عمر ومعاذ بن جبل والمغيرة بن شُعْبَة وَأبي مُوسَى وَأحمد ﵃ وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ لَا يُوجب وَصُورَة الْمَسْأَلَة إِذا خلا بهَا ثمَّ طَلقهَا قبل الدُّخُول فعندنا لَهَا كل الْمهْر وَعَلَيْهَا الْعدة
[ ١٤٤ ]
وَعِنْدَهُمَا نصف الْمهْر وَلَا عدَّة عَلَيْهَا وَصِحَّة الْخلْوَة بِانْتِفَاء الْمَوَانِع من الْوَطْء شرعا وحسا فالشرغ كاصوم وَالصَّلَاة المفروضين وَالْإِحْرَام فَرْضه ونفله وَالْحيض وَالنّفاس والحس مثل الْمَرَض والرتق والقرن لنا مَا روى ابْن ثَوْبَان ان النَّبِي ﷺ قَالَ من كشف خمار امْرَأَة وَنظر إِلَيْهَا وَجب الصَدَاق دخل بهَا أم لَا ق وَهَذَا نَص فِي مَحل النزاع
وروى زُرَارَة بن أبي أوفى قَالَ قَالَ الْخُلَفَاء الراشدون من تزوج امْرَأَة فأغلق بَابا وأرخى سترا وَجب لَهَا الْمهْر كَامِلا دخل بهَا أَو لَا فَإِن قيل الحَدِيث مُرْسل وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة ثمَّ كشف الْخمار لَيْسَ مرَادا حَقِيقَة لأنكم تحملونه على الْخلْوَة لِأَن كشف الْخمار
[ ١٤٥ ]
يكون غَالِبا فِيهَا وَنحن نحمله على الوقاع لِأَنَّهُ يكون عِنْده فَلم كَانَ مَا قُلْتُمْ أولى وَأما الْإِجْمَاع فقد روى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ لَا أجد فِي كتاب الله إغلاق بَاب وَلَا إرخاء ستر وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ لَهَا نصف الْمهْر وَإِن جلس بَين شعبها الْأَرْبَع وَمَعَ خلافهما لَا إِجْمَاع قُلْنَا الْمُرْسل عندنَا حجَّة وَقد أسْندهُ الطَّحَاوِيّ والرازي وَابْن لَهِيعَة قد روى عَنهُ الْعلمَاء
وَأما الْإِجْمَاع فقد قَرَّرَهُ الطَّحَاوِيّ أَيْضا والمروي عَن ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود خلاف فِي تَحْدِيد الْخلْوَة لَا فِي حكمهَا لِأَن من الصَّحَابَة من كَانَ يحد الْمهْر بالخلوة فحد بإغلاق الْبَاب وإرخاء السّتْر وَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود كَانَا يحدانها بالتمكن
احتجا بقوله تَعَالَى ﴿فَنصف مَا فرضتم﴾ فَالله تَعَالَى أوجب نصف الْمَفْرُوض فِيمَا إِذا وجد الطَّلَاق قبل الْمَسِيس وَنفى الْعدة بقوله ﴿ثمَّ طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ فَمَا لكم عَلَيْهِنَّ من عدَّة تعتدونها﴾ قُلْنَا إِن فَرضنَا الْكَلَام فِيمَا إِذا خلا بهَا ومسها سقط تمسكهم بِالْآيَةِ مَسْأَلَة طول الْحرَّة لَا يمْنَع جَوَاز نِكَاح الْأمة عندنَا وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ يمْنَع
[ ١٤٦ ]
وَقد تساعدنا على أَن نِكَاح الْأمة لَا يمْنَع نِكَاح الْحرَّة وعَلى أَن قيام نِكَاح الْحرَّة يمْنَع نِكَاح الْأمة لنا العمومات كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ لما عدد الْمُحرمَات وَهَذِه لَيست مِنْهُنَّ دخلت فِي المحللات بقضية النَّص
فَإِن قيل لَا حجَّة لكم فِي الْآيَة لِأَن الآمة غير مُرَادة مِنْهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿فَمن مَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات﴾ فَكَانَ المُرَاد مِنْهَا الْحَرَائِر قُلْنَا الْإِحْلَال عَام فَيجْرِي على عُمُومه احتجا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من كَانَ قَادِرًا على نِكَاح حرَّة فَلَا ينْكح أمة وَعَن ابْن عَبَّاس من ملك ثَلَاثمِائَة دِرْهَم لَا ينْكح أمة وَالْجَوَاب أما الحَدِيث الأول فَغَرِيب وَالْمَشْهُور عَن ابْن الْمسيب تنْكح الْحرَّة على الْأمة وَلَا تنْكح الآمة على الْحرَّة ق
[ ١٤٧ ]
ثمَّ هُوَ خبر وَاحِد ورد على مُخَالفَة الْكتاب أَو (يحمل) على الِاسْتِحْبَاب
مَسْأَلَة المصابة بِالْفُجُورِ لَا تستنطق عِنْد أبي حنيفَة وَمَالك رحمهمَا الله وَتزَوج كَمَا تزوج الْأَبْكَار
وَقَالُوا جَمِيعًا تستنطق بِمَنْزِلَة الثّيّب
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَو زَالَت بَكَارَتهَا بوثبة أَو حَيْضَة أَو طفرة أَو تعنيس أَو جِرَاحَة أَنَّهَا تزوج كَمَا تزوج الْأَبْكَار إِلَّا فِي قَول الشَّافِعِي
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَو زَالَت بَكَارَتهَا بِنِكَاح فَاسد أَو وَطْء بِشُبْهَة فانها تزوج كَمَا تزوج الثّيّب
لنا قَوْله ﷺ إِذْنهَا صماتها وَمَعْنَاهُ لما كَانَت تَسْتَحي وَهَذِه بِهَذِهِ المثابة لِأَن الْحيَاء مَانع وَهُوَ الْعلَّة فِي الْبكر
احْتَجُّوا بقوله ﷺ الثّيّب يعرب عَنْهَا لسانها وَهَذِه ثيب لِأَن واطئها يثوب إِلَيْهَا أَي يرجع وَلِهَذَا فرق بَينهَا وَبَين الْبكر بقوله إِذْنهَا صماتها
قُلْنَا هِيَ ثيب لَكِن خص فِي حق الْمَجْنُونَة وَالْأمة الثّيّب وَالثَّيِّب الصَّغِيرَة فيخص الْمُتَنَازع فِيهِ بِمَا ذكرنَا من الْعلَّة
مَسْأَلَة ينْعَقد النِّكَاح بِلَفْظ البيع وَالْهِبَة وَالتَّمْلِيك وَالصَّدََقَة وَنَحْوه عندنَا وَهُوَ قَول مَالك
[ ١٤٨ ]
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد لَا ينْعَقد إِلَّا بلفظي الْإِنْكَاح وَالتَّزْوِيج
لنا مَا روى سهل بن سعد السَّاعِدِيّ أَن إمرأة جَاءَت الى النَّبِي ﷺ فَقَالَت جِئْت أهب لَك نَفسِي فَنظر إِلَيْهَا بعض الصَّحَابَة فَقَالَ رَسُول الله زَوجنِي بهَا فَقَالَ أَمَعَك شئ فَقَالَ مَا معي إِلَّا سُورَة كَذَا فَقَالَ اذْهَبْ فقد ملكتكها خَ م
فَدلَّ على أَن لَفْظَة الْهِبَة وَالتَّمْلِيك وَنَحْوهَا كَانَت متعارفة بَينهم
وَقضى عَليّ ﵁ فِي رجل وهب ابْنَته لإبن مَسْعُود بجوار النِّكَاح فان قيل فَهَذَا رَوَاهُ الْجَمَاعَة فَقَالُوا زوجتكها وأنكحتكها وَإِنَّمَا (روى) ملكتكها معمر وَكَانَ كثير الْغَلَط
قُلْنَا قد خرجه البُخَارِيّ وَمُسلم على الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا ثمَّ قَوْلهمَا فِي صدر الحَدِيث جِئْت أهب لَك نَفسِي مُتَّفق على أَنه لَا إحتمال فِيهِ
احتجا بِمَا روى ابْن عمر ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِن النِّسَاء عوان عنْدكُمْ لَا يملكن لأنفسهن ضرا وَلَا نفعا أَخَذْتُمُوهُنَّ بأمانة الله واستحللتم
[ ١٤٩ ]
فروجهن بِكَلِمَة الله
وَكلمَة الله هِيَ الَّتِي فِي كِتَابه وَهِي لفظ الْإِنْكَاح وَالتَّزْوِيج
قُلْنَا المُرَاد معنى الْمَذْكُور فِي الْكتاب (لَا عينه) وَلَو أُرِيد عينة فلفظة الْهِبَة مَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي﴾ وَفِي الحَدِيث الَّذِي روينَا
ثمَّ فِيهِ بَيَان انْعِقَاد النِّكَاح بِهَذِهِ الْكَلِمَة وَلَيْسَ فِيهِ نفي غَيره وانما خصها بِالذكر لِأَنَّهَا الْأَغْلَب
مَسْأَلَة الْوَاحِد يتَوَلَّى طرفِي العقد فِي النِّكَاح ولَايَة ووكالة عِنْد علماءنا الثَّلَاثَة
وَقَالَ زفر وَالشَّافِعِيّ لَا يجوز وَعَن أَحْمد كالمذهبين
وَصُورَة الْمَسْأَلَة فِي الْولَايَة مثل أَن يُزَوّج بنت ابْنه من ابْنه الآخر أَو بنت عَمه من ابْن عَمه الآخر أَو بنت عَمه من نَفسه
وَفِي الْوكَالَة مثل أَن توكله الْمَرْأَة بتزويجها من نَفسه فَيكون أصيلا فِي حق نَفسه وَكيلا فِي حَقّهَا (فثبتت) الْوكَالَة من الْجَانِبَيْنِ
لنا مَا روى أنس أَن النَّبِي ﷺ أعتق صَفِيَّة بنت حييّ وَجعل عتقهَا صَدَاقهَا خَ م
[ ١٥٠ ]
وَلم ينْقل أَنه تولاها غَيره لِأَنَّهَا لم يكن لَهَا ولي
احْتَجُّوا بِمَا مر من قَوْله ﷺ كل نِكَاح لم يحضرهُ أَرْبَعَة فَهُوَ سفاح الْخَاطِب وَالْوَلِيّ والشاهدان فَمن جوزه بِغَيْر حضورهم فقد خَالف النَّص
قُلْنَا قد سبق تَضْعِيف هَذَا الحَدِيث ثمَّ الشَّخْص اذا صَار وليا وخاطبا فَهُوَ كشخصين لِاجْتِمَاع السببين فِي حَقه فقد وجد حُضُور الْأَرْبَعَة معنى وَالْعبْرَة للمعاني دون الصُّور
مسالة الْفَاسِق يكون وليا فِي النِّكَاح بِمَنْزِلَة الْعدْل عندنَا وَهُوَ قَول مَالك
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد لَا يكون وليا وَعَن أَحْمد قَول كَقَوْلِنَا
لنا المعمومات
وَلَهُمَا مَا روينَا من قَوْله ﷺ لَا نِكَاح الا بولِي مرشد وشاهدي عدل وَالْفَاسِق لَيْسَ بمرشد
قُلْنَا قد تقدم تَضْعِيف هَذَا الحَدِيث فانهم أَجمعُوا على تَضْعِيفه وتضعيف مَا جَاءَ فِي مَعْنَاهُ قَالَ صَاحب الاصطلام من الشَّافِعِيَّة لم يثبت هَذَا الحَدِيث فكفينا مؤنتهم
وَلَو سلم كَانَ المُرَاد بقوله (مرشد) أَي عَاقل ذِي رَأْي دون الْمَعْتُوه وَالسَّفِيه وَبِه نقُول وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
[ ١٥١ ]
= كتاب الطَّلَاق =
مَسْأَلَة إِضَافَة الطَّلَاق الى الْيَد أَو الرجل أَو إِلَى كل جُزْء معِين من الْبدن لَا يعبر بِهِ عَن جَمِيع الْبدن لَا يَصح عندنَا
وَقَالَ زفر وَالشَّافِعِيّ وَأحمد يَصح
وعَلى هَذَا الْخلاف الْعتاق وَالْإِيلَاء وَالظِّهَار وَالْعَفو عَن الْقصاص
وَاتَّفَقُوا على أَن إِضَافَته إِلَى الْجُزْء الشَّائِع كالثلث وَالرّبع وَنَحْوه يَصح وَكَذَا الْوَجْه والفرج وَالرَّأْس والرقبة والفخذ وَالروح وَالدَّم
وَاخْتلف الْمَشَايِخ فِي الْبَطن وَالظّهْر
لنا مَا روينَا من قَوْله ﷺ وَلكُل امْرِئ مَا نوى وَقَوله ﷺ لَيْسَ للمرء من عمله الا مَا نَوَاه وَهَذَا لم ينْو بِالْيَدِ الْبدن حَتَّى لَو نوى وَقع عِنْد أَصْحَابنَا
احْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿ذَلِك بِمَا قدمت أَيْدِيكُم﴾ وَالْمرَاد أَصْحَابهَا فَدلَّ على أَنَّهَا عبارَة عَن جَمِيع الْبدن وَكَذَا قَوْله ﷺ على الْيَد مَا أخذت حَتَّى ترده حد
وَبِمَا روى أَبُو هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ كل طَلَاق جَائِز الا طَلَاق الصَّبِي
[ ١٥٢ ]
وَالْمَعْتُوه ت وَالطَّلَاق مَوْجُود هَهُنَا
وَالْجَوَاب أما الْآيَة فَالْمُرَاد بهَا الْجَارِحَة الْمَعْهُودَة دون أَصْحَابهَا كَذَا ذكر أَئِمَّة التَّفْسِير وَكَذَا المُرَاد بِالْحَدِيثِ الأول
وَأما الثَّانِي فَقَالَ التِّرْمِذِيّ لَا نعرفة من حَدِيث عِكْرِمَة بن خَالِد الا من رِوَايَة عَطاء وَإنَّهُ ضَعِيف
وَلَئِن سلم فَلم قُلْتُمْ إِن الطَّلَاق مَوْجُود فِيمَا نَحن فِيهِ وَالْخلاف فِيهِ
مَسْأَلَة التَّنْجِيز يبطل التَّعْلِيق عندنَا
وَقَالَ زفر لَا يبطل وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
وَصُورَة الْمَسْأَلَة أَن يَقُول لامْرَأَته إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق ثَلَاثًا ثمَّ يطلقهَا ثَلَاثًا تبطل الْيَمين عندنَا حَتَّى لَو عَادَتْ اليه بعد زوج آخر وَدخلت الدَّار لم تطلق وَعِنْدَهُمَا تطلق
[ ١٥٣ ]
وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا قَالَ لأمته إِن دخلت الدَّار فَأَنت حرَّة ثمَّ أعْتقهَا قبل الدُّخُول بطلت الْيَمين حَتَّى لَو عَادَتْ الى (ملكه) بعد الرِّدَّة والسبي وَدخلت الدَّار (لَا تعْتق) عندنَا وَإِنَّمَا فرض الْكَلَام فِيهِ الْأمة دون العَبْد لِأَن العَبْد إِذا ارْتَدَّ يقتل وَالْأمة تسبى
لنا العمومات الْمُطلقَة فِي حل وَطْء الزَّوْجَات فَيحل وَطْؤُهَا
وَلَهُمَا أَن الطَّلَاق هَهُنَا مَوْجُود لما مر فِي الْمَسْأَلَة الْمَاضِيَة فَتطلق وَالْجَوَاب مَا قُلْنَاهُ
مَسْأَلَة إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنا مِنْك طَالِق وَنوى بِهِ الطَّلَاق لَا يَقع الطَّلَاق عندنَا وَهُوَ قَول أَحْمد
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ يَقع
وَقد تساعدنا على أَنه لَو قَالَ أَنا مِنْك بَائِن أَو عَلَيْك حرَام فانه يَصح
لنا العمومات كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَإِن طَلقهَا فَلَا تحل لَهُ من بعد حَتَّى تنْكح زوجا غَيره﴾
وَالْمرَاد بقوله ﴿طَلقهَا﴾ الطَّلقَة الثَّالِثَة وبالحل حل النِّكَاح بِاتِّفَاق الْأمة والحل ثَابت
احتجا بنصوص إِضَافَة الطَّلَاق وَهَذَا طَلَاق فَيَقَع وَقد خرج الْجَواب عَن نُصُوص إِضَافَة الطَّلَاق
[ ١٥٤ ]
مَسْأَلَة قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ إِذا قَالَ الرجل لامْرَأَته قبل الدُّخُول بهَا إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق وَطَالِق وَطَالِق فَدخلت الدَّار لَا يَقع الا وَاحِدَة
وَقَالا تطلق ثَلَاثًا
وَلَو أخر الشَّرْط بِأَن قَالَ أَنْت طَالِق وَطَالِق وَطَالِق إِن دخلت الدَّار فَدخلت تقع الثَّلَاث بالِاتِّفَاقِ وَكَذَا لَو كرر الشَّرْط بِأَن قَالَ إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق قَالَهَا ثَلَاثًا فَدخلت الدَّار طلقت ثَلَاثًا بالِاتِّفَاقِ
لَهُ العمومات
وَلَهُم نُصُوص إِضَافَة الطَّلَاق الى الْيَد وَقد مرت
مَسْأَلَة اذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق (و) مُطلقَة (و) طَلقتك وَنوى الثِّنْتَيْنِ أَو الثَّلَاث لَا يَقع الا وَاحِدَة رَجْعِيَّة وَلَا تقرر الْحُرْمَة الغليظة وَهُوَ قَول أَحْمد
وَقَالَ زفر يَقع مَا نَوَاه وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿وبعولتهن أَحَق بردهن﴾ أثبت لَهُ حق الرَّد فَلَا (تتقرر) الْحُرْمَة الغليظة
(فان قَالُوا) فقد اخْتَلَفْنَا فِي أَنه يملك الرّجْعَة فَكيف يجوز بِنَا الْمُخْتَلف
قُلْنَا يجوز ذَلِك اذا ثَبت الأول بدليله وَقد ثَبت
احْتَجُّوا بقوله ﷺ وَلكُل امْرِئ مَا نوى
[ ١٥٥ ]
إِلَّا أَنا نقُول نوى مَا لَا يحْتَملهُ لَفظه فَلَا يَصح نِيَّته كَمَا لَو قَالَ زوري أَبَاك
مَسْأَلَة قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ إِذا قَالَ الرجل لامْرَأَته طَلِّقِي نَفسك وَاحِدَة فَطلقت ثَلَاثًا لم يَقع شئ (وَهُوَ قَول زفر وَمَالك وَقَالا يَقع وَاحِدَة) وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد
وعَلى هَذَا الْخلاف لَو قَالَ طَلِّقِي نَفسك وَاحِدَة إِن شِئْت فَطلقت ثَلَاثًا لم يَقع شَيْء عِنْده
وَعِنْدَهُمَا يَقع وَاحِدَة
احْتج بالعمومات الْمُقْتَضِيَة لحل وَطْء الْأزْوَاج
وَلَهُم نُصُوص اضافة الطَّلَاق الى الْيَد وَقد مرت
مَسْأَلَة يَصح تَعْلِيق الطَّلَاق وَالْعتاق بِالْملكِ وَهُوَ قَول عمر وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَالزهْرِيّ وَابْن الْمسيب وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ وَمَكْحُول وَسَالم بن عبد الله وَآخَرين ﵃
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد لَا يَصح
وَصُورَة الْمَسْأَلَة إِذا قَالَ لأجنبية إِن تَزَوَّجتك فَأَنت طَالِق أَو كل إمرأة أَتَزَوَّجهَا فَهِيَ طَالِق
وَفِي الْعتاق إِذا قَالَ لعبد إِذا مَلكتك فَأَنت حر أَو كل عبد أشتريه فَهُوَ حر
[ ١٥٦ ]
وَقع الطَّلَاق وَالْعتاق عِنْد وجود الشَّرْط خلافًا لَهما
وَقَالَ مَالك إِن خص صَحَّ وَإِن عَم لم يَصح وَهُوَ قَول ابْن ابي ليلى
لنا إِجْمَاع الصَّحَابَة والعمومات
وروى أَن رجلا قَالَ يَوْم أنكح فُلَانَة أَو إِذا نكحت فُلَانَة فَهِيَ (عَليّ) كَظهر أُمِّي فَبلغ ذَاك عمر فَقَالَ إِن نكحتها فَلَا تَقربهَا حَتَّى تكفر بِمحضر الصَّحَابَة من غير نَكِير فَكَانَ إِجْمَاعًا
لَهما مَا روى ابْن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَيْسَ على رجل طَلَاق فِيمَا لَا يملك وَلَا عتاق فِيمَا لَا يملك وَلَا بيع فِيمَا لَا يملك حد وَهَذَا طَلَاق قبل النِّكَاح وعتاق قبل الْملك فَلَا يَصح
وَقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن معَاذ بن جبل عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا يجوز طَلَاق وَلَا عتاق وَلَا بيع وَلَا وَفَاء نذر فِيمَا لَا يملك
وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ عَن معَاذ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ لَا طَلَاق الا بعد نِكَاح وَإِن سميت الْمَرْأَة بِعَينهَا
[ ١٥٧ ]
وروى عَن ابي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي قَالَ قَالَ لي (عَم لي) اعْمَلْ عملا حَتَّى أزَوجك إبنتي فَقلت إِن تَزَوَّجتهَا فَهِيَ طَالِق ثَلَاثًا ثمَّ بدا لي أَن أَتَزَوَّجهَا فَأتيت النَّبِي ﷺ فَسَأَلته فَقَالَ لي تزَوجهَا فانه لَا طَلَاق الا بعد النِّكَاح فتزوجتها فَولدت لي سَعْدا وسعيدا ق
وَعَن ابْن عمر قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ وَقد سُئِلَ عَن رجل قَالَ يَوْم أَتزوّج فُلَانَة فَهِيَ طَالِق قَالَ طلق مَا لَا يملك
وروى ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا نذر الا فِيمَا يُطِيع الله فِيهِ وَلَا يَمِين فِي قطيعة رحم وَلَا طَلَاق فِيمَا لَا يملك ق
وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت بعث النَّبِي ﷺ أَبَا سُفْيَان بن حَرْب على نَجْرَان الْيمن فَكَانَ فِيمَا عهد اليه أَن لَا يُطلق الرجل مَا لَا يملك وَلَا يعْتق مَا لَا يملك ق
وروى أَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ خطب امْرَأَة فَأبى أولياؤها أَن يزوجوها مِنْهُ إِلَّا بِزِيَادَة مهر فَغَضب فَقَالَ هِيَ طَالِق ثَلَاثًا إِن تَزَوَّجتهَا فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَا طَلَاق قبل النِّكَاح
وَمَا رويتم عَن الصَّحَابَة معَارض بِمثلِهِ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَن عمر وَعَائِشَة وَابْن الْمسيب وَابْن جُبَير مثل مَذْهَبنَا
[ ١٥٨ ]
وَالْجَوَاب أَن هَذِه الْأَحَادِيث معلولة قَالَ جدي ﵀ فِي كِتَابه الْمُسَمّى بالتحقيق قد روى نَحْو هَذَا عَن عَليّ وَجَابِر وَلكنهَا طرق (مجتنبة) بِمرَّة وَإِن كَانَ فِي هَذَا الطَّرِيق مَا يصلح (اجتنابه)
وروى عَن أَحْمد أَنه ضعفها ثمَّ فِيهَا خلاف من سمينا من الصَّحَابَة وَمن سموا مَعنا وَلَو كَانَت ثَابِتَة لم اخْتلفُوا
وَلما نَاظر هِشَام بن سعد الزُّهْرِيّ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَظهر عَلَيْهِ الزُّهْرِيّ لِأَنَّهُ قَالَ لَهُ كَانَت الْمَرْأَة تعرض على الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة (فاذا لم تعجبه) قَالَ هِيَ طَالِق ثَلَاثًا فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَا طَلَاق قبل النِّكَاح ردا عَلَيْهِم فَلم يدر هِشَام مَا يَقُول وَلَو صحت لاحتج بهَا أَو بِبَعْضِهَا على الزُّهْرِيّ
وَلَو سلمت قُلْنَا بموجبها لِأَن الْملك قد ثَبت فَكَانَ الْإِيقَاع فِيهِ
مَسْأَلَة الطَّلَاق مُعْتَبر بِالنسَاء عندنَا وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن مَسْعُود
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد بِالرِّجَالِ
[ ١٥٩ ]
وَصُورَة الْمَسْأَلَة أَن الْحرَّة تطلق ثَلَاثًا وَالْأمة اثْنَتَيْنِ حرا كَانَ زَوجهَا أَو عبدا عندنَا
وَعِنْدَهُمَا الْحر يُطلق ثَلَاثًا وَالْعَبْد اثْنَتَيْنِ حرَّة كَانَت أَو أمة
لنا مَا رَوَت عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ طَلَاق الْأمة تَطْلِيقَتَانِ وعدتها حيضتان ت ق
أخبر النَّبِي ﷺ عَن الطَّلَاق الْمَشْرُوع فِي حق الْأمة من غير فصل بَين زوج وَزوج
وروى ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا كَانَت الْأمة تَحت الرجل (فَطلقهَا) تَطْلِيقَتَيْنِ ثمَّ اشْتَرَاهَا لم تحل لَهُ حَتَّى تنْكح زوجا غَيره
احتجا بِمَا رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ طَلَاق العَبْد اثْنَتَانِ وقرء الْأمة حيضتان
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الطَّلَاق بِالرِّجَالِ وَالْعدة بِالنسَاء
وروى أَن مكَاتبا لأم سَلمَة طلق امْرَأَته ثِنْتَيْنِ وَأَرَادَ أَن يُرَاجِعهَا فَأمره
[ ١٦٠ ]
أَزوَاج النَّبِي ﷺ أَن يسْأَل عُثْمَان ﵁ فَخرج يَطْلُبهُ فَوَجَدَهُ آخِذا بيد زيد بن ثَابت فَسَأَلَهُمَا فَقَالَا حرمت عَلَيْك إمرأتك وَلم يسألا أحرة هِيَ أم أمة
وَعَن عُثْمَان وَزيد بن ثَابت وَابْن عمر مثله
وَالْجَوَاب أَن الْأَحَادِيث من الطَّرفَيْنِ فَكلهَا ضِعَاف
أما حَدِيثهمْ الأول فَفِي إِسْنَاده مظَاهر بن أسلم مَجْهُول قَالَ يحيى ابْن (معِين) لَيْسَ بشئ وَقَالَ أَبُو حَاتِم هُوَ مُنكر
وَلَو سمي فالنبي ﷺ أخبر أَن العَبْد يُطلق اثْنَتَيْنِ وَذَلِكَ فِيمَا اذا كَانَ تَحْتَهُ أمة لِأَن الْحرَّة لَا ترغب فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يكافئها
وَأما الثَّانِي فَمن كَلَام ابْن عَبَّاس وَالْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا بَين الصَّحَابَة
وَأما الثَّالِث فأثر يُعَارضهُ بِمثلِهِ
وَأما حديثنا الأول فَفِيهِ أَيْضا مظَاهر بن أسلم
[ ١٦١ ]
وَأما الثَّانِي فَفِيهِ (سلم) بن سَالم كذبه ابْن الْمُبَارك وَابْن معِين وَالسَّعْدِي وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ تفرد بِحَدِيث ابْن عمر ابْن شبيب وَهُوَ ضَعِيف
وَالأَصَح أَنه مَوْقُوف
وَمن يبصر حديثنا يَقُول هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِإِخْبَار عَن فعل الزَّوْج انما هُوَ اخبار عَن مَشْرُوعِيَّة طَلَاق الْأمة
مَسْأَلَة الزَّوْج الثَّانِي يهدم مَا دون الثَّلَاث عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَهُوَ قَول ابْن عمر وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس خلافًا لمُحَمد وَزفر وَالشَّافِعِيّ وَأحمد
وَصُورَة الْمَسْأَلَة إِذا طلق إمرأته تَطْلِيقَة أَو تَطْلِيقَتَيْنِ وَتَزَوَّجت بِزَوْج آخر وعادت الى الأول عَادَتْ بِثَلَاث تَطْلِيقَات عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله
وَعِنْدهم تعود بِمَا بَقِي من الطلقات
[ ١٦٢ ]
لنا مَا روى أَبُو هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لعن الله الْمُحَلّل والمحلل لَهُ ت (د) سَمَّاهُ محللا وَالزَّوْج مُثبت (للْحلّ)
فان قيل هَذَا خبر آحَاد ورد على مُخَالفَة الْكتاب لِأَن ظَاهر الْكتاب بِمُقْتَضى كَون الزَّوْج غَايَة والْحَدِيث يَقْتَضِي كَونه مثبتا للْحلّ وَبَينهمَا تناف وَلَو سلم فَعَنْهُ جوابان
أَحدهمَا أَنه سَمَّاهُ محللا مجَازًا لِأَنَّهُ غَايَة للْحُرْمَة وَعند وجودهَا يثبت الْحل بِالسَّبَبِ السَّابِق
وَالثَّانِي أَن المُرَاد مِنْهُ الزَّوْج الثَّانِي بعد الثَّلَاث لِأَنَّهُ ﷺ ألحق اللَّعْن فَلَا يكون واردا فِي الزَّوْج الثَّانِي لِأَن الْمُتَعَارف عِنْد إِطْلَاق إسم الْمُحَلّل هُوَ الزَّوْج بعد الثَّلَاث فَيَنْصَرِف اليه
وَمَا رويتم عَن الصَّحَابَة (فمعارض) فمذهب عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَأبي بن كَعْب وَعمْرَان بن الْحصين ﵃ مثل مَذْهَبنَا
فَالْجَوَاب أما قَوْلهم ورد على مُخَالفَة الْكتاب لِأَنَّهُ لَا مُنَافَاة بَين كَونه غَايَة للْحُرْمَة وَبَين كَونه غَايَة للْحلّ
وَقَوله سَمَّاهُ محللا مجَازًا
قُلْنَا الْكَلَام للْحَقِيقَة
وَقَوْلهمْ المُرَاد مِنْهُ الزَّوْج الثَّانِي
[ ١٦٣ ]
قُلْنَا التِّرْمِذِيّ أوردهُ فِي بَاب مَا جَاءَ فِي الزَّوْج الثَّانِي وَهُوَ مقلد فِي الْبَاب فَيجْرِي مجْرى التَّنْصِيص على ذَلِك
احْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿حَتَّى تنْكح زوجا غَيره﴾ فَالله تَعَالَى قَالَ ﴿الطَّلَاق مَرَّتَانِ﴾ ثمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَة ﴿فَإِن طَلقهَا﴾ من غير فصل بَين ثَالِثَة وجدت قبل الزَّوْج وثالثة وجدت بعده وَهَذِه مُطلقَة اثْنَتَيْنِ باجماع من سموا من الصَّحَابَة
قُلْنَا المُرَاد من الْآيَة إِيقَاع الثَّلَاث قبل الزَّوْج الثَّانِي لِأَن الله تَعَالَى بَين حق الرّجْعَة بعد الْمَرَّتَيْنِ بقوله ﴿فإمساك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان﴾ ثمَّ قَالَ ﴿فَإِن طَلقهَا﴾ فَيَنْصَرِف الى طَلاقهَا فِي هَذِه الْحَالة الَّتِي يُخَيّر فِيهَا بَين الْإِمْسَاك والتسريح وَهَذِه الْحَالة حَال قيام الْعدة وَإِنَّمَا تكون الْعدة قَائِمَة قبل التَّزَوُّج بِزَوْج آخر
وَأما الاجماع فمعارض بِمثلِهِ وَهُوَ قَول ابْن مَسْعُود وَأبي الدَّرْدَاء وَعمْرَان بن الْحصين ﵃ ويترجح بِمَا بَيناهُ
مَسْأَلَة المختلعة يلْحقهَا صَرِيح الطَّلَاق وَهُوَ قَول ابْن مَسْعُود وَأبي الدَّرْدَاء وَعمْرَان بن الْحصين ﵃
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد لَا يلحقهما
لنا مَا روى ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ المختلعة يلْحقهَا
[ ١٦٤ ]
صَرِيح الطَّلَاق مَا دَامَت فِي الْعدة وَهَذَا نَص صَرِيح
فَإِن قيل الحَدِيث لَا أصل لَهُ وَلَو سلم عارضناه بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ المختلعة لَا يلْحقهَا صَرِيح الطَّلَاق وَإِن كَانَت فِي الْعدة وَالْحَدِيثَانِ إِذا تعارضاه وَجب التَّوْفِيق بَينهمَا بِقدر الْإِمْكَان صِيَانة لَهما عَن التَّنَاقُض فَيحمل مَا رويتم على مَوضِع لَا يَصح الْخلْع (فِيهِ) بِأَن كَانَت محجورة عَن الْخلْع بالصغر أَو السَّفه فَكَانَت مختلعة صُورَة
وَمَوْضِع ابْن (عَبَّاس) ﵄ مثل مَذْهَبنَا
قُلْنَا قد رَوَاهُ ابو يُوسُف فِي الأمالي وَرِوَايَته حجَّة فَكَانَ مُسْندًا من حَيْثُ الْمَعْنى
وَقد روى أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد فِي الكيسانيات عَن النَّبِي ﷺ أَن من خَالع إمرأته ثمَّ طَلقهَا يلْحقهَا صَرِيح الطَّلَاق
وحديثهم لَا يعرف اصلا وَحمله على المختلعة صُورَة لَا يَصح لِأَن الْكَلَام بحقيقته حَتَّى يقوم دَلِيل الْمجَاز وَهِي صُورَة نادرة وَالنَّبِيّ ﷺ لَا يحمل كَلَامه على النَّادِر وَقد عضد مَا قُلْنَا إِجْمَاع الصَّحَابَة
مَسْأَلَة الْحَامِل تطلق ثَلَاثًا للسّنة عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله ويفصل بَين كل تَطْلِيقَتَيْنِ بِشَهْر
[ ١٦٥ ]
وَقَالَ مُحَمَّد وَزفر لَا تطلق للسّنة إِلَّا وَاحِدَة
لأبي حنيفَة وَأبي يُوسُف قَوْله ﵊ إِن من السّنة أَن تسْتَقْبل الْعدة إستقبالا فيطلقها فِي كل طهر تَطْلِيقَة خَ م
وَالِاسْتِدْلَال بِهِ أَن إِيقَاع الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة للْحَاجة فَيجوز كَمَا لَو فرق طَلَاق الآيسة وَالصَّغِيرَة على الْأَشْهر
وَمُحَمّد يحْتَج بِمَا روى أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ تزوجوا وَلَا تطلقوا د فَتحرم الزِّيَادَة على الْوَاحِدَة
وَقَوله ﷺ دع مَا يربيك بِمَا يريبك وَالزِّيَادَة على الْوَاحِدَة مِمَّا يريب
[ ١٦٦ ]
وَقَالَ مُحَمَّد فِي الأَصْل بلغنَا ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَجَابِر وَالْحسن الْبَصْرِيّ أَنَّهَا لَا تطلق السّنة إِلَّا وَاحِدَة
وَالْجَوَاب أما الحَدِيث فمعارض بِمَا روينَا وَالْمَشْهُور يفصل ويترجح حديثنا لِأَنَّهُ فِي الصَّحِيح ثمَّ هُوَ صَرِيح فِي الْبَاب
وَأما مَذْهَب الصَّحَابَة فَالْأَصَحّ من مذاهبهم أَن الْأَحْسَن أَن لَا تطلق إِلَّا وَاحِدَة وَنحن نقُول بِهِ (وَإِنَّمَا) الْكَلَام فِي إِبَاحَة تَفْرِيق الثَّلَاث على الْأَشْهر فَلم قُلْتُمْ إِنَّه لَا يجوز وَقد قَامَ دَلِيل الْجَوَاز
مَسْأَلَة إرْسَال الطلقات الثَّلَاثَة جملَة حرَام وبدعة وَهُوَ قَول أبي بكر وَعمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَعمْرَان بن الْحصين ﵃
وَقَالَ الشَّافِعِي مُبَاح مَشْرُوع
وَعَن أَحْمد كالمذهبين وَالْمَشْهُور عَنهُ مثل قَوْلنَا وَالْكَلَام فِي الْمَسْأَلَة يرجع الى حرف وَهُوَ أَن عندنَا الأَصْل فِي الطَّلَاق الْحَظْر وَإِنَّمَا يثبت الْإِبَاحَة بِعَارِض الْحَاجة وَعِنْده الأَصْل فِي الطَّلَاق الْإِبَاحَة وَإِنَّمَا يثبت الْحَظْر بِعَارِض الْحيض
لنا مَا مر من قَوْله ﷺ تزوجوا وَلَا تطلقوا
وَحَدِيث ابْن عمر الَّذِي روينَاهُ لِأَنَّهُ قَالَ فِي سِيَاقه مر ابْنك فَلْيُرَاجِعهَا ثمَّ ليمسكها حَتَّى تطهر ثمَّ تحيض ثمَّ تطهر فَإِن شَاءَ أمسك وَإِن شَاءَ طلق فَتلك الْعدة الَّتِي أَمر الله تَعَالَى أَن تطلق لَهَا النِّسَاء
وَفِي رِوَايَة مَا هَكَذَا أَمرك رَبك إِنَّه من السّنة أَن يسْتَقْبل الطُّهْر اسْتِقْبَالًا فَتُطَلِّقهَا لكل طهر تَطْلِيقَة وَأَرَادَ بِهِ سنة الْكتاب فَدلَّ على بَيَان التَّفْرِيق
[ ١٦٧ ]
وروى أَن رجلا طلق إمرأته بَين يَدي النَّبِي ﷺ فَغَضب وَقَالَ أَتَلْعَبُونَ بِكِتَاب الله تَعَالَى وَأَنا بَين أظْهركُم ثمَّ قَامَ مغضبا فَقَالَ رجل أَقتلهُ يَا رَسُول الله سَمَّاهُ لاعبا بِالْكتاب وَذَلِكَ حرَام
وَحكى مُحَمَّد إِجْمَاع الصَّحَابَة على مثل مَذْهَبنَا وَهَكَذَا حكى الْكَرْخِي فَإِنَّهُ قَالَ لَا أعرف بَين أهل الْعلم خلافًا فِي أَن إِيقَاع الثَّلَاث جملَة مَكْرُوه إِلَّا شَيْئا نقل عَن ابْن سِيرِين وَإِن قَوْله لَيْسَ بِحجَّة وَقَالَ ابْن عَبَّاس هُوَ من الأحموقة وَكَانَ عمر ﵁ لَا يُؤْتِي بِرَجُل طلق امْرَأَته ثَلَاثًا الا علاهُ بِالدرةِ
فَإِن قيل (إِن) هَذِه آحَاد وَردت على مُخَالفَة قَوْله تَعَالَى ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ أَي لوقت عدتهن أَبَاحَ الطَّلَاق فِي الطُّهْر مُطلقًا من غير فصل
وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود فطلقوهن قبل عدتهن وَقبل الشئ أَوله
أَو يحمل على حَالَة الْحيض أَو على الطَّلَاق فِي طهر جَامعهَا فِيهِ تَوْفِيقًا بَين الدَّلَائِل
قُلْنَا قَوْله ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ لَا يتَنَاوَل الثَّلَاث بل دونهَا وَحَالَة
[ ١٦٨ ]
الْحيض وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا مَخْصُوصَة
احْتَجُّوا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ لما لَاعن بَين عُوَيْمِر الْعجْلَاني وَبَين امْرَأَته قَالَ عُوَيْمِر (كذبت عَلَيْهَا إِن أَمْسَكتهَا فَهِيَ طَالِق ثَلَاثًا) وَلم يُنكر عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ وَلَو كَانَ الْجمع مَكْرُوها لأنكر
وروى أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف طلق إمرأته تماضر فِي مرض مَوته ثَلَاثًا فَورثَهَا عُثْمَان بِمحضر من الصَّحَابَة ﵃ من غير نَكِير ثمَّ لَا يظنّ بِمثلِهِ ارْتِكَاب الْمحرم وَلَا سِيمَا فِي مرض مَوته وَهُوَ من الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ
وَلما قتل عَليّ ﵁ هنأة إمرأة الْحسن الْحسن بالخلافة فَقَالَ أشماتة بقتل أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا
وَالْجَوَاب أما حَدِيث عُوَيْمِر فَغَرِيب وَلَو اشْتهر حمل على أَن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا لم يُنكر عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ غَضْبَان فَلم يتَعَرَّض لَهُ (لعلمه) أَنه لَا ينجع (فِيهِ) أَو لِئَلَّا يَأْتِي بِفساد أعظم مِنْهُ وَهُوَ أَن يرد على النَّبِي ﷺ فيكفر فَلم يُنكر عَلَيْهِ إشفاقا
وَيحْتَمل أَنه أنكر عَلَيْهِ إِلَّا أَنه لم ينْقل
وَأما ابْن عَوْف فَالْأَصَحّ من الرِّوَايَات أَنه طَلقهَا ثَلَاثًا للسّنة (إِلَّا أَن الرَّاوِي لم
[ ١٦٩ ]
يسمع قَوْله للسّنة)
وَأما حَدِيث الْحسن فَنحْن لَا نحرم إرْسَال الطلقات على الْإِطْلَاق بل على وَجه الْجمع وَيحْتَمل أَنه طَلقهَا على وَجه السّنة وَهُوَ الْأَلْيَق بِهِ مَسْأَلَة الطَّلَاق الرَّجْعِيّ لايحرم الْوَطْء وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ يحرمه وَعَن أَحْمد كالمذهبين والرجعي هُوَ صَرِيح الطَّلَاق بعد الدُّخُول غير مقرون بِالثلَاثِ وَلَا بِالْعِوَضِ
لنا النُّصُوص الوارده الْمُطلقَة لحل الزَّوْجَات وَهَذِه زَوجته لقَوْله تَعَالَى ﴿وبعولتهن أَحَق بردهن﴾ سَمَّاهُ بعلا والبعل الزَّوْج وَلِهَذَا يملك الرّجْعَة من غير رِضَاهَا ويتوارثان وَيجْرِي بَينهمَا اللّعان وَيحرم عَلَيْهِ نِكَاح أُخْتهَا إِلَى غير ذَلِك احتجا بقوله تَعَالَى ﴿والمطلقات﴾ الْآيَة فَالله تَعَالَى أمرهَا بالعدة وَلَا سَبِيل إِلَيْهَا إِلَّا بِتَحْرِيم وَطئهَا قُلْنَ إِيجَاب الْعدة لَا يُنَافِي حل الْوَطْء مَسْأَلَة الْكِنَايَات كلهَا بوائن عندنَا إِلَّا ثَلَاثًا وَهِي قَوْله اعْتدي واستبرئي رَحِمك وَأَنت وَاحِدَة وَهُوَ قَول عَليّ وَزيد ﵄ وَقَالَ الشَّافِعِي كلهَا رواجع وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عمر وَعُثْمَان ﵄ وَصُورَة الْمَسْأَلَة إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت بَائِن أَو حرَام أَو خلية أَو بَريَّة أ
[ ١٧٠ ]
بتة وَنَحْوه يثبت الْبَيْنُونَة عندنَا وَعِنْده لَا يثبت وَهِي رواجع لنا النُّصُوص الْمُطلقَة فِي تَحْرِيم الزَّوْجَات المطلقات وَهَذِه لَيست بِزَوْجَة بِدَلِيل حُرْمَة وَطئهَا بالِاتِّفَاقِ احْتج الشَّافِعِي بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لسودة الحقي بأهلك ثمَّ رَاجعهَا
وروى عَن عبد الله بن عَليّ بن ركَانَة عَن أَبِيه عَن جده قَالَ طلقت امْرَأَتي الْبَتَّةَ فَجئْت إِلَى النَّبِي ﷺ فَقلت يَا رَسُول الله طلقت امْرَأَتي الْبَتَّةَ قَالَ مَا أردْت بِهَذَا قلت وَاحِدَة قَالَ الله قلت الله فَردهَا النَّبِي ﷺ عَلَيْهِ ت وروى أَنه النَّبِي ﷺ قَالَ رَاجعهَا وَفِي لفظ قَالَ فَطلقهَا الثَّانِيَة فِي زمن عمر وَالثَّالِثَة فِي زمن عُثْمَان
[ ١٧١ ]
وروى ان الْمطلب بن حنْطَب طلق امْرَأَته الْبَتَّةَ فَقَالَ لَهُ عمر أمسك عَلَيْك زَوجك فَإِن الْوَاحِدَة لَا تثبت وَالْجَوَاب أما الحَدِيث الأول فَغَرِيب ثمَّ هُوَ خبر وَاحِد ورد على مُخَالفَة النُّصُوص فَلَا يقبل وَالثَّانِي فِي إِسْنَاده ركَانَة قَالَ احْمَد لَيْسَ بِشَيْء والأثر لَا يُعَارض النُّصُوص مَسْأَلَة التَّيَمُّم لَا يقطع الرّجْعَة عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله اسْتِحْسَانًا وَعند مُحَمَّد وَزفر يقطع قِيَاسا وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود ﵃
وَصُورَة الْمَسْأَلَة الْمُطلقَة إِذا كَانَت أَيَّام حَيْضهَا مَا دون الْعشْرَة فَانْقَطع دَمهَا بعد ثَلَاث حيض وتيممت لم تَنْقَطِع الرّجْعَة عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله خلافًا لَهما وَاتَّفَقُوا على أَنَّهَا لَو صلت بِالتَّيَمُّمِ اَوْ اغْتَسَلت أَو مضى عَلَيْهَا وَقت صَلَاة كَامِل أَنَّهَا تَنْقَطِع لَهما النُّصُوص الْمُطلقَة لحل وَطْء الزَّوْجَات وَهَذِه زَوْجَة احْتَجُّوا بقوله ﷺ التُّرَاب طهُور الْمُسلم مَا لم يجد المَاء وَلَو إِلَى عشر
[ ١٧٢ ]
حجج ت سَمَّاهُ طهُورا مُطلقًا وَهُوَ قَول من سمينا من الصَّحَابَة وَالْجَوَاب أما الحَدِيث فمخصوص بِحَالَة الصَّلَاة دون الرّجْعَة وَأما الْأَثر الَّذِي ذَكرُوهُ فتعارضه بقول الْخُلَفَاء الرَّاشِدين والعبادلة أَن الزَّوْج أَحَق برجعتها مالم تَغْتَسِل من الْحَيْضَة الثَّالِثَة فيترجح بِالزِّيَادَةِ مَسْأَلَة زوج الْمُعْتَدَّة إِذا قَالَ أَخْبَرتنِي أَن عدتهَا قد انْقَضتْ وَذَلِكَ فِي عدَّة تحْتَمل الِانْقِضَاء وكذبته جَازَ للزَّوْج أَن يتَزَوَّج بأختها وَأَرْبع سواهَا وَهُوَ قَول أَحْمد وَقَالَ زفر لَا يجوز وَهُوَ قَول الشَّافِعِي لنا النُّصُوص الْمُطلقَة فِي جَوَاز حل الْوَطْء وَقد صدر خَبره أَمارَة على انْقِضَاء الْعدة وَلَهُمَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يحل لَهُنَّ أَن يكتمن مَا خلق الله فِي أرحامهن﴾ وَهِي أمينة فَتصدق ثمَّ خَبَرهَا محرم وَخَبره مُبِيح وَالْمحرم مقدم قُلْنَا هِيَ أمينة فِيمَا يخْتَص بِالْحملِ وَالْحيض أما فِي انْقِضَاء الْعدة فَلَا لِأَن الزَّوْج يقف على ذَلِك كَمَا تقف هِيَ عَلَيْهِ وَقَوْلهمْ خَبَرهَا محرم قُلْنَا هُوَ مُحْتَمل لِأَنَّهُ يحْتَمل انها أخْبرت ثمَّ نسيت أَو أنْكرت بِسَبَب حمل الْغيرَة لَهَا فَإِن ذَلِك عَادَة النِّسَاء بِخِلَاف الرِّجَال
مَسْأَلَة قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ زوج الْمُعْتَدَّة إِذا قَالَ لَهَا رَاجَعتك فَقَالَت مجيبة لَهُ قد انْقَضتْ عدتي وكذبها الزَّوْج وَذَلِكَ فِي مُدَّة تَنْقَضِي فِي مثلهَا الْعدة وَلَا تصخ الرّجْعَة خلافًا للباقين من أهل الْعلم فَإِن القَوْل قَول الزَّوْج عِنْدهم
[ ١٧٣ ]
لَهُ مَا ذكرنَا من نُصُوص الْكِنَايَات وَهِي أمينة فَتصدق فِي الْأَخْبَار لَهُم النُّصُوص الْمُطلقَة لحل (وَطْء) الزَّوْجَات واعتبارا بِمَا لَو سكتت ثمَّ أجابت قُلْنَا هِيَ أمينة بِالنَّصِّ فَيكون القَوْل قَوْلهَا مَسْأَلَة العدتان تتداخلان وَهُوَ قَول معَاذ وَجَابِر وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ لَا تتداخلان وَعَن مَالك كالمذهبين وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عمر وَعلي ﵄
وَصُورَة الْمَسْأَلَة مَنْكُوحَة وطِئت بِشُبْهَة ثمَّ طَلقهَا زَوجهَا أَو طَلقهَا أَولا فوطئت بِشُبْهَة فِي الْعدة أَو توفّي عَنْهَا زَوجهَا فوطئت فِي الْعدة بِشُبْهَة فها هُنَا عدتان عدَّة الْوَطْء بِشُبْهَة وعدة الزَّوْج وينقضيان بِزَمَان وَاحِد عندانا سَوَاء كَانَت من ذَوَات الْأَقْرَاء اَوْ من ذَوَات الْأَشْهر وَالْعبْرَة للأخيرة فَإِن كَانَت أحداهما بِحمْل انقضتا جَمِيعًا بِوَضْع الْحمل (وَعِنْدَهُمَا) إِن كَانَتَا بِالْأَقْرَاءِ أَو بِالْأَشْهرِ قدمت السَّابِقَة ثمَّ (تشرع) فِي الْأُخْرَى وَإِن كَانَت إجداهما بِحمْل قدمت ثمَّ تعود إِلَى الْأَقْرَاء لنا النُّصُوص الْمُطلقَة فِي جَوَاز حل النِّكَاح ويمضي ثَلَاثَة أشهر من حِين الْوَطْء بِشُبْهَة وَجب أَن تحل لزوج آخر فَفِي ايجاب الْعدة الثَّانِيَة منعهَا عَن النِّكَاح وَلذَا لَا يجوز
[ ١٧٤ ]
وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ وَمُقْتَضَاهُ إِيجَاب عدَّة مُتعَدِّدَة بِحَسب تعدد الْأَسْبَاب وروى أَن رجلا طلق امْرَأَته فوطئت بِشُبْهَة فِي الْعدة فَقَالَ عمر ﵁ تستكمل الْعدة الأولى وتستقبل الثَّانِيَة
قُلْنَا التَّرَبُّص لَا يَقْتَضِي التَّعَدُّد وَمعنى الْأَثر أَن تستكمل الأولى وتستقبل الثَّانِيَة لَكِن بِمَا بَقِي من الأولى لَا بعد استكمالها لِأَن الْوَاو للْجمع دون التَّرْتِيب وَالْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا بَين الصَّحَابَة ﵃ مَسْأَلَة الْعدة تَنْقَضِي بِالْحيضِ وَهُوَ قَول صُدُور الصَّحَابَة وَأحمد وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ بالأطهار وَفَائِدَة الْخلاف أَن من طلق امْرَأَته فِي حَالَة الطُّهْر لَا يحْتَسب بذلك الطُّهْر من الْعدة حَتَّى لَا تَنْقَضِي الْعدة مالم تَحض ثَلَاث حيض وَعِنْدَهُمَا يحْتَسب بِهِ فتنقضي الْعدة بطهرين آخَرين وَالْخلاف يبتني على تَفْسِير القروء لنا قَوْله تَعَالَى ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ والأقراء الْحيض بِالسنةِ وَالْإِجْمَاع وَاللِّسَان أما السّنة فَقَوله ﷺ دعِي الصَّلَاة أَيَّام إقرائك أَي أَيَّام حيضك
[ ١٧٥ ]
وَمَا روينَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ طلاقة الْأمة ثِنْتَانِ وعدتها حيضتان فَدلَّ على أَن الْمُعْتَبر فِي حق الْأمة هُوَ الْحيض فَيثبت فِي الْحرَّة وَأما الْإِجْمَاع فَمَا رُوِيَ عَن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَأبي مُوسَى وَعبادَة بن الصَّامِت ومعاذ وَأبي الدَّرْدَاء ﵃ مثل مَذْهَبنَا
وَرَوَاهُ الشّعبِيّ عَن بضعَة عشر من الصَّحَابَة وَكَذَا روى الطَّحَاوِيّ عَن زيد وَابْن عمر وَحَكَاهُ الرَّازِيّ عَن مُجَاهِد وَابْن الْمسيب وَابْن جُبَير وَأما اللِّسَان فاستشهادات كَثِيرَة مِنْهَا قَول الْقَائِل
يَا رب ذِي ضغن على فارض
لَهُ قُرُوء كقروء الْحَائِض
(أَي تهيج عداوته فِي أَيَّام مَعْلُومَة كقروء الْحَائِض)
وَعَلِيهِ أجماع أهل اللُّغَة كالزجاج وَالْفراء والأصمعي وَالْكسَائِيّ والأخفش وَيُونُس وَذكره الْخَلِيل فِي كتاب الْعين وَنَصّ عَلَيْهِ فَقَالَ الْقُرْء عبارَة عَن الْحيض تنَاول ثَلَاثَة أَقراء كوامل وَمَتى حمل على الطُّهْر تنَاول قرءين وشيئا من الثَّالِث فَيكون مُخَالفا للسّنة وَالْإِجْمَاع واللغة فَإِن قيل مَا ذكرْتُمْ أَن الْقُرْء هِيَ الْحيض فمعارض من وُجُوه تدل على أَنه الطُّهْر أَحدهَا قَول الْأَعْشَى
وَفِي كل عَام أَنْت حاسم غَزْوَة
تشد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة مَالا وَفِي الْحَيّ رفْعَة
لما ضَاعَ فِيهَا من قُرُوء نسائكا
[ ١٧٦ ]
أَي من أطهارهن لِأَن زمَان الْحيض ضائع حَاضرا كَانَ الرجل أَو غَائِبا
وَالثَّانِي أَن الْقُرْء عبارَة عَن الْجمع يُقَال مَا قَرَأت النَّاقة فِي رَحمهَا جَنِينا قطّ وَمِنْه سمي الْقُرْآن لكَونه مجموعا وَكَذَا سمي الْحَوْض مقراة لِأَنَّهُ يجمع المَاء وَالطُّهْر هُوَ الْجَامِع للدم فِي الرَّحِم دون الْحيض وَبَاقِي الْوُجُوه ذَكرنَاهَا فِي الخلافيات وَقد حكى صَاحب الغريبين عَن اهل الْمَدِينَة أَن الْقُرْء هُوَ الطُّهْر وَكَذَا روى زيد بن ثَابت وَحُذَيْفَة وَابْن عمر وَعَائِشَة ﵃ أَن المُرَاد من القروء الْمَذْكُور فِي الْآيَة الطُّهْر دون الْحيض وقولكم يتَنَاوَل ثَلَاثَة أَقراء كوامل قُلْنَا اسْم الْجمع يتَنَاوَل الِاثْنَيْنِ وشيئا من الثَّالِث كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الْحَج أشهر مَعْلُومَات﴾ وَالْمرَاد شَوَّال وَذُو الْقعدَة وعشرمن ذِي الْحجَّة
وَالْجَوَاب أما الاستشهاد فمعارض بِمثلِهِ وَأما عَن الْوَجْه الأول فَلَا نسلم أَن الطُّهْر يجمع الدِّمَاء فِي الرَّحِم لِأَن اجتماعها فِي الرَّحِم فِي زمَان الطُّهْر لَا يسْتَغْنى عَن اندفاعها إِلَى الرَّحِم فِي الطُّهْر وَالدَّم لَا ينْدَفع فِي الطُّهْر إِلَى الرَّحِم لِأَنَّهُ لَو انْدفع فِي هده الْحَالة خرج مِنْهُ لانفتاح فَم الرَّحِم فِي الطُّهْر كاندفاعه فِي الْحيض
وَمَا ذكر صَاحب الغريبين معَارض بِمَا ذكرنَا عَن أَئِمَّة اللُّغَة وَالتَّرْجِيح مَعنا وَالدَّلِيل الَّذِي يقي الِاشْتِرَاك مَتْرُوك عِنْد أهل اللُّغَة فيترجح الْمُثبت
[ ١٧٧ ]
وَأما قَوْلهم اسْم (الْجمع) يتَنَاوَل الِاثْنَيْنِ وشيئا من الثَّالِث
قُلْنَا اسْم الثَّلَاثَة لَا يتَنَاوَل إِلَّا ثَلَاثَة آحَاد كوامل لِأَن الثَّلَاثَة اسْم لآحاد مجتمعة فَمَا لم تَجْتَمِع لَا يتَحَقَّق اسْم الثَّلَاثَة وَقد ترجح مَا قُلْنَا بِكَوْن الْعدة عبَادَة فيحتاط بِالثلَاثِ
احْتَجُّوا بِمَا ذكرُوا من معنى القرةء وَبِحَدِيث ابْن عمر إِن من السّنة أَن يسْتَقْبل الطُّهْر اسْتِقْبَالًا فَتلك الْعدة الَّتِي أَمر الله أَن تطلق لَهَا النِّسَاء وَالْمرَاد بهَا الْأَطْهَار قُلْنَا الْإِشَارَة بِالْحَدِيثِ إِلَى كَمَال الْأَطْهَار وَذَلِكَ فِيمَا قُلْنَاهُ مَسْأَلَة لَا يَصح ظِهَار اذمي وَهُوَ قَول مَالك وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ يَصح لنا قَوْله ﷺ لسَلمَة بن صَخْر الْأنْصَارِيّ لما ظَاهر من امْرَأَته ثمَّ وَاقعهَا قبل أَن يكفر اسْتغْفر الله وَلَا تعمد حَتَّى تكفر حد
مد حُرْمَة الْوَطْء إِلَى غَايَة التَّكْفِير وَالذِّمِّيّ لَيْسَ من أهل التَّكْفِير لِأَن الْكَفَّارَة عبَادَة وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الله تَعَالَى أوجب الصَّوْم على الْمظَاهر وَالذِّمِّيّ لَيْسَ من اهل الصَّوْم
احْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يظاهرون من نِسَائِهِم ثمَّ يعودون لما قَالُوا فَتَحْرِير رَقَبَة من قبل أَن يتماسا﴾ فَالله تَعَالَى أوجب الْكَفَّارَة مُطلقًا على كل
[ ١٧٨ ]
مظَاهر وَاجِد عَائِد وَالظَّاهِر مُتَحَقق فِي حق الذِّمِّيّ
قُلْنَا الْآيَة تخص الْمُسلم لَا غير لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي آخرهَا ﴿فَمن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين﴾ وَالذِّمِّيّ غير مُرَاد من هَذَا بِالْإِجْمَاع وَلَا نسلم أَنه من أهل الظِّهَار لما عرف مَسْأَلَة امْرَأَة الفار تَرث مَا دَامَت فِي الْعدة عندنَا اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاس أَن لَا تَرث وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَعَن مَالك أَنَّهَا تَرث وَإِن انْقَضتْ عدتهَا وَهُوَ قَول عَن الشَّافِعِي وَصُورَة الْمَسْأَلَة إِذا طلق الْمَرِيض امْرَأَته ثَلَاثًا أَو بَائِنا ثمَّ مَاتَ وَهِي فِي الْعدة تَرث عندنَا خلافًا لَهُم وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا جَاءَت الْفرْقَة بِسَبَب من قبلهَا بِأَن قبلت ابْن زَوجهَا فِي مَرضهَا ثمَّ مَاتَت وَهِي فِي الْعدة ورثهَا الزَّوْج عندنَا
وَاتَّفَقُوا على أَنَّهَا تَرث فِي الطَّلَاق الرَّجْعِيّ
لنا إِجْمَاع الصَّحَابَة وَهُوَ مَا رُوِيَ أَن عبد الرحمن بن عَوْف طلق امْرَأَته تماضر فِي مرض مَوته فَورثَهَا عُثْمَان ﵁ وَقَالَ فر من كتاب الله تَعَالَى وَكَانَ ذَلِك بِمحضر من الصَّحَابَة من غير نَكِير فَكَانَ إِجْمَاعًا مِنْهُم على ذَلِك وَوَافَقَهُ عمر وَعلي وَأبي بن كَعْب وَابْن مَسْعُود ﵃ وَأَشَارَ بقوله فر من كتاب الله إِلَى قَوْله ﴿ولهن الرّبع مِمَّا تركْتُم﴾ وَهِي زَوجته مَا دَامَت فِي الْعدة
[ ١٧٩ ]
وروى الشّعبِيّ أَن عمر كتب إِلَى ابي مُوسَى وَشُرَيْح أَن ورثا امْرَأَة الفار كَذَا حكى الْكَرْخِي عَن عَائِشَة وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَشُرَيْح وَالشعْبِيّ وَطَاوُس الْيَمَانِيّ ﵃ فَإِن قيل (فقد) روى عَن ابْن الزبير أَنه قَالَ لَو كَانَ الأمرإلي لما ورثتها وَعَن ابْن عَوْف أَنه قَالَ مَا فَرَرْت من كتاب الله وَمَعَ مخالفتهما لَا إِجْمَاع (وَقد روى أَن الطَّلَاق كانبسؤالها فَلَا تَرث بِالْإِجْمَاع)
قُلْنَا أما قَول ابْن الزبير فَلَا حجَّة فِيهِ لِأَن مَعْنَاهُ لما اهتديت إِلَى توريثها بِالنِّسْبَةِ إِلَى علم عُثْمَان وَمن مذْهبه أَن الرجل لَو قدم ليقْتل فَطلق امْرَأَته ثَلَاثًا ورثت مِنْهُ وَهَذِه الْحَالة فِي حكم مرض الْمَوْت بِالْإِجْمَاع ولوثبت خِلَافه فَهُوَ لم يكن من الْفُقَهَاء فِي عصر الصَّحَابَة فَلَا يعْتد بخلافة
وَقَول ابْن عَوْف مَا فَرَرْت من كتاب الله (مُرَاده) مَا قصدت الْفِرَار وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا قَالَه عُثْمَان لِأَنَّهُ بنى الْأَمر على الظَّاهِر وَابْن عَوْف أخبر على الْحَقِيقَة لِأَنَّهُ روى عَنهُ أَنه قَالَ إِن طَلقتهَا ورثتها قَالَ قد علمت ذَلِك
[ ١٨٠ ]
وَقَوْلهمْ كَانَ بسؤالها
قُلْنَا روى أَن عبد الرحمن بن عَوْف قَالَ مَا تَسْأَلنِي امْرَأَة طَلاقهَا إِلَّا طَلقتهَا فَقَالَت تماضر أَسأَلك ذَلِك فَقَالَ إِذا طهرت من حيضتك طَلقتك فَلم يَقع على الْفَوْر وَذَلِكَ لَا يقطع الْإِرْث بِالْإِجْمَاع احْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿ولهن الرّبع مِمَّا تركْتُم﴾ وَهَذِه لَيست بِزَوْجَة وَبِمَا روينَا عَن ابْن الزبير قُلْنَا أما الاية فالزوجية ثَابِتَة مَا دَامَت الْعدة بَاقِيَة وَقد خرج الْجَواب عَن الْأَثر وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
[ ١٨١ ]
= كتاب الْعتاق =
مَسْأَلَة إِذا ملك ذَا رحم محرم مِنْهُ عتق عَلَيْهِ مثل الْأَخ وَالْأُخْت وَالْعم والعمة وَالْخَال وَالْخَالَة وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن مَسْعُود وَأحمد وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يعْتق وَقد تساعدنا على عتق الْوَالِدين وَإِن علوا والمولودين وَإِن سفلوا ووافقنا مَالك فِي الْأُخوة وَالْأَخَوَات لنا قَول ﷺ من ملك ذَا رحم محرم مِنْهُ عتق عَلَيْهِ نس وَفِي رِوَايَة د ت فَهُوَ حر
وروى ابْن عَبَّاس أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله وجدت أخي يُبَاع فِي السُّوق فاشتريته لأعتقه فَقَالَ النَّبِي ﷺ قد أعْتقهُ الله عَلَيْك
وروى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الرَّحِم معلقَة بالعرش تَقول يَا رب صل من وصلني واقطع من قطعني خَ بِمَعْنَاهُ وَقَالَ ابْن الْمسيب فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿وتقطعوا أَرْحَامكُم﴾ إِن المُرَاد مِنْهُ صلَة الْأَرْحَام
[ ١٨٢ ]
فَإِن قيل الحَدِيث مُرْسل رَوَاهُ الْحسن الْبَصْرِيّ عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة ﵂ وَلم يلقها
وَقد قَالَ النَّسَائِيّ لَا نعلم أحدا تَابع حَمَّاد بن سَلمَة على هَذَا الحَدِيث وَقد خَالفه سعيد وَهِشَام وَفِي مَتنه مَا يدل على وهنه وَهُوَ قَوْله فَهُوَ حر
وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ الْمَالِك أَو الْمَمْلُوك لَا وَجه إِلَى الأول لِأَن حريَّة الْمَالِك ثَابِتَة قبل الشَّرْط وَلَا إِلَى الثَّانِي لِأَن قَضِيَّة اللُّغَة أَن الدَّاخِل تَحت الْجَزَاء هُوَ الدَّاخِل تَحت الشَّرْط كَقَوْلِه ﷺ من دخل دارأبي سُفْيَان فَهُوَ آمن وَهنا الدَّاخِل تَحت الشَّرْط هُوَ الْمَالِك فَكَانَ ركة من الْكَلَام
ثمَّ هُوَ عَام خص مِنْهُ الْبَعْض كَابْن الْعم الَّذِي هُوَ أَخ من الرَّضَاع فَإِنَّهُ ذُو رحم محرم وَلَا يعْتق وكذابنت عَمه الَّتِي هِيَ أُخْته من الرضَاعَة فيخص الْمُتَنَازع فِيهِ بِالْقِيَاسِ قُلْنَا قد ذكر صَاحب الاصطلام من الشَّافِعِيَّة وَغَيره أَن الحَدِيث رَوَاهُ سَمُرَة بن جُنْدُب مُسْندًا وَاحْتج بِهِ مُحَمَّد ﵀ والمراسيل حجَّة عندنَا وَأما قَول النَّسَائِيّ فقد حكم هُوَ وَالتِّرْمِذِيّ بِصِحَّتِهِ وَكلمَة هُوَ كِنَايَة وَذُو الرَّحِم الْمحرم مكني سَابق فَيَنْصَرِف إِلَيْهِ وَلَا نسلم أَنه عَام خص مِنْهُ الْبَعْض لِأَن النَّص يتَنَاوَل ذَا رحم محرم
احْتج الشَّافِعِي بالنصوص الْمُطلقَة فِي جَوَاز البيع وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فكاتبوهم إِن علمْتُم فيهم خيرا﴾ فَيجوز لَهُ بيع أَخِيه ومكاتبته
[ ١٨٣ ]
وَرُوِيَ أَن رجلا اشْترى أَخَاهُ على عهد رَسُول الله ﷺ وَأمره النَّبِي ﷺ بإعتاقه فَدلَّ على أَنه لم يعْتق بِالشِّرَاءِ وَقَوله ﷺ لَيْسَ للمرء من عمله إِلَّا مانواه وَهَذَا لم ينْو الْعتْق بِالشِّرَاءِ فَلَا يكون لَهُ وَرُوِيَ فِي شرح الْمَبْسُوط أَن الزبير بن الْعَوام ملك بعض أَخْوَاله فِي الْمغنم فَأعْتقهُ النَّبِي ﷺ وَكَذَا ذكر الْحجَّاج فِي طَرِيقَته فَلَو عتق بِنَفس الشِّرَاء لَكَانَ إِعْتَاق الْمُعْتق وَإنَّهُ محَال
وَالْجَوَاب قد بَينا أَنه عتق بِنَفس الشِّرَاء لِأَن بَين الْأَخَوَيْنِ رحما يحرم قطعهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿وتقطعوا أَرْحَامكُم أُولَئِكَ الَّذين لعنهم الله﴾ ألحق اللَّعْن بقاطع الرَّحِم وَذَلِكَ يكون بِالْفِعْلِ الْحَرَام فَيبْطل البيع
وَأما الْآثَار فَغَرِيبَة فَلَا تعَارض الْمَشْهُور وَلَو اشتهرت كَانَت مُخَالفَة للْكتاب فَترد وَيحْتَمل أَنهم لم يعلمُوا أَنه يعْتق بِنَفس الشِّرَاء فَبين لَهُم النَّبِي ﷺ ذَلِك مَسْأَلَة قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ إذاقال لعَبْدِهِ وَهُوَ أكبر سنا مِنْهُ هَذَا ابْني أَو وَلَدي عتق عَلَيْهِ وَقَالا لَا يعْتق وَهُوَ قَول البَاقِينَ لَهُ النُّصُوص الْمُطلقَة بِجَوَاز تَصَرُّفَات الْأَحْرَار وَكَلَام الْعَاقِل يجب تَصْحِيحه مَا أمكن إِمَّا بحقيقته وَلَا كَلَام فِيهِ وَإِمَّا بمجازه وَالْأول مُتَعَذر هَهُنَا فَيصح
[ ١٨٤ ]
بمجازه وَقد شَارك ابْنه الْحَقِيقِيّ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ عتق على حِين ملكته لَهُم عمومات الْمَسْأَلَة الْمَاضِيَة وَقد أَتَى بمستحيل فَلَا يعْتق قُلْنَا العمومات مَمْنُوعَة وَكَذَا قَوْلهم أَتَى بالمستحيل لما قُلْنَا مَسْأَلَة إِذا قَالَ لعَبْدِهِ إِذا أدّيت إِلَيّ ألفا فَأَنت حر فجَاء العَبْد بِأَلف يجْبر الْمولى على الْقبُول اسْتِحْسَانًا وَعند زفر وَالشَّافِعِيّ لَا يجْبر قِيَاسا وَصُورَة الْجَبْر إِذا خلي بَين الْمولى وَبَين الْألف عتق ويعد قَابِضا لنا مَا ذكرنَا من النُّصُوص فِي الْمَسْأَلَة الْمَاضِيَة وَأَنه تصرف بعوض فَيُصْبِح قِيَاسا على الْمكَاتب وَلَهُمَا عمومات ملك الْأَخ وَقد خرج الْجَواب عَن ذَلِك مَسْأَلَة إِذا قَالَ لأمته أول ولد تلدينه فَهُوَ حر فَولدت ولدا مَيتا لم تنْحَل الْيَمين عِنْد أبي حنيفَة وَأحمد وَقَالا وَزفر وَالشَّافِعِيّ تنْحَل الْيَمين وَفَائِدَة الْخلاف أَنَّهَا لَو ولدت ولدا آخر حَيا عتق الْحَيّ عِنْده وَعِنْدهم لَا يعْتق لَهُ النُّصُوص الْمُقْتَضِيَة لجَوَاز التَّصَرُّف فِي قَوْله لعَبْدِهِ وَهُوَ أكبر سنا مِنْهُ هَذَا ابْني وَلَهُم عمومات ملك الْأَخ
مَسْأَلَة إِذا مَاتَ الْمكتب عَن وَفَاء لَا تَنْفَسِخ الْكِتَابَة وَيُؤَدِّي الْبَدَل من مَاله
[ ١٨٥ ]
وَيحكم بحريَّته وحرية أَوْلَاده وَيصرف بَاقِي الْكسْب إِلَى الْأَوْلَاد إِرْثا وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن مَسْعُود ﵄
وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ يفْسخ العقد وَلَا يحكم بِعِتْقِهِ ويرق أَوْلَاده وَيصرف الْكسْب إِلَى مَوْلَاهُ لنا قَوْله الله تَعَالَى ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ وَالْقَوْل بِبَقَاء الْكِتَابَة عدل وإحسان وَلِأَنَّهُ أجماع الصَّحَابَة احتجا بِمَا رُوِيَ عَن زيد بن ثَابت أَنه قَالَ يَمُوت عبدا لَكِن هَذَا لَا يصلح مُعَارضا للْكتاب وَالْإِجْمَاع مَسْأَلَة لايقع الْعتاق بِلَفْظ الطَّلَاق عندنَا هُوَ قَول أَحْمد وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ ﵄ يَقع وَصورته أَن يَقُول لعبد أَو أمته طَلقتك وَيَنْوِي بِهِ الْعتْق فَإِنَّهُ لَا يعْتق عندنَا وَاتَّفَقُوا على انه لَو قَالَ لامْرَأَته أَعتَقتك وَنوى بِهِ الطَّلَاق أَنه يَقع لنا النُّصُوص الْمُقْتَضِيَة لجَوَاز البيع وَالتَّصَرُّف وَالْكِتَابَة وَنَحْوهَا وَلَهُمَا مَا روينَا من قَوْله ﷺ وَإِنَّمَا لكل امرىء مَا نوى وَقد نوى الْعتْق
[ ١٨٦ ]
قُلْنَا نوى مَا لَا يحْتَملهُ اللَّفْظ لما عرف فَلَا يكون لَهُ مَا نوى مَسْأَلَة لايجوز بيع الْمُدبر الْمُطلق وَقَالَ الشَّافِعِي يجوز وَعَن احْمَد وَفِي رِوَايَة يجوز بِشَرْط أَن يكون على السَّيِّد دين وَعند مَالك لَا يجوز بَيْعه حَال الْحَيَاة وَيجوز بعد الْمَمَات إِن كَانَ على الْمولى دين وَاتَّفَقُوا على جَوَاز بيع الْمُدبر الْمُقَيد وَتَفْسِير الْمُطلق أَن يَقُول لَهُ الْمولى دبرتك أَو أَنْت حر بعد موتِي أَو إِذا مت فَأَنت حر
والمفيد أَن يَقُول لَهُ إِن مت من مرضِي هَذَا أَو قدمت من سَفَرِي هَذَا فَأَنت حر
لنا النُّصُوص الْمَانِعَة من جَوَاز بيع الْحر وَهَذَا انْعَقَد سَبَب (لحريته) للْحَال فَيمْتَنع بَيْعه
وروى ابْن عمر وَأَبُو سعيد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْمُدبر لَا يُبَاع وَلَا يُوهب وَلَا يُورث وَهُوَ حر من الثُّلُث فَإِن قيل الحَدِيث غَرِيب وَلَو اشْتهر حمل على نفي الْفَضِيلَة وَبِه نقُول
[ ١٨٧ ]
قُلْنَا الحَدِيث مَشْهُور احْتج بِهِ الْكَرْخِي والطَّحَاوِي والرازي وَغَيرهم من الْأَئِمَّة
وروى ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن بيع الْمُدبر وَلَا يَصح حمله على مَا قَالُوا لِأَن فِيهِ وَلَا يُورث وَالْإِرْث حكم شَرْعِي لَا صنع للْعَبد فِيهِ
احْتَجُّوا بِمَا روى جَابر أَن رجلا من الْأَنْصَار دبر غُلَاما لَهُ فَمَاتَ وَلم يتْرك مَالا غَيره فَبَاعَهُ النَّبِي ﷺ بثمانمائة دِرْهَم فَاشْتَرَاهُ نعيم بن النحام ت وَقَالَ حَدِيث صَحِيح وَعَن جَابر قَالَ أَمر النَّبِي ﷺ بِبيع الْمُدبر ق وَاسم الْمُدبر أَبُو مَذْكُور وَاسم الْغُلَام يَعْقُوب وباعت عَائِشَة ﵂ مُدبرا وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عمر
وَالْجَوَاب أما الحَدِيث فَيحمل على أَنه مُدبر مُقَيّد أَو يحمل على بيع مَنَافِعه بِعقد الْإِجَارَة وَذَلِكَ يُسمى بيعا بلغَة أهل الْمَدِينَة أَو يحمل على أَنه كَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام حِين كَانَ بيع الْحر جَائِزا فَإِنَّهُ روى أَن النَّبِي ﷺ بَاعَ حرا فِي دينه يُقَال لَهُ سرق فَلَمَّا انتسخ بيع الْحر انتسخ بيع الْمُدبر
[ ١٨٨ ]
ثمَّ الحَدِيث حِكَايَة حَال لَا عُمُوم لَهُ وَمَتى تطرق إِلَيْهِ ضرب احْتِمَال سقط الِاحْتِجَاج بِهِ وَكَذَا يحمل مَا رووا من الْأَثر وَقد ترجح مَا روينَا بِأَنَّهُ محرم وَمَا رويتم مُبِيح مَسْأَلَة الْوَطْء فِي الْعتْق الْمُبْهم لَا يكون بَيَانا عِنْد أبي حنيفَة وَقَالا يكون بَيَانا وَهُوَ قَول البَاقِينَ وَصُورَة الْمَسْأَلَة إِذا قَالَ لأمتيه إِحْدَاكُمَا حرَّة ثمَّ وطىء أحداهم لَا تتَعَيَّن الآخرى لِلْعِتْقِ عِنْده وَعِنْدهم تتَعَيَّن وَاتَّفَقُوا على أَنه لَو طلق إِحْدَى نِسَائِهِ مُبْهما ثمَّ وطىء إداهما أَن ألأخرى تطلق لَهُ العمومات الْمُقْتَضِيَة لجَوَاز التَّصَرُّف فِي الْمَمْلُوك وَغير الْمَوْطُوءَة مَمْلُوكَة فيتصرف ليها لعدم تعينها لِلْعِتْقِ لَهُم قَوْله تَعَالَى ﴿أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ وَلم تملك الثَّانِيَة لوُجُود الْوَطْء فِي الآولى فَيكون جَامعا بَينهمَا قُلْنَا مَعَ عدم التعين لَا يكون جَامعا لِأَن الْعتْق لَو ثَبت لثبت من وجهة الْمولى وَلم يثبت مَسْأَلَة إِذا اشْترى الرّجلَانِ عبدا أَو وهب لَهما أَو تصدق بِهِ عَلَيْهِمَا وَهُوَ قريب
[ ١٨٩ ]
أَحدهمَا عتق عَلَيْهِ وَلَا يضمن نصيب شَرِيكه عِنْد أبي حنيفَة ﵀ علم أَو لم يعلم نَص عَلَيْهِ فِي الْجَامِع الصَّغِير وَعِنْدَهُمَا يضمن وَهُوَ قَول البَاقِينَ وَاتَّفَقُوا على أَنَّهُمَا لَو ورثاه وَهُوَ قريب أَحدهمَا عتق عَلَيْهِ وَلَا يضمن للْآخر نصِيبه
لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل﴾ وَهَذَا محسن فِي تَخْلِيص الْقَرِيب من ذل الرّقّ فَلَا يجب عَلَيْهِ الضَّمَان
لَهُم مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من أعتق شِقْصا فِي عبد قوم عَلَيْهِ نصيب شَرِيكه رَوَاهُ أَحْمد
قُلْنَا الحَدِيث لَا يُعَارض الْكتاب وَالشَّرِيك عاضده على الْإِعْتَاق حَيْثُ أقدم على الشِّرَاء وَهُوَ رَاض بِهِ إِذْ لَا فرق بَين الْعلم وَعَدَمه
مَسْأَلَة الشَّهَادَة الْقَائِمَة على عتق العَبْد لَا تقبل من غير دَعْوَى العَبْد عِنْد أبي حنيفَة ﵀ خلافًا لَهما وللباقين وَاتَّفَقُوا على أَن الشَّهَادَة على عتق الْأمة وَطَلَاق الْمَنْكُوحَة تقبل من غير دَعْوَى لَهُ قَوْله ﷺ لَا شَهَادَة لمتهم وتهمة الْكَذِب قَائِمَة وَإِلَّا لادعاه العَبْد
[ ١٩٠ ]
لعلمه بِالْعِتْقِ
لَهُم النُّصُوص الْمُقْتَضِيَة لجَوَاز الشَّهَادَة مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تكتموا الشَّهَادَة﴾ وَنَحْو ذَلِك وَقد ظهر الْعتْق بِشَهَادَة الْعُدُول إِلَّا أَن الْعتْق حق العَبْد فيفتقر إِلَى دَعْوَاهُ كَالشَّهَادَةِ على مَاله مَسْأَلَة الْإِعْتَاق يتَجَزَّأ عِنْد أبي حنيفَة وَقَالا لَا يتَجَزَّأ
وَصُورَة الْمَسْأَلَة إِذا أعتق عبدا بَينه وَبَين شَرِيكه زَالَ الْملك عَن نصِيبه وَلَا يعْتق شَيْء من العَبْد للْحَال عِنْد أبي حنيفَة
ثمَّ ينظر إِن كَانَ الْمُعْتق مُوسِرًا فلشريكه أَن يضمنهُ قيمَة نصِيبه وَإِن شَاءَ استسعى العَبْد فِي ذَلِك فَإِذا وصل إِلَيْهِ الضَّمَان أَو السّعَايَة عتق كل العَبْد وَإِن شَاءَ أعْتقهُ وَإِن كَانَ الْمُعْتق مُعسرا فلشريكه الِاسْتِسْعَاء وَإِن شَاءَ أعتق
وَعِنْدَهُمَا مَتى أعتق أَحدهمَا عتق كل العَبْد للْحَال ثمَّ الَّذِي لم يعْتق يضمن الْمُعْتق إِن كَانَ مُوسِرًا وَلَيْسَ لَهُ غير ذَلِك
وَالْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة يرجع إِلَى حرف وَهُوَ أَن عِنْد أبي حنيفَة الْإِعْتَاق لَهُ حكمان ثُبُوت الْعتْق وَزَوَال الْملك وَالْملك يتَجَزَّأ فِي الْمحل فيتجزأ الْإِعْتَاق
وَعِنْدَهُمَا الْإِعْتَاق لَهُ حكم وَاحِد وَهُوَ ثُبُوت الْعتْق وَزَوَال الرّقّ وكل وَاحِد مِنْهُمَا لَا يتَجَزَّأ فَكَذَا الْإِعْتَاق وَالشَّافِعِيّ وَاحْمَدْ مَعَه إِذا كَانَ الْمُعْتق مُعسرا ومعهما إِذا كَانَ الْمُعْتق مُوسِرًا
[ ١٩١ ]
لَهُ قَوْله ﷺ من أعتق شِقْصا لَهُ فِي مَمْلُوك قوم عَلَيْهِ نصيب شَرِيكه إِن كَانَ مُوسِرًا فَإِن لم يكن لَهُ مَال استسعى العَبْد غير مشقوق عَلَيْهِ حد
وَفِي رِوَايَة عتق مَا عتق ورق مَا رق حد سمي النَّبِي ﷺ مُعتق الْبَعْض عبدا وَالْعَبْد اسْم لشخص مَمْلُوك مرقوق وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِي فِي مَسْأَلَة السّعَايَة وَهُوَ لَا يَرَاهَا
فَإِن قيل فِي الحَدِيث مقَال وَلَو سلم حمل على أَنه سَمَّاهُ عبدا مجَازًا كَالْقَاضِي الْمَعْزُول فَإِنَّهُ يُسمى قَاضِيا باسم مَا كَانَ تَوْفِيقًا بَين الدَّلَائِل قُلْنَا الحَدِيث خرجه أَحْمد فِي الْمسند لَهما قَوْله ﷺ من أعتق شِقْصا لَهُ فِي مَمْلُوك فقد عتق كُله لَيْسَ لله فِيهِ شريك حد قُلْنَا معنى قَوْله عتق كُله أَي سيعتق وَبِه نقُول تَوْفِيقًا مَسْأَلَة الْعتْق لَا يتَجَزَّأ عندنَا وَعند الشَّافِعِي وَاحْمَدْ يتَجَزَّأ
[ ١٩٢ ]
وَصُورَة الْمَسْأَلَة أحد الشَّرِيكَيْنِ أعتق نصِيبه وَهُوَ مُعسر فَعِنْدَ أبي حنيفَة لَا يعْتق مِنْهُ شَيْء لما مر وَعِنْدَهُمَا يعْتق كُله
وَعند الشَّافِعِي وَأحمد يعْتق نصفه وَيبقى النّصْف رَقِيقا يُبَاع ويوهب وتجري عَلَيْهِ أَحْكَام الأرقاء وَالْخلاف مَعَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ فِي مَسْأَلَتَيْنِ إِحْدَاهمَا هَذِه وَالثَّانيَِة فِي التَّخْرِيج إِلَى الْعتْق بالسعاية فعندنا يُمكن ذَلِك وَعِنْدهم لَا يُمكن
لنا مَا احْتج بِهِ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد فِي الْمَسْأَلَة الْمَاضِيَة من قَوْله ﷺ عتق كُله لَيْسَ لله شريك وَهَذَا نَص وَمذهب الْخصم يُخَالِفهُ
وَكَذَا قَوْله استسعى العَبْد غيرمشقوق عَلَيْهِ سَمَّاهُ عبدا مُطلقًا وهم لَا يَقُولُونَ بِهِ وَأوجب السّعَايَة وهم لَا يَقُولُونَ بهَا
لَهُم قَوْله ﷺ عتق مَا عتق ورق مَا رق وَمَعْنَاهُ عتق مَا أعْتقهُ وَبَقِي على الرّقّ مالم يعتقهُ وَإِذا بَقِي الرّقّ بَقِي الْملك
قُلْنَا على قَوْلهمَا معنى قَوْله ورق مَا رق أَي بِسَبَب الدّين وَهُوَ السّعَايَة لِأَن الدّين رق على مَا ورد بِهِ الْأَثر
وعَلى قَول أبي حنيفَة ﵀ معنى عتق مَا عتق أَي فِي ثَانِي الْحَال ورق مَا رق صَحِيح لِأَنَّهُ رَقِيق وَلَا كَلَام فِيهِ ثمَّ نَحن نقُول بِمُوجبِه وَإِنَّمَا الأشارة إِلَى أَنه يبْقى رَقِيقا أم لَا الحَدِيث لَا يتَعَرَّض لَهُ على أَن هَذِه الْأَحَادِيث متعارضة وَقل مَا يصفو ورد التَّمَسُّك بهَا لأحد الْفَرِيقَيْنِ
[ ١٩٣ ]
= كتاب الْإِيمَان =
مَسْأَلَة إِذا نذر ذبح وَلَده صَحَّ وَلَزِمَه ذبح شَاة وَيخرج عَن عُهْدَة النذربذبحها اسْتِحْسَانًا عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَاحْمَدْ وَهُوَ قَول صُدُور الصَّحَابَة مثل عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر ﵃ وَقَالَ أَبُو يُوسُف لَا يَصح وَهُوَ قَول زفر وَالشَّافِعِيّ
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَو قَالَ عَليّ أَن أقتل وَلَدي أَو أذبح وَالِدي أَو والدتي أَو نَفسِي أَو جدي أَو عمي أَو خَالِي أَو عَبدِي لَا يَصح
لنا النُّصُوص الْمُوجبَة للوفاء بِالنذرِ وَقد نذر الذّبْح هُنَا فَيجب عَلَيْهِ اسْتِدْلَالا بِقصَّة الْخَلِيل ﵊ فَإِنَّهُ خرج عَن الْعهْدَة بِذبح الشَّاة
وَرُوِيَ أَن امْرَأَة نذرت ذبح وَلَدهَا فِي زمن مَرْوَان بن الحكم فَجمع فُقَهَاء الصَّحَابَة ﵃ وشاورهم وَفِيهِمْ ابْن عمر فَقَالَ إِن الله تَعَالَى أَمر بِالْوَفَاءِ بالعهد فَقَالَت أتأمرني بقت وَلَدي فَقَالَ إِن الله حرم قتل النَّفس
وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس عَن هَذِه الْمَسْأَلَة فَأفْتى بِذبح مائَة بَدَنَة ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَسْرُوق وَكَانَ جَالِسا فِي الْمَسْجِد وَقَالَ للسَّائِل سل ذَلِك الشَّيْخ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ
[ ١٩٤ ]
أرى عَلَيْك ذبح شاه فَعَاد إِلَى ابْن عَبَّاس فَقَالَ لَهُ أرى عَلَيْك ذَلِك وَكَانَ غَرَض ابْن عَبَّاس أَن يعلم مَذْهَب ابْن مَسْعُود من مَسْرُوق فَهَؤُلَاءِ الصَّحَابَة مَعَ اخْتلَافهمْ فِي مُوجب النّذر اتَّفقُوا على صِحَة النّذر فَمن أنكرهُ فقد خَالف الْإِجْمَاع احْتَجُّوا بقوله ﵊ لَا نذر فِي مَعْصِيّة الله ت وَهَذَا نذر بِمَعْصِيَة وَقَوله ﷺ لَا نذر فِيمَا لَا يملك ابْن آدم خَ د وَعَن عَليّ ﵁ أَنه أفتى بِوُجُوب بَدَنَة وَذَلِكَ يَنْفِي وجوب الشَّاة وَعَن عبد الله بن زيد أَنه نفى صِحَة النّذر وَكَذَا روى عَن ابْن الزبير قُلْنَا لَا نسلم أَنه نذر بِمَعْصِيَة لِأَن حكمه وجوب ذبح الشَّاة وَذبح الشَّاة قربَة وَطَاعَة وَإِجْمَاع من ذكرُوا لَا يُعَارض إِجْمَاع من ذكرنَا
والمروى عَن عَليّ ﵁ مثل مَذْهَبنَا فِي الْأَصَح وإفتاؤه بِوُجُوب الْبَدنَة إِن صَحَّ فقد وَافق فِي صِحَة النّذر ثمَّ دلائلنا مثبتة وَمَا ذَكرُوهُ ناف
مَسْأَلَة إِذا اشْترى اباه يَنْوِي بِهِ كَفَّارَة يَمِينه أَو إفطاره أَجزَأَهُ عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة اسْتِحْسَانًا
[ ١٩٥ ]
وَعند زفر لَا يجوز قِيَاسا وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَكَذَا إِذا ملكه بِالْهبةِ أَو تصدق بِهِ عَلَيْهِ
لنا أَنه أَتَى بِمَا أمربه فموجب الْخُرُوج من الْعهْدَة وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك لِأَنَّهُ مَأْمُور بِالْإِعْتَاقِ وَشِرَاء الْغَرِيب إِعْتَاق لقَوْله ﷺ لن يَجْزِي ولد وَالِده إِلَّا أَن يجده مَمْلُوكا فيشتريه فيعتقه خَ م د
وَالِاسْتِدْلَال بِهِ أَنه ﷺ سَمَّاهُ معتقا عقيب الشِّرَاء وَبعد الشِّرَاء لَا يحْتَاج إِلَى فعل آخر فَيصير بِهِ معتقا
احْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿أَو تَحْرِير رَقَبَة﴾ وَلم يَأْتِ بِمَا أَمر بِهِ لِأَنَّهُ مَأْمُور بِالْإِعْتَاقِ وَقد أَتَى بِالشِّرَاءِ وَهُوَ غير الْإِعْتَاق لِأَن الشِّرَاء مَوْضُوع لجلب الْملك وَالْإِعْتَاق لسلب الْملك وَبَينهمَا تناف قُلْنَا قد بَينا أَنه أَتَى بِمَا أَمر بِهِ مَسْأَلَة إِعْتَاق الرَّقَبَة الْكَافِرَة عَن كَفَّارَة الْيَمين وَالظِّهَار يجوز عندنَا وَقَالَ الشَّافِعِي لايجوز وَقد تساعدنا على اشْتِرَاط وصف الْإِيمَان فِي كَفَّارَة الْقَتْل
[ ١٩٦ ]
لنا النُّصُوص الْمُطلقَة فِي جَوَاز التَّحْرِير كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة﴾ وَقد أَتَى بذلك مَعَ وجود الْمَحَلِّيَّة والأهلية
احْتج بِمَا رُوِيَ أَن رجلا أَتَى بِأمة سَوْدَاء إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ عَليّ عتق رَقَبَة أفأعتق هَذِه فَسَأَلَهَا النَّبِي ﷺ عَن إيمَانهَا فَوَجَدَهَا مُؤمنَة فَقَالَ أعْتقهَا فَإِنَّهَا مُؤمنَة خَ م فَدلَّ على التَّقْيِيد بِوَصْف الْإِيمَان قُلْنَا هَذَا خبر وَاحِد ورد على مُخَالفَة الْكتاب وَيحْتَمل أَنه وَجب على مَوْلَاهَا عتق رَقَبَة فِي كَفَّارَة الْقَتْل فَسَأَلَهَا عَن إيمَانهَا ليَصِح ذَلِك
مَسْأَلَة إِذا أعتق الْمكَاتب أَو ولد الْمكَاتب عَن كَفَّارَة يَمِينه أَو كَفَّارَة ظِهَاره جَازَ عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة وَقَالَ زفر لَا يجوز وَهُوَ قَول الشَّافِعِي لنا قَوْله تَعَالَى ﴿وَفِي الرّقاب﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير المُرَاد بِهِ المكاتبون وروى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْمكَاتب عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم د ت
[ ١٩٧ ]
احْتج الْخصم وَقَالَ الْوَاجِب عَلَيْهِ تَحْرِير رَقَبَة مُطلقَة للنصوص الْمَاضِيَة وَلم يَأْتِ بهَا لِأَن ملك الْمولى زائل عَنهُ قُلْنَا لَا نسلم أَنه زائل عَن ملكه بل هُوَ كالزائل لما عرف مَسْأَلَة لَا يجوز تَقْدِيم الْكَفَّارَة على الْحِنْث عندنَا وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ يجوز وَهَذَا الخلا فِي التَّكْفِير بِالْمَالِ أما التَّكْفِير بِالصَّوْمِ فَكَذَا لَا يجوز عندنَا أَيْضا وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ لنا قَوْله ﷺ من حلف على يَمِين وَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليأت الَّذِي هُوَ خير ثمَّ ليكفر عَن يَمِينه خَ د
أوجب النَّبِي ﷺ تَقْدِيم الْحِنْث وَتَأْخِير الْكَفَّارَة بِكَلِمَة ثمَّ وَهِي التَّرْتِيب وَمَتى كَانَ التَّكْفِير مُرَتبا على الْحِنْث لم يجز قبله
فَإِن قيل لفظ الصَّحِيح الَّذِي رَوَاهُ خَ م عَن جَابر بن سَمُرَة مَرْفُوعا فليكفر عَن يَمِينه وليأت الَّذِي هُوَ خير فَكَانَ الحَدِيث حجَّة لنا وَأَحَادِيث الْبَاب على هَذِه الصُّورَة
قُلْنَا قد رَوَاهُ أَحْمد فِي الْمسند كَمَا قُلْنَا عَن ابْن عمر وَعَن عبد الرحمن بن سَمُرَة (وَلَفظ ابْن سَمُرَة قَالَ لي رَسُول الله ﷺ يَا عبد الرحمن إِذا آلَيْت على يَمِين فَرَأَيْت غَيرهَا خيرا مِنْهَا فأت الَّذِي هُوَ خير وكفرعن يَمِينك
[ ١٩٨ ]
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن أبي الزَّعْرَاء عَن عَمه أبي الْأَحْوَص عَن أَبِيه بِمَعْنى لفظ سَمُرَة ثمَّ الْوَاو للْجمع دون التَّرْتِيب
مَسْأَلَة إِذا قَالَ لغيره أعتق عَبدك عني مجَّانا فَقَالَ أعتقت وَقع الْعتْق عَن الْمَأْمُور عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله وَقَالَ أَبُو يُوسُف يَقع عَن الْآمِر وَهُوَ قَول الشَّافِعِي لنا أَنه (غره) وَالنَّبِيّ ﷺ نهى عَن الْغرَر حد وَلَهُم قَوْله ﷺ وَلكُل امرىء مَا نوى وَنَحْوه قُلْنَا النِّيَّة إِنَّمَا تصح فِي الْملك أَو فِي الْعرض وَلَا ملك بِدُونِ الْبَدَل
مَسْأَلَة إِذا قَالَ لغيره أعتق عَبدك عني على ألف دِرْهَم فَقَالَ أعتقت وَقع عَن الْآمِر حَتَّى يكون الْوَلَاء لَهُ وَتسقط عَنهُ الْكَفَّارَة إِن نوى التَّكْفِير وَيلْزمهُ الْألف
[ ١٩٩ ]
وَقَالَ زفر يَقع الْعتْق عَن الْمَأْمُور وَيكون الْوَلَاء لَهُ وَلَا تسْقط عَن الْآمِر الْكَفَّارَة وَلَا يلْزمه الْألف لنا قَوْله ﷺ وَلكُل امرىء مَا نوى كَذَا النُّصُوص الْمُطلقَة بِجَوَاز البيع وَالْهِبَة
وَله قَوْله ﷺ لَيْسَ للنِّسَاء من الْوَلَاء إِلَّا مَا أعتقن أَو أعتق من أعتقن وَلَو كَانَ الْمَأْمُور امْرَأَة كَانَ الْوَلَاء لَهَا قُلْنَا هَذَا الحكم مَقْصُور على النِّسَاء فلايتعدى إِلَى غَيْرهنَّ والْحَدِيث غَرِيب
مَسْأَلَة الْيَمين الْغمُوس لَا توجب الْكَفَّارَة عندنَا وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَاحْمَدْ وَقَالَ الشَّافِعِي توجب وَصُورَة الْغمُوس أَن يحلف على أَمر فِي الْمَاضِي يتَعَمَّد الْكَذِب فِيهِ وَاتَّفَقُوا على أَن يَمِين اللَّغْو لَا توجب الْكَفَّارَة وَحدهَا عندنَا أَن يحلف على أَمر مَاض يظنّ أَنه كَمَا قَالَ وَالْأَمر بِخِلَافِهِ وَعِنْده اللَّغْو مَالا يقْصد بِهِ الْيَمين مثل قَول الْإِنْسَان فِي أثْنَاء كَلَامه لاو الله وبلى وَالله
لنا مَا روى أَبُو هُرَيْرَة قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ خمس من الْكَبَائِر لَا كَفَّارَة فِيهِنَّ الشّرك بِاللَّه وعقوق الْوَالِدين والفرار من الزَّحْف وَقتل نفس بِغَيْر
[ ٢٠٠ ]
حق وَالْيَمِين الْفَاجِرَة يقتطع بهَا مَال امرىء مُسلم وَفِي رِوَايَة الْيَمين الْغمُوس وَفِي رِوَايَة وَالْيَمِين الْغمُوس تدع الديار بَلَاقِع
وروى أَبُو هُرَيْرَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَيْسَ لَهَا كَفَّارَة يَمِين يقتطع بهَا مَال بِغَيْر حق رَوَاهُ ابْن شاهين وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود كُنَّا نعد الْيَمين الْغمُوس من الْكَبَائِر الَّتِي لَا كَفَّارَة فِيهِنَّ وقولهما كُنَّا إِشَارَة إِلَى جَمِيع الصَّحَابَة وَهَذَا حِكَايَة الْإِجْمَاع
فَإِن قيل الحَدِيث مُخَالف لقَوْله تَعَالَى ﴿لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ﴾ أثبت الْمُؤَاخَذَة بِمَا كسبت الْقُلُوب فِي هَذِه الْآيَة ثمَّ فسره فِي آيَة الْمَائِدَة وَقيد الْكَفَّارَة فِي قَوْله ﴿فكفارته﴾ وَالْمُطلق يحمل على الْمُقَيد
[ ٢٠١ ]
قُلْنَا لَا نسلم أَنه مُخَالف للنَّص بل هُوَ مُوَافق لِأَن الْمُؤَاخَذَة فِي الْآخِرَة كل (الْجَزَاء) فِي الْيَمين الْغمُوس لقَوْله تَعَالَى ﴿الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَأَيْمَانهمْ ثمنا قَلِيلا أُولَئِكَ لَا خلاق لَهُم فِي الْآخِرَة﴾ فَزِيَادَة الْكَفَّارَة نسخ وَإنَّهُ لَا يجوز وَاحْتج الشَّافِعِي بِهَذِهِ النُّصُوص وَقد خرج الْجَواب عَنْهَا
[ ٢٠٢ ]
= كتاب الْحُدُود = مَسْأَلَة الْإِسْلَام شَرط من شَرَائِط الْإِحْصَان عندنَا وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَمَالك ﵃ وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ لَيْسَ بِشَرْط وَهُوَ رِوَايَة عَن أبي يُوسُف وَثَمَرَة الْخلاف أَن الذِّمِّيّ الثّيّب الْحر إِذا زنى يجلد عندنَا وَعِنْدهم يرْجم وَلَا يجلد وَقد تساعدنا على أَن الْعقل وَالْبُلُوغ وَالْحريَّة والثيابة شَرط من شَرَائِط الْإِحْصَان وَكَذَا الْعقل وَالْبُلُوغ وَالْحريَّة وَالْإِسْلَام والعفة من شَرَائِط الْإِحْصَان فِي الْقَذْف
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة﴾ وَهَذَا زَان فَإِذا وَجب الْجلد امْتنع الرَّجْم ضَرُورَة أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ احْتَجُّوا بِمَا روى جَابر بن سَمُرَة أَن النَّبِي ﷺ رجم يَهُودِيّا وَيَهُودِيَّة زَنَيَا حد وَرَوَاهُ ابْن عمر ت وَقَالَ ابْن عمر وَكَانَا قد أحصنا وروى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ خُذُوا عني خُذُوا عني قد جعل الله لَهُنَّ
[ ٢٠٣ ]
سَبِيلا الْبكر بالبكر جلد مائَة وتغريب عَام وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جلد مائَة ورجم بِالْحِجَارَةِ فالنبي ﷺ فرق بَينهمَا بالثيوبة فَمن فرق بَينهمَا بِالْإِسْلَامِ فقد زَاد على النَّص
وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا قبلوا عقد الذِّمَّة فأعلموهم أَن لَهُم مَا للْمُسلمين وَعَلَيْهِم مَا على الْمُسلمين وَالرَّجم على الْمُسلم الثّيّب فَكَذَا على الْكَافِر الثّيّب
وَرُوِيَ أَن عمر ﵁ قَالَ لَوْلَا أَن يَقُول النَّاس زَاد عمر فِي كتاب الله لكتبت على حَاشِيَة الْمُصحف الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نكالا من الله وَالله عَزِيز حَكِيم من غير فصل وَإِذا لم يثبت كَونه قُرْآنًا فَلَا أقل من أَن يكون خَبرا مَشْهُورا وَالزِّيَادَة على الْكتاب الْعَزِيز يجوز بالْخبر الْمَشْهُور
وَالْجَوَاب أما الحَدِيث الأول فالنبي ﷺ رجمهما بِحكم التَّوْرَاة بِدَلِيل مَا روى انه ﷺ لما دخل الْمَدِينَة رأى يهوديين محممي الْوَجْه فَسَأَلَ عَنْهُمَا فَقيل إنَّهُمَا زَنَيَا فَقَالَ النَّبِي ﷺ للْيَهُود أهكذا حد الزِّنَى فِي كتابكُمْ فَقَالُوا نعم فَقَالَ ابْن سَلام كذبُوا إِنَّمَا حَده الرَّجْم فَقَالَ ﷺ من أخْبركُم بِهَذَا فَقَالُوا فَتى بِخَيْبَر
[ ٢٠٤ ]
يُقَال لَهُ ابْن صوريا فَأتي بِهِ فَنَاشَدَهُ النَّبِي ﷺ الله فَقَالَ أما إِذا ناشدتني الله فحد الزِّنَى الرَّجْم فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ فَمَا الَّذِي حملكم على هَذَا فَقَالَ (كَثْرَة) الزِّنَى فِينَا كَانَ الْوَضع إِذا زنى منا رجمناه والشريف تَرَكْنَاهُ فتواضعنا على مَا يَسْتَوِي فِيهِ الشريف والوضيع وَهُوَ جلد مائَة وتحميم الْوَجْه فَقَالَ النَّبِي ﷺ نَحن أَحَق بإحياء سنة أخينا مُوسَى مِنْكُم وَأمر بهما فَرُجِمَا خَ م بِمَعْنَاهُ
وَمَعْلُوم أَن النَّبِي ﷺ مَا كَانَ ليحكم بِالتَّوْرَاةِ بعد نزُول الحكم فِي كِتَابه فَدلَّ على أَن الْقَضِيَّة كَانَت قبل نزُول الْآيَة فَتكون مَنْسُوخَة بهَا على انها حِكَايَة حَال يحْتَمل أَنه كَانَ قبل اشْتِرَاط الْإِحْصَان فِي الرَّجْم
وَيحْتَمل أَنه سياسة لَا حد فَإِن أَحْبَارهم كَانُوا يكتمون نعت النَّبِي ﷺ فِي التَّوْرَاة وأحكاما أخر مِنْهَا الرَّجْم فَأَرَادَ تكذيبهم
وَقَوله وَكَانَا قد أحصنا مَذْهَب ابْن عمر وَقَوله فيعارضه بقول عَليّ وَابْن عَبَّاس الْكَافِر لَيْسَ بمحصن فَلم قُلْتُمْ بِأَن الكافرمحصن على أَنه إِثْبَات الْحُدُود بِخَبَر الْوَاحِد وَإنَّهُ لَا يجوز أَن أَخْبَار الْآحَاد لَا تعري عَن
[ ٢٠٥ ]
الشُّبْهَة وَالْحُدُود لَا تجب مَعَ الشُّبُهَات وَأما قَوْله ﷺ أعلموهم أَن لَهُم مَا للْمُسلمين قُلْنَا الرَّجْم غير وَاجِب على كَافَّة الْمُسلمين فَدلَّ على أَنه يخْتَص بالزناة المحصنين دون غَيرهم
وَأما قَول ابْن عمر فأثر ورد على مُخَالفَة الْكتاب وَخبر الْوَاحِد لَا يقبل فِي مثله فَكيف الْأَثر وَلَا سِيمَا فِي الْحُدُود وَقد احْتج بعض أَصْحَابنَا بحديثين رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ
أَحدهمَا عَن كَعْب بن مَالك أَنه أَرَادَ أَن يتَزَوَّج يَهُودِيَّة أَو نَصْرَانِيَّة فَسَأَلَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِنَّهَا لَا تحصنك وَالثَّانِي عَن ابْن عمر ان النَّبِي ﷺ قَالَ من أشرك بِاللَّه فَلَيْسَ بمحصن وَالْحَدِيثَانِ لَا يصحان أما ألأول فَفِي إِسْنَاده أَبُو بكر بن أبي مَرْيَم ضَعِيف وَأما الثَّانِي فموقوف على ابْن عمر لم يرفعهُ غير إِسْحَاق ثمَّ رَجَعَ عَنهُ
[ ٢٠٦ ]
مَسْأَلَة الْجلد مَعَ النَّفْي لَا يَجْتَمِعَانِ عندنَا فِي زنى الْبكر وَهُوَ قَول عَليّ ﵁ وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ وَدَاوُد يجتمعات لنا قَوْله تَعَالَى ﴿فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة﴾ جعل الْمِائَة كل الْجَزَاء فَيَنْتَفِي وجوب التَّغْرِيب ضَرُورَة وَكَانَ النَّبِي ﷺ إِذا أُتِي بِمن زنى وَهُوَ بكر يَأْمر بجلده مائَة لَا غير وروى أَن عمر ﵁ نفى شَارِب خمر إِلَى الرّوم فَارْتَد فَحلف عمر لَا ينفى بعده أحدا وَعَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ كفى بالتغريب فتْنَة والمشروع لَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْفِتْنَة
احْتَجُّوا بِمَا روى عبَادَة بن الصَّامِت أَن النَّبِي ﷺ قَالَ خُذُوا عني خُذُوا عني قد جعل الله لَهُنَّ سَبِيلا الثّيّب بِالثَّيِّبِ وَالْبكْر بالبكر الثّيّب جلد مائَة ورجم بِالْحِجَارَةِ وَالْبكْر جلد مائَة وتغريب عَام حد وَفِي لفظ مُسلم وَنفي سنة وَفِي رِوَايَة الْمسند الْبكر بالبكر مائَة وَنفي سنة وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جلد مائَة وَالرَّجم
[ ٢٠٧ ]
وَفِي قصَّة العسيف أما الشَّاة والوليدة فَرد عَلَيْك وعَلى ابْنك جلد مائَة وتغريب عَام م
وَرُوِيَ أَن أَبَا بكر جلد وَغرب إِلَى فدك وَعُثْمَان جلد وَغرب إِلَى مصر وَعمر جلد نصر بن حجاج وغربه إِلَى الْبَصْرَة وَكَذَا عَليّ جلد وَغرب إِلَى الْبَصْرَة وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَالْجَوَاب أما الحَدِيث الأول فَلَو قُلْنَا بِجَوَاز الْجمع كَانَ زِيَادَة على مَا تلونا من الْكتاب وَإنَّهُ نسخ وَقد قَالَ التِّرْمِذِيّ رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة وَهُوَ غير مَحْفُوظ
وَالْحَد يسْقط بِالشُّبْهَةِ فَلَا يثبت بِخَبَر الْوَاحِد ثمَّ هُوَ مَنْسُوخ بِالْآيَةِ لما مر فِي الْمَسْأَلَة الْمَاضِيَة وَحَدِيث العسيف مَنْسُوخ أَيْضا لِأَنَّهُ مُوَافق للْأولِ
وَإِنَّمَا فعل الصَّحَابَة فروى أَن عليا ﵁ خالفهم فِي ذَلِك بِدَلِيل قَوْله كفى بِالنَّفْيِ فتْنَة وَمَعَ مُخَالفَته لاإجماع أَو يحمل على انهم فَعَلُوهُ بطرِيق السياسة وَالتَّعْزِير
[ ٢٠٨ ]
أَو يحمل على الْحَبْس وَهُوَ يعبر عَن ذَلِك كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَو ينفوا من الأَرْض﴾ قَالَ الشَّاعِر
خرجنَا من الدُّنْيَا وَكُنَّا من أَهلهَا
فلسنا من الْأَحْيَاء فِيهَا وَلَا الْمَوْتَى إِذا جَاءَنَا السجان يَوْمًا لحَاجَة
فرحنا وَقُلْنَا جَاءَ هَذَا من الدُّنْيَا
مَسْأَلَة (اللواط) لَا يُوجب الْحَد عِنْد أبي حنيفَة ﵀ وَلكنه يُوجب التَّعْزِير وَالْحَبْس إِلَى أَن يَتُوب أَو يَمُوت وَقَالا يُوجب الْحَد فَإِن كَانَا محصنين رجما وَإِن كَانَا بكرين جلدا وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي وَاحْمَدْ وَقَالَ الشَّافِعِي فِي القَوْل الآخر يقتلان على كل حَال محصنين كَانَا أَو غير محصنين
لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي﴾ وَهَذَا لَيْسَ بزنى لِأَنَّهُ يَصح نفي الزِّنَى عَنهُ يُقَال لَاطَ وَلَا يُقَال زنى وَالدَّلِيل عَلَيْهِ اخْتِلَاف الصَّحَابَة فَإِن بَعضهم أوجب الْحَد وَبَعْضهمْ لم يُوجِبهُ وَقَول الْبَعْض لَا يكون إِجْمَاعًا
احْتَجُّوا بقوله ﷺ اقْتُلُوا الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ فِي عمل قوم لوط وَالْوَاقِع على الْبَهِيمَة وَمن وَقع على ذَات محرم فَاقْتُلُوهُ حد وَلِأَن الصَّحَابَة أَجمعُوا على الْقَتْل وَإِن اخْتلفُوا فِي كيفيته فَمن قَائِل يقتل
[ ٢٠٩ ]
صبرا وَمن قَائِل يحد حد الزِّنَى وَقَالَ أَبُو بكر ﵁ يحرق بالنَّار وَقَالَ ابْن عَبَّاس ينكسان من شَاهِق ويتبعان بِالْحِجَارَةِ وَعلي ﵁ رجم لوطيا فَحصل الِاتِّفَاق مِنْهُم على أصل الْقَتْل فَقُلْنَا بِهِ ورجحنا قَول الْبَعْض على الْبَعْض فيا اخْتلفُوا فِيهِ فَإِذا قُلْتُمْ لَا قتل أصلا خالفتم الْإِجْمَاع
وَالْجَوَاب أما الحَدِيث فضعفه صَاحب الاصطلام وَفِيه مَا يدل عَلَيْهِ وَهُوَ قتل الْمَفْعُول بِهِ فَإِنَّهُ قد يكون غير مُخَاطب ثمَّ هُوَ خبر وَاحِد ورد على مُخَالفَة الْكتاب فَلَا يثبت بِهِ الْحَد وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ لَا يحل دم امرىء مُسلم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث الحَدِيث فَلم قُلْتُمْ بانه زَان أَو يحمل على الْقَتْل سياسة ثمَّ هُوَ مَتْرُوك الظَّاهِر وَأما الْإِجْمَاع فقد خرج الْجَواب عَنهُ أَو يحمل على انهم فَعَلُوهُ سياسة تَوْفِيقًا بَين الدَّلَائِل
مَسْأَلَة الْحرَّة الْبَالِغَة الْعَاقِلَة إِذا مكنت من نَفسهَا صَبيا أَو مَجْنُونا لَا حد عَلَيْهَا عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة وَقَالَ زفر عَلَيْهَا الْحَد وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَاحْمَدْ
[ ٢١٠ ]
لنا نُصُوص الْمَسْأَلَة الْمَاضِيَة وَهَذَا الْفِعْل لَيْسَ بزنى لقُصُور الْخطاب فِي حق الصَّبِي وَالْمَجْنُون احْتَجُّوا بالعمومات وَالله تَعَالَى سَمَّاهُ زنى على الْإِطْلَاق قُلْنَا الْمَرْأَة تسمى زَانِيَة بطرِيق الْمجَاز فَلَا حد
مَسْأَلَة إِذا تزوج بِوَاحِدَة من ذَوَات مَحَارمه وَدخل بهَا وَقَالَ علمت أَنَّهَا على حرَام لم يحد وَقَالا يحد وَهُوَ قَول الشَّافِعِي ﵁ وَلَو قَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا تحل لي لَا يحد بِالْإِجْمَاع وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا تزوج بمطلقة ثَلَاثًا أَو مَنْكُوحَة (أَبِيه) أَو مُعْتَدَّة
لأبي حنيفَة ﵀ مَا مر فِي الْمسَائِل الْمَاضِيَة وَهَذَا وَطْء تمكنت فِيهِ شُبْهَة الْإِبَاحَة بصدور العقد من الْأَهْل فِي الْمحل فَيسْقط الْحَد وَمَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهَا الْمهْر بِمَا اسْتحلَّ من فرجهَا مُطلقًا وَلم يذكر الْحَد
احْتَجُّوا بِمَا روى الْبَراء بن عَازِب قَالَ لقِيت خَالِي بردة بن نيار وَمَعَهُ لِوَاء فَقَالَ بَعَثَنِي النَّبِي ﷺ إِلَى رجل تزوج بِامْرَأَة أَبِيه لأضرب عُنُقه وآخذ مَاله حد قُلْنَا لَا حجَّة فِي الحَدِيث لِأَنَّهُ أَمر فِيهِ بِضَرْب عُنُقه وَأخذ مَاله وَهَذَا لَيْسَ بِحَدّ الزِّنَى
[ ٢١١ ]
وَيحْتَمل أَنه فعل ذَلِك مستحلا فَيكون مُرْتَدا فَيقْتل بردته أَو يحمل على أَنه فعله سياسة والْحَدِيث حِكَايَة حَال فَمَتَى احْتمل لم يبْق حجَّة مَسْأَلَة إِذا اسْتَأْجر امْرَأَة ليزني بهَا فَوَطِئَهَا لَا حد عَلَيْهِ عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا يحد وَهُوَ قَول البَاقِينَ لَهُ مَا مر فِي الْمَسْأَلَة الْمَاضِيَة وَهَذَا الْوَطْء قد ابتني على شُبْهَة العقد فَيسْقط الْحَد
وَرُوِيَ أَن امْرَأَة استسقت رَاعيا على عهد عمر ﵁ فَأبى أَن يسقيها حَتَّى تمكنه من نَفسهَا فَفعلت فَبلغ ذَلِك عمر ﵁ فدرأ عَنْهَا الْحَد وَقَالَ ذَلِك مهرهَا أفتى بالحكم وَنبهَ على الْعلَّة
فَإِن قيل الْمَرْوِيّ عَن تِلْكَ الْمَرْأَة أَنَّهَا كَانَت حَدِيثَة الْعَهْد بِالْإِسْلَامِ جاهلة بِالتَّحْرِيمِ فَجعل عمر ذَلِك عذرا لَهَا فِي دَرْء الْحَد وروى أَنه أكرهها وخوفها بالعطش ثمَّ هَذِه فَتْوَى وَاحِد من الصَّحَابَة فِي مَحل الِاجْتِهَاد فَلَا يجب تَقْلِيده بِالْإِجْمَاع
قُلْنَا الِاحْتِجَاج إِنَّمَا وَقع بقول عمر ذَلِك مهرهَا سمى الْأُجْرَة مهْرا وَالْمهْر يدل فِي بَاب النِّكَاح فثبتت الشُّبْهَة احْتَجُّوا بالنصوص الْمُوجبَة للحد وَهَذَا زنى بِالْآيَةِ وَلِهَذَا إِن مستحله يكفر ومتعاطيه يفسق
قُلْنَا الشُّبْهَة ثَابِتَة بقوله استأجرتك لأزني بك فَكَانَ مجَازًا عَن النِّكَاح وَإِنَّمَا يكفر مستحله لِأَن حرمته ثبتَتْ بِدَلِيل لَا شُبْهَة فِيهِ
[ ٢١٢ ]
وَفسق متعاطيه لِحُرْمَتِهِ من وَجه وَذَلِكَ كَاف فِي الْفسق مَسْأَلَة الزِّنَى الْمُوجب للحد لَا يظْهر إِلَّا بِالْإِقْرَارِ أَربع مَرَّات فِي أَرْبَعَة مجَالِس وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ يظْهر بِالْإِقْرَارِ مرّة وَاحِدَة ووافقنا احْمَد فِي اعْتِبَار الأقارير وَلم يعْتَبر اخْتِلَاف الْمجَالِس
لنا مَا روى أَن ماعزا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي زَنَيْت طهرني فَأَعْرض عَنهُ النَّبِي ﷺ فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى الرَّابِعَة فأمرالنبي ﷺ برجمه الحَدِيث م وَالِاسْتِدْلَال بِهِ من وُجُوه
أَحدهَا أَن النَّبِي ﷺ أعرض عَن إِقَامَة الْحَد للْحَال فَلَو كملت الْحجَّة بِالْإِقْرَارِ مرّة وَاحِدَة وَظهر الْحق لما جَازَ لَهُ التّرْك لِأَن الإِمَام نَائِب الله تَعَالَى وَالظَّاهِر أَنه ﷺ لَا يُؤَخر الِاسْتِيفَاء بعد وُجُوبه أَلا ترى أَنه ﷺ قَالَ لَو سرقت فَاطِمَة بنت مُحَمَّد لَقطعت يَدهَا فَلَمَّا أخر علم أَن الْحجَّة لم تكمل
وَالثَّانِي أَنه روى أَن أَبَا بكر قَالَ لَهُ إِن شهِدت الرابعه رجمك رَسُول الله
[ ٢١٣ ]
ﷺ فَدلَّ على أَن اشْتِرَاط الْأَرْبَع كَانَ مَشْهُورا فِيمَا بَينهم وَالثَّالِث أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن أقرّ أَرْبعا فارجموه فَعلم أَن الْأَرْبَع شَرط فِي أَرْبَعَة مجَالِس
فَإِن قيل التَّعَلُّق بالأحاديث لَا يَصح لِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه ﷺ أعرض عَن إِقَامَة الْحَد لقُصُور فِي الْحجَّة وَيحْتَمل أَنه أعرض ليختبر عقله فَإِن فِي سِيَاق الحَدِيث أَنه ﷺ قَالَ لَهُ أبك خبل أم جُنُون لَعَلَّك قبلتها لَعَلَّك لمستها فَلَمَّا أصر على إِقْرَاره زَالَت الرِّيبَة فَأَقَامَ عَلَيْهِ الْحَد وَيحْتَمل أَنه إِنَّمَا أعرض عَن إِقَامَة الْحَد كَرَاهَة مِنْهُ لإشاعة الْفَاحِشَة وحبا لسترها
وَلَو صَحَّ الِاحْتِجَاج بِهِ عارضناه بِقصَّة العسيف وَقَوله ﷺ يَا أنيس واغد على امْرَأَة هَذَا فَإِن اعْترفت فارجمها خَ م وَبِه يحْتَج علق ﷺ الرَّجْم بِمُطلق الِاعْتِرَاف وَمُطلق الِاعْتِرَاف ينْطَلق على الْإِقْرَار مرّة وَاحِدَة
[ ٢١٤ ]
أَو يكون مَا رويتم مَنْسُوخا بِمَا روينَا فَلَا يَصح التَّمَسُّك بِهِ ثمَّ عنْدكُمْ اخْتِلَاف الْمجَالِس شَرط وَلَيْسَ فِي الحَدِيث تَصْرِيح بِهِ
وروى أَن الغامدية جَاءَت إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَت يَا رَسُول الله زَنَيْت فطهرني وَكَانَت حُبْلَى فَأمرهَا أَن ترجع حَتَّى تضع حملهَا من غير تكْرَار وَهُوَ قَول عمر ﵁
فَالْجَوَاب أما الِاحْتِمَالَات فمدفوعة لِأَن ماعزا ﵁ جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ على هَيْئَة النادمين الباكين الطالبين للدَّار الْأُخْرَى وَلِهَذَا قَالَ ﷺ لقد تَابَ تَوْبَة لَو قسمت على أهل الأَرْض لوسعتهم وَالَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله ﷺ لماعز أبك خبل أَو جُنُون وَالنَّبِيّ ﷺ مَا كَانَ يُخَاطب المجانين وَالَّذِي يعضد هَذَا الدّفع قَول أبي بكر اتَّقِ الرَّابِعَة فَإِنَّهَا مُوجبَة وَقَالَ أَبُو بردة كُنَّا نقُول لَو لم يقر الرَّابِعَة لما رجمه وَقَوْلهمْ يحْتَمل أَنه أعرض عَن إِقَامَة الْحَد كَرَاهَة لإشاعة الْفِتْنَة قُلْنَا كَانَ النَّبِي ﷺ يكره إِشَاعَة الْفِتْنَة قبل ظُهُورهَا أمابعد ظُهُورهَا فالاستيفاء وَاجِب وَلِهَذَا قَالَ ﷺ من ابْتُلِيَ بِشَيْء من هَذِه القاذورات فليستتر فَإِن من أبدى لنا صفحته أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَد
[ ٢١٥ ]
وَأما الْمُعَارضَة بِحَدِيث العسيف فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون مُتَقَدما على مَا روينَاهُ أَو مُتَأَخِّرًا عَنهُ فَإِن كَانَ مُتَقَدما كَانَ مَنْسُوخا بِمَا روينَا وَإِن كَانَ مُتَأَخِّرًا انْصَرف إِلَى الِاعْتِرَاف الْمَعْهُود فِي الْبَاب وَهُوَ الْإِقْرَار أَربع مَرَّات لما بَينا
على أَنه قد رُوِيَ أَن قصَّة العسيف كَانَت فِي وَقت كَانَ حد الْبكر الْجلد والتغريب وَقد انتسخ بقوله تَعَالَى ﴿فاجلدوا﴾ وَلَا يَصح الِاحْتِجَاج بالمنسوخ وَقَوْلهمْ لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على اخْتِلَاف الْمجَالِس قُلْنَا بلَى فِيهِ ذَلِك وَهُوَ الْإِعْرَاض عَنهُ يمنة ويسرة
وَقد رُوِيَ أَنه خرج من الْمَسْجِد وتوارى عَن النَّبِي ﷺ ثمَّ دخل وَأقر مرّة بعد أُخْرَى كَذَلِك وَيَنْبَغِي أَن يحمل على هَذَا تَوْفِيقًا بَين الدَّلَائِل
وَأما حَدِيث الغامدية فقد رددها النَّبِي ﷺ معنى وَإِن لم يُوجد صُورَة لِأَنَّهُ كرر أمرهَا بقوله اذهبي حَتَّى تَضَعِي ثمَّ قَالَ اذهبي حَتَّى تفطميه كَذَلِك مَسْأَلَة لَا يملك الْمولى إقَام الْحَد على مَمْلُوكه عندنَا سَوَاء ظهر الزِّنَى بِالْبَيِّنَةِ أَو الْإِقْرَار وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ يملك ذَلِك وَالْحَد الْجلد
[ ٢١٦ ]
لنا إِجْمَاع الصَّحَابَة كَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَابْن الزبير مَوْقُوفا عَلَيْهِم وَمَرْفُوعًا أَربع إِلَى الإِمَام الْفَيْء وَالْجُمُعَة وَالْحُدُود وَالصَّدقَات
فَإِن قيل الِاحْتِجَاج بالأثر فِيهِ إِثْبَات الْولَايَة للْإِمَام وَلَيْسَ فِيهِ نَفيهَا عَن غَيره فَيكون مسكوتا عَنهُ فَلَا يَصح التَّمَسُّك بِهِ
قُلْنَا فقد رُوِيَ ضمن الإِمَام أَرْبعا وَالضَّمان عبارَة عَن اللُّزُوم وَمَتى فوض إِلَى السَّيِّد لَا يكون إلزاما احْتَجُّوا بقوله ﷺ أقِيمُوا الْحُدُود على مَا ملكت أيمانك حد
وروى أَنه ﷺ قَالَ إِذا زنت أمة أحدكُم فليجلدها فَإِن عَادَتْ فليجلدها فَإِن عَادَتْ فليبعها وَلَو بضفير خَ م ت وَفِي الصَّحِيح وَلَو بِحَبل من شعر
وَالْجَوَاب أما الحَدِيث الأول فَهُوَ أَمر للْمولى بِإِقَامَة الْحَد وَمُقْتَضى الْأَمر الْوُجُوب وَلَا يجب ذَلِك على الْمولى بالِاتِّفَاقِ حَتَّى لَو ترك الْمولى الْإِقَامَة اعْتِمَادًا على
[ ٢١٧ ]
الإِمَام لم يكن ملوما فَكَانَ مَتْرُوك الظَّاهِر أَو يحمل على الْإِقَامَة تسبيبا بالمرافعة إِلَى الإِمَام وَإِضَافَة الْفِعْل بطرِيق التسبيب جَائِزَة كَمَا يُقَال بنى الإمير قصرا وَضرب درهما
وَأما الحَدِيث الثَّانِي فَمَحْمُول أَيْضا على التسبيب أَو على التعزيز بِدَلِيل قَوْله ﷺ فَإِن عَادَتْ فليبعها وَلَو بضفير وَالْبيع لَيْسَ بِحَدّ بِالْإِجْمَاع مَسْأَلَة حد الْقَذْف لَا يُورث وَلَا يسْقط بِالْعَفو وَيجْرِي فِيهِ التَّدَاخُل خلافًا للشَّافِعِيّ
وَالْخلاف يبتنى على أَن الْمُغَلب فِيهِ حق الله تَعَالَى عندنَا فتجري عَلَيْهِ أَحْكَام حُقُوقه سُبْحَانَهُ كَمَا فِي حد الزِّنَى وَعِنْده الْمُغَلب فِيهِ حق العَبْد فتجري عَلَيْهِ أَحْكَام حُقُوق الْعباد لنا قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات﴾ الْآيَة أوجب حد الْقَذْف سَوَاء وجد الْعَفو من الْمَقْذُوف أَو لَا وَقَوله ﷺ أقيلوا ذَوي العثرات عثراتهم إِلَّا فِي حد من غير فصل
وَعَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ إِذا مَاتَ الْمَقْذُوف لَا يُورث عَنهُ حد الْقَذْف من غير نَكِير فَكَانَ إِجْمَاعًا
[ ٢١٨ ]
احْتج بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا عَفا أحد عَن مظْلمَة إِلَّا زَاده الله بهَا عزا وللمقذوف مظْلمَة
وروى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَيعْجزُ أحدكُم أَن يكون كَأبي ضَمْضَم كَانَ يخرج من بَيته فَيَقُول اللَّهُمَّ إِن تَصَدَّقت بعرضي على عِبَادك الصَّالِحين مدحه النَّبِي ﷺ بعفوه عَن كل من جنى عَلَيْهِ وَلَوْلَا سُقُوط الْحَد بِالْعَفو لما مدحه قُلْنَا الْأَخْبَار من الْجَانِبَيْنِ غَرِيبَة وَالتَّرْجِيح مَعنا لما بَينا وَحَدِيث أبي ضَمْضَم مَحْمُول على التَّرْغِيب فِي الْعَفو دون الحكم
[ ٢١٩ ]
= كتاب السّرقَة = مَسْأَلَة الْقطع مَعَ الضَّمَان لَا يَجْتَمِعَانِ وَقَالَ زفر يَجْتَمِعَانِ وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد وَقَالَ مَالك إِن كَانَ السَّارِق مُوسِرًا كَقَوْلِهِم وَإِن كَانَ ممعسرا كَقَوْلِنَا
وَصُورَة الْمَسْأَلَة إذاسرق المَال وَوَجَب الْقطع فَتلف فِي يَده أَو أتْلفه قبل الْقطع أَو بعده لَا يجب الضَّمَان عندنَا خلافًا لَهُم وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة ﵀ أَنه إِذا أتْلفه بعد الْقطع يجب الضَّمَان وعَلى هَذَا الْخلاف الْحَد مَعَ الْقطع لَا يَجْتَمِعَانِ عندنَا لنا قَوْله ﷺ لَا غرم على السَّارِق بعد قطع يَمِينه ق وَرَوَاهُ أَبُو حنيفَة عَن ابْن مَسْعُود وَلم يرو عَن غَيره خلاف
فَإِن قيل الحَدِيث مَعْلُول قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي إِسْنَاده سعد ابْن ابراهيم مَجْهُول ويروى من وُجُوه كلهَا لَا تثبت وَلَو سلم احْتمل أَنه أَرَادَ بِنَفْي الْغرم نفي الْعَذَاب فِي الْآخِرَة وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ أُجْرَة الْحداد
[ ٢٢٠ ]
وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ نفي الضَّمَان زَائِدا كَمَا كَانَ فِي بَدْء الْإِسْلَام وَمَعَ هَذِه الِاحْتِمَالَات لَا يُمكن الِاحْتِجَاج بِهِ لنفي الضمانة
قُلْنَا قَول الدَّارَقُطْنِيّ لَا يقبل إِذا انْفَرد بِهِ وَإِنَّمَا تكلمُوا فِي الحَدِيث من حَيْثُ إِسْنَاده لِأَنَّهُ رَوَاهُ الْمسور عَن عبد الرحمن بن عَوْف والمسور لم يلقه وَهَذَا إِن ثَبت فَهُوَ صفة الْإِرْسَال
وَالنَّبِيّ ﷺ ذكر الْغرم مُنْكرا فِي مَوضِع النَّفْي والنكرة فِي مَوضِع النَّفْي تعم فَيَنْتَفِي عَنهُ جَمِيع أَنْوَاع الْغرم احْتَجُّوا بقوله ﷺ على الْيَد مَا أخذت حَتَّى ترد حد وَفِي رِوَايَة حَتَّى تُؤَدِّيه
وَأَرَادَ صَاحب الْيَد فكلمة على للْإِيجَاب وَحَتَّى للغاية أوجب الضَّمَان وَجعل غَايَته الرَّد (وَلَا يحمل على ضَمَان الرَّد) لِأَن الشَّيْء لَا يَجْعَل غَايَة لنَفسِهِ فَكَانَ المُرَاد بِهِ وجوب الْقيمَة أَي على صَاحب الْيَد رد قيمَة مَا أَخذ إِذا عجز عَن رد الْعين والمتنازع فِيهِ كَذَلِك فيتناوله الحَدِيث قُلْنَا المُرَاد بِهِ حفظ مَا أخذت حَتَّى ترد فَيخرج عَن عُهْدَة هَذَا الْوَاجِب
مَسْأَلَة السَّارِق لَا يُؤْتى على أَطْرَافه الْأَرْبَعَة وَهُوَ قَول أبي بكر وَعمر وَعلي ﵃ وَأحمد
[ ٢٢١ ]
وَقَالَ الشَّافِعِي يُؤْتِي
وَصُورَة الْمَسْأَلَة إِذا سرق مرّة وَاحِدَة تقطع يَده الْيُمْنَى فَإِن سرق ثَانِيًا تقطع رجله الْيُسْرَى فَإِن سرق ثَالِثا أَو رَابِعا لم تقطع عندنَا وَيحبس إِلَى أَن يَتُوب وَعِنْده إِذا سرق ثَالِثا تقطع يَده الْيُسْرَى وَإِذا سرق رَابِعا تقطع رجله الْيُمْنَى وعَلى هَذَا الْخلاف قَاطع الطَّرِيق لَا يُؤْتِي على أَطْرَافه الْأَرْبَعَة خلافًا لَهُ لنا قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ واليمنى مُرَاده بِالْإِجْمَاع فَخرجت الْيُسْرَى من ان تكون مُرَادة
وَرُوِيَ أَن عمر ﵁ اسْتَشَارَ الصَّحَابَة فِي ذَلِك وَحبس السَّارِق وَقَالَ إِنَّمَا عَلَيْهِ قطع يَد وَرجل فأجمعت الصَّحَابَة على قَوْله قَالَ الرَّاوِي وَالَّذين استشارهم عمر ﵁ هم الَّذين ينْعَقد بهم الْإِجْمَاع
وَرُوِيَ أَن عليا اسْتَشَارَ الصَّحَابَة فِي هَذِه الْحَادِثَة فَقَالَ بَعضهم تقطع يَده الْيُسْرَى فَقَالَ بِمَ يستنجي فَقَالَ بَعضهم فرجله الْيُمْنَى فَقَالَ فَبِمَ يمشي فَقَالَ إِنِّي لأَسْتَحي من الله أَن لَا أدع لَهُ يدا يبطش بهَا وَلَا رجلا يسْعَى بهَا ثمَّ دَرأ عَنهُ الْحَد فَحل مَحل الْإِجْمَاع
احْتج بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إذاسرق سَارِق فاقطعوه فَإِن عَاد
[ ٢٢٢ ]
فاقطعوه فَإِن عَاد فاقطعوه فَإِن عَاد فاقطعوه فَإِن عَاد فَاقْتُلُوهُ
وروى مُفَسرًا إِذا سرق أحدكُم فَاقْطَعُوا يَده الْيُمْنَى فَإِن عَاد فَاقْطَعُوا رجله الْيُسْرَى فَإِن عَاد فَاقْطَعُوا يَده الْيُسْرَى فَإِن عَاد فَاقْطَعُوا رجله الْيُمْنَى فَإِن عَاد فَاقْتُلُوهُ قَالَ الرَّاوِي فقتلناه وحرقناه ورميناه فِي بِئْر
وَرُوِيَ عَن أبي بكر ﵁ أَنه أضَاف رجلا أقطع الْيَد وَالرجل فَسرق حلى أسما فَقَطعه بِمحضر من الصَّحَابَة وَكَذَا رُوِيَ عَن عمر ﵁
وَالْجَوَاب أما الحَدِيث فَلم يروه أحد من أَرْبَاب السّنَن قَالَ الطَّحَاوِيّ حفظنا الْأَحَادِيث وتتبعنا الْحفاظ فَلم نعرفه وَلَو سلم فَعَنْهُ جوابان أَحدهمَا أَنه خبر وَاحِد وَإِثْبَات بِخَبَر الْوَاحِد لَا يجوز
[ ٢٢٣ ]
وَالثَّانِي يحمل على أَنه كَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام حِين كَانَ الْقَتْل مَشْرُوعا وَلِهَذَا قَالَ فِيهِ فَإِن عَاد الْخَامِسَة فَاقْتُلُوهُ
على أَنه غير مَعْمُول بِهِ فَإِن عليا ﵁ حَاج الصَّحَابَة فَلَو كَانَ مَعْمُولا بِهِ لاحتجوا بِهِ عَلَيْهِ وَأما فعل أبي بكر فَالْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا بَين الصَّحَابَة فَلَا يحْتَج بِالْبَعْضِ على الْبَعْض أَو يحمل فعله على السياسة والمصلحة لَا على طَرِيق الحتم والإيجاب والإصح من مَذْهَب عمر ﵁ مثل قَوْلنَا أَو يحمل على مَا قُلْنَا من السياسة مَسْأَلَة لَا قطع على النباش عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله وَقَالَ أَبُو يُوسُف ﵀ يقطع وَهُوَ قَول زفر وَالشَّافِعِيّ وَاحْمَدْ
وَأكْثر أَصْحَاب الشَّافِعِي يسلمُونَ أَن الْقَبْر لَو كَانَ فِي الصَّحرَاء لَا يقطع وَإِنَّمَا الْخلاف إِذا كَانَ الْقَبْر فِي الْعمرَان مَحْفُوظًا بأعين المارين لنا مَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لاقطع على المختفى والمختفى بلغَة أهل الْمَدِينَة النباش وروى أَن عليا ﵁ أَتَى بنباش فعزره وَلم يقطعهُ وَوَافَقَهُ ابْن عَبَّاس
[ ٢٢٤ ]
فَإِن قيل الحَدِيث مَحْمُول على مَا إِذا كَانَ الْقَبْر فِي الصَّحرَاء قُلْنَا هَذَا عدُول عَن الظَّاهِر وَلَا يجوز احْتَجُّوا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قطع نباشا وروى أَنه ﷺ قَالَ من غرق غرقناه وَمن حرق حرقناه وَمن نبش قطعناه أوجب النَّبِي ﷺ الْقطع بِمُجَرَّد النبش وَعَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت سَارِق أمواتنا كسارق أحيائنا وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود أَنه أَتَى بنباش فَكتب إِلَى عمر فَكتب إِلَيْهِ أَن أقطعه
وَعَن عَليّ ﵁ أَنه قطع نباشا وَهُوَ قَول ابْن الزبير وَابْن مَسْعُود وَمُعَاوِيَة بن قُرَّة وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَابْن سِيرِين وَهَذَا دَلِيل على أَن النباش سَارِق وَالْجَوَاب أما قَوْلهم إِن النَّبِي ﷺ قطع نباشا فَلم ينْقل فِي السّنَن
[ ٢٢٥ ]
وَأما الثَّانِي فَمن كَلَام زِيَاد بن أَبِيه ذكره فِي خطبَته البتيراء بِالْبَصْرَةِ حَيْثُ قَالَ من غرق غرقناه وَمن حرق حرقناه وَمن نبش دفناه حَيا وَمن نقب نقبت عَن كبده وَمَعْلُوم أَن هَذِه الْأَحْكَام غير مَشْرُوعَة فِي شريعتنا ثمَّ إِنَّه مَوْقُوف على مُعَاوِيَة بن قُرَّة لم يرفعهُ أحد
وَلَو سلم كَانَ مَتْرُوك الظَّاهِر لِأَنَّهُ ﷺ علق الْقطع بِمُجَرَّد النبش وبالإجماع لَيْسَ كَذَلِك فَإِن من نبش وَلم يَأْخُذ أَو نبش وَأخذ غير الْكَفَن لَا يقطع وَمَا حكوه عَن الصَّحَابَة فمذهبهم مثل مَذْهَبنَا أَو يحمل على طَرِيق السياسة ثمَّ الْخلاف فِي أَن النباش سَارِق أم لَا
فعندنا لَيْسَ بسارق لِأَن السّرقَة أَخذ مَال الْغَيْر على وَجه المسارقة والنباش اخْتصَّ باسم آخر
مَسْأَلَة إِذا ملك السَّارِق الْمَسْرُوق بِالْهبةِ وَنَحْوهَا بعد الْقَضَاء قبل الْإِمْضَاء سقط الْحَد عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة وَقَالَ زفر لَا يسْقط وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَاحْمَدْ وَرُوِيَ أَن أَبَا يُوسُف مَعَهم وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا ملكه بعد الْخُصُومَة قبل الْقَضَاء سقط الْحَد عندنَا وَاتَّفَقُوا على أَنه لَو ملكه قبل الْخُصُومَة وَالدَّعْوَى أَنه يسْقط لنا نُصُوص مَسْأَلَة اللواط
احْتَجُّوا بِمَا روى أَن صَفْوَان كَانَ نَائِما فِي الْمَسْجِد متوسدا رِدَاءَهُ فجَاء سَارِق فسرقه فَأتى بِهِ النَّبِي ﷺ فَأمر بِقطع يَده فَأخْرج ليقطع فَتغير وَجه النَّبِي ﷺ
[ ٢٢٦ ]
فَقَالَ لَهُ صَفْوَان كَأَنَّهُ قد شقّ عَلَيْك يَا رَسُول الله هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَة وَفِي رِوَايَة وهبته مِنْهُ فَقَالَ ﷺ هلا قبل أَن تَأتِينِي بِهِ وَأمر بِقطعِهِ خَ د
وَرُوِيَ أَن امْرَأَة من بني مَخْزُوم سرقت فَقضى النَّبِي ﷺ بقطعها فتشفع أولياؤها بأسامة بن زيد فَقَالَ النَّبِي ﷺ أَتَشفع فِي حد من حُدُود الله تَعَالَى وَالله لَو أَن فَاطِمَة بنت مُحَمَّد سرقت لَقطعت يَدهَا خَ م ت لَو سقط الْحَد بِالْهبةِ لأرشدهم النَّبِي ﷺ إِلَيْهَا لِأَنَّهُ كَانَ يلقن الشُّبْهَة درءا للحد وَالْجَوَاب أما الحَدِيث فَلم تثبت صِحَة الْهِبَة فِيهِ لِأَن الْهِبَة تفْتَقر إِلَى الْقبُول وَالْقَبُول مُحْتَمل
يحْتَمل أَنه قبل وَيحْتَمل أَنه لم يقبل لجَوَاز أَنه اخْتَار الْعقُوبَة العاجلة على الْعقُوبَة الآجلة وَالنَّبِيّ ﷺ لن يبين أَنه لَو قبل لَا يسْقط والْحَدِيث حِكَايَة حَال فَمَتَى تطرق إِلَيْهِ ضرب احْتِمَال يسْقط التَّمَسُّك بِهِ
وَأما حَدِيث المخزومية فَنَقُول كَانَ دأبه ﷺ تلقين الشُّبْهَة قبل وجوب الْحَد فَيحْتَمل أَن أولياءها تشفعوا بعد مَا قضى بِالْقطعِ فَلذَلِك لم يدلهم على (الشُّبُهَات)
[ ٢٢٧ ]
مَسْأَلَة السَّارِق من الْمُودع وَالْمُسْتَعِير وَالْمُضَارب وَالْمُرْتَهن وَالْمُسْتَأْجر وَالْغَاصِب يقطع بخصومتهم عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة وَقَالَ زفر لَا يقطع وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَاتَّفَقُوا على أَنه لَو حضر الْمَالِك وادعيا جَمِيعًا يقطع وَلَو انْفَرد الْمَالِك وَحده بِالْخُصُومَةِ يقطع عندنَا وَاخْتلف الْمَشَايِخ على قَول زفر قَالَ بَعضهم يقطع وَقَالَ بَعضهم لَا يقطع وَهُوَ الْأَصَح
فَالْحَاصِل أَن عِنْد زفر لَهُم ولَايَة (الْخُصُومَة وَلَكِن لَا يظْهر فِي حق الْقطع وَعند الشَّافِعِي لَا ولَايَة لَهُم) لنا النُّصُوص الْمُوجبَة للْقطع فِي السّرقَة وَقَوله ﷺ إِنَّمَا أَقْْضِي بِالظَّاهِرِ وَقد ظَهرت السّرقَة احْتَجُّوا بالنصوص النافية لوُجُوب الْقطع قُلْنَا فِي القَوْل بِعَدَمِ الْقطع إِضَاعَة المَال وتعطيل الْحُدُود وَإنَّهُ لَا يجوز مَسْأَلَة تكْرَار السّرقَة فِي عين وَاحِدَة لَا يُوجب تكْرَار الْقطع عندنَا وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ يُوجب
[ ٢٢٨ ]
وَصورته إِذا سرق عينا فَقطع فِيهَا ثمَّ ردهَا إِلَى الْمَالِك وَعَاد فسرقها ثَانِيًا لَا يقطع عندنَا خلافًا لَهما لنا النُّصُوص الْمُوجبَة لدرء الْحَد وَسبب وجوب الْقطع مَفْقُود فِي الْمرة الثَّانِيَة لما عرف احْتَجُّوا بالنصوص الْمُوجبَة للْقطع وَقد مر وَالله أعلم
[ ٢٢٩ ]
= كتاب السّير = مَسْأَلَة لَا تقسم الْغَنَائِم فِي دَار الْحَرْب عندنَا وَهُوَ قَول مَالك وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ تقسم وَعَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ يجوز وَأحب إِلَيّ أَن يقسمها فِي دَار الْإِسْلَام
وَالْكَلَام فِي الْمَسْأَلَة رَاجع إِلَى حرف وَهُوَ أَن الْغَنَائِم فِي دَار الْحَرْب لَا تملك بِمُجَرَّد الِاسْتِيلَاء وَيتَفَرَّع على هَذَا الإصل مسَائِل مِنْهَا هَذِه وَالثَّانيَِة أَن أحد الْغَانِمين إِذا مَاتَ قبل الْإِحْرَاز لَا يُورث نصِيبه عندنَا وَالثَّالِثَة المدد إِذا لحق الْجَيْش بعد الِاسْتِيلَاء قبل الْإِحْرَاز يشاركونهم فِي الْغَنِيمَة عندنَا لنا مَا روى مَكْحُول الشَّامي أَن النَّبِي ﷺ مَا قسم غنيمَة قطّ إِلَّا فِي دَار الْإِسْلَام
وَفِي رِوَايَة أَنه أخر الْقِسْمَة إِلَى دَار الْإِسْلَام مَعَ طلب بعض الْغَانِمين الْقِسْمَة فَلَو جَازَت لما أخر
احتجا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قسم غَنَائِم خَيْبَر وَغَنَائِم أَوْطَاس وَبني المصطلق بديارهم وَلَا خَفَاء أَن هَذِه الْمَوَاضِع كَانَت فِي دَار الْحَرْب
[ ٢٣٠ ]
وروى أَنه ﷺ مَا قمسم غنيمَة إِلَّا فِي دَار الْحَرْب
قُلْنَا تِلْكَ الْمَوَاضِع وَإِن كَانَت دَار الْحَرْب لَكِنَّهَا صَارَت دَار الْإِسْلَام وَظَهَرت فِيهَا أَحْكَام الْإِسْلَام فَيحْتَمل أَنه ﷺ قسم قبل أَن تصير دَار الْإِسْلَام وَيحْتَمل أَنه قسم بعد أَن صَارَت دَار الْإِسْلَام والمحتمل لَا يصلح حجَّة على أَن النُّصُوص من الْجَانِبَيْنِ غَرِيبَة فيطلب التَّرْجِيح من مَكَان آخر مَسْأَلَة إِذا استولى الْكفَّار على أَمْوَال الْمُسلمين وأحرزوها بدارهم ملكوها وَهُوَ قَول مَالك وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ لَا يملكونها
وَثَمَرَة الْخلاف تظهر أَنه لَو ظفر بهَا الْمُسلمُونَ فاستردوها وأحرزوها بدار الْإِسْلَام ثمَّ جَاءَ الْمَالِك الْقَدِيم إِن جَاءَ قبل الْقِسْمَة أَخذ مَاله بِغَيْر شَيْء وَإِن جَاءَ بعد الْقِسْمَة أَخذه بِالْقيمَةِ وَعِنْدَهُمَا ياخذه بِغَيْر شَيْء فِي الْفَصْلَيْنِ
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ﴾ سمى الْمُهَاجِرين فُقَرَاء بعد إجراج الْكفَّار لَهُم من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ فلولا أَن ملكهم زَالَ بِالِاسْتِيلَاءِ لما سماهم فُقَرَاء لِأَن الْفَقِير عادم لِلْمَالِ
[ ٢٣١ ]
وَرُوِيَ عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ يَوْم الْفَتْح يَا رَسُول الله أَلا تنزل دَارك فَقَالَ هَل ترك لنا عقيل من منزل وَكَانَ للنَّبِي ﷺ داربمكة ورثهَا من خَدِيجَة فاستولى عقيل عَلَيْهَا وَكَانَ مُشْركًا
وروى ابْن عَبَّاس ﵁ أَن رجلا أصَاب بَعِيرًا لَهُ فِي الْغَنِيمَة فَأخْبر بِهِ النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِن وجدته قبل الْقِسْمَة فَهُوَ لَك بِغَيْر شَيْء وَإِن وجدته بعد الْقِسْمَة فَهُوَ لَك بِالثّمن ق
وروى تَمِيم بن طرفَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي بعير أَخذه الْمُشْركُونَ فَاشْتَرَاهُ رجل من الْمُسلمين ثمَّ جَاءَ الْمَالِك الأول فَقَالَ ﷺ إِن شِئْت أَخَذته بِالثّمن ق بِمَعْنَاهُ
فَإِن قيل إِنَّمَا سماهم فُقَرَاء فِي الْآيَة لزوَال أَيْديهم عَن المَال دون الْملك كَابْن السَّبِيل يُسمى فَقِيرا وَلِهَذَا حلت لَهُ الزَّكَاة
(وَأما الحَدِيث الأول فَفِي إِسْنَاده حسن بن عمَارَة ضَعِيف وَالثَّانِي غَرِيب
[ ٢٣٢ ]
قُلْنَا الله تَعَالَى سماهم فُقَرَاء مُطلقًا فَيجب الْعَمَل بِحَقِيقَة الِاسْم وَابْن السَّبِيل لَيْسَ بفقير حَقِيقَة وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ أَخذ الزَّكَاة بحاجته للْحَال إِلَى ذَلِك لِأَنَّهُ فَقير) وَأما الحَدِيث الأول فالدارقطني لَا يقبل قَوْله إِذا انْفَرد لما مر والْحَدِيث الثَّانِي مَشْهُور احتجا بقوله تَعَالَى ﴿وَلنْ يَجْعَل الله للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا﴾
وَبِمَا رُوِيَ أَن عُيَيْنَة بن حصن الْفَزارِيّ أغار على سرح الْمَدِينَة وَفِيه العضباء نَاقَة النَّبِي ﷺ فَأخذُوا امْرَأَة من الْمُسلمين فَقَامَتْ لَيْلَة إِلَى العضباء بعد مَا نَامُوا فركبتها وتوجهت إِلَى الْمَدِينَة ونذرت إِن أنجاها الله لتنحرنها فَلَمَّا قدمت الْمَدِينَة عرفت النَّاقة فَقَالَ ﷺ بئْسَمَا جزيتهَا لَا نذر فِيمَا لَا يملك ابْن آدم (م)
فَلَو ملكهَا الْمُشْركُونَ لملكتها الْمَرْأَة لِأَنَّهَا تكون مستولية على أَمْوَال الْكفَّار فَكَانَ نذرها صَحِيحا لِأَنَّهُ فِيمَا تملك وَلما لم يَصح علم أَنَّهَا لم تملك لِأَنَّهُ ﷺ أَخذ النَّاقة وأبطل نذرها أَو كَانَ يَأْخُذهَا بِالْقيمَةِ على أصلكم وَلم يفعل وَلم ينْقل أَنه أَعْطَاهَا شَيْئا
وروى ابْن عمر ﵁ قَالَ ذهب لي فرس فَأَخذه الْعَدو فَظهر عَلَيْهِم الْمُسلمُونَ فَردهَا عَليّ النَّبِي ﷺ
[ ٢٣٣ ]
وأبق عبد فلحق بالروم فَظهر عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ فَرده عَلَيْهِ خَالِد بن الْوَلِيد د وَقَالَ ﷺ من وجد عين مَاله فَهُوَ أَحَق بِهِ
قُلْنَا أما الْآيَة فَلم قُلْتُمْ إِنَّه إِثْبَات السَّبِيل للْكَافِرِ على الْمُسلم بل على مَال كَانَ مَمْلُوكا للْمُسلمِ وَقد زَالَ الْملك لما ذكرنَا
وَأما الحَدِيث فَلَا حجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن ذَلِك كَانَ قبل الْإِحْرَاز بدار الْحَرْب وَهُوَ الظَّاهِر (لِأَنَّهُ قد روى أَن تِلْكَ الْمَرْأَة كَانَت امْرَأَة الرَّاعِي وَالظَّاهِر أَنَّهَا لَا تقدر على الْفِرَار مَعَ بعد الْمسَافَة) وَعِنْدنَا الْكفَّار فِي مثل هَذِه الْحَالة لَا يملكُونَ على أَنا نمْنَع أَن الْكفَّار مَا ملكوها وَكَذَا بقول الْمَرْأَة ملكتها
وَالنَّبِيّ ﷺ إِنَّمَا أبطل نذرها لِأَن الْملك المتجرد يَزُول بظفر الْمَالِك الْقَدِيم ويتوقف التَّسْلِيم على نقد الثّمن لَا أَنه أبطل نذرها لعدم الْملك وَقَوْلهمْ لم ينْقل أَنه أَعْطَاهَا شَيْئا
قُلْنَا هَذَا تمسك بِالسُّكُوتِ عَنهُ لِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه ﷺ ضمن لَهَا شَيْئا وَأَعْطَاهَا إِيَّاه
[ ٢٣٤ ]
فِي وَقت آخر أَو أَعْطَاهَا وَلم ينْقل أَو كَانَ عَلَيْهَا شَيْء فَالْتَقَيَا قصاصا فَلَا يكون حجَّة مَعَ الِاحْتِمَال وَبَاقِي الْأَحَادِيث مَحْمُولَة على عدم الِاسْتِيلَاء مسأله خمس الْغَنَائِم يقسم على ثَلَاثَة اسهم سهم لِلْيَتَامَى وَسَهْم للْمَسَاكِين وَسَهْم لِابْنِ السَّبِيل
وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ على خَمْسَة فَفِي الثَّلَاثَة كَقَوْلِنَا وَسَهْم للرسول ﷺ يدْفع إِلَى الإِمَام وَسَهْم لِذَوي الْقُرْبَى وَعِنْدنَا هَذَانِ السهْمَان ساقطان والغني الْهَاشِمِي لَا يسْتَحق هَذَا السهْم عندنَا
لنا إِجْمَاع الصَّحَابَة أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي ﵃ فَإِنَّهُم قسموا خمس الْغَنِيمَة على ثَلَاثَة أسْهم وَلم يُعْطوا ذَوي الْقُرْبَى شَيْئا مَعَ أَنهم شاهدوا قسْمَة النَّبِي ﷺ وَعرفُوا تَأْوِيل الْآيَة وَكَانَ ذَلِك بِمحضر من الصَّحَابَة من غير نَكِير فَلَو كَانَ سهم ذَوي الْقُرْبَى ثَابتا كَمَا قالوالما منعُوهُ لِأَن منع الْحق عَن الْمُسْتَحق جور وَلَا يظنّ ذَلِك بهم
وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قسم غَنَائِم خَيْبَر فَأعْطى بني هَاشم وَبني الْمطلب وَلم يُعْط بني عبد شمس وَبني نَوْفَل شَيْئا فَقَالَ عُثْمَان وَجبير بن مطعم بن نَوْفَل يَا رَسُول الله إِنَّا لَا ننكر فضل بني هَاشم لِمَكَانِك الَّذِي وضعك الله فيهم وَلَكِن نَحن وَبَنُو الْمطلب مِنْك فِي الْقرب سَوَاء فَمَا بالك اعطيتهم وَحَرَمْتنَا فَقَالَ ﷺ إِنَّهُم لم يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام لم يزَالُوا معي كَذَا وَشَبك بَين أَصَابِعه
[ ٢٣٥ ]
جعل النَّبِي ﷺ عِلّة الِاسْتِحْقَاق النُّصْرَة والصحبة وبالموت انْقَطع ذَلِك فَيَنْقَطِع الِاسْتِحْقَاق
وَقد رَوَت أم هانىء هَذَا الْمَعْنى مَرْفُوعا فَقَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ سهم ذَوي الْقُرْبَى لَهُم فِي حَياتِي وَلَيْسَ لَهُم بعد وفاتي فَإِن قيل أما الْإِجْمَاع فقد خَالف عَليّ وَالْعَبَّاس وَابْن عَبَّاس وَمَعَ خلافهم لَا إِجْمَاع
وَأما الحَدِيث فَيدل على أَن النُّصْرَة عِلّة الْإِلْحَاق لَا عِلّة الِاسْتِحْقَاق وَبَنُو الْمطلب لَا يسْتَحقُّونَ فِي زَمَاننَا وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي بني هَاشم قُلْنَا التَّعَلُّق بِالْإِجْمَاع صَحِيح وَقد قَرَّرَهُ الضَّحَّاك
وَأما عَليّ ﵁ فَرَأى الْحجَّة مَعَهم وَلَو رَآهَا مَعَ نَفسه لما جَازَ لَهُ السُّكُوت ثمَّ هُوَ قد قسم بعدهمْ كَذَلِك وَأما الْعَبَّاس فَإِنَّهُ قَالَ لعَلي ﵁ لَا تطمع عمر فِي مالنا
وَأما ابْن الْعَبَّاس فَإِنَّهُ كتب إِلَى نجدة الحروري أَن عمر أَرَادَ أَن تنْكح من
[ ٢٣٦ ]
خمس (الْخمس) أيمنا وَيَقْضِي الدّين عَن مغرمنا فأبينا إِلَّا أَن يَدْفَعهُ إِلَيْنَا وأبى ذَلِك علينا وَمَعْنَاهُ أَنه تولاه بِعقد الْإِمَامَة
وَأما الحَدِيث فالنبي ﷺ سوى بَين بني هَاشم وَبني الْمطلب فِي الِاسْتِحْقَاق وَلَو كَانَ الْأَمر كَمَا قَالُوا لم يسو بَينهمَا
احْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿فَأن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ أضَاف إِلَيْهِ ذَلِك بلام الِاسْتِحْقَاق على الْعُمُوم
وَقَالَ ﷺ يَا بني هَاشم إِن الله كره لكم غسالة أَيدي النَّاس وعوضكم عَنْهَا بِخمْس الْخمس وَقَوله يَا بني هَاشم يتَنَاوَل الْغَنِيّ وَالْفَقِير قُلْنَا سلمنَا ثُبُوت الْحق لَهُم لَكِن بعلة النُّصْرَة وَقد زَالَت الْعلَّة فيزول الِاسْتِحْقَاق
وَأما الحَدِيث فالنبي ﷺ سَمَّاهُ عوضا مجَازًا وَلِهَذَا صرفه إِلَى الإغنياء والمعوض لم يكن ثَابتا فِي حَقهم
مَسْأَلَة لَا يَصح أَمَان العَبْد الْمَحْجُور عَلَيْهِ عَن الْقِتَال عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف
[ ٢٣٧ ]
إِلَّا أَن يَأْذَن لَهُ الْمولى فِي الْقِتَال وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَقَالَ مُحَمَّد يَصح أَمَانه وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَاحْمَدْ
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿ضرب الله مثلا عبدا مَمْلُوكا لَا يقدر على شَيْء﴾ فانتفت قدرَة العَبْد على الْأمان
احتجا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْمُسلمُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ وَيسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُم وهم يَد على من سواهُم م خَ د وَفِي رِوَايَة يجيرعلى أمتِي أَدْنَاهُم خَ د جوز أَمَان العَبْد وَعلل بِالْإِسْلَامِ وَالْعَبْد مُسلم وَذكر أَبُو عبيد أَن المُرَاد بِهِ أَمَان العَبْد
وَرُوِيَ أَن عبدا كتب فِي زمن عمر على سهم بِأَمَان أهل حصن وَكَانُوا مَحْصُورين وألقاه إِلَيْهِم فَأَجَازَهُ عمر ﵁ وَقَالَ أَمَان وَاحِد من الْمُسلمين كَيفَ أرده
[ ٢٣٨ ]
قُلْنَا المُرَاد بقوله أَدْنَاهُم أقربهم إِلَى الْإِسْلَام لِأَنَّهُ مُشْتَقّ من الدنو لَا من الدناءة وَلِهَذَا كَانَ غير مَهْمُوز
أَو نقُول هُوَ عَام خص مِنْهُ بعضه وَهُوَ الْمَجْنُون وَالصَّبِيّ والأسير وَالَّذِي أسام وَلم يُهَاجر إِلَيْنَا فيخص الْمُتَنَازع فِيهِ بِمَا ذكرنَا أَو نحمله على الْمَأْذُون وَأما أثر عمر فَيحْتَمل أَنه كَانَ مَأْذُونا لَهُ فِي الْقِتَال وَلِهَذَا ملك الرَّمْي وَيحْتَمل أَنه كَانَ مَحْجُورا فَكَانَ حِكَايَة حَال لَا عُمُوم لَهُ مَسْأَلَة الْغَازِي إِذا جَاوز الدَّرْب فَارِسًا ثمَّ نفق فرسه وَقَاتل رَاجِلا اسْتحق سهم الفرسان وَعند الشَّافِعِي وَاحْمَدْ ﵄ سهم الرجالة
وَلَو جَاوز الدَّرْب رَاجِلا ثمَّ اشْترى فرسا وَقَاتل فَارِسًا اسْتحق سهم الرجالة فِي ظَاهر الرِّوَايَة خلافًا لَهُم وروى الْحسن عِنْد زِيَاد عَن أبي حنيفَة ﵀ أَنه يسْتَحق سهم الفرسان خلافًا لَهُم وَالْخلاف يبتنى على أَن الْعبْرَة بمجاوزة الدَّرْب عندنَا وَعِنْدهم بِحُضُور الْوَقْعَة
[ ٢٣٩ ]
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ وَصرف السهمين إِلَيْهِ تَسْوِيَة بَينه وَبَين الفرسان وَقد جَاوز الدَّرْب فَارِسًا وَكَانَ إرهابا لِلْعَدو بِالنَّصِّ وَعَن عمر ﵁ أَنه قَالَ من جَاوز الدَّرْب فَارِسًا ثمَّ نفق فرسه اسْتحق سهم الفرسان احتجا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ جعل للفارس سَهْمَيْنِ وللراجل سَهْما ق وَهَذَا راجل وَعَن عمر ﵁ الْغَنِيمَة لمن شهد الْوَقْعَة جعل كل الْغَنِيمَة لمن شَهِدَهَا فَيُوجب عدم اعْتِبَار مُجَاوزَة الدَّرْب قُلْنَا الحَدِيث لَا يَصح ضعفه النَّيْسَابُورِي وَغَيره وَلم قُلْتُمْ إِنَّه راجل
وَأما قَول عمر ﵁ فَفِيهِ بَيَان أَن الْغَنِيمَة لمن شهد الْوَقْعَة وَلَيْسَ فِيهِ بَيَان سَبَب الِاسْتِحْقَاق وَقدر الْمُسْتَحق مَسْأَلَة الْمُرْتَدَّة لَا تقتل وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ ﵄ تقتل
لنا مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن قتل النسوان ت وَقَالَ حَدِيث صَحِيح وَلَفظه نهى عَن قتل النِّسَاء وَالصبيان وَهَذَا عَام
[ ٢٤٠ ]
وروى مُحَمَّد ﵀ فِي الأَصْل أَن النَّبِي ﷺ مر يَوْم فتح مَكَّة بِامْرَأَة مقتولة فَقَالَ مَه مَا كَانَت هَذِه تقَاتل فَلم قتلت أدركوا خَالِدا وَقُولُوا لَهُ لَا يقتلن امْرَأَة وَلَا عسيفا وَلَا ذُرِّيَّة صَاحب الغريبين والذرية اسْم يتَنَاوَل النِّسَاء وَالصبيان
وَنهى النَّبِي ﷺ عَن قتل النِّسَاء مُطلقًا وَنبهَ على أَن عِلّة الْقَتْل إِنَّمَا هِيَ الْمُحَاربَة فَلَا يخْتَص بِامْرَأَة دون امْرَأَة وَعَن ابْن عَبَّاس لَا تقتل الْمُرْتَدَّة احتجا بقوله ﷺ من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ وَكلمَة من للْعُمُوم فَيتَنَاوَل الذُّكُور وَالْإِنَاث
وَرُوِيَ أَن امْرَأَة يُقَال لَهَا أم مَرْوَان ارْتَدَّت عَن الْإِسْلَام فأمرالنبي ﷺ أَن يعرض عَلَيْهَا الْإِسْلَام فَإِن رجعت وَإِلَّا قتلت ق
[ ٢٤١ ]
وَرُوِيَ أَنه ﷺ قتل مرتدة يُقَال لَهَا أم قرفة وَأَبُو بكر قتل مرتدة
قُلْنَا الحَدِيث وَإِن كَانَ عَاما لَكِن خص مِنْهُ الْمُكْره على الْإِسْلَام فَإِنَّهُ لَا يقتل وَإِن قصد تَبْدِيل دينه واليهودي لَو تمجس أَو تنصر وَالنَّصْرَانِيّ لَو تهود لَا يقتل وَإِن وجد التبديل حَقِيقَة وَالْعَام إِذا دخله التَّخْصِيص جَازَ تَخْصِيص الْبَاقِي بِالْقِيَاسِ وَأما الحَدِيث الثَّانِي فَلَيْسَ فِيهِ أَنه ﷺ قَتلهَا وَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَة حَال
وَأما حَدِيث أم قرفة فَغَرِيب وَلَو اشْتهر فَلَيْسَ فِيهِ أَنه قَتلهَا لردتها فَاحْتمل أَنه قَتلهَا بِسَبَب آخر وَهُوَ مَا روى أَنَّهَا كَانَت سَاحِرَة وَقيل شاعرة تهجو النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه وَكَانَ لَهَا ثَلَاثُونَ ولدا تحرضهم على قتال النَّبِي ﷺ فَيحْتَمل أَنه قَتلهَا دفعا لشرها وَمَا رُوِيَ عَن أبي بكر إِن صَحَّ فَمَحْمُول على هَذَا
مَسْأَلَة إِذا أبق العَبْد من دَار الْإِسْلَام إِلَى دَار الْحَرْب فاستولى عَلَيْهِ الْكفَّار لم يملكوه عِنْد أبي حنيفَة ﵀ وَقَالا وَالشَّافِعِيّ وَاحْمَدْ يملكونه
[ ٢٤٢ ]
لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلنْ يَجْعَل الله للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا﴾
وَلَهُم مَا روى أَن عبدا لِابْنِ عمر ﵄ أبق إِلَى دَار الْحَرْب فَأَخذه الْكفَّار فَدخل مُسلم فَاشْتَرَاهُ وَأخرجه إِلَى دَار الْإِسْلَام فاختصما إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ النَّبِي ﷺ لِابْنِ عمر خُذْهُ بِالثّمن إِن شِئْت فَدلَّ على أَنهم ملكوه بِالِاسْتِيلَاءِ
قُلْنَا هَذِه الرِّوَايَة لَا تعرف بل الْمَشْهُور أَن خَالِد بن الْوَلِيد رده على ابْن عمر بعد وَفَاة النَّبِي ﷺ
وَلَو سلم احْتمل أَنه قصد الْإِبَاق إِلَى دَار الْحَرْب فَأَخذه الْكفَّار قبل الْوُصُول إِلَيْهَا فَكَانَ الِاسْتِيلَاء عَلَيْهِ فِي دَار الْإِسْلَام وَيحْتَمل أَنه وصل إِلَى دَار الْحَرْب وَمَعَ الِاحْتِمَال لَا يكون حجَّة مَسْأَلَة الْجِزْيَة تسْقط بِالْمَوْتِ وَالْإِسْلَام وَهُوَ قَول أَحْمد وَقَالَ الشَّافِعِي لَا تسْقط وعَلى هَذَا الْخلاف وُجُوبهَا على المقعد والزمن لنا قَوْله ﷺ لاجزية على مُسلم ت
وَقد أَشَارَ مُحَمَّد ﵀ فِي السّير الْكَبِير إِلَى هَذَا فَقَالَ إِذا اسْلَمْ الذِّمِّيّ لَا يسْتَوْفى مِنْهُ الْجِزْيَة لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِك
[ ٢٤٣ ]
يَعْنِي أَن الحَدِيث يَنْفِي عَن الْمُسلم الْجِزْيَة مُطلقًا وَهَذَا مُسلم
وروى أَن ذِمِّيا طُولِبَ بالجزية فِي عهد عمر ﵁ فَأسلم فَقيل لَهُ إِنَّك أسلمت تعوذا فَقَالَ إِن أسلمت تعوذا فَإِن بِالْإِسْلَامِ نتعوذ فَأخْبر عمر ﵁ بذلك فَقَالَ صدق وَأسْقط عَنهُ الْجِزْيَة احْتج الشَّافِعِي بقوله ﷺ لصَاحب الْحق الْيَد وَاللِّسَان
قُلْنَا سقط ذَلِك بِالْإِسْلَامِ وَهُوَ يجب مَا قبله بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُور ثمَّ الْجِزْيَة عُقُوبَة على الْكفْر وَقد زَالَ
مَسْأَلَة إِذا أسلم الْحَرْبِيّ فِي دَار الْإِسْلَام فَقتله مُسلم أَو ذمِّي عمدا أَو خطأ قبل أَن يُهَاجر إِلَيْهَا فَعَلَيهِ الْكَفَّارَة دون الدِّيَة وَالْقصاص وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ عَلَيْهِ الدِّيَة وَالْكَفَّارَة فِي الْخَطَأ وَالْقصاص فِي الْعمد وَلَو أتلف مُسلم مَاله لم يضمنهُ عندنَا خلافًا لَهُ لنا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن كَانَ من قوم عَدو لكم وَهُوَ مُؤمن فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة﴾
[ ٢٤٤ ]
فَالله تَعَالَى أوجب الْكَفَّارَة بقتل من هُوَ منا دينا لَا دَارا وَلم يبين الدِّيَة وَلَو كَانَت وَاجِبَة لذكرها وروى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من أَقَامَ بَين الْمُشْركين فَلَا دِيَة لَهُ
احْتج الشَّافِعِي بقوله تَعَالَى ﴿وَمن قتل مُؤمنا خطأ فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة ودية مسلمة إِلَى أَهله﴾ وَقَالَ ﷺ (فَإِذا) قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ قُلْنَا الْآيَة لحقها التَّخْصِيص بالِاتِّفَاقِ فيخص الْمُتَنَازع فِيهِ بِمَا ذكرنَا
وَأما الحَدِيث فَالْمُرَاد مِنْهُ الْعِصْمَة الثَّابِتَة بِأَصْل التخليق فَبَقيت الْعِصْمَة بعلة كَونه آدَمِيًّا لَا بِالْإِسْلَامِ مَسْأَلَة يَصح إِسْلَام الصَّبِي عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة وَهُوَ قَول أَحْمد وَقَالَ زفر لَا يَصح وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
ونعني بِالصِّحَّةِ تَرْتِيب أَحْكَام الْإِسْلَام عَلَيْهِ نَحْو الْإِرْث من أَقَاربه الْمُسلمين وحرمان الْمِيرَاث من أَقَاربه الْمُشْركين وَحل نِكَاح الْمسلمَة لَهُ وَحُرْمَة نِكَاح المشركة عَلَيْهِ وعصمة دَمه وَمَاله وَبطلَان الْخمر وَالْخِنْزِير
[ ٢٤٥ ]
لنا مَا روى أَن عيا ﵁ أسلم وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين خَ د وروى الْخلال أَنه أسلم وَهُوَ ابْن عشر سِنِين وَقد تمدح وَقَالَ سبقتكم إِلَى الْإِسْلَام طرا صَغِيرا مَا بلغت أَوَان حلمي فلولا أَن إِسْلَامه صَحِيح لما افتخر بِهِ
والعمومات أَيْضا كَقَوْلِه ﷺ أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله فَيجب أَن يحرم التَّعَرُّض لدمه وَقَالَ ﷺ كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَإِن قيل فقد روى أَحْمد فِي الْمسند أَن عليا ﵁ أسلم بعد خمس عشرَة سنة
وَلَو سلمنَا أَنه أسلم قبل الْبلُوغ وَلكنه يحْتَمل أَنه كَانَ فِي وَقت كَانَ الْإِسْلَام يتَعَلَّق بِالْعقلِ فَلَمَّا كثر الْمُسلمُونَ صَار وجوده يتَعَلَّق بِالْخِطَابِ وَلَا خطاب فِي حق الصَّبِي
[ ٢٤٦ ]
أَو يحمل على أَنه أسلم تخلقا واعتيادا
قُلْنَا مَا تمسكنا بِهِ من الرِّوَايَة فِيهِ زِيَادَة علم فَإِن من روى خمس عشرَة سنة لم يبلغهُ إِسْلَامه وَهُوَ ابْن ثَمَان على أَنه لَو استفسر الْحَال ثَبت بطلَان هَذِه الدَّعْوَى فَإِنَّهُ إِذا كَانَ لَهُ يَوْم المبعث ثَمَان سِنِين فقد عَاشَ بعد الْبَعْث ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وَبَقِي بعد وَفَاة النَّبِي ﷺ نَحْو الثَّلَاثِينَ فَهَذِهِ نَحْو من سِتِّينَ وَهُوَ الْأَصَح فِي مِقْدَار عمره فَإِنَّهُ ثَبت أَنه قتل وَهُوَ ابْن ثَمَان وَخمسين سنة وَمَات بهَا الْحسن وَقتل بهَا الْحُسَيْن وَتُوفِّي بهَا عَليّ بن الْحُسَيْن ﵃
وَمَتى قُلْنَا إِنَّه كَانَ لَهُ يَوْم أسلم خمس عشرَة سنة صَار عمره ثمانيا وَسِتِّينَ سنة وَلم يقل بِهِ أحد
وَالَّذِي يدل على أَنه أسلم قبل الْبلُوغ أَنه قد صَحَّ أَن أول من أسلم من الرِّجَال ابو بكر وَمن النِّسَاء خَدِيجَة وَمن الصّبيان عَليّ وَمن الموَالِي سلمَان وَزيد وَأما مَا ذَكرُوهُ من الِاحْتِمَال
قُلْنَا أبدا يكون وجوب الْإِسْلَام بِالْعقلِ وَلَا يَصح أَن يكون تخلقا واعتيادا لِأَن النَّبِي ﷺ لَو دَعَاهُ تخلقا واعتيادا لم يكن إسلاما وَقد افتخر بذلك والتخلق والاعتياد لَا يفتخر بِهِ
احْتَجُّوا بِأَن الْإِسْلَام يبتنى على معرفَة الله تَعَالَى وَذَلِكَ بِالْعقلِ التَّام وَالنَّظَر الصَّحِيح وَأكْثر الْعُقَلَاء عجزوا عَن ذَلِك فَكيف يعرف بعقل غير تَامّ
[ ٢٤٧ ]
قُلْنَا عقل الصَّبِي كَامِل وَلِهَذَا يُسمى عَاقِلا مُطلقًا وَالْمُطلق من الْأَسَامِي ينْصَرف إِلَى الْكَامِل دون النَّاقِص وَرب صبي أَعقل من كثير من الرِّجَال
[ ٢٤٨ ]
= كتاب الِاسْتِحْسَان = مَسْأَلَة لَا يحل للرجل أَن يغسل زَوجته وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ يحل لَهُ ذَلِك وَاتَّفَقُوا على أَنه لَو مَاتَ الزَّوْج حل لَهَا غسله مَا دَامَت فِي الْعدة لنا مَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي الْمَرْأَة الَّتِي تَمُوت مَعَ الرِّجَال فِي السّفر ييممونها من غير فصل (بَيْنَمَا) إِذا كَانَ مَعهَا زَوجهَا أَو لم يكن
وَرُوِيَ أَنه ﷺ قَالَ من نظر إِلَى امْرَأَة أَجْنَبِيَّة حَرَامًا مَلأ الله تَعَالَى عينه يَوْم الْقِيَامَة نَارا وَهَذِه أجنبيه وَلم يفصل أحد من الْأمة بَين تَحْرِيم النّظر واللمس (وَمَتى حرم النّظر حرم اللَّمْس) وَمَتى حرم اللَّمْس حرم الْغسْل لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكّ عَنهُ لمس
وَعَن عمر ﵁ أَن امْرَأَته توفيت فسلمها إِلَى أوليائها وَقَالَ كُنَّا أَحَق بهَا مَا دَامَت حَيَّة فَإِذا مَاتَت فَأنْتم أَحَق بهَا فَإِن قيل الحَدِيث مَحْمُول على مَا إِذا لم يكن مَعهَا زَوجهَا قُلْنَا هَذَا تَقْيِيد الْمُطلق وَلَا يجوز إِلَّا بِدَلِيل
[ ٢٤٩ ]
احْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت رَجَعَ النَّبِي ﷺ ذَات يَوْم من جَنَازَة بِالبَقِيعِ وَأَنا أجد صداعا فِي رَأْسِي وَأَقُول وارأساه فَقَالَ بل أَنا وارأساه ثمَّ قَالَ مَا ضرك لَو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وَصليت عَلَيْك ودفنتك خَ د أخبر النَّبِي ﷺ أَنه لَو مَاتَت قبله لغسلها فَلَو كَانَ حَرَامًا لما أخبر بِهِ
وروت أَسمَاء بنت عُمَيْس أَن فَاطِمَة ﵂ أوصت أَن يغسلهَا عَليّ وَأَسْمَاء فغسلاها ق وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد من الصَّحَابَة فَنزل منزلَة الْإِجْمَاع قُلْنَا أما حَدِيث عَائِشَة ﵂ فَعَنْهُ أجوبة
أَحدهَا أَن البُخَارِيّ رَوَاهُ فِي صَحِيحه فَقَالَ فِيهِ فَقلت وارأساه فَقَالَ لَو كَانَ ذَلِك وَأَنا حَيّ فأستغفر لَك وأدعو لَك وَلم يذكر فغسلتك إِلَّا ابْن
[ ٢٥٠ ]
إِسْحَاق وَقد كذبه مَالك وَالْجرْح مقدم على التَّعْدِيل
وَالثَّانِي أَنه ﷺ أضَاف الْغسْل إِلَى نَفسه بطرِيق التسبيب دون الْمُبَاشرَة كَمَا يُقَال بنى الْأَمِير قصرا وَالْمرَاد بِهِ التسبيب
وَالثَّالِث أَنه ﷺ اخْتصَّ بذلك لاختصاصه بِبَقَاء نِكَاحه بعد الْمَوْت لقَوْله ﷺ كل حسب وَنسب مُنْقَطع بعد الْمَوْت إِلَّا حسبي ونسبي بِخِلَاف غَيره من الْأمة لِأَن النِّكَاح لم يبْق فِي حَقهم
وَأما حَدِيث فَاطِمَة ﵂ فقد أنكرهُ احْمَد وَفِي إِسْنَاده عبد الله بن نَافِع ضَعِيف ورواياته مضطربة
فَفِي بَعْضهَا أَن عليا ﵁ (غسلهَا وَفِي بَعْضهَا الْمَلَائِكَة غسلتها وَفِي بَعْضهَا أَنَّهَا) غسلت نَفسهَا قبل الْمَوْت ثمَّ هُوَ خبر وَاحِد وَمَتى اضْطَرَبَتْ رواياته لَا يبْقى حجَّة
[ ٢٥١ ]
أَو نقُول كَانَ عَليّ ﵁ مَخْصُوصًا بذلك لِأَنَّهُ من أنسار النَّبِي ﷺ وأنسابه لَا تَنْقَطِع بِالْمَوْتِ
وَقد عضد هَذَا أَن ابْن مَسْعُود أنكر عَلَيْهِ ذَلِك فَقَالَ لَهُ أما علمت أَن النَّبِي ﷺ ضمن لي أَنَّهَا زَوْجَتي فِي الْجنَّة وَمَتى ثَبت إِنْكَار ابْن مَسْعُود فلاإجماع
[ ٢٥٢ ]
= كتاب التَّحَرِّي = مَسْأَلَة إِذا اشتبهت الْقبْلَة على مُسَافر فِي لَيْلَة مظْلمَة فتحرى وَصلى إِلَى أَي جِهَة ثمَّ تين أَنه استدبر الْقبْلَة أَجزَأَهُ وَلَا إِعَادَة عله وَهُوَ قَول ابْن عمر وَمَالك وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم وَأحمد وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد لَا يُجزئهُ وَيلْزمهُ الْإِعَادَة
لنا مَا روى أَن الصَّحَابَة ﵃ خَرجُوا فِي غزَاة فاشتبهت عَلَيْهِم الْقبْلَة فِي لَيْلَة مظْلمَة فصلى كل وَاحِد على حياله فَلَمَّا أَصْبحُوا أخبروا النَّبِي ﷺ فَنزلت ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ ت وَقَالَ حَدِيث حسن وروى أَن أهل قبَاء لما أخبروا بتحويل الْقبْلَة استداروا إِلَيْهَا م
وَلم يستأنفوا الْمَاضِي وَتلك الصَّلَاة لم تكن إِلَى جِهَة الْقبْلَة مَعَ الْقُدْرَة على إصابتها وَمَعَ هَذَا جَازَت فتجويزها مَعَ الْعَجز أولى
احْتج الشَّافِعِي بقوله تَعَالَى ﴿فَوَلوا وُجُوهكُم شطره﴾ فَتجب التَّوْلِيَة فِي
[ ٢٥٣ ]
قَضَاء المأتى بِهِ قُلْنَا المُرَاد بِهِ حَالَة الْمُشَاهدَة لِأَن مَا ذكر فِيهِ حرج وَهُوَ تَكْلِيف مَا لَيْسَ فِي الوسع
[ ٢٥٤ ]
= كتاب الْغَصْب =
مَسْأَلَة الزَّوَائِد الْمُنْفَصِلَة عَن الْمَغْصُوب تحدث أَمَانَة كَالْوَلَدِ وَاللَّبن وَنَحْوه وَهُوَ قَول مَالك ﵁ وَكَذَا الْمُتَّصِلَة كالسمن وَالْجمال وَنَحْوهمَا وَعند الشَّافِعِي ﵁ يضمن فِي الْحَالين
وَصُورَة الْمَسْأَلَة إِذا غصب جَارِيَة سَمِينَة فهزلت عِنْده أَو ولدت فَهَلَك وَلَدهَا من غير صنعه لَا يضمن عندنَا وَكَذَا الشَّاة وَنَحْوهَا لنا النُّصُوص الْمُطلقَة لنفي الضَّمَان كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ وَقَوله ﷺ لَا يحل مَال امرىء مُسلم إِلَّا بِطيبَة من نَفسه إِلَى غير ذَلِك وَالْغَاصِب مَا فَوت يَد الْمَالِك عَن الْوَلَد فَلَا يضمن
احْتج الشَّافِعِي ﵁ قَوْله ﷺ على الْيَد مَا أخذت حَتَّى تُؤَدِّيه خَ د وَفِي لفظ حَتَّى ترده فَيجب عَلَيْهِ الرَّد بعد هَلَاك الْوَلَد وَقَوله ﷺ ردوا الغصوب والودائع ومالية الْوَلَد مَغْصُوبَة قُلْنَا أما الحَدِيث الأول فَالْمُرَاد مِنْهُ ضَمَان الرَّد
[ ٢٥٥ ]
والْحَدِيث الثَّانِي غَرِيب وَلَو اشْتهر كَانَ خبر وَاحِد ورد على مُخَالفَة الْكتاب فَلَا يقبل
مَسْأَلَة الزَّوَائِد الْمُتَّصِلَة لَا تضمن بِالْبيعِ وَالتَّسْلِيم فِي ظاهرالرواية وَذكر فِي النَّوَادِر خلافًا فَقَالَ عِنْد أبي حنيفَة لَا يضمن وَهُوَ قَول مَالك وَعِنْدَهُمَا يضمن وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
وَصورته إِذا غصب جَارِيَة فيمتها ألف فازدادت فِي يَده سمنا أَو جمالا حَتَّى صَارَت تَسَاوِي أَلفَيْنِ وَسلمهَا إِلَى المُشْتَرِي فَإِن أَرَادَ الْمَالِك تضمين المُشْتَرِي فَلهُ أَن يضمنهُ ألفي دِرْهَم بالِاتِّفَاقِ وَإِن أَرَادَ أَن يضمن الْغَاصِب فَلهُ أَن يضمنهُ ألف دِرْهَم لَا غير عِنْده وَعِنْدَهُمَا أَلفَيْنِ وَالْحجّة من الْجَانِبَيْنِ مَا ذكرنَا فِي الْمَسْأَلَة الْمَاضِيَة مَسْأَلَة المضمونات تملك بأَدَاء الضَّمَان مُسْتَندا إِلَى وَقت الْغَصْب وَهُوَ قَول مَالك وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ لَا تملك أصلا
وَصورته إِذا غصب عبدا فاكتسب مَالا فأبق من يَده وَضمن قِيمَته بِقَضَاء أَو رضَا صَار العَبْد ملكا لَهُ عندنَا حَتَّى لَو عَاد عَاد على ملكه وَكَانَت أكسابه لَهُ
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ وَثُبُوت الْملك فِي الْمَغْصُوب للْغَاصِب بعد مَا أدّى الضَّمَان تَسْوِيَة بَينهمَا فَالْقَوْل بِعَدَمِ الْملك ظلم وَإنَّهُ لَا يجوز
[ ٢٥٦ ]
احتجا بقوله ﷺ من وجد عين مَاله فَهُوَ أَحَق بِهِ
قُلْنَا لم قُلْتُمْ إِن هَذَا مَاله لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون مَاله أَن لَو كَانَ مَمْلُوكا لَهُ لِأَن مُقْتَضى هَذِه الْإِضَافَة الْملك كَمَا فِي قَوْله ﷺ أَدّوا زَكَاة أمولكم وَالْكَلَام فِيهِ مَسْأَلَة إِذا غصب حِنْطَة من إِنْسَان فطحنها انْقَطع حق الْمَالِك عَنْهَا وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ لَا يَنْقَطِع
وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا غصب حِنْطَة فزرعها أَو بَيْضَة وحضنها تَحت دجَاجَة حَتَّى صَارَت فرخة أَو ثوبا فَقَطعه وخاطه أَو شَاة فذبحها وشواها أَو سمسما أَو عنبا فعصره أَو قطنا فغزله ونسجه
لنا مَا روى أَبُو حنيفَة عَن عَاصِم بن كُلَيْب عَن أَبِيه عَن رجل من الْأَنْصَار قَالَ دعت امْرَأَة من قُرَيْش رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه فَوضعت بَين أَيْديهم طَعَاما فلاك النَّبِي ﷺ مِنْهُ مُضْغَة لحم فَلم يسغها وَقَالَ أحد لحم شَاة أخذت بِغَيْر إِذن أَهلهَا قَالَ فَأرْسلت فَقَالَت الْمَرْأَة يارسول الله إِنِّي كنت أرْسلت إِلَى البقيع اطلب شَاة فَلم أصب فبلغني أَن جارا لي اشْترى ششاة فَأرْسلت إِلَيْهِ فَلم نقدر عَلَيْهِ فَبعثت بهَا امْرَأَته فَقَالَ النَّبِي ﷺ أطعموها الْأُسَارَى ق وَفِي رِوَايَة إِنَّهَا شَاة لِجَار لنا ذبحناها لنرضيه بِالثّمن
[ ٢٥٧ ]
فلولا أَن ملك الْمَالِك زَالَ عَنْهَا وَأَنَّهُمْ ملكوها لما أَمر رَسُول الله ﷺ بالتصدق بهَا وَقَوله ﷺ الْمَرْء أَحَق بِكَسْبِهِ والدقيق كَسبه لِأَنَّهُ حصل بِفِعْلِهِ فَإِن قَالُوا فِي إِسْنَاد الحَدِيث الأول حميد بن الرّبيع ضعفه يحيى بن معِين استدللنا بِالْحَدِيثِ الثَّانِي احْتَجُّوا بِمَا مر فِي الْمَاضِيَة وَقد خرج الْجَواب عَنهُ مَسْأَلَة الْمَنَافِع لَا تضمن بِالْغَصْبِ والإتلاف وَهُوَ قَول مَالك ﵁ وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ ﵃ تضمن
وَصورته إِذا غصب عبدا خبازا مثلا وأمسكه شهرا ثمَّ رده إِلَى الْمَالِك لَا يضمن مَنَافِع الشَّهْر عندنَا وَكَذَا إِذا غصب مسكا فشمه ورده وَنَحْو ذَلِك
لنا إِجْمَاع الصَّحَابَة عمر وَعلي وَغَيرهمَا أَنهم حكمُوا فِي ولد الْمَغْرُور بِالْقيمَةِ والعقر وَلم يحكموا بِضَمَان الْمَنْفَعَة وَلَو كَانَ الضَّمَان وَاجِبا لحكموا بِهِ وروى أَن رجلا اسْتحق نَاقَة فَقضى لَهُ النَّبِي ﷺ بهَا وَلم ينْقل أَنه ﷺ قضى بِوُجُوب الْأجر
[ ٢٥٨ ]
فَإِن قيل التَّمَسُّك بِالْإِجْمَاع لَا يَصح لأَنهم حكمُوا بِوُجُوب الْقيمَة والعقر وسكتوا عَن غَيرهمَا وَكَانَ تعلقا بالمسكوت عَنهُ والْحَدِيث غَرِيب
قُلْنَا السُّكُوت فِي مَوضِع الْحَاجة إِلَى الْبَيَان بِمَنْزِلَة النُّطْق وَهنا الْحَاجة إِلَى بَيَان حكم الْحَادِثَة ثَابت فَلَو لم يكن ثَابتا لبينوه وَهَذَا هُوَ الْجَواب عَن الحَدِيث لَو اعْترضُوا عَلَيْهِ احْتَجُّوا بِمَا مر فِي الْمسَائِل الْمَاضِيَة وَقد أجبنا عَنهُ مَسْأَلَة الْعقار لَا يضمن بِالْغَصْبِ عِنْد أبي حنيفَة ﵁ وَهُوَ قَول أبي يُوسُف آخرا وَكَانَ يَقُول أَولا يضمن وَهُوَ قَول مُحَمَّد وَالشَّافِعِيّ وَاحْمَدْ ﵃
وَثَمَرَة الْخلاف تظهرفيما إِذا انْهَدَمت الدَّار لَا بسكنى الْغَاصِب أَو انتقصت الأَرْض لَا بزراعته لَا يضمن عندنَا خلافًا لَهُم لنا نُصُوص الزَّوَائِد الْمُنْفَصِلَة وَلَهُم قَوْله ﷺ من غصب شبْرًا من أَرض طوقه الله تَعَالَى من سبع أَرضين يَوْم الْقِيَامَة خَ سَمَّاهُ غَاصبا فَيتَحَقَّق فِي الْعقار قُلْنَا النَّبِي ﷺ سَمَّاهُ غصبا مجَازًا لتصوره بِصُورَة الظُّلم على أَن الحَدِيث حجَّة لنا لِأَنَّهُ ﷺ جعل حكم الظُّلم فِي الْعقار التطويق فِي الدَّار
[ ٢٥٩ ]
الْأُخْرَى فَلَو كَانَ لَهُ حكم آخر لبينه لِأَن الْحَاجة ماسة إِلَى الْبَيَان فَلَمَّا لم يبين علم انه لَا حكم لَهُ فِي الدُّنْيَا مَسْأَلَة إِذا غصب ساجة وَبنى عَلَيْهَا انْقَطع حق الْمَالِك وَلَزِمَه قيمتهَا وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ لَا يَنْقَطِع وتنزع من بنائِهِ وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا غصب شَاة وذبحها وشواها أَو ثوبا فَقَطعه وخاطه لنا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن أظلم مِمَّن منع مَسَاجِد الله أَن يذكر فِيهَا اسْمه وسعى فِي خرابها﴾ آيَة
وظاهرها يَقْتَضِي أَن من غصب ساجة وأدخلها فِي بِنَاء الْمَسْجِد لم يكن للْمَالِك نقض الْبناء لِأَن تخريب الْمَسْجِد حرَام احْتَجُّوا بقوله ﷺ من وجد عين مَاله فَهُوَ أَحَق بِهِ وَقَوله ﷺ لَيْسَ لعرق ظَالِم حق ت أَي لذِي عرق ظَالِم
قُلْنَا الْمَالِك مَا وجد عين مَاله لِأَنَّهُ صَار ملكا للْغَاصِب فَصَارَ واجدا مَال الْغَيْر لَا ملك نَفسه لِأَن الساجة بإدخالها فِي الْبناء صَارَت هالكة وَأما الحَدِيث الثَّانِي فَفِي إِسْنَاده ابْن إِسْحَاق ضَعِيف
[ ٢٦٠ ]
ولوسلم فتفسيره أَنه الَّذِي يغْرس فِي الأَرْض غرسا على وَجه الْغَصْب
وَلِهَذَا قَالَ عُرْوَة وَلَقَد أَخْبرنِي الَّذِي حَدثنِي بِهَذَا الحَدِيث أَنه رأى النّخل يقْلع بالفئوس فَلَا تعلق لَهُ بِمَا ذكرنَا
مَسْأَلَة إِذا أتلف الذِّمِّيّ أَو الْمُسلم خمر الذِّمِّيّ أَو خنزيره وَجب على الْمُسلم ضَمَانه بِالْقيمَةِ وعَلى الذِّمِّيّ ضَمَانه بِالْمثلِ وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ ﵄ لَا يجب عَلَيْهِ الضَّمَان
وعَلى هَذَا الْخلاف جَوَاز بيع ذمِّي من الذِّمِّيّ الْخمر وَالْخِنْزِير فَإِنَّهُ يَصح عندنَا خلافًا لَهُم لنا النُّصُوص الْمُوجبَة للضَّمَان وَقد أتلف مَالا مَعْصُوما فَيضمن دفعا للضَّرَر عَن الذِّمِّيّ لقَوْله ﷺ فَلهم مَا للْمُسلمين وَعَلَيْهِم مَا على الْمُسلمين الحَدِيث احْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَلنْ يَجْعَل الله للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا﴾ وَمُقْتَضَاهُ أَن لَا يكون لَهُ سَبِيل أَخذ الضَّمَان لآنه لم يَجْعَل لَهُ ذَلِك قُلْنَا خص من الْآيَة ضَمَان جَمِيع اموال أهل الذِّمَّة فيخص الْخمر بِمَا ذكرنَا مَسْأَلَة نُقْصَان الْولادَة ينجبر بِالْوَلَدِ إِذا كَانَ بِهِ وَفَاء بِالنُّقْصَانِ وَعند زفر لَا ينجبر وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَاحْمَدْ ﵃
وَصورته إِذا غصب جَارِيَة قيمتهَا الف فَولدت فِي يَده وعادت قيمتهَا إِلَى خَمْسمِائَة وَقِيمَة الْوَلَد خَمْسمِائَة لَا يضمن قيمَة النُّقْصَان عندنَا
[ ٢٦١ ]
وَعِنْدهم يضمن لنا نُصُوص الزَّوَائِد الْمُنْفَصِلَة وَلَهُم مَا مر من قَوْله ﷺ على الْيَد مَا أخذت حَتَّى ترد وَقد خرج الْجَواب عَنهُ
[ ٢٦٢ ]
= كتاب الْوَدِيعَة =
مَسْأَلَة الْمُودع إِذا خَالف فِي الْوَدِيعَة ثمَّ عَاد الى الْوِفَاق برِئ من الضَّمَان وَهُوَ قَول مَالك
وَقَالَ زفر لَا يبرأ وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد
وَصُورَة الْمَسْأَلَة إِذا كَانَت الْوَدِيعَة ثوبا فلبسه أَو دَابَّة فركبها
وَتَفْسِير الْعود الى الْوِفَاق ترك اللّبْس وَالرُّكُوب ومعاودة الْحِفْظ للْمَالِك
وَاخْتلف الْمَشَايِخ هَل تدخل الْعين فِي ضَمَانه حَالَة الْخلاف أم لَا
قَالَ الهنداوي لَا يدْخل
وَأَشَارَ مُحَمَّد فِي الأَصْل إِلَى أَنَّهَا تدخل فَقَالَ يبرأ عَن الضَّمَان والبراءة إِنَّمَا تكون بعد ثُبُوت الضَّمَان
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿مَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل﴾ وَالْمُودع محسن بِالْحِفْظِ لِأَنَّهُ نَائِب الْمَالِك فَلَا يجب عَلَيْهِ الضَّمَان
احْتَجُّوا بِمَا مر من قَوْله ﷺ على الْيَد مَا أخذت حَتَّى تُؤَدِّيه وبالمخالفة وَجب عَلَيْهِ الضَّمَان
قُلْنَا الْعين دخل فِي ضَمَانه مؤقتا إِلَى غَايَة الرَّد فَإِذا وجد الرَّد إِلَى نَائِب الْمَالِك وجدت غَايَة انْتِهَاء الضَّمَان
مَسْأَلَة الْمُودع إِذا سَافر بالوديعة فِي طَرِيق آمن فَهَلَكت لَا يضمن وَهُوَ قَول أَحْمد
[ ٢٦٣ ]
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ يضمن
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَو كَانَ الطَّرِيق مخوفا أَو سَافر بهَا فِي الْبَحْر فَإِنَّهُ يضمن
وَهَذَا إِذا لم يكن للوديعة حمل وَمؤنَة أما إِذا كَانَ لَهَا ذَلِك فَاخْتلف أَصْحَابنَا فِيهِ
قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ لَا يضمن سَوَاء كَانَ السّفر قَرِيبا أَو بَعيدا
وَقَالَ مُحَمَّد يضمن سَوَاء كَانَ قَرِيبا أَو بَعيدا
وَعند أبي يُوسُف إِن كَانَ بَعيدا يضمن وَإِلَّا فَلَا
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿مَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل﴾ وَهَذَا محسن يحفظ الْوَدِيعَة بِحَسب الْإِمْكَان
وروى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَيْسَ على الْمُسْتَعِير غير الْمغل ضَمَان وَلَا على الْمُسْتَوْدع غير الْمغل ضَمَان ق والمغل الخائن وَهَذَا لم (يخن)
إِلَّا أَن هَذَا الحَدِيث فِي إِسْنَاده (عَمْرو) بن عبد الْجَبَّار وَعبيدَة بن حسان ضعيفان قَالُوا وَهُوَ مَوْقُوف على شُرَيْح القَاضِي
احْتَجُّوا بِمَا مر من قَوْله ﷺ على الْيَد مَا أخذت حَتَّى تُؤَدِّيه وَقد مر الْجَواب عَنهُ
[ ٢٦٤ ]
وَبِمَا روى أَنه ﷺ قَالَ الْمُسَافِر وَمَاله عَليّ قلت إِلَّا من وَقَاه الله تَعَالَى والتسبيب الى الْهَلَاك وجد باخراج المَال إِلَى الْمَفَازَة
قُلْنَا الحَدِيث مَحْمُول على صدر الْإِسْلَام حِين كَانَت الْغَلَبَة للْكفَّار وَالطَّرِيق مخوفة فَكَانَ إِخْبَارًا عَن ذَلِك الْوَقْت وَلَا كَلَام فِيهِ
مَسْأَلَة إِذا أودع مَالا عِنْد صبي مَحْجُور عَلَيْهِ فاستهلكه لم يضمن عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد سَوَاء كَانَ طفْلا أَو مراهقا
وَعند أبي يُوسُف يضمن وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد
وَلَو أودع عِنْد عبد محجورعليه فاستهلكه يضمن بعد الْعتْق عِنْدهمَا
وَعند أبي يُوسُف وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله يضمنهُ للْحَال
لنا قَوْله ﷺ رفع الْقَلَم عَن ثَلَاث الحَدِيث
وَلَهُم مَا مر من قَوْله ﷺ على الْيَد مَا أخذت حَتَّى ترده
قُلْنَا خصت عَنهُ الودائع لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَن الْمُودع مُتَبَرّع والتضمين إِضْرَار والمحسن لَا يُقَابل بالإساءة
وَالثَّانِي أَن فِي الْعَمَل بِهِ تَعْطِيل مصَالح الودائع وسد بَاب الإنتفاع فَلَا يجب الضَّمَان
[ ٢٦٥ ]
= كتاب الْعَارِية =
مَسْأَلَة الْعَارِية أَمَانَة لَا تضمن إِلَّا بِالتَّعَدِّي
وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد ﵄ هِيَ مَضْمُونَة
وَصورته إِذا اسْتعَار ثوبا ليلبسه مثلا فَهَلَك فِي يَده من غير (تعد) لَا يضمن
وَعِنْدَهُمَا يضمن إِذا هلك فِي غير حَالَة الِانْتِفَاع
وَللشَّافِعِيّ ﵁ فِي هَلَاكه حَالَة الِانْتِفَاع قَولَانِ
وَقَالَ مَالك ﵁ هِيَ كَالرَّهْنِ فَمَا خَفِي هَلَاكه كالثياب والأثمان يضمن وَمَا لم يخف هَلَاكه كَالدَّارِ وَالدَّابَّة لم يضمن
لنا مَا مر فِي مَسْأَلَة مَا إِذا سَافر بالوديعة وَلم تُوجد مِنْهُ خِيَانَة فَلَا يضمن وَقَبضه صدر باذن الْمَالِك
احْتَجُّوا بقوله ﷺ الْعَارِية أَمَانَة مُؤَدَّاة مَضْمُونَة ت وصفهَا النَّبِي ﷺ بِكَوْنِهَا مَضْمُونَة فَمن جعلهَا أَمَانَة فقد خَالف النَّص
وروى أَنه ﷺ اسْتعَار أدرعا من صَفْوَان بن أُميَّة يَوْم حنين فَقَالَ صَفْوَان أغصبا يَا مُحَمَّد فَقَالَ بل عَارِية مَضْمُونَة خَ د
[ ٢٦٦ ]
وَقَالَ ﷺ لوفد نَجْرَان مَا يعار فَيهْلك على أَيْدِيكُم فَعَلَيْكُم ضَمَانه
وَقَالَ ﷺ على الْيَد مَا أخذت حَتَّى ترد أَي ضَمَان مَا أخذت حَتَّى تَبرأ
وروى أَن عَائِشَة ﵂ استعارت قَصْعَة من جَارة لَهَا فَتلفت فَأمر النَّبِي ﷺ برد مثلهَا
وَعَن ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة مثل مَذْهَبنَا
وَالْجَوَاب أما الحَدِيث الأول فَمَحْمُول على ضَمَان الرَّد وَالْخلاف فِي ضَمَان الْعين بِالْقيمَةِ
وَكَذَا حَدِيث صَفْوَان المُرَاد مِنْهُ ضَمَان الرَّد (وَتَسْمِيَة) الدروع عَارِية مجَاز وَلِهَذَا قَالَ أغصبا يَا مُحَمَّد فَإِنَّهُ أَخذهَا على عزم الرَّد بعد الْغناء عَنْهَا وَللْإِمَام هَذِه الْولَايَة عِنْد الْحَاجة إِلَى قتال الْمُشْركين
على أَنه قد روى أَنَّهَا كَانَت وَدِيعَة لأهل مَكَّة عِنْد صَفْوَان
وَلَو كَانَت عَارِية لَكِن لم قُلْتُمْ إِنَّه ﷺ جعل الضَّمَان لَازِما بل تطييبا لِقَلْبِهِ بِدَلِيل مَا روى أَن بَعْضهَا ضَاعَ فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ أفتغرمنا فَقَالَ يَا رَسُول الله أَنا الْيَوْم فِي الْإِسْلَام أَرغب
[ ٢٦٧ ]
وَبَاقِي الْأَحَادِيث مَحْمُولَة على ضَمَان الرَّد وَحَدِيث عَائِشَة ﵂ مَحْمُول على التّلف بِفِعْلِهَا وَالله أعلم
[ ٢٦٨ ]
= كتاب الصَّيْد والذبائح =
مَسْأَلَة مَتْرُوك التَّسْمِيَة عَامِدًا لَا يحل أكله وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَمَالك ﵄ وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ يحل سَوَاء كَانَ عَامِدًا أَو نَاسِيا وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ أَحدهمَا كَقَوْلِنَا وَالْأُخْرَى لَا يحل سَوَاء كَانَ عَامِدًا أَو نَاسِيا وَقد تساعدنا نَحن وَالشَّافِعِيّ على الْجَوَاز حَالَة النسْيَان
لنا مَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لعدي بن حَاتِم إِذا أرْسلت كلبك الْمعلم وَذكرت اسْم الله تَعَالَى فَكل وَإِن شَارك كلبك كَلْبا آخر غير معلم فَلَا تَأْكُل لِأَنَّك سميت على كلبك وَلم تسم على كلب غَيْرك خَ م ت د بِمَعْنَاهُ على الشَّرْط بِالتَّسْمِيَةِ فَلَا يحل بِدُونِهَا وروى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ذَبِيحَة الْمُسلم حَلَال وَإِن نسي التَّسْمِيَة مَا لم يتَعَمَّد هَذَا الحَدِيث غَرِيب
احْتج الشَّافِعِي ﵀ بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ (عَمَّن) ذبح وَترك
[ ٢٦٩ ]
التَّسْمِيَة نَاسِيا فَقَالَ كلوه فَإِن تَسْمِيَة الله تَعَالَى فِي قلب كل مُسلم ت وروى أَنه ﷺ قَالَ الْمُؤمن يذبح على اسْم الله تَعَالَى سمى أَو لم يسم وَعَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا سَأَلت النَّبِي ﷺ عَن الْأَعْرَاب فَقَالَت يهْدُونَ لنا لَحْمًا وَلَا نَدْرِي سموا أَو لَا فَقَالَ سموا أَنْتُم وكلوا
قُلْنَا الْأَخْبَار مَحْمُولَة على النَّاسِي وَبِه نقُول وَحَدِيث عَائِشَة فالنبي ﷺ بنى الْأَمر على الظَّاهِر أَن الْمُسلم يَأْتِي بِمَا وَجب عَلَيْهِ وَالتَّسْمِيَة وَاجِبَة حَالَة الذّبْح
مَسْأَلَة الْأُضْحِية وَاجِبَة على الْأَغْنِيَاء المقيمين عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله وَزفر وَالْحسن بن زِيَاد رحمهمَا الله سنة عِنْد أبي يُوسُف وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ
[ ٢٧٠ ]
وَعَن أَحْمد كالمذهبين وَحكى الطَّحَاوِيّ أَن مُحَمَّدًا مَعَ أبي يُوسُف
لنا مَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِنَّمَا الذّبْح بعد الصَّلَاة فَمن ذبح قبلهَا فليعد فَقَامَ أَبُو بردة بن نيار فَقَالَ عجلت ذبح شاتي وعتدي جَذَعَة فَقَالَ لن تُجزئ عَن أحد بعْدك خَ د أَمر النَّبِي ﷺ بِإِعَادَة الذّبْح قبل الصَّلَاة وروى أَنه ﷺ قَالَ ضحوا فَإِنَّهَا سنة أبيكم وَإِطْلَاق السّنة على الْأُضْحِية لَا يُنَافِي الْوُجُوب وَهَذَا الحَدِيث غَرِيب أَمر مُقْتَضَاهُ الْوُجُوب وروى أَنه ﷺ قَالَ على أهل كل بَيت فِي كل عَام أضْحِية وعتيرة خَ د وَالْعَتِيرَة اسْم الشَّاة الَّتِي تذبح فِي رَجَب إِلَّا أَنَّهَا نسخت وَبقيت الْأُضْحِية وَاجِبَة وعَلى كلمة إِيجَاب
[ ٢٧١ ]
وروى أَنه ﷺ قَالَ من لم يضح فَلَا يقربن مصلانا وَهَذَا خرج مخرج الْوَعيد على ترك الْأُضْحِية وَلَا وَعِيد إِلَّا بترك الْوَاجِب وَعَن عَليّ ﵁ لَيْسَ على الْمُسَافِر أضْحِية وَهَذَا يدل على وُجُوبهَا على الْمُقِيم وَإِلَّا لبقي الْإِيجَاب عَاما وَعنهُ ﵁ لَا جُمُعَة وَلَا تَشْرِيق وَلَا فطر وَلَا أضحى إِلَّا فِي مصر جَامع وَالْمرَاد بالأضحى الْأُضْحِية أوجبهَا فَتجب فَإِن قيل فِي إِسْنَاد الحَدِيث الأول أَبُو حَيَّان ضَعِيف وَالثَّانِي غَرِيب وتسميته إِيَّاهَا سنة يَنْفِي الْوُجُوب وَفِي الثَّالِث (أَبُو رَملَة) ضَعِيف وَلَو سلم لم يكن حجَّة لِأَنَّهُ يَقْتَضِي وجوب الْأُضْحِية على وَجه الإشتراك وعندكم يجب على كل وَاحِد من أهل الْبَيْت
[ ٢٧٢ ]
وَأما الرَّابِع فَرَوَاهُ (هرير) بن عبد الرَّحْمَن عَن عَائِشَة ﵂ وَلم يلقها وَلَو سلمت عارضناها بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ثَلَاث كتب عَليّ وَهِي لكم سنة الْوتر وَالضُّحَى والأضحى خَ د وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أمرت بالنحر وَلَيْسَ بِوَاجِب ق وَقَالَ ﷺ إِذا رَأَيْتُمْ هِلَال ذِي الْحجَّة وَأَرَادَ أحدكُم أَن يُضحي فليمسك عَن شعره وأظفاره م وروى أَنه ﷺ ضحى بكبشين أملحين أَحدهمَا عَن نَفسه وَالْآخر عَن أمته م د بِمَعْنَاهُ وروى أَن أَبَا بكر وَعمر ﵄ كَانَا لَا يضحيان السّنة والسنتين مَخَافَة أَن
[ ٢٧٣ ]
يرى النَّاس أَنَّهَا وَاجِبَة وَكَذَا رُوِيَ عَن (أبي) مَسْعُود الْأنْصَارِيّ وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه اشْترى لَحْمًا بِدِرْهَمَيْنِ وَقَالَ هَذِه أضْحِية ابْن عَبَّاس وَمثله عَن ابْن عمر وبهذه الْأَخْبَار والْآثَار يحْتَج الْخُصُوم
وَالْجَوَاب أما الأول فقد رُوِيَ من غير طَرِيق أبي حَيَّان وَفِي لفظ النَّسَائِيّ من ذبح قبل الصَّلَاة فَإِنَّمَا هُوَ لحم قدمه لأَهله وَلَيْسَ من النّسك فِي شئ وَأما الثَّانِي فمشهور فِي كتب الْفُقَهَاء وَلَا خَفَاء أَنَّهَا سنة أَبينَا إِبْرَاهِيم ﵊ لَكِن نَبينَا ﷺ أَمر بهَا وَأما (أَبُو رَملَة) فاسمه عَامر وَهُوَ ثِقَة وَأما أهل الْبَيْت فَنَقُول المُرَاد من أهل الْبَيْت (الْقيم) عَلَيْهِم لِأَن الْيَسَار شَرط وَالْغَالِب أَن يكون (للقيم) دون غَيره
[ ٢٧٤ ]
وَأما الرَّابِع فَإِن ثَبت مَا قَالُوا فَتلك صفة الْإِرْسَال وَهُوَ حجَّة عندنَا بِهِ وَأما أَحَادِيثهم أما الأول فَفِي إِسْنَاده جَابر الْجعْفِيّ ضَعِيف باتفاقهم وَكَذَا هُوَ فِي الثَّانِي وَلَو صَحَّ قُلْنَا بِمُوجبِه فَإِن الْأُضْحِية لم تكْتب علينا وَإِنَّمَا هِيَ وَاجِبَة (و) بَين الْمَكْتُوبَة وَالْوَاجِب من الْفرق كَمَا بَين (الْقدَم) وَالْفرق وَأما الثَّالِث (فالتعليق) بالإرادة لَا يُنَافِي الْوُجُوب لِأَنَّهَا على الْقَادِر وَأما الرَّابِع فَمَحْمُول على أَنه كَانَ فِي الإبتداء وَأما الْآثَار فَالْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا بَين الصَّحَابَة أَو يحمل على حَالَة السّفر فَإِنَّهُمَا كَانَا يضحيان إِذا أَقَامَا وَإِذا سافرا لم (يضحيا) أَو يحمل على أَن أَبَا بكر وَعمر ﵄ لم يفضل من رزقهما شئ عَن كفايتهما أَو كَانَ عَلَيْهِمَا دين وَكَذَا مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِالْوَاجِبِ الْفَرْض فَلَا يكون حجَّة وَلَو وَقع التَّعَارُض طلبنا التَّرْجِيح وَذَلِكَ من قَوْله تَعَالَى ﴿فصل لِرَبِّك وانحر﴾
[ ٢٧٥ ]
وَمَعْنَاهُ (صل) الْعِيد وانحر الْبدن وَمُطلق الْأَمر للْوُجُوب وَمَا وَجب على النَّبِي ﷺ وَجب على الْأمة لِأَنَّهُ قدوة وَكَانَت أخبارهم أَخْبَار آحَاد وَردت على مُخَالفَة الْكتاب فَلَا (تقبل)
مَسْأَلَة الْجَنِين لَا يتذكى بِذَكَاة أمه عِنْد أبي حنيفَة وَزفر رحمهمَا الله
وَقَالا يتذكى وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد وَمَالك ﵀ مَعنا فِيمَا لم يكمل خلقه وَمَعَهُمْ فِيمَا إِذا كمل
وَصُورَة الْمَسْأَلَة إِذا نحر بَدَنَة أَو ذبح بقرة أَو شَاة فَخرج مِنْهَا جَنِين ميت لَا يحل أكله عِنْد أبي حنيفَة ﵀ أشعر أَو لم يشْعر خلافًا لَهُم
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ والجنين ميتَة وَلم يذكر اسْم الله تَعَالَى أَيْضا عَلَيْهِ فَلَا يحل
احْتَجُّوا بقوله ﷺ ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه خَ د جعل ذَكَاة الْأُم ذَكَاة الْجَنِين وَفِي رِوَايَة ابي سعيد قَالَ قلت يَا رَسُول الله إِنَّا نَنْحَر النَّاقة أَو نذبح الْبَقَرَة وَالشَّاة فَيخرج من بَطنهَا جَنِين ميت أفنلقيه أم لَا فَقَالَ ﷺ كُله فَإِن ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه أشعر أَو لم يشْعر ق
[ ٢٧٦ ]
قُلْنَا الحَدِيث خبر وَاحِد ورد على مُخَالفَة الْكتاب فَلَا يقبل وَلَو سلم فَعَنْهُ جوابان
أَحدهمَا أَن معنى قَوْله نجد فِي بَطنهَا جَنِينا مَيتا أَي قَارب الْمَوْت كَقَوْلِه ﷺ لقنوا مَوْتَاكُم شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَمَعْنَاهُ الَّذِي قرب من الْمَوْت
وَالثَّانِي أَنه قد روى بِنصب الْهَاء ذكره الْخطابِيّ فِي غَرِيب الحَدِيث ونصبه بِنَزْع الْخَافِض وَمَعْنَاهُ ذَكَاة الْجَنِين كذكاة أمه وَلَو كَانَت الرِّوَايَة بِالرَّفْع احْتمل التَّشْبِيه أَيْضا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وجنة عرضهَا كعرض السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ وَقَالَ الشَّاعِر فعيناك عَيناهَا وجيدك جيدها سوى أَن عظم السَّاق مِنْك دَقِيق
الْمَسْأَلَة يكره أكل لحم الْخَيل عِنْد أبي حنيفَة ﵀ وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس خلافًا للباقين وَاخْتلفُوا على قَوْله أَنه كَرَاهَة تَنْزِيه أَو تَحْرِيم وَالأَصَح التَّحْرِيم لَهُ مَا روى خَالِد بن الْوَلِيد أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن لُحُوم البغال وَالْحمير وَالْخَيْل خَ د
[ ٢٧٧ ]
وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول لَا يحل أكل لُحُوم الْخَيل فَإِن قيل ذكر الْوَاقِدِيّ أَن خَالِدا أسلم بعد خَيْبَر وَفِي إِسْنَاده صَالح بن يحيى (مَجْهُول) وَلَو سلم حمل على إشفاق خَالِد على الْخَيل لأجل الْجِهَاد
قُلْنَا الْوَاقِدِيّ كَذَّاب باتفاقهم (و) إِسْلَام خَالِد وَإِن كَانَ يَوْم الْفَتْح لَا يَنْبَغِي أَن يكون سمع النَّبِي ﷺ يَقُول ذَلِك أَو رَوَاهُ لَهُ بعض الصَّحَابَة وَصَالح بن يحيى يعرف بجده لقِيَامه مقَام أَبِيه والْحَدِيث احْتج بِهِ الْكَرْخِي وَحَملهمْ ذَلِك من خَالِد على الإشفاق لَا يَصح لِأَنَّهُ يصير حِينَئِذٍ مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَهُوَ مَرْفُوع وَلَو كَانَ كَذَلِك لم يضرنا لِأَن الْمَوْقُوف فِي مثل هَذَا كالمرفوع
احْتَجُّوا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ نهى يَوْم خَيْبَر عَن لُحُوم الْحمر وَأذن فِي لُحُوم الْخَيل (خَ د) (وروى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة ﵃ أَنهم كَانُوا يَأْكُلُون لُحُوم الْخَيل)
[ ٢٧٨ ]
على عهد رَسُول الله ﷺ وَقَالَت أَسمَاء بنت أبي بكر نحرنا فِي عهد رَسُول الله ﷺ فرسا وأكلناه نس
قُلْنَا هَذَا خبر وَاحِد ورد على مُخَالفَة الْكتاب وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحمير لتركبوها وزينة﴾ فالآية خرجت مخرج الامتنان فَلَو كَانَ حل الْأكل ثَابتا لم يمتن علينا بذلك وَفعل بعض الصَّحَابَة إِنَّمَا يكون حجَّة إِذا عمله النَّبِي ﷺ وأقرهم عَلَيْهِ والْحَدِيث لَا يتَعَرَّض لذَلِك
[ ٢٧٩ ]
= كتاب الْهِبَة =
مَسْأَلَة هبة الْمشَاع فِيمَا يحْتَمل الْقِسْمَة ى يُفِيد الْملك قبل الْقِسْمَة عندنَا وَهُوَ قَول أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد ﵃ يُفِيد وَاتَّفَقُوا على أَن هبة الْمشَاع فِيمَا لَا يحْتَمل الْقِسْمَة كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّة يُفِيد ذَلِك وَبَعض الْمَشَايِخ يَقُول هِيَ فَاسِدَة وَلَيْسَ بِصَحِيح
لنا مَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (لَا تصح) الْهِبَة إِلَّا محوزة مقسومة هَذَا الحَدِيث غَرِيب
احْتَجُّوا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ لما هَاجر وَنزل منزل أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ طلب موضعا يبْنى فِيهِ الْمَسْجِد فَقيل لَهُ عَن مَكَان مُشْتَرك بَين أسعد (بن) زُرَارَة وَبَين رجلَيْنِ فساوم النَّبِي ﷺ اِسْعَدْ فَأبى ووهبه مِنْهُ ثمَّ ساومهما أسعد فأبيا ووهباه مِنْهُ فبناه النَّبِي ﷺ مَسْجِدا فَهُوَ مَسْجده وَسعد لما وهب نصِيبه كَانَ شَائِعا وروى أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فِي بعض الْغَزَوَات بكبة شعر وَقَالَ إِنَّمَا أَخَذتهَا لأصلح بهَا بردعة بَعِيري فَلَمَّا نهى الله تَعَالَى عَن الْغلُول حَيْثُ نهى فَقَالَ ﷺ
[ ٢٨٠ ]
مَا يُصِيبنِي فَهُوَ لَك وروى أَنه ﷺ لما جَاءَهُ وَفد هوَازن يَوْم حنين قَالُوا يَا مُحَمَّد من علينا من الله عَلَيْك فَقَالَ اخْتَارُوا بَين نِسَائِكُم وَأَمْوَالكُمْ وأبنائكم فَقَالُوا نَخْتَار أَبْنَائِنَا فَقَالَ أما مَا كَانَ لي ولبني عبد الْمطلب فَهُوَ لكم وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ مَا كَانَ لنا فَهُوَ لرَسُول (الله) ﷺ وَقَالَت الْأَنْصَار كَذَلِك خَ د وَهَذِه هبة الْمشَاع وروى أَن النَّبِي ﷺ اشْترى ثوبا وَقَالَ للوزان زن وأرجح وَالزِّيَادَة هبة الْمشَاع فِي الثّمن وروى أَن مولى لعطاء أقْرض عبد الله بن مَسْعُود دَرَاهِم فَدفع إِلَيْهِ دَرَاهِم فِي كيس تزيد على حَقه فَأخْبرهُ بِالزِّيَادَةِ فَقَالَ هِيَ لَك ويروى مثله عَن عمر وَهَذِه هبة الْمشَاع
وَالْجَوَاب أما الحَدِيث الأول فَيحْتَمل أَن نصِيبه كَانَ مفرزا وَيحْتَمل أَنه وهب وَلم يسلم إِلَى النَّبِي ﷺ حَتَّى وهبوا وسلموا جَمِيعًا وَمثل هَذَا جَائِز عندنَا
[ ٢٨١ ]
وعَلى هَذَا يحمل الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّالِث وَأما الرَّابِع فَلَا نسلم أَن قَوْله زن وأرجح هبة بل زِيَادَة فِي الثّمن وَكَذَا الْأَثر فليلتحق بِأَصْل العقد وَيكون لَهَا حكم الثّمن لما عرف فِي مَوْضِعه
مَسْأَلَة إِذْ وهب هبة لأَجْنَبِيّ بِلَا عوض كَانَ لَهُ حق الرُّجُوع وَهُوَ قَول عمر وَعُثْمَان وَابْن عمر ﵃ وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد ﵄ لَيْسَ لَهُ ذَلِك وَاتَّفَقُوا على أَنه لَو وهب لزوجته أَو لذِي رحم محرم مِنْهُ أَنه لَا يملك الرُّجُوع وَلَو وهب الْوَالِد لوَلَده فعندنا لَا يملك الرُّجُوع خلافًا لَهما
لنا قَوْله ﷺ الْوَاهِب أَحَق بهبته مَا لم يثب (مِنْهَا) ق وروى ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا كَانَت الْهِبَة لذِي رحم محرم لم يرجع فِيهَا ق وَفِي رِوَايَة وَلَو كَانَت لأَجْنَبِيّ فَلهُ الرُّجُوع فِيهَا
احْتَجُّوا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يرجع الْوَاهِب فِي هِبته إِلَّا الْوَالِد من وَلَده والعائد فِي هِبته كَالْكَلْبِ يعود فِي قيئه د
[ ٢٨٢ ]
وَقد روى البُخَارِيّ وَمُسلم مَعْنَاهُ بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة وَالْجَوَاب عَنهُ وَعَن كل مَا ورد فِي مَعْنَاهُ أَنا نقُول بِمُوجبِه فَإِنَّهُ لَو رَجَعَ عندنَا كره لَهُ ذَلِك وروى الْكَرْخِي عَن أَصْحَابنَا أَنه حرَام وَلَكِن يرفع الْأَمر إِلَى الْحَاكِم حَتَّى يفْسخ الْهِبَة فَيُعِيد إِلَيْهِ قديم الْملك والْحَدِيث لَا يَنْفِي ذَلِك كَقَوْلِه ﷺ لَا تنْكح الْمَرْأَة نَفسهَا وَهَذَا يَنْفِي حَالَة الْمُبَاشرَة بِنَفسِهَا لَكِن لَهَا أَن ترفع الْأَمر الى الْحَاكِم حَتَّى يُزَوّجهَا فَكَذَا هَذَا أَو يحمل الرُّجُوع إِلَى الْمُرُوءَة وَالْعَادَة وَلَيْسَ أَن يفعل ذَلِك وَلَو فعل (ذَلِك) كَانَ (كَأَنَّمَا عَاد) وَيعود ملكه فِي الْمَوْهُوب وَالْمرَاد من قَوْله ﷺ (كالعائد) فِي قيئه يَعْنِي الْكَلْب لَا الْآدَمِيّ وَفعل الْكَلْب لَا يُوصف بِالصِّحَّةِ وَالْفساد وَإِنَّمَا يُوصف بالقبح طبعا وَعَادَة وَالله أعلم
[ ٢٨٣ ]
= كتاب الْبيُوع =
مَسْأَلَة البيع الْفَاسِد يُفِيد الْملك إِذا اتَّصل بِهِ الْقَبْض عندنَا وَقَالَ زفر لَا يُفِيد أصلا وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وللمسألة صور مِنْهَا بيع الدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ والقفيز بالقفيزين وَالْبيع بِثمن مَجْهُول أَو إِلَى أجل مَجْهُول وَالْبيع بِأَلف دِرْهَم ورطل خمر وَبيع الْمَنْقُول قبل الْقَبْض
لنا قَوْله ﷺ لَا تَبِيعُوا الدِّينَار بِالدِّينَارَيْنِ وَلَا الدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ م نهى وَالنَّهْي يَقْتَضِي تصور الْمنْهِي عَنهُ
احْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَحرم الرِّبَا﴾ وَنهى النَّبِي ﷺ عَن بيع وَشرط ت
قُلْنَا لَيْسَ فِي الْآيَة وَحرم البيع فَلَا يُعَارض وَأما الحَدِيث فالنهي لِمَعْنى فِي غَيره لَا فِي نَفسه
مَسْأَلَة لَا يجوز بيع قفيز جص بقفيزي جص وَلَا رَطْل حَدِيد برطلي حَدِيد وَقَالَ الشَّافِعِي يجوز وعَلى هَذَا الْخلاف كل مَكِيل غير مطعوم وكل مَوْزُون (يدا بيد) غير الْأَثْمَان
لنا قَوْله ﷺ الْحِنْطَة بِالْحِنْطَةِ مثلا بِمثل يدا بيد وَالْفضل رَبًّا وَالشعِير
[ ٢٨٤ ]
بِالشَّعِيرِ مثلا بِمثل يدا بيد وَالْفضل رَبًّا وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ مثلا بِمثل وَالْفضل رَبًّا وَالْملح بالملح مثلا بِمثل يدا بيد وَالْفضل رَبًّا وَالْوَرق بالورق مثلا بِمثل يدا بيد وَالْفضل رَبًّا (خَ د) وَفِي لفظ وَكَذَا كل مَا يُكَال ويوزن فالتساوي وَاجِب فِي الْأَشْيَاء السِّتَّة فَكَذَا فِي كل مَا يُكَال ويوزن لِأَنَّهُ ﷺ عطف كل مَا يُكَال ويوزن على الْأَشْيَاء السِّتَّة فَإِن قيل الزِّيَادَة فِي الحَدِيث غير ثَابِتَة وَلِهَذَا لم يروها مُحَمَّد فِي الحَدِيث لِأَنَّهُ رَوَاهُ فِي أول كتاب الْبيُوع وَالصرْف
قُلْنَا الزِّيَادَة ثَابِتَة رَوَاهَا مَالك وَإِنَّمَا تَركهَا مُحَمَّد لاحْتِمَال أَنَّهَا لم تبلغه بل بلغه الحَدِيث بِدُونِهَا
[ ٢٨٥ ]
احْتَجُّوا بقوله ﷺ لَا رَبًّا إِلَّا فِي النَّسِيئَة خَ د والربا هُنَا غير مُتَحَقق
قُلْنَا الحَدِيث اسْتِدْلَال بالمسكوت عَنهُ
مَسْأَلَة الْجِنْس بِانْفِرَادِهِ يحرم النسأ وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يحرم وَعَن أَحْمد كالمذهبين
وَصورته إِذا أسلم ثوبا هروبا فِي ثوب هروي أَو هرويا فِي مروى وَنَحْو ذَلِك لَا يجوز وَعِنْده يجوز وَاتَّفَقُوا على أَنه لَو أسلم هروبا فِي مروى جَازَ
لنا قَوْله ﷺ لَا رَبًّا إِلَّا فِي النَّسِيئَة وروى أَنه ﷺ نهى عَن بيع الْحَيَوَان (بِالْحَيَوَانِ) نَسِيئَة خَ د وروى ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن بيع النجيبة بالنجيبتين وَالْفرس بالفرسين فَنهى عَنهُ إِلَّا يدا بيد ق بِمَعْنَاهُ
[ ٢٨٦ ]
وَعَن عَليّ ﵁ لَا بَأْس بِبيع العَبْد بالعبدين وَالثَّوْب بالثوبين يدا بيد إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة
احْتج بِمَا روى عَن (عبد الله بن) عَمْرو بن الْعَاصِ أَن النَّبِي ﷺ أمره أَن يُجهز الْجَيْش فَقَالَ (عبد الله بن) عَمْرو مَا عِنْدِي ظهر فَأمره النَّبِي ﷺ أَن يبْتَاع ظهرا إِلَى خُرُوج الْمُصدق فَابْتَاعَ الْبَعِير بالبعيرين وبالأبعرة إِلَى خُرُوج الْمُصدق بِأَمْر النَّبِي ﷺ ق وَرخّص النَّبِي ﷺ فِي السّلم مُطلقًا وروى أَنه ﷺ استسلف من رجل بكرا فَأَتَتْهُ إبل من إبل الصَّدَقَة فَقَالَ أَعْطوهُ فَقَالُوا لَا نجد لَهُ إِلَّا رباعيا خيارا فَقَالَ أَعْطوهُ فَإِن خير النَّاس أحْسنهم قَضَاء م وَعَن عَليّ ﵁ أَنه بَاعَ بَعِيرًا يُقَال لَهُ عصيفيرا بِعشْرين بَعِيرًا إِلَى أجل وَابْن عمر ابْتَاعَ رَاحِلَة بأَرْبعَة أَبْعِرَة إِلَى أجل
[ ٢٨٧ ]
قُلْنَا هَذِه أَخْبَار آحَاد وَردت على مُخَالفَة قَوْله تَعَالَى ﴿وَحرم الرِّبَا﴾ وَلَو سلمت فللإمام أَخذ مَال يذب بِهِ عَن الْإِسْلَام مَعَ إرضاء أَصْحَابه بالمضاعفة فَيحمل على ذَلِك لِئَلَّا تتناقض الْأَخْبَار
مَسْأَلَة التَّقَابُض فِي بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ لَيْسَ بِشَرْط لجَوَاز العقد قَالَ (الشَّافِعِي) هُوَ شَرط حَتَّى لَو افْتَرقَا عَن الْمجْلس بِدُونِ الْقَبْض لَا يبطل العقد عندنَا خلافًا لَهُ وَقد تساعدنا على أَنَّهُمَا لَو افْتَرقَا عَن مجْلِس العقد فِي بيع الذَّهَب بِالذَّهَب أَو الْفضة قبل التَّقَابُض أَنه يبطل العقد
لنا أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن بيع الطَّعَام حَتَّى يجْرِي فِيهِ الصاعان صَاع البَائِع وَالْمُشْتَرِي ق وَمُقْتَضَاهُ أَن المُشْتَرِي لَو كاله وَجب أَن يجوز لَهُ بَيْعه عملا بِكَلِمَة حَتَّى
وَاحْتَجُّوا بقوله ﷺ الْحِنْطَة بِالْحِنْطَةِ الحَدِيث ذكر الْيَد وَالْمرَاد بهَا الْقَبْض حَقِيقَة لِأَنَّهَا آلَة
قُلْنَا لَيْسَ المُرَاد مِنْهُ الْيَد حَقِيقَة فِي عرف التُّجَّار بل النَّقْد ثمَّ هُوَ خبر وَاحِد ورد على مُخَالفَة قَوْله تَعَالَى ﴿وَأحل الله البيع وَحرم الرِّبَا﴾ من غير تَقْيِيد بِشَرْط التَّقَابُض
مَسْأَلَة إِذا بَاعَ كرّ حِنْطَة وكر شعير بكري حِنْطَة وَكري شعير (أَو
[ ٢٨٨ ]
بَاعَ) درهما ودينارا بِدِرْهَمَيْنِ ودينارين جَازَ وَيصرف الْجِنْس إِلَى خلاف الْجِنْس أَو درهما صَحِيحا وَآخر قراضة بصحيحين أَو مكسورين أَو جيدا ورديئا بجيدين ورديئين أَو بجيد وردئ أَو مد عَجْوَة ودرهما بمدي عَجْوَة جَازَ وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يجوز وَعَن أَحْمد كالمذهبين وللمسألة لقبان أَحدهمَا مد عَجْوَة وَالثَّانِي مَسْأَلَة الأكرار
لنا قَوْله ﷺ إِذا اخْتلف النوعان فبيعوا كَيفَ شِئْتُم وَلَا خلاف فِي الِاخْتِلَاف احْتج (الشَّافِعِي ﵁) بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا تَبِيعُوا الطَّعَام بِالطَّعَامِ إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء خَ بِمَعْنَاهُ وروى فضَالة بن عبيد قَالَ أَتَى النَّبِي ﷺ بقلاة يَوْم خَيْبَر فِيهَا در ذهب ابتاعها رجل بسبعة دَنَانِير وروى بِسِتَّة فَقَالَ ﷺ لَا حَتَّى تميز بفصل بَينهمَا
[ ٢٨٩ ]
وَفِي رِوَايَة بقلادة فِيهَا خرز مُعَلّق بِذَهَب فَقَالَ لَا حَتَّى تميز بَينهمَا م
قُلْنَا الْكَلَام فِي جَوَاز البيع بِخِلَاف الْجِنْس لَا فِي الْجِنْس
مَسْأَلَة يجوز بيع الرطب بِالتَّمْرِ عِنْد ابي حنيفَة مُتَسَاوِيا كَيْلا
وَقَالا لَا يجوز وَهُوَ قَول البَاقِينَ وَاتَّفَقُوا على ان بَيْعه بِالتَّمْرِ متفاوتا لَا يجوز
لنا أَنه ﷺ نهى عَن بيع النّخل حَتَّى يزهو ت وَفِي رِوَايَة عَن بيع التَّمْر حَتَّى يزهى قيل وَمَا يزهى قَالَ حَتَّى يحمر أَو يصفر سَمَّاهُ النَّبِي ﷺ تَمرا قبل أَن يحمر أَو يصفر وروى أَنه ﷺ أهْدى لَهُ عَامل خَيْبَر رطبا فَقَالَ أكل تمر خَيْبَر هَكَذَا
[ ٢٩٠ ]
وروى أَن أَبَا حنيفَة ﵀ لما دخل بَغْدَاد سُئِلَ عَن هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَالَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون الرطب تَمرا أَو لَا فَإِن كَانَ تَمرا جَازَ البيع لقَوْله ﷺ التَّمْر بِالتَّمْرِ مثلا بِمثل يدا بيد فَيكون بيعا مُعْتَبرا وَإِن لم يكن تَمرا جَازَ (أَيْضا) لقَوْله ﷺ إِذا اخْتلف النوعان فبيعوا كَيفَ شِئْتُم
احْتَجُّوا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ فَقَالَ أينقص إِذا يبس قَالُوا نعم قَالَ فَلَا إِذا خَ د نَص النَّبِي ﷺ على الحكم وَنبهَ على الْعلَّة
قُلْنَا الحَدِيث ضَعِيف لوجوه
أَحدهمَا أَن مداراة على زيد أبي عَيَّاش قَالَ أَبُو حنيفَة ﵁ وَهُوَ مَجْهُول وَضَعفه ابْن الْمُبَارك وَالثَّوْري وَالْبُخَارِيّ وَلم يخرج عَنهُ مُسلم وَإِنَّمَا ذكره فِي كتاب الكنى وَالْجرْح مقدم
[ ٢٩١ ]
وَالثَّانِي أَنه غَرِيب وَمَا روينَاهُ مَشْهُور
وَالثَّالِث أَنه مؤول وتأويله أَن التَّمْر كَانَ ملكا ليتيم فَكَانَ نهى شَفَقَة لِأَنَّهُ قرْبَان مَال الْيَتِيم لَا على وَجه الْأَحْسَن وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي فَسَاد البيع وَلَو سلم حمل على بَيْعه نَسِيئَة لما روى أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ نَسِيئَة ق
مَسْأَلَة يجوز بيع اللَّحْم بِالشَّاة عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَعند مُحَمَّد لَا يجوز إِلَّا على وَجه الِاعْتِبَار
وَتَفْسِيره أَن يكون اللَّحْم أَكثر مِمَّا فِي الشَّاة من اللَّحْم ليَكُون لَحمهَا بِمثلِهِ وَالزِّيَادَة بِإِزَاءِ جلدهَا وسقطها وَقَالَ مَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ ﵃ لَا يجوز أصلا
لنا نُصُوص جَوَاز البيع وَهَذَا بيع فَيجوز
احْتَجُّوا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ ق وَنهى النَّبِي ﷺ عَن بيع لحم الشَّاة بِالشَّاة الْحَيَّة
قُلْنَا الحَدِيث الأول (تفرد) بِهِ يزِيد بن مَرْوَان عَن مَالك وَلم يُتَابع عَلَيْهِ
[ ٢٩٢ ]
وَالأَصَح انه مُرْسل والمرسل عِنْدهم لَيْسَ بِحجَّة وَأما الرِّوَايَة الثَّانِيَة (فَمَا) عملته أَيْديهم وَلَو سلما كَانَ من الْأَخْبَار الْمُخَالفَة للْكتاب وَالْأَخْبَار الْمَشْهُورَة وَالْأُصُول المتقررة فيردا أَو نحمل الْخَبَر الأول على مَا إِذا كَانَ الْحَيَوَان نَسِيئَة وَاللَّحم (نَقْدا) وَقد رُوِيَ فِيهِ أَنه ﷺ نهى عَن بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ بنسإ فَهَذَا مُقَيّد وَمَا ذَكرُوهُ مُطلق فَيحمل (الْمُطلق) على الْمُقَيد كَيفَ وَإنَّهُ يجوز بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ على طَرِيق الِاعْتِبَار بِإِجْمَاع بَين أَصْحَابنَا فَصَارَ الحَدِيث مَخْصُوصًا إِن ثَبت
مَسْأَلَة يجوز بيع فلس رائج بفلسين رائجين بأعيانهما عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَعند مُحَمَّد لَا يجوز وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَاتَّفَقُوا على أَنه لَو فقد التَّعْيِين فِي الْجَانِبَيْنِ أَو أَحدهمَا لَا يجوز
لَهما نُصُوص جَوَاز البيع ولمحمد ﵀ النُّصُوص الدَّالَّة على الرِّبَا
قُلْنَا تصرف الْعَاقِل يجب تَصْحِيحه مَا أمكن وَقد أمكن هَذَا وَلَا رَبًّا لِأَنَّهُ بَاعَ
[ ٢٩٣ ]
عدديا بعددين لِأَن الْفُلُوس لَا تعرف إِلَّا بِالْعدَدِ
مَسْأَلَة إِذا اشْترى شَيْئا لم يره جَازَ البيع وَله الْخِيَار اذا رَآهُ وَهُوَ قَول الشّعبِيّ وَالْحسن وَالنَّخَعِيّ وَابْن سِيرِين وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد ﵄ لَا يَصح أصلا
وَصورته إِذا إشترى جَارِيَة منقبة أَو دَابَّة مُجَللَة أَو درة فِي حق أَو حِنْطَة فِي جوالق أَو عبدا غَائِبا وَعين مَكَانَهُ جَازَ عندنَا خلافًا لَهما
لنا مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من اشْترى شَيْئا وَلم يره فَهُوَ بِالْخِيَارِ اذا رَآهُ ق وَهَذَا يُفِيد ثُبُوت الْخِيَار بِالرُّؤْيَةِ وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا فِيمَا يَصح من الْبياعَات وروى أَن طَلْحَة بن عبيد الله اشْترى من (عُثْمَان) أَرضًا بِالْكُوفَةِ فَقيل لطلْحَة قد غبنت لِأَنَّك اشْتريت مَا لم تره وَقيل (لعُثْمَان) قد غبنت لِأَنَّك بِعْت مَا لم تره واختصما الى جُبَير بن مطعم فَأثْبت الْخِيَار لطلْحَة فَدلَّ على الْجَوَاز فَإِن قيل فِي إِسْنَاد الحَدِيث (فَأثْبت) عمر بن ابراهيم الْكرْدِي قَالَ
[ ٢٩٤ ]
الدَّارَقُطْنِيّ كَانَ يضع الحَدِيث وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف على ابْن سِيرِين وَلَو سلم فتأويله من أَرَادَ أَن يَشْتَرِي شَيْئا فَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي شِرَائِهِ إِذا رَآهُ أما قبل الرُّؤْيَة فَلَا أَو نعارضه بِمَا نحتج بِهِ وَهُوَ مَا رُوِيَ أَن حَكِيم بن حزَام قَالَ يَا رَسُول الله يأتيني الرجل فيسألني بيع مَا لَيْسَ عِنْدِي فأبيعه مِنْهُ ثمَّ ابتاعه من السُّوق فَقَالَ لَا تبع مَا لَيْسَ عنْدك خَ د وَكلمَة عِنْد للحضرة فَكَانَ نهيا عَن بيع الْغَائِب
وَالْجَوَاب أما حديثنا فقد رَوَاهُ النُّعْمَان بن بشير عَن النَّبِي ﷺ وَاحْتج بِهِ الطَّحَاوِيّ وَرَوَاهُ مُحَمَّد فِي كتاب الْمُزَارعَة عَن مُجَاهِد وَطَرِيق الطعْن فِيهِ من حَيْثُ الْإِرْسَال والمرسل حجَّة عندنَا وتأويله على مَا قَالُوا فَاسد لِأَنَّهُ نَص على الشِّرَاء فَلَا يتَنَاوَل إِرَادَة الشِّرَاء وَأما الْمُعَارضَة فحكيم بن حزَام كَانَ يَبِيع مَا لَا يملكهُ ثمَّ يدْخل السُّوق فيشتري وَيسلم فَنَهَاهُ النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك وَمَعْنَاهُ لَا تبع مَا لَيْسَ عنْدك ثمَّ هُوَ خبر وَاحِد ورد على مُخَالفَة النُّصُوص الْوَارِدَة فِي جَوَاز البيع
مَسْأَلَة بيع الْكَلْب الْمعلم والحارس جَائِز وَهُوَ قَول عُثْمَان وَعبد الله بن عَمْرو بن
[ ٢٩٥ ]
الْعَاصِ وَابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأبي هُرَيْرَة ﵃ وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد رحمهمَا الله لَا يجوز وعَلى هَذَا الْخلاف يضمن متلفة عندنَا وَفِي ظَاهر الرِّوَايَة يجوز بيع كل ذِي نَاب من السبَاع وَذي مخلب من الطير معلما كَانَ أَو غير معلم وَعَن أبي حنيفَة ﵀ لَا يجوز بيع الْأسد الْكَبِير وَيجوز بيع الجروة عِنْد بعض أَصْحَابنَا
لنا مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن بيع الْكَلْب إِلَّا كلب صيد (أَو) مَاشِيَة ق وَفِي رِوَايَة إِلَّا الْكَلْب الضاري والمعلم ق وَعَن عُثْمَان ﵁ أَنه أوجب فِي إِتْلَاف كلب عشْرين بَعِيرًا وَعَن عَمْرو بن الْعَاصِ بِأَرْبَعِينَ بَعِيرًا
[ ٢٩٦ ]
فان قيل الحَدِيث الأول فِي إِسْنَاده الْوَلِيد بن (عبد الله) ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ وَالثَّانِي مَوْقُوف على جَابر كَذَا ذكر التِّرْمِذِيّ ثمَّ هُوَ معَارض بِمَا نحتج بِهِ وَهُوَ نهى النَّبِي ﷺ عَن ثمن الْكَلْب وَكسب (الْحجام) وَمهر البغى وحلوان الكاهن خَ د وَقَالَ ﷺ شَرّ الْكسْب ثمن الْكَلْب وَإنَّهُ سحت ق فَاقْتضى الْحُرْمَة وروى أَنه ﷺ قَالَ الْكَلْب خَبِيث وثمنه خَبِيث وَإِذا أَتَاك صَاحب كلب يطْلب ثمنه فاملأ فَمه من تُرَاب خَ د وروى أَنه ﷺ قَالَ إِن الله تَعَالَى إِذا حرم شَيْئا حرم ثمنه
[ ٢٩٧ ]
وَالْجَوَاب أما تَضْعِيف الدَّارَقُطْنِيّ فَلَا يقبل إِذا انفر
وَأما الثَّانِي فَقَالَ أَبُو عبد الله الْجِرْجَانِيّ لَا أعرفهُ إِلَّا مَرْفُوعا وَلَا يمْتَنع أَن جَابِرا رَوَاهُ مَرْفُوعا ثمَّ قَالَه بعد ذَلِك توقيفا بِنَاء على الأول وَأما الْأَخْبَار فآحاد وَردت على مُخَالفَة النُّصُوص الْمُطلقَة فِي جَوَاز البيع مَسْأَلَة يجوز بيع الْعقار قبل الْقَبْض عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَهُوَ قَول أَحْمد وَقَالَ مُحَمَّد لَا يجوز وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَاتَّفَقُوا على عدم جَوَاز بيع الْمَنْقُول قبل الْقَبْض وَثَمَرَة الِاخْتِلَاف تظهر فِي طيب ربحه فعندنا يطيب إِذا بَاعَ قبل الْقَبْض خلافًا لَهُم لنا النُّصُوص الْمُطلقَة فِي جَوَاز البيع وَلَهُم مَا روى أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن بيع مَا لم يقبض خَ د من غير فصل وَمُطلق النَّهْي يَقْتَضِي الْفساد
وَقَالَ ﷺ لعتاب بن أسيد لما بَعثه قَاضِيا على مَكَّة انههم عَن بيع مالم يقبضوا (و) ربح مَا لم يضمنوا
[ ٢٩٨ ]
وَقَالَ ﷺ لحكم بن حزَام إِذا بِعْت شَيْئا فَلَا تبعه حَتَّى تقبضه وَهَذَا عَام كل مَبِيع قُلْنَا أما الحَدِيث الأول فحكاية لفظ الرَّاوِي
وَحَدِيث عتاب المُرَاد مِنْهُ الْمَنْقُول دون الْعقار لِأَن النَّهْي تنَاول أهل مَكَّة وهم كَانُوا يبيعون الْمَنْقُول وَالْبناء دون الأَرْض لِأَن أَرَاضِي مَكَّة محررة عَن التَّمْلِيك فَيَنْصَرِف النَّهْي إِلَى مَا اعتادوه وَكَذَا حَدِيث حَكِيم بن حزَام على أَنَّهَا عرفية وَردت على مُخَالفَة الْكتاب وَقد خص مِنْهَا الممهور والموروث وَالْعَبْد الْمُعْتق وَقَالَ الشَّافِعِي لَا تمنع
وللمسألة صور مِنْهَا إِذا اشْترى أمة فَولدت بعد الْقَبْض ثمَّ وجد بِالْأُمِّ عَيْبا لم يردهَا بل لَهُ الْأَرْش وَسَوَاء رَضِي البَائِع بِالرَّدِّ أم لَا وَعِنْده يردهَا بِجَمِيعِ الثّمن وَيسلم لَهُ الْوَلَد وَهَذِه الصُّورَة هِيَ الْمَشْهُورَة وَمِنْهَا إِذا اشْترى نخلا بكر تمر فأثمر كرا قبل الْقَبْض فالكر الْحَادِث مَبِيع عندنَا حَتَّى لَو قبضهَا انقسم الثّمن على النَّخْلَة يَوْم العقد وعَلى الْكر يَوْم الْقَبْض ويطيب لَهُ قدر مَا يُصِيبهُ من الثّمن وَيتَصَدَّق بِالْبَاقِي وَعِنْده الثّمن كُله فِي مُقَابلَة النَّخْلَة ويطيب لَهُ الْكر الْحَارِث
[ ٢٩٩ ]
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿وَحرم الرِّبَا﴾
وَيرد الْأُم بِدُونِ الْوَلَد بِجَمِيعِ الثّمن لتحَقّق الرِّبَا لِأَنَّهُ يبْقى الْوَلَد مستفادا بِغَيْر مُقَابلَة شَيْء وَله قَوْله ﷺ الرَّد بِالْعَيْبِ وَالْخَرَاج بِالضَّمَانِ وَهَذَا صَرِيح فِي إِثْبَات الرَّد بِالْعَيْبِ قُلْنَا هَذَا خبر وَاحِد ورد على مُخَالفَة الْكتاب مَسْأَلَة شِرَاء مَا بَاعَ بِأَقَلّ مِمَّا بَاعَ قبل نقد الثّمن الأول لَا يجوز اسْتِحْسَانًا وَهُوَ قَول ابْن الْمسيب وَمَالك وَأحمد وَقَالَ زفر يجوز قِيَاسا وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
وَقد تساعدنا على جَوَاز شِرَاء مَا بَاعَ بِأَقَلّ مِمَّا بَاعَ بعد نقد الثّمن وَكَذَا على شِرَاء مَا بَاعَ بعد نقد الثّمن
وَجه الِاسْتِحْسَان مَا رَوَت الغالية بنت أَيفع قَالَت حججْت أَنا وَأم محبَّة قد دَخَلنَا على عَائِشَة ﵂ فَقَالَت لَهَا أم محبَّة ياأم الْمُؤمنِينَ كَانَت لي جَارِيَة وَإِنِّي بعتها من زيد بن أَرقم بثمانمائة دِرْهَم إِلَى عطائه
[ ٣٠٠ ]
وَأَنه أَرَادَ بيعهَا فابتعتها مِنْهُ بستمائة دِرْهَم نَقْدا فَقَالَت بئس مَا شريت وَمَا اشْتريت أبلغي زيدا أَن الله قد أبطل جهاده وحجه مَعَ رَسُول الله ﷺ إِلَّا أَن يَتُوب ق
وروى أَن السائلة كَانَت أم ولد زيد بن أَرقم وَأَنَّهَا قَالَت ياأم الْمُؤمنِينَ أَرَأَيْت لَو أخذت رَأس مَالِي فَقَالَت ﴿فَمن جَاءَهُ موعظة من ربه فَانْتهى﴾ ويروى أَن زيدا قَالَ ذَلِك لعَائِشَة وَمَعْلُوم أَن فَتْوَى الصَّحَابِيّ لَا تكون إِلَّا عَن تَوْقِيف
وَسُئِلَ ابْن الْمسيب عَن رجل بَاعَ من رجل طَعَاما إِلَى أجل فَأَرَادَ مُشْتَرِي الطَّعَام أَن يَبِيعهُ بِنَقْد من الَّذِي بَاعه مِنْهُ فَقَالَ سعيد ذَلِك رَبًّا فَإِن قيل الغالية امْرَأَة مَجْهُولَة
وَفِي الحَدِيث مَا يدل على وهنه وَهُوَ (إِلْحَاق) الْوَعيد بزيد بن أَرقم وَلَا شكّ أَنه لم يبلغهُ النَّهْي فَكيف يلْحقهُ الْوَعيد ولعلها قالته بِالِاجْتِهَادِ وَهِي غير معصومة عَن الْخَطَأ قُلْنَا الْعَالِيَة امْرَأَة مَعْرُوفَة جليلة الْقدر روى عَنْهَا ابو حنيفَة وسُفْيَان
[ ٣٠١ ]
وَالْحسن بن صَالح وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وفقهاء الْكُوفَة وَذكرهَا ابْن سعد فِي الطَّبَقَات فَقَالَ الغالية بنت أَيفع بن شرَاحِيل امْرَأَة أبي إِسْحَاق السبيعِي سَمِعت من عَائِشَة ﵂ وَخرج عَنْهَا الطَّحَاوِيّ وَغَيره وَعمل بحديثها أهل الْمَدِينَة وَالْعراق حَتَّى قَالَ مَالك وَاحْمَدْ ﵄ بقولنَا تلقيا بِهَذَا الحَدِيث وهما مقلدان فِي الْبَاب وَأما إِلْحَاق الْوَعيد فَيحْتَمل أَنَّهَا أَرَادَت إِن لم يتب فِي الْمُسْتَقْبل فَيصح من هَذَا الْوَجْه وَأما الِاجْتِهَاد فَمَتَى أمكن حمل قَول الصَّحَابِيّ على وَجه يحصل الصيانة عَن الْخَطَأ حمل على السماع احْتج الشَّافِعِي بالنصوص الناطقة بِجَوَاز البيع وبفعل زيد بن أَرقم
قُلْنَا هِيَ مُعَارضَة بقوله تَعَالَى ﴿وَحرم الرِّبَا﴾ لِأَنَّهُ بيع مَالِيَّة مقدرَة بثمانمائة دِرْهَم وَالْجَارِيَة بستمائة فَخَلا عَن الْعِوَض وَقد خرج الْجَواب عَن فعل زيد
مَسْأَلَة الزِّيَادَة فِي الثّمن والمثمن يَصح ويلتحق بِأَصْل العقد فَيجْعَل كَأَن العقد وَقع عَلَيْهِمَا مَعًا وَهُوَ قَول مَالك
وَقَالَ زفر لَا يَصح ثمنا وَلَا مثمنا بل يَصح هبة مُبتَدأَة حَتَّى لَو اسْتحق الْمَبِيع رَجَعَ المُشْتَرِي بالإصل دون الزِّيَادَة عِنْده وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَاحْمَدْ ﵄
[ ٣٠٢ ]
وَعِنْدنَا يرجع بِالْأَصْلِ وَالزِّيَادَة لنا مَا مر أَن النَّبِي ﷺ اشْترى ثوبا وَقَالَ للوزان زن وأرجح والرجحان زِيَادَة فِي الثّمن وَقَالَ ﷺ الْمُؤْمِنُونَ عِنْد شروطهم ق
وَالْبَائِع شَرط تَسْلِيم الأَصْل مَعَ الزِّيَادَة بِتَقْدِير تَسْلِيم الثّمن إِلَيْهِ وَالْمُشْتَرِي شَرط (تَسْلِيم) الْكل بِتَقْدِير الْفَسْخ فَيجب عَلَيْهِمَا الْوَفَاء بِالشّرطِ وَذَلِكَ بِصِحَّة الزِّيَادَة
وروى سَالم بن أبي الْجَعْد (عَن جَابر بن عبد الله) قَالَ قضى لي رَسُول الله ﷺ عَن جمل اشْتَرَاهُ مني وَزَادَنِي
وروى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لأم سَلمَة إِن شِئْت زِدْت لَك فِي الْمهْر وزدت لَهُنَّ يَعْنِي سَائِر نساسه وَلَو لم تجز الزِّيَادَة لما قَالَ ذَلِك إِلَّا أَن هَذِه الْأَخْبَار غَرِيبَة
[ ٣٠٣ ]
احْتَجُّوا بالنصوص الْمُحرمَة للربا وَالزِّيَادَة فضل مَال مُسْتَحقّ بِالْعقدِ قُلْنَا هَذَا تصرف يبتنى على ثُبُوت الزِّيَادَة وَهُوَ الثّمن فَإِنَّهُ قَائِم فَلَا رَبًّا مَسْأَلَة إِذا اشْترى الْكَافِر عبدا مُسلما صَحَّ الشِّرَاء وَيجْبر على بَيْعه وَقَالَ مَالك وَاحْمَدْ وَالشَّافِعِيّ ﵃ لَا يَصح وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا اشْترى مُصحفا يحوز عندنَا لنا النُّصُوص الْمُطلقَة فِي جَوَاز البيع وَلَهُم قَوْله تَعَالَى ﴿وَلنْ يَجْعَل الله للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا﴾ وَقَوله ﷺ الْإِسْلَام يَعْلُو وَلَا يعلى عَلَيْهِ
وَعَن الزُّهْرِيّ مَضَت السّنة من لدن رَسُول الله ﷺ والخليفتين من بعده أَن لَا يَشْتَرِي الْكَافِر مُسلما
قُلْنَا إِثْبَات السَّبِيل إِنَّمَا يكون بِإِثْبَات ولَايَة التَّصَرُّف فِيهِ وَنحن لَا نثبت لَهُ الْملك على وَجه يتَمَكَّن من اسْتِعْمَاله فِي مَصَالِحه وَكَذَا الْجَواب عَن الْأَخْبَار على أَنَّهَا غَرِيبَة فَلَا تعَارض نُصُوص الْكتاب مَسْأَلَة لَا يجوز بيع لبن الآدميات فِي قدح وَهُوَ قَول أَحْمد وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ يجوز وَلَا فرق بَين لبن الْحرَّة وَالْأمة عندنَا إِلَّا فِي رِوَايَة عَن أبي يُوسُف أَنه يجوز
[ ٣٠٤ ]
بيع لبن الْأمة وعَلى هَذَا الْخلاف لَا يضمن بِالْإِتْلَافِ لنا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد كرمنا بني آدم﴾ وَاللَّبن جُزْء من الْآدَمِيَّة فَلَا يجوز هوانه
وَإِجْمَاع الصَّحَابَة ﵃ أَيْضا فَإِنَّهُم حكمُوا فِي ولد الْمَغْرُور بالعقر وَقِيمَة الْوَلَد وَلم يحكموا بِضَمَان اللَّبن وَلَو كَانَ جَائِزا لحكموا بِهِ فَإِن قيل لم يُوجد التَّنْصِيص من الْكل وَإِنَّمَا عمر وَعلي ﵄ هما اللَّذَان حكما بذلك
وَلَو سلمنَا الْإِجْمَاع لَكِن إِنَّمَا لم يحكما بِضَمَان اللَّبن لِانْعِدَامِ الدَّعْوَى لِأَن الْقَضَاء يبتنى على الدَّعْوَى فينعدم لعدمها قُلْنَا لَو كَانَ بَين الصَّحَابَة خلاف لاشتهر لآن السُّكُوت عَن الْبَيَان فِي مَوضِع الْحَاجة لَا يجوز
وَأما الدَّعْوَى فَنَقُول وجدت دلَالَة لِأَن دَعْوَى الأَصْل دَعْوَى التبع فَلَمَّا لم يحكما بِضَمَان اللَّبن عرف أَنه غير وَاجِب احْتَجُّوا بالعمومات الْمُطلقَة لجَوَاز البيع قُلْنَا خص مِنْهَا اللَّبن فِي الضَّرع مَسْأَلَة بيع الْفُضُولِيّ ينْعَقد مَوْقُوفا على إجَازَة الْمَالِك وَعند الشَّافِعِي يَقع لَغوا وَعَن أَحْمد كالمذهبين
[ ٣٠٥ ]
وعَلى هَذَا الْخلاف طَلَاقه وعتاقه وإجارته وَنَحْو ذَلِك
لنا مَا روى أَن النَّبِي ﷺ دفع إِلَى عُرْوَة الْبَارِقي دِينَارا فَأمره أَن يَشْتَرِي بِهِ شَاة فَاشْترى شَاتين بِدِينَار ثمَّ بَاعَ إِحْدَاهمَا بِدِينَار وجاءبدينا وشَاة فَقَالَ يارسول الله هَذَا ديناركم وَهَذِه شاتكم فَقَالَ النَّبِي ﷺ (اللَّهُمَّ) بَارك لَهُ فِي صَفْقَة (يَمِينه) خَ د
وَلَو لم ينْعَقد البيع لم يجزه النَّبِي ﷺ لِأَن عُرْوَة كَانَ فضوليا فِي الشَّاة الْمَبِيعَة لِأَنَّهُ اشْتَرَاهَا بوكالته ﷺ ثمَّ بَاعهَا بِغَيْر إِذْنه ودعا لَهُ النَّبِي ﷺ بِالْبركَةِ فَلَو كَانَ فَاسِدا لرده
وروينا فِي كتاب النِّكَاح عَن تِلْكَ الْمَرْأَة الَّتِي زَوجهَا أَبوهَا بِغَيْر أمرهَا فَقَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ أجيزي مَا صنع أَبوك أمرهَا بِالْإِجَازَةِ وَلَو لم يتَوَقَّف على الْإِجَازَة لما كَانَ بِالْأَمر بِالْإِجَازَةِ فَائِدَة
فَإِن قيل النَّبِي ﷺ أَمر عُرْوَة بشرَاء الْأُضْحِية وَهِي تخْتَص بالأنواع الثَّلَاثَة فَلَا يخْتَص ذَلِك بِالشَّاة وَالْوكَالَة لاتصح بِالْمَجْهُولِ وَلَو كَانَ وَكيلا أَيْضا لما سلم الشَّاة الأولى بِغَيْر إِذن مَالِكهَا لِأَنَّهُ حرَام وَلَا يظنّ ذَلِك بالصحابي
[ ٣٠٦ ]
على أَنه قد روى فِي سِيَاق الحَدِيث أَنه ﷺ تصدق بالدينار وَلَو صَحَّ العقد لما تصدق بِهِ لِأَنَّهُ يطيب لَهُ قُلْنَا الصَّحِيح من الرِّوَايَة أَنه أمره بشرَاء شَاة وَلَو أمره بشرَاء الْأُضْحِية قُلْنَا الْأُضْحِية وَإِن اشْتَمَلت على الْأَنْوَاع لَكِن لما قدر الثّمن بالدينار تعيّنت الشَّاة لِأَنَّهُ لَا يصلح لِلْإِبِلِ وَالْبَقر عرفا فَخَرَجَا عَن الْإِرَادَة فَلَا يكون وكَالَة بِالْمَجْهُولِ
وَأما تَسْلِيمهَا بِغَيْر إِذن مَالِكهَا فَإِنَّمَا يحرم ذَلِك إِذا لم يعلم رضَا صَاحبه وَالظَّاهِر هُوَ الرِّضَا لِأَنَّهُ وَسِيلَة إِلَى عرض الشَّاة وَفضل الدِّينَار وَهُوَ أليق بِحَال الرَّاوِي
وَلَو كَانَت الْوكَالَة عَامَّة لاشتهر بهَا عُرْوَة وَلم يشْتَهر بهَا لِأَن كل وَاحِد مِمَّن صَحبه ﷺ اشْتهر بِشَيْء كَمَا فِي الْكتاب وَالْأَذَان وَنَحْوه
وَأما التَّصَدُّق بالدينار فَلَا تصح هَذِه الزِّيَادَة فِي الحَدِيث لِأَن البُخَارِيّ رَوَاهُ كَمَا روينَاهُ فَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَلم يذكرُوا الزِّيَادَة (وَالزِّيَادَة) إِذا لم يشْتَهر لَا يقبل مَا لم يلْتَحق بِالْأَصْلِ
[ ٣٠٧ ]
وَيحْتَمل أَنه ﷺ تصدق بالدينار لمعان أخر لَا لعدم جَوَاز بيع عُرْوَة احْتَجُّوا بِمَا روى أَنه ﷺ نهى عَن بيع مَا لَيْسَ عِنْد الْإِنْسَان ت د وَنهى النَّبِي ﷺ عَن بيع الْغرَر م وَهَذَا غرر
قُلْنَا النَّبِي ﷺ نهى عَن بيع الْمَعْدُوم لِأَنَّهُ حَكِيم بن حزَام الَّذِي تقدم فَقَالَ لَا تبع مَا لَيْسَ عنْدك أَي لَا تبع الْمَعْدُوم وَفِيمَا نَحن فِيهِ بخلافة وَلَا نسلم أَنه غرر لِأَنَّهُ يتَوَقَّف على إجَازَة الْمَالِك
مَسْأَلَة المُشْتَرِي من الْغَاصِب إِذا أعتق العَبْد الْمُشْتَرى ينفذ إِعْتَاقه مَوْقُوفا على إجَازَة الْمَالِك عِنْد أبي حنيفَة وابي يُوسُف اسْتِحْسَانًا وَعند مُحَمَّد وَزفر لَا يَصح أصلا قِيَاسا وَلَا يتَوَقَّف وَقيل مُحَمَّد مَعَ أبي يُوسُف وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا اشْترى من الْفُضُولِيّ
لنا قَوْله ﷺ أَيّمَا رجل مُسلم أعتق مُسلما فَإِن الله تَعَالَى يعْتق بِكُل عُضْو مِنْهُ عضوا من النَّار د إِلَى غير ذَلِك من النُّصُوص إِلَّا أَنه ترك قبل الْإِجَازَة حَقًا للْمَالِك فَإِذا أجَاز جَازَ
[ ٣٠٨ ]
وَجه قَول مُحَمَّد وَزفر قَوْله ﷺ لاعتق فِيمَا لَا يملك ابْن آدم د قُلْنَا لم قُلْتُمْ إِنَّه لم يملك هذاالعتق بل ثَبت عِنْد الْملك فَيجوز
مَسْأَلَة إِذا بَاعَ بِشَرْط الْأَجَل إِلَى وَقت الْحَصاد أَو الدياس أَو إِلَى قدوم الْحَاج ثمَّ حذف الْأَجَل قبل أَوَان الْحَصاد والدياس والقدوم انْقَلب العقد جَائِزا وَقَالَ زفر وَالشَّافِعِيّ لَا يَنْقَلِب جَائِزا
وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا بَاعَ بِشَرْط الْخِيَار أَرْبَعَة أَيَّام ثمَّ حذف الْخِيَار قبل مُضِيّ ثَلَاثَة أَيَّام انْقَلب العقد جَائِزا خلافًا لَهما وَقَوْلنَا اسْتِحْسَان وقولهما قِيَاس
وَاخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ فَقَالَ مَشَايِخ الْعرَاق العقد فَاسد وبالإسقاط يَنْقَلِب جَائِزا وَقَالَ مَشَايِخ خُرَاسَان العقد مَوْقُوف فَإِن أسقط الْمُفْسد صَحَّ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ الْأَصَح لنا النُّصُوص الْمُطلقَة فِي جَوَاز البيع وروى أَن ابْن مَسْعُود اشْترى جَارِيَة من امْرَأَته على أَنه إِن أَرَادَ بيعهَا لم يبعها إِلَّا مِنْهَا وَلَهُم النُّصُوص الدَّالَّة على عدم جَوَاز البيع الْفَاسِد وَهَذَا فَاسد مَسْأَلَة إِذا اشْترى الرّجلَانِ عبدا صَفْقَة وَاحِدَة على أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ فِيهِ فَلَيْسَ قُلْنَا الْمُفْسد سقط قبل تقرره فَلَا فَسَاد لأَحَدهمَا أَن ينْفَرد بِالرَّدِّ عِنْد أبي حنيفَة ﵀ وَقَالا وَالشَّافِعِيّ ينْفَرد
[ ٣٠٩ ]
وعَلى هَذَا الْخلاف الرَّد بِخِيَار الرُّؤْيَة وَخيَار الْعَيْب لنا قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ وَمَا فِي مَعْنَاهُ من النُّصُوص
احْتَجُّوا بِمَا روينَا من قَوْله ﷺ من اشْترى شَيْئا وَلم يره فَلهُ الخيارإذا رَآهُ وَعدم الرُّؤْيَة مُخْتَلف فِيهِ وَقَوله ﷺ الْمُتَبَايعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا خَ د أَي كل وَاحِد مِنْهُمَا قُلْنَا هَذِه أَخْبَار آحَاد وَردت على مُخَالفَة الْكتاب فَترد
مَسْأَلَة إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ فِي قدر الثّمن أَو جنسه والسلعة هالكة فِي يَد المُشْتَرِي لَا يَتَحَالَفَانِ وَالْقَوْل قَول المُشْتَرِي مَعَ يَمِينه عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف
وَقَالَ مُحَمَّد يَتَحَالَفَانِ وَيرد المُشْتَرِي قيمَة الْمَبِيع الْهَالِك وَيرد البَائِع الثّمن الْمَأْخُوذ وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَعَن مَالك وَاحْمَدْ كالمذهبين وَاتَّفَقُوا على أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ حَال قيام السّلْعَة لنا قَوْله ص الْبَيِّنَة على من ادّعى وَالْيَمِين على من أنكر خَ د
[ ٣١٠ ]
جعل الْيَمين حجَّة الْمُنكر وَالْبَائِع لَيْسَ بمنكر فَلَا تكون الْيَمين حجَّة لَهُ وَكَذَا المُشْتَرِي لَيْسَ بمدع لِأَن العقد حَقه وَقد سلم لَهُ الْمَبِيع
احْتَجُّوا بقوله ﷺ إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ تحَالفا وترادا حد من غير فصل بَين قيام السّلْعَة وهلاكها قُلْنَا (كل) الْأَخْبَار ضِعَاف فِي هَذَا الْبَاب
وَلَو سلمت فَالْمُرَاد مِنْهُ حَال قيام السّلْعَة وَقد روى مُفَسرًا كَذَلِك ق لِأَن ردهَا بعد الْهَلَاك لَا يُمكن فَيحمل عَلَيْهِ مَسْأَلَة خِيَار الْمجْلس لَا يثبت وَهُوَ قَول مَالك وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ يثبت لنا قَوْله ﷺ الْمُؤْمِنُونَ عِنْد شروطهم وَمن حكم الْإِيمَان الْوَفَاء بِالشّرطِ
وَعَن عمر ﵁ أَنه قَالَ إِن النَّاس قَائِلُونَ غَدا مَاذَا صنع عمر إِن البيع صَفْقَة أَو خِيَار والمؤمنون عِنْد شروطهم احْتَجُّوا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْمُتَبَايعَانِ بِالْخِيَارِ مالم يفترقا خَ د
[ ٣١١ ]
وَالْمرَاد بِهِ التَّفَرُّق بالأبدان بِدَلِيل أَن ابْن عمر ﵁ كَانَ إذاباع يمشي خطوَات يقْصد بِهِ إِلْزَامه ويروى أَنه كَانَ يمشي عَن الْمَكَان الَّذِي تعاقدا فِيهِ وَابْن عمرهو رَاوِي الحَدِيث فَكَانَ أعلم بتأويله وَلَا يُقَال إِنَّه مَحْمُول على المساومين لِأَنَّهُ يبطل هَذِه الرِّوَايَة
وَلَا يُقَال بعد الْفَرَاغ من العقد بَائِع مجَازًا لأَنا نقُول هُوَ بَائِع حَقِيقَة لِأَن البيع قَائِم شرعا
وَلَا يُقَال هُوَ خبر وَاحِد ورد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى فَلَا يقبل لآنا نقُول هُوَ خبر الْعدْل وَعَن الْعدْل فَيجب قبُوله على أَنه فِيمَا لَا تعم بِهِ الْبلوى لِأَن الْأَزْمَان المتوالية تمْضِي وَلَا تحْتَاج إِلَى خِيَار الْمجْلس
ثمَّ قد أسقطتم الْقِرَاءَة عَن الْمُقْتَدِي وأوجبتم الْوتر بأخبار الْآحَاد وكل ذَلِك مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى
قُلْنَا لَا كَلَام فِي أَنه خبر وَاحِد فَلم زعم الْخصم أَنه حجَّة وَرِوَايَة الْعدْل لَهُ لَا تخرجه عَن كَونه خبر وَاحِد لِأَن صدق الرَّاوِي مظنون وَقد أكد هَذَا أَن الصَّحَابَة ﵃ اخْتلفُوا فِي الْمَسْأَلَة وَلم يحْتَج أحد مِنْهُم بِالْحَدِيثِ وَكَذَا عُلَمَاء التَّابِعين حَتَّى رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَلم يعْمل بِهِ مَالك وَكَانَ إِذا سُئِلَ عَنهُ يَقُول رَأَيْت النَّاس على خِلَافه
[ ٣١٢ ]
حَتَّى قَالَ بَعضهم إِنَّه مَنْسُوخ لهَذَا على أَن التَّفَرُّق يحْتَمل الْأَبدَان وَيحْتَمل الْأَقْوَال فَلَا يكون حجَّة وَأما الزِّيَادَة الْمُتَعَلّقَة بِالْمَكَانِ فَلم ينْقل (نقل) الأَصْل فَلَا يقبل
وَلَو سلم حمل على خِيَار الْقبُول وَمَعْنَاهُ كل من أوجب مِنْهُمَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ رَجَعَ عَن إِيجَابه وَإِن شَاءَ أَقَامَ عَلَيْهِ مالم يقبل الآخر فَيبقى حِينَئِذٍ هَذَا الْخِيَار مَسْأَلَة خِيَار الشَّرْط لَا يُورث وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ يُورث
وَصُورَة الْمَسْأَلَة إِذا بَاعَ أَو اشْترى على أَنه بِالْخِيَارِ ثمَّ مَاتَ فِي مُدَّة الْخِيَار لزم العقد عندنَا حَتَّى لَا يتَخَيَّر الْوَارِث بَين فسخ العقد وإمضائه وَعِنْده يتَخَيَّر الْوَارِث وَلَا يلْزم العقد
لنا مَا مر من قَوْله ﷺ لَا يحل مَال امرىء مُسلم إِلَّا بِطيبَة من نَفسه إِلَى غير ذَلِك من النُّصُوص وَله قَوْله ﷺ من ترك مَالا أَو حَقًا فلورثته مُقْتَضَاهُ إِجْرَاء
[ ٣١٣ ]
الْإِرْث للْوَارِث
قُلْنَا الحَدِيث غَرِيب وَلَو اشْتهر فَلَا نسلم أَنه ترك حَقًا لِأَن الْخِيَار مَشِيئَة والمشيئة لَا يجْرِي فِيهَا الْإِرْث مَسْأَلَة خِيَار المُشْتَرِي يمْنَع دُخُول الْمَبِيع فِي ملكه عِنْد أبي حنيفَة ﵀ وَعِنْدَهُمَا لَا يمْنَع وعَلى هَذَا الْخلاف خِيَار البَائِع يمْنَع دُخُول الثّمن فِي ملكه عِنْده خلافًا لَهما
وَفَائِدَة الْخلاف أَنه لَو اشْترى قَرِيبه أَو زَوجته لَا يعْتق وَلَا يَنْفَسِخ النِّكَاح أَو كَانَ المُشْتَرِي جَارِيَة وردهَا فِي مُدَّة الْخِيَار لَا يجب الِاسْتِبْرَاء على البَائِع أَو اشْترى شَيْئا على أَنه بِالْخِيَارِ فأودعه البَائِع فَهَلَك فِي مُدَّة الْخِيَار يهْلك على البَائِع وَيسْقط الثّمن عَنهُ عِنْده خلافًا لَهما لَهُ مَا مر من نَهْيه ﷺ عَن بيع وَشرط م
والْحَدِيث يَنْفِي ثُبُوت الْملك بِالْعقدِ كمن اشْترى قَرِيبه بِشَرْط الْخِيَار لِأَنَّهُ لَو ملكه عتق عَلَيْهِ وَفَائِدَة اشْتِرَاط الْخِيَار مَا ذكرنَا لَهما النُّصُوص المجوزة للْبيع قُلْنَا ثُبُوت الْملك فِي الْمَبِيع حكم الْقبُول وَالْخيَار يمْنَع مِنْهُ مَسْأَلَة الْمَشْرُوط لَهُ الْخِيَار لَا يملك الْفَسْخ بِدُونِ حَضْرَة صَاحبه عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد
[ ٣١٤ ]
وَقَالَ أَبُو يُوسُف يملك الْفَسْخ وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
ونعني بالحضور الْعلم حَتَّى لَو فسخ العقد بِحَضْرَة صَاحبه وَلم يعلم بذلك لَا ينفذ الْفَسْخ وَلَو فسخ مَعَ غيبته وبلغه الْخَبَر بعد الْفَسْخ
لَهما قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض مِنْكُم﴾ وَلم يُوجد التَّرَاضِي حَال وجود الفسح
وَلأبي يُوسُف الْمَعْنى وَهُوَ أَن الْخِيَار شرع لدفع الْغبن فَلَو اعْتبر حُضُور صَاحبه فَاتَ الْغَرَض لِأَنَّهُ رُبمَا تغيب فِي مُدَّة الْخِيَار حَتَّى تَنْقَضِي الْمدَّة فَيلْزم العقد قُلْنَا إِلَّا أَن فِيهِ ضَرَرا على الآخر فَلَا يجوز مَسْأَلَة وَطْء الثّيّب يمْنَع الرَّد بِالْعَيْبِ وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ لَا يمْنَع
لنا إِجْمَاع الصَّحَابَة كعمر وَعلي وَابْن عمر وَزيد بن ثَابت ﵃ فَإِنَّهُم قَالُوا يردهَا وَيرد مَعهَا عشر قيمتهَا إِن كَانَت بكرا وَنصف عشر قيمتهَا إِن كَانَت ثَيِّبًا فقد اتَّفقُوا على أَن الْوَطْء يعيب فَيمْنَع الرَّد فَإِن قالواا فالنبي ﷺ لم يُوجب الضَّمَان قُلْنَا جوزه عمر وَمن وَافقه فِي الْمَسْأَلَة فَالْحَاصِل أَنهم اتَّفقُوا على أَنَّهَا لَا ترد بِغَيْر شَيْء أصلا وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ وَللشَّافِعِيّ نُصُوص تَفْرِيق الصَّفْقَة وَقد مر الْجَواب هُنَاكَ
[ ٣١٥ ]
مَسْأَلَة الْمُسلم إِذا وكل ذِمِّيا بشرَاء الْخمر جَازَ عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لصاحبيه وللباقين
لَهُ نُصُوص جَوَاز البيع وَجَوَاز صِحَة التَّوْكِيل فِي غير الْخمر إِنَّمَا كَانَ بِاعْتِبَار التَّخْلِيل أَو الإراقة تقربا إِلَى الله تَعَالَى وَهُوَ مَوْجُود فَيصح وَلَهُم قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تتبدلوا الْخَبيث بالطيب﴾ قُلْنَا هَذَا لَيْسَ باستبدال على الْمَعْنى الَّذِي أشرناإليه
مَسْأَلَة الْوَكِيل بِالْبيعِ الْمُطلق إِذا بَاعَ بِغَبن فَاحش أَو بِالْعرضِ أَو إِلَى أجل غير مُتَعَارَف نفذ على الْمُوكل عِنْد أبي حنيفَة ﵀ وَكَذَا يملك البيع بِمَا عز وَهَان وَقَالَ صَاحِبَاه لَا ينفذ وَهُوَ قَول البَاقِينَ لَهُ نُصُوص جَوَاز البيع لَهُم مَا روينَاهُ من قَوْله ﷺ لَا يحل مَال امرىء مُسلم إِلَّا بِطيبَة من نَفسه وَلم يُوجد الرِّضَا قُلْنَا الْمُوكل وَكله بِالْبيعِ الْمُطلق وَقد أَتَى بِهِ فَينفذ على الْمُوكل كَمَا لَو بَاعَ بِثمن الْمثل
مَسْأَلَة حُقُوق العقد ترجع إِلَى الْوَكِيل فِي بَاب البيع وَهُوَ الْعَاقِد حَتَّى يملك الْوَكِيل قبض الثّمن وَتَسْلِيم الْمَبِيع وَيرد عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ دون الْمُوكل
[ ٣١٦ ]
وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ إِلَى الْمُوكل
لنا مَا روينَا من قَوْله ﷺ الْمُؤْمِنُونَ عِنْد شروطهم وَالْوَكِيل شَرط على نَفسه الْحُقُوق أَي الْتزم
وَحَدِيث حَكِيم بن حزَام فَإِن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا وَكله بِالشِّرَاءِ وَلم يُوكله بِالْقَبْضِ وَلَو لم يرجع الْحُقُوق إِلَيْهِ لَكَانَ الْقَبْض حَرَامًا وَقد اجاز النَّبِي ﷺ فعله
احْتج الشَّافِعِي ﵁ بقوله تَعَالَى ﴿مَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل﴾ وَالْوَكِيل محسن بِالْبيعِ فَلَا سَبِيل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يتَضَرَّر والحرج منفي عَنهُ قُلْنَا هُوَ أضَاف العقد إِلَى نَفسه فتتعلق الْحُقُوق بِهِ كَمَا لَو عقد لنَفسِهِ
مَسْأَلَة المُشْتَرِي إِذا أفلس أَو مَاتَ مُفلسًا قبل نقد الثّمن لَا يثبت للْبَائِع حق الْفَسْخ وَيكون لَهُ إسوة الْغُرَمَاء
وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ إِذا وجد الْمَبِيع بِعَيْنِه يثبت لَهُ حق الْفَسْخ وَوَافَقَهُ أَحْمد ﵁ فِي الْحَيَاة ووافقنا فِي الْمَوْت
وَاتَّفَقُوا على أَن الْعَجز عَن تَسْلِيم الْمَبِيع يُوجب حق الْفَسْخ وَكَذَا الْعَجز عَن تَسْلِيم الْمُسلم فِيهِ بِانْقِطَاع الْمثل عَن أَيدي النَّاس
لنا قَوْله ﷺ أَيّمَا رجل بَاعَ سلْعَة فأدركها عِنْد رجل قد أفلس فَهُوَ مَاله بَين غُرَمَائه ق من غير استفسار فَإِن قيل فَفِي إِسْنَاده إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ضَعِيف وَهُوَ مُرْسل
[ ٣١٧ ]
قُلْنَا قد وَثَّقَهُ احْمَد والمرسل حجَّة عندنَا وَقد احْتج بِهِ الْجَصَّاص والرازي وأسنداه
وروى أَن النَّبِي ﷺ بَاعَ على معَاذ مَاله وقسمه بَين غُرَمَائه بِالْحِصَصِ حَتَّى لم يبْق لِمعَاذ شَيْء ق وَلم يستفسر هَل للْبَائِع سلْعَة قَائِمَة أم لَا
وروى أَن عمر ﵁ قَالَ إِن أسيفع جُهَيْنَة قد رَضِي من دينه وأمانته أَن يُقَال قد سبق الْحَاج فادان معرضًا فَأصْبح وَقد رين بِهِ أَلا من كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دين فليفد فَإِنِّي بَائِع مَاله وقاسمه بَين غُرَمَائه فَلَو ثَبت حق الفسح لوَجَبَ رد الْمَبِيع إِلَى البَائِع
احْتج الشَّافِعِي ﵁ بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من وجد عين مَاله عِنْد رجل قد أفلس فَهُوَ أَحَق بِهِ مِمَّن سواهُ خَ م
وروى أَنه ﷺ قَالَ من وجد مَتَاعه عِنْد مُفلس بِعَيْنِه فَهُوَ أَحَق بِهِ حد
[ ٣١٨ ]
وعندكم لَا يكون أَحَق بِهِ
قُلْنَا الحَدِيث الأول رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ وَقد روى خِلَافه وَهُوَ حديثنا الأول وَمَتى اخْتلفت الرِّوَايَة أوجبت وَهنا فِي الحَدِيث وَأما الثَّانِي فَفِي إِسْنَاده عمر بن ابراهيم قَالَ أَبُو حَاتِم لَا يحْتَج بحَديثه
فَإِن قَالُوا الْعلَّة ظَنّه الْكرْدِي وَذَلِكَ كَذَّاب إِنَّمَا هُوَ عمر بن ابراهيم الْعَبْدي قَالَ ابْن معِين هُوَ ثِقَة قُلْنَا جرح أبي حَاتِم مقدم على تَعْدِيل غَيره
مَسْأَلَة إِذا بَاعَ نفس العَبْد مِنْهُ بِجَارِيَة أَو أعْتقهُ على جَارِيَة ثمَّ اسْتحقَّت أَو ردَّتْ بِعَيْب رَجَعَ الْمولى على العَبْد بِقِيمَتِه لَا بِقِيمَة الْجَارِيَة عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف
وَقَالَ مُحَمَّد يرجع عَلَيْهِ بِقِيمَة الْجَارِيَة لَا بِقِيمَة العَبْد وَهُوَ قَول أبي حنيفَة أَولا وَمذهب الشَّافِعِي
لَهما النُّصُوص الدَّالَّة على وجوب رد الْمَأْخُوذ وَقد تعذر وجوب رد العَبْد فَيجب رد الْمَالِيَّة ولمحمد النُّصُوص الْمُوجبَة للوفاء بالعهد ورد الْجَارِيَة من لَوَازِم ذَلِك يجب قُلْنَا العَبْد بدل عَن الْجَارِيَة وَقد عجز عَن التَّسْلِيم فيصار إِلَى الْقيمَة مَسْأَلَة إِذا اشْترى شَاة أَو بقرة فَوَجَدَهَا محفلة لَا يسْتَحق ردهَا
[ ٣١٩ ]
وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ ﵄ يسْتَحق ردهَا وَيرد مَعهَا صَاعا من تمر ويمسك مَا حلبه من لَبنهَا
وَصورته إِذا صر ضرع شاته حَتَّى اجْتمع لَبنهَا فظنها المُشْتَرِي غزيرة اللَّبن ثمَّ ظهر خِلَافه ولقبها الْمُصراة
لنا النُّصُوص الْمَانِعَة من تَفْوِيت حق البَائِع فِي الْعِوَض وإعادة ملكه فِي الشَّاة من غير رِضَاهُ
احْتَجُّوا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من اشْترى شَاة مصراة فَهُوَ بِخَير النظرين بعد أَن يحلبها إِن رضيها أمْسكهَا وَإِن سخطها ردهَا وصاعا من تمر خَ م
قُلْنَا الحَدِيث خبر وَاحِد ورد على مُخَالفَة الْكتاب وَالْأُصُول الْمجمع عَلَيْهَا لِأَن الْكتاب يخبر أَن الشَّيْء يضمن بِمثلِهِ وَكَذَا الْأُصُول وَاللَّبن مثلي والْحَدِيث ينْطق بتضمين اللَّبن بِصَاع من تمر وهما جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ فلايجوز
ثمَّ فِيهِ ذكر الصَّاع مُطلقًا وَلَا يُمكن الْعَمَل بِهِ لِأَن المُشْتَرِي يَأْتِي بِأَيّ تمر شَاءَ جيد أَو رَدِيء أَو وسط وَالْبَائِع يطْلب تَمرا يتَعَلَّق بِهِ غَرَضه فتتحقق الْمُنَازعَة فَإِن أخبروا عَن هَذَا وأوجبوا رد عين اللَّبن إِذا كَانَ قَائِما فقد خالفوا الحَدِيث وعَلى أَن رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁ وَلم يكن من فُقَهَاء الصَّحَابَة وَقد أنكر
[ ٣٢٠ ]
عَلَيْهِ عَليّ وَعَائِشَة ﵄ كَثْرَة الرِّوَايَة وَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس أَنَتَوَضَّأُ من الْحَمِيم
مَسْأَلَة إِذا بَاعَ بِشَرْط الْبَرَاءَة من كل عيب صَحَّ الشَّرْط وَلَيْسَ لَهُ أَن يردهُ بِعَيْب إِن وجده بِالْمَبِيعِ
وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ ﵄ الشَّرْط بَاطِل حَتَّى لَو ظهر على عيب قديم كَانَ لَهُ خِيَار الرَّد لنا نُصُوص الْوَفَاء بالعهد وَقَالَ ﷺ الْمُؤْمِنُونَ عِنْد شروطهم فَلَا يجوز الْفَسْخ إِلَّا بِرِضَاهُ احْتَجُّوا بِأَن النَّبِي ﷺ قضى بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ قُلْنَا هُوَ حِكَايَة حَال فَيحْتَمل أَنه ﷺ فعل فِي حَال لم يُوجد شَرط الْبَرَاءَة من الْعُيُوب وَفِي حَال وجد فَلَا يبْقى حجَّة
[ ٣٢١ ]
= كتاب السّلم = مَسْأَلَة السّلم الْحَال لَا يجوز وَهُوَ السّلم بِغَيْر أجل وَقَالَ الشَّافِعِي يجوز وَعَن مُحَمَّد أَن أقل الْآجَال فِي بَاب السّلم شهر
وَقَالَ الْكَرْخِي ينظر ألى الْمدَّة وَإِلَى الْمَعْقُود عَلَيْهِ فِي عرف النَّاس إِن أمكن تَحْصِيله فِي تِلْكَ الْمدَّة جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ الْأَصَح
لنا قَوْله ﷺ من أسلم مِنْكُم فليسلم فِي كيل مَعْلُوم وَوزن مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم خَ م
فَإِن قيل فِيهِ بَيَان الْجَوَاز مَعَ الْأَجَل وَلَيْسَ فِيهِ نفي الْجَوَاز بِدُونِهِ فَكَانَ تعلقا (بمسكوت) عَنهُ
قُلْنَا (صيغته) للنَّفْي بِدُونِهِ كمن قَالَ من أَرَادَ مِنْكُم أَن يدْخل دَاري فَلْيدْخلْ غاض ابصر وَهَذَا نفي (للدخول) بِدُونِ غض الْبَصَر فَكَذَا هَذَا احْتج بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ رخص فِي السّلم
جوز النَّبِي ﷺ (جنس) اسْلَمْ لِأَنَّهُ أَدخل فِيهِ الْألف وَاللَّام فَيتَنَاوَل السّلم
[ ٣٢٢ ]
الْحَال وَالسّلم بِأَجل قُلْنَا لَا نسلم أَنه سلم حَقِيقَة بل مجَاز مَسْأَلَة السّلم فِي الْمُنْقَطع لَا يجوز وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ ﵄ يجوز مُؤَجّلا إِلَى حِينه وَصورته أَن يسلم فِي الرطب أَو الرُّمَّان شتاء
وَلَو كَانَ مَوْجُودا عِنْد العقد وَعند الْمحل لكنه يَنْقَطِع فِيمَا بَين ذَلِك فقد اخْتلف أَصْحَابنَا فِيهِ وَالأَصَح أَنه لَا يجوز مالم يكن الْوُجُود مستمرا لنا قَوْله ﷺ لَا تبع مَا لَيْسَ عنْدك
وَنَهْيه ﷺ عَن بيع النّخل حَتَّى يزهو قيل وَمَا يزهو قَالَ حَتَّى يحمر أَو يصفر د
وَنهى عَن بيع الْعِنَب حَتَّى يسود وَعَن بيع الْحبّ حَتَّى يشْتَد ت وَالْمُسلم فِيهِ لَيْسَ كَذَلِك لانقطاعه عَن النَّاس
وَلَهُمَا مَا روى ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ لما قدم الْمَدِينَة وهم يسلفون فِي الثِّمَار الْعَام والعامين فَقَالَ من أسلم مِنْكُم فليسلم فِي كل مَعْلُوم وَوزن مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم خَ م
[ ٣٢٣ ]
قررهم النَّبِي ﷺ على ذَلِك وَمَعْلُوم ان الثِّمَار لَا تبقى إِلَى هَذِه الْمدَّة وَمَعَ ذَلِك أجَازه وَرخّص النَّبِي ﷺ فِي السّلم مُطلقًا قُلْنَا الحَدِيث مَحْمُول على الثِّمَار الْيَابِسَة وَهُوَ أشبه لِأَنَّهَا تبقى مُدَّة مديدة وَأما الرُّخْصَة فِي السّلم (فَخص) عَنهُ الْمُنْقَطع كَذَا الْمُجْمل وَالْعَام فَيجوز تَخْصِيص الْبَاقِي بِالْقِيَاسِ وَالتَّرْجِيح مَعنا لِأَنَّهُ محرم وَمَا رووا مُبِيح
مَسْأَلَة السّلم فِي الْحَيَوَان لَا يجوز وَإِن بَين أَوْصَافه وَهُوَ قَول عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَحُذَيْفَة وسلمان ﵃ وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ ﵄ يجوز إِذا بَين جنسه ونوعه وسنه وَوَصفه وعَلى هَذَا الْخلاف استقراض الْحَيَوَانَات لَا يجوز عندنَا خلافًا لَهما
لنا مَا روى ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن السّلم فِي الْحَيَوَان ق وَالْمُسلم فِي الْحَيَوَان لَيْسَ إِلَّا بَيْعه نَسِيئَة فَإِن قيل فِي إِسْنَاده عبد الملك الذمارِي ضعفه أَو زرْعَة قُلْنَا قد وَثَّقَهُ الفلاس
[ ٣٢٤ ]
وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه دفع مَالا إِلَى زيد بن خليدة مُضَارَبَة فأسلمه إِلَى عتريس بن عرقوب فِي قَلَائِص مَعْلُومَة فَقَالَ لَهُ ابْن مَسْعُود ارْدُدْ إِلَيْنَا مالنا لَا نسلم مالنا فِي الْحَيَوَان
وَعَن عمر ﵁ أَنه قَالَ فِي خطبَته إِن آخر آيَة نزلت من الْقُرْآن آيَة الرِّبَا وَتُوفِّي النَّبِي ﷺ وَلم يبينها لنا وَإِن من الرِّبَا ابوابا لَا يكدن يخفين على أحد مِنْهَا السّلم فِي السن أَي فِي الْحَيَوَان وَلم يرد بِهِ عين السن لِأَن بَيْعه غير مُعْتَاد وَالْمرَاد بقوله آخر آيَة نزلت أَي فِي الْأَحْكَام
احْتَجُّوا بِمَا روى عَن (عمر بن حريش) قَالَ سَأَلت عبد الله بن عَمْرو ابْن الْعَاصِ فَقلت إِنَّا بِأَرْض لَيْسَ بهَا دِينَار وَلَا دِرْهَم وَإِنَّمَا نتبايع بِالْإِبِلِ وَالْغنم إِلَى أجل فَمَا ترى فِي ذَلِك فَقَالَ على الْخَبِير سَقَطت جهز رَسُول الله ﷺ جيشنا على إبل الصَّدَقَة (حَتَّى نفذت وَبَقِي أنَاس فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ اشْتَرِ لنا إبِلا بقلائص من إبل الصَّدَقَة) إِذا جَاءَت حَتَّى نؤديها إِلَيْهِم فاشتريت الْبَعِير بالاثنين وَالثَّلَاث فَأدى النَّبِي ﷺ حد
[ ٣٢٥ ]
عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ أَمرنِي رَسُول الله ﷺ أَن أبتاع الْبَعِير بالبعيرين وبالأبعرة إِلَى خُرُوج الْمُصدق جد
وروى أَنه ﷺ اسْتقْرض بكرا ورد رباعيا وَالْخلاف فِي السّلم والاستقراض وَاحِد وروى أَن عليا ﵁ بَاعَ بَعِيرًا يُقَال لَهُ (عصيفيرا) بِعشْرين بَعِيرًا وَنَحْوه عَن ابْن عمر
قُلْنَا إِنَّمَا جَازَ ذَلِك بطرِيق الضَّرُورَة وَهِي تجهيز الجيوش وَللْإِمَام ولَايَة أَخذ المَال على هَذَا الْوَجْه وَكَذَا نقُول فِي الْآثَار على أَنَّهَا مُعَارضَة بِمَا روينَا ويترجح مَا روينَا لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن مَا روينَاهُ محرم وَالثَّانِي (يحْتَمل) إِن ذَلِك قبل نزُول آيَة الرِّبَا وَالله أعلم
[ ٣٢٦ ]
= كتاب الصّرْف = مَسْأَلَة الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير لَا يتعينان فِي عُقُود الْمُعَاوَضَات وفسوخها وَقَالَ زفر يتعينان وَهُوَ قَول الشَّافِعِي ﵁ وَثَمَرَة الْخلاف تظهر فِي مسَائِل
مِنْهَا إِذا اشْترى شَيْئا بِدَرَاهِم مُعينَة بِأَن قَالَ اشْتريت بِهَذِهِ الدَّرَاهِم وَأَشَارَ إِلَيْهَا هَل لَهُ أَن يمسك تِلْكَ الدَّرَاهِم وَيدْفَع غَيرهَا عندنَا لَهُ ذَلِك وَلَو هَلَكت لَا يَنْفَسِخ العقد أَيْضا عندنَا وَعِنْدَهُمَا لَيْسَ لَهُ ذَلِك وينفسخ العقد
وَمِنْهَا إِذا أفلس المُشْتَرِي لَا يكون البَائِع أَحَق بِهَذِهِ الدَّرَاهِم بِأَن يكون أُسْوَة الْغُرَمَاء عندنَا وَعِنْدَهُمَا البَائِع أَحَق بهَا وَاتَّفَقُوا على أَنَّهُمَا تتَعَيَّن فِي الودائع والغصوب والأمانات وَنَحْوهَا
لنا مَا روينَا من نَهْيه ﷺ عَن بيع الْغرَر م وَهَذَا غرر بِتَقْدِير التَّعْيِين لِأَن فِيهِ خطر الِانْفِسَاخ بِهَلَاك الْعين قبل الْقَبْض
لَهما قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ وَتَسْلِيم الدَّرَاهِم الْمعينَة وَفَاء بِالْعقدِ فَيجب تَسْلِيمهَا وَذَلِكَ بتعيينها
[ ٣٢٧ ]
وَقَوله ﷺ لَا تَبِيعُوا الذَّهَب بِالذَّهَب إِلَى قَوْله عينا بِعَين وَلَو لم يشْتَرط التَّعْيِين لخلا عَن الْفَائِدَة
قُلْنَا التَّعْيِين بِغَيْر مُقْتَضى العقد لِأَن مُقْتَضَاهُ وجود الدَّرَاهِم فِي الذِّمَّة لما بَينا فَجعل الْوَفَاء بِالْعقدِ على هَذَا الْوَجْه وَهُوَ الْجَواب عَن الحَدِيث وَالله أعلم
[ ٣٢٨ ]
= كتاب الشُّفْعَة = مَسْأَلَة الشُّفْعَة تسْتَحقّ بِأَسْبَاب ثَلَاثَة على ثَلَاث مَرَاتِب بِسَبَب الشّركَة فِي عين الْمَبِيع وَحُقُوق الْمَبِيع كالشرب وَالطَّرِيق وَجَوَاز الِاتِّصَال حَتَّى تثبت للْجَار الملاصق وَالشَّرِيك فِي الطَّرِيق وَهَذَا قَول عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَشُرَيْح وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ تسْتَحقّ بِالسَّبَبِ الأول وَللشَّافِعِيّ فِي الثَّانِي قَولَانِ وَفِي الثَّالِث لَا يسْتَحق قولا وَاحِدًا لنا قَوْله ﷺ الْجَار أَحَق بصقبه خَ م ويروى بسقبه وَلَا تنَافِي لِأَنَّهُمَا فِي اللُّغَة عبارَة عَن الْقرب وَقد روى هَذَا التَّفْسِير مَرْفُوعا أثبت النَّبِي ﷺ الشُّفْعَة للْجَار بعلة قربه فَيسْتَحق الشُّفْعَة
وَرَوَاهُ مُحَمَّد فِي الأَصْل فَقَالَ الْجَار أَحَق (بشفعة) جَاره ينْتَظر بهَا وَإِن
[ ٣٢٩ ]
كَانَ غَائِبا إِذا كَانَ طريقهما وَاحِد حد أثبت النَّبِي ﷺ الشُّفْعَة بِالشّركَةِ فِي الطَّرِيق وَعِنْدهم لَا تثبت الشُّفْعَة للْجَار وَإِن كَانَ طريقهما وَاحِدًا
وروى عَمْرو بن الشريد أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن ارْض بِيعَتْ وَلَيْسَ لَهَا شريك وَلها جَار فَقَالَ الْجَار أَحَق بصقبها ويروى بسقبها حد
وَفِي لفظ الْمسند عَن سَمُرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ جَار الدارأحق بِالدَّار من غَيره
وَلِأَنَّهُ إِجْمَاع من الصَّحَابَة فَإِنَّهُم قضوا بِالشُّفْعَة بِسَبَب الْجوَار حَتَّى قَالَ عَليّ وَابْن مَسْعُود قضى رَسُول الله ﷺ الشُّفْعَة بالجوار فَإِن قيل أما الحَدِيث الأول فَيحمل على الشَّرِيك المخالط وَأما الثَّانِي وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّد فِي الأَصْل فقد أنكرهُ أَحْمد وَأما حَدِيث عَمْرو بن الشريد فقد ضعفه ابْن الْمُنْذر وَأما حَدِيث سَمُرَة فَقَالَ أَحْمد أَحَادِيث سَمُرَة من كتاب وَقَالَ احْمَد بن هَارُون
[ ٣٣٠ ]
لَا يحفظ عَن الْحسن عَن سَمُرَة حَدِيث يَقُول فِيهِ (سَمِعت سَمُرَة) إِلَّا حَدِيث وَاحِد وَهُوَ حَدِيث الْعَقِيقَة
وَالْجَوَاب أما حمل الأول على الشَّرِيك المخالط فَلَا يَصح لِأَنَّهُ شريك فِي عين الْمَبِيع وَلَا خلاف فِيهِ
وَأما الثَّانِي فقد رَوَاهُ احْمَد فِي الْمسند وَطَرِيق الْإِنْكَار أَنهم قَالُوا لم يروه إِلَّا عبد الملك بن أبي سُلَيْمَان (وَهَذَا) نفي (للرواية) وَالْعَمَل على الْإِثْبَات وَأما الثَّالِث فَلم يُوَافق ابْن الْمُنْذر على تَضْعِيفه أحد من الْحفاظ ثمَّ لم يبين علته فَلَا يقبل قَوْله وَقد رَوَاهُ احْمَد فِي الْمسند
وَأما الرَّابِع فقد قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ سمع الْحسن الْبَصْرِيّ من سَمُرَة وَلَو لم يسمع لم يضر لِأَن النَّبِي ﷺ كَانَت كتبه ترد إِلَى الْآفَاق وَيعْمل بهَا وَلَو لم يثبت عِنْد الْحسن لما أرْسلهُ
احْتَجُّوا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الشُّفْعَة فِي كل مَا (لم) يقسم فَإِذا وَقعت الْحُدُود وصرفت الطّرق فَلَا شُفْعَة خَ
[ ٣٣١ ]
وَفِي لفظ إِنَّمَا الشُّفْعَة فِيمَا لَو يقسم أثبت النَّبِي ﷺ الشُّفْعَة فِي غير الْمَقْسُوم ونفاها عَن الْمَقْسُوم
قُلْنَا الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم لِأَنَّهُ ﷺ لما قَالَ فَإِذا وَقعت الْحُدُود وصرفت الطّرق وَعِنْدَهُمَا إِذا وَقعت الْحُدُود وصرفت الطّرق فَلَا شُفْعَة
وَقد احْتج أَصْحَابنَا بِأَحَادِيث مِنْهَا مَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الخليط أَحَق من الشَّفِيع وَالشَّفِيع أَحَق من غَيره إِلَّا أَنه غَرِيب لم يُخرجهُ أَرْبَاب السّنَن وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف على شُرَيْح وَابْن سِيرِين
وَقد احْتَجُّوا بِحَدِيث غَرِيب وَهُوَ مَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِنَّمَا الشُّفْعَة للخليط وَنحن نقُول الشُّفْعَة للخليط لَكِن لم لَا يكون للْجَار مَسْأَلَة الشُّفْعَة على عدد الرؤوس وَهُوَ قَول ابْن مَسْعُود وَقَالَ الشَّافِعِي على قدر الْأَنْصِبَاء
وَصُورَة الْمَسْأَلَة دَار مُشْتَركَة بَين ثَلَاثَة نفر لأَحَدهم نصفهَا وَلآخر ثلثهَا
[ ٣٣٢ ]
وَلآخر سدسها بَاعَ صَاحب النّصْف نصِيبه فَصَاحب الثُّلُث وَالسُّدُس يستحقان الشُّفْعَة نِصْفَيْنِ عندنَا وَعِنْده يستحقانها أَثلَاثًا لصَاحب السُّدس السُّدس وَلِصَاحِب الثُّلُث الثُّلُث وَكَذَا لَو بَاعَ صَاحب السُّدس نصِيبه فعندنا الشريكان الْآخرَانِ يستحقان السُّدس بَينهمَا نِصْفَيْنِ
وَالشَّافِعِيّ يحْتَج بالنصوص الدَّالَّة على الْقِسْمَة بِالسَّوِيَّةِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ وَذَلِكَ يكون على قدر الْأَنْصِبَاء
قُلْنَا النَّص يدل على أَن اسْتِحْقَاق الشُّفْعَة على عدد الرؤوس لِأَنَّهُ إِحْسَان فَكَانَ حجَّة لنا وَالله أعلم
[ ٣٣٣ ]
= كتاب الْإِجَارَات =
مَسْأَلَة الْأُجْرَة لَا تملك بِنَفس العقد وَإِنَّمَا تملك سَاعَة فساعة على حسب حُدُوث الْمَنْفَعَة
وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ يملك بِنَفس العقد حَتَّى لَو كَانَت الْأُجْرَة عبدا وَهُوَ قَرِيبه لَا يعْتق عَلَيْهِ فِي الْحَال (عندنَا وَلَا يثبت للأخير ولَايَة الْمُطَالبَة بِتَسْلِيم الْأُجْرَة فِي الْحَال) وَعِنْده يعْتق وَيثبت لنا قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾
وَالْمُسْتَأْجر لم يملك الْمَعْقُود عَلَيْهِ فِي الْحَال وَهُوَ مَنَافِع الدَّار شهرا فَكَذَا صَاحبه لَا يملك الْأُجْرَة تَسْوِيَة بَينهمَا
وَللشَّافِعِيّ ﵁ النُّصُوص الْمُوجبَة للوفاء بالعهد وَقد الْتزم تَسْلِيم الْأُجْرَة فَيجب قُلْنَا التَّعَارُض ثَابت وَالتَّرْجِيح مَعنا لما بَينا مَسْأَلَة إِجَارَة الْمشَاع فَاسِدَة عِنْد أبي حنيفَة ﵀
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ ﵃ هِيَ صَحِيحَة وَسَوَاء كَانَ يحْتَمل الْقِسْمَة كَالدَّارِ وَنَحْوهَا أَولا يحْتَمل كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّة وَالثَّوْب وَنَحْوه
وَصورته رجل أجر نصف دَاره أَو نصف عَبده أَو نصف ثَوْبه فَالْعقد فَاسد عِنْده حَتَّى لَا يجب الْمُسَمّى عِنْد التَّسْلِيم وَلَا الِانْتِفَاع عِنْده وَعِنْدهم يجب وَلَو انْتفع الْمُسْتَأْجر بذلك هَل يجب أجر الْمثل عِنْد أبي حنيفَة ﵀ اخْتلف
[ ٣٣٤ ]
الْمَشَايِخ فِيهِ قَالَ بَعضهم لَا يجب لِأَن الْإِجَارَة بَاطِلَة وَقَالَ بَعضهم يجب وَهُوَ الْأَصَح لِأَن الْإِجَارَة فَاسِدَة
لنا مَا روينَا من قَوْله ﷺ لَا تبع مَا لَيْسَ عنْدك وَمَنَافع الدَّار لَيست عِنْده فَلَا يجوز
لَهُم مَا روينَا من قَوْله ﷺ لَا يحل مَال امرىء مُسلم إِلَّا بِطيبَة من نَفسه وَقد طابت نفس الْمُسْتَأْجر فَيحل للمؤجر الِانْتِفَاع بِهِ
قُلْنَا هَذَا خبر وَاحِد ورد على مُخَالفَة قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تنازعوا﴾ وَهَذَا العقد يُفْضِي إِلَى الْمُنَازعَة لِأَن الْمُسْتَأْجر يطْلب الْمُؤَجّر بِتَسْلِيم الْكل والمؤجر يمْنَع من ذَلِك لما فِيهِ من تَفْوِيت حَقه فتتحقق الْمُنَازعَة مَسْأَلَة الْأَجِير الْمُشْتَرك ضَامِن لما جنت يَده عندنَا
وَعند زفر وَالشَّافِعِيّ لَا يضمن كالقصار يدق الثَّوْب فيتخرق أَو الْحمال بعثر فِي الطَّرِيق فينكسر الدن فعندنا يضمن وَعِنْدَهُمَا لَا يضمن
ثمَّ الْمَالِك بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ رَضِي بِالْعَمَلِ وَلم يُعْطه شَيْئا وَإِن شَاءَ لم يرض بِالْعَمَلِ وَيضمنهُ الْمُبْتَاع
ثمَّ الْمَالِك فِي التَّضْمِين بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ ضمنه مَعْمُولا وَأَعْطَاهُ الْمُسَمّى وَإِن شَاءَ ضمنه غير (مَعْمُول) وَلم يُعْطه شَيْئا
[ ٣٣٥ ]
لنا قَوْله ﷺ على الْيَد مَا أخذت حَتَّى ترد
وَقد أَخذ الْأَجِير امشترك ذَلِك الْقدر فَيجب عَلَيْهِ الرَّد بعد الْهَلَاك أَو التعييب المنقص للمالية فَيجب الضمانة لهماقوله تَعَالَى ﴿عَن ترَاض﴾ وَلم يُوجد وَكَذَا النُّصُوص الْمُحرمَة لمَال الْإِنْسَان إِلَّا بِطيبَة من نَفسه وَقد مر الْجَواب مَسْأَلَة لَا يجوز الِاسْتِئْجَار على الطَّاعَات وَهُوَ قَول أَحْمد وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ يجوز
وَصُورَة السمألة رجل اسْتَأْجر رجلا ليحج عَنهُ أَو ليعلمه الْقُرْآن لَا يَصح عندنَا حَتَّى لَو حج اَوْ علمه الْقُرْآن لَا يسْتَحق الْمُسَمّى وَلَا أُجْرَة الْمثل وَعِنْدَهُمَا يسْتَحق ذَلِك
وَلَو اسْتَأْجر على الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَالْجهَاد وَتَعْلِيم الْفِقْه وَرِوَايَة الحَدِيث وَنَحْوه فعندنا لَا يشكل أَنه لَا يَصح وَللشَّافِعِيّ فِيهِ قَولَانِ
لنا مَا روى عَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ الثَّقَفِيّ أَنه قَالَ يَا رَسُول الله اجْعَلنِي إِمَام قومِي قَالَ اقتد بأضعفهم وَاتخذ مُؤذنًا (لَا يَأْخُذ) على الْأَذَان أجرا حد
وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت قَالَ علمت أُنَاسًا من اهل الصّفة الْكِتَابَة وَالْقُرْآن فأهدى إِلَى رجل مِنْهُم قوسا فَقلت أرمي عَنْهَا فِي سَبِيل الله تَعَالَى فَسَأَلت النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِن
[ ٣٣٦ ]
سرك أَن تطوق بهَا طوقا من نَار فاقبلها حد فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث (مُغيرَة) بن زِيَاد ضَعِيف
إِلَّا أَنه قد روى مثله عَن أبي بن كَعْب سَالم الْإِسْنَاد وَقَالَ إِنِّي علمت رجلا الْقُرْآن فأهدى لي قوسا فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِن أَخَذتهَا أخذت قوسا من نَار رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن عَطِيَّة الكلَاعِي عَن أبي بن كَعْب الَّذِي أقرأه أبي طفيل بن عَمْرو (الدوسي)
وروى أَن رجلا قَالَ لِابْنِ عمر إِنِّي أحبك فِي الله فَقَالَ لَهُ إِنِّي أبغضك فِي الله لِأَنَّك تلحن فِي الْأَذَان وَتَأْخُذ عَلَيْهِ أجرا
احْتَجُّوا بِمَا روينَا أَن النَّبِي ﷺ زوج رجلا امْرَأَة بِمَا مَعَه من الْقُرْآن وَلم يرد بِهِ نفس الْقُرْآن لِأَنَّهُ لَا يصلح مهْرا لِأَن الْمهْر مَا يسلم لَهَا بِعقد فَعلم أَن المُرَاد بِهِ تَعْلِيم الْقُرْآن وَإِذا صلح بَدَلا فِي النِّكَاح صلح بَدَلا فِي الْإِجَارَة
وروى أَن رجلا من الصَّحَابَة رقى رجلا بِفَاتِحَة الْكتاب وَشرط على ذَلِك قطيعا من الْغنم فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ فَضَحِك وَقَالَ إِنَّهَا رقية خذوها واضربوا لي
[ ٣٣٧ ]
(مَعكُمْ) سَهْما خَ م
وَالْجَوَاب أما الحَدِيث الأول فَمَحْمُول على السَّبَبِيَّة أَي زَوجهَا مِنْهُ بِسَبَب حفظ الْقُرْآن لِأَن حرف الْبَاء كَمَا يذكر للتعويض يذكر لما قُلْنَا وَأما الحَدِيث الثَّانِي فَعَنْهُ أجوبة أَحدهَا أَن الْقَوْم كَانُوا كفَّارًا فَجَاز أَخذ اموالهم وَالثَّانِي حق الضَّيْف لَازم وَلم يضيفوهم وَالثَّالِث أَن الرّقية لَيست بقربة مَحْضَة فَجَاز أَخذ الْأُجْرَة عَلَيْهَا وَالله أعلم
[ ٣٣٨ ]
= كتاب الشَّهَادَات = مَسْأَلَة لِلْفَاسِقِ شَهَادَة سَمَاعا وَأَدَاء عندنَا وَهُوَ قَول مَالك وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ لَا شَهَادَة لَهُ أصلا وَثَمَرَة الْخلاف تظهر فِي مسَائِل مِنْهَا النِّكَاح ينْعَقد بِشَهَادَة الْفَاسِقين عندنَا
وَمِنْهَا أَرْبَعَة من الْفُسَّاق شهدُوا على رجل بالزنى لَا يحدون عندنَا لأَنهم شُهُود وَعِنْدهم يحدون لأَنهم قذفة
وَمِنْهَا رجل قذف إنْسَانا وَأقَام أَرْبَعَة من الْفُسَّاق يشْهدُونَ على صدق مقَالَته لَا يحدون عندنَا لِأَنَّهُ أَتَى بأَرْبعَة شُهَدَاء وَعِنْدهم يحدون لِأَنَّهُ لم يَأْتِ بأَرْبعَة شُهَدَاء وَمِنْهَا أَن القَاضِي إِذا قضى بِشَهَادَة فاسقين ينفذ قَضَاؤُهُ عندنَا وَعِنْدهم لَا ينفذ كَمَا لَو قضى بِشَهَادَة العبيد وَالْمَشْهُور من الصُّور الأولى لنا قَوْله تَعَالَى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ إِلَى غير ذَلِك من النُّصُوص احْتَجُّوا بِمَا تقدم من قَوْله ﷺ لانكاح إِلَّا بولِي وشاهدي عدل وَالْفِسْق بِنَا فِي الْعَدَالَة وَبِمَا تقدم من النُّصُوص فِي النِّكَاح
[ ٣٣٩ ]
قُلْنَا قد بَينا أَنه لَيْسَ فِيهَا مَا يثبت وَلَو سلمت حملت على الِاسْتِحْبَاب وَنفي الْكَمَال أَو نقُول أَخْبَار آحَاد وَردت على مُخَالفَة الْكتاب فَترد أَو تحمل على مَا قُلْنَا تَوْفِيقًا مَسْأَلَة لَا يقبل شَهَادَة أحد الزَّوْجَيْنِ للْآخر وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ يقبل لنا قَوْله ﷺ لَا شَهَادَة لمتهم وَهَذَا مُتَّهم
وَقَوله ﷺ لَا تقبل شَهَادَة الْوَالِد لوَلَده وَلَا الزَّوْج لزوجته وَلَا السَّيِّد لعَبْدِهِ وَلَا العَبْد لسَيِّده
احْتج بِمَا رُوِيَ أَن فَاطِمَة ﵂ ادَّعَت فدكا بَين يَدي أبي بكر ﵁ واستشهدت عليا ﵁ وَامْرَأَة فَقَالَ أَبُو بكر (ضمي) إِلَى الرجل رجلا وَإِلَى الْمَرْأَة امْرَأَة وَكَانَ ذَلِك بِمحضر من الصَّحَابَة من غير نَكِير فَكَانَ إِجْمَاعًا
قُلْنَا تِلْكَ الشَّهَادَة لم تقبل لِأَن الصَّحِيح من الرِّوَايَة أَن ابا بكر رد دَعْوَاهَا لِأَنَّهَا ادَّعَت فدكا إِرْثا من النَّبِي ﷺ فَردهَا وَقَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث مَا تركنَا صَدَقَة
[ ٣٤٠ ]
وَقد كَانَ عَليّ ﵁ يعلم أَن شَهَادَة الزَّوْج لزوجته لَا تقبل لكنه احْتَرز عَن إيحاش فَاطِمَة ﵂ بالامتناع
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن عليا ﵁ لما ولي الْخلَافَة لم يتَعَرَّض لفدك بل أجْرى الحكم فِيهَا على مَا كَانَ فِي زمَان الخلفا الثَّلَاثَة وَفِي هَذَا حِكَايَة جرت للسفاح مَعَ بعض الطالبين مَسْأَلَة تقبل شَهَادَة أهل الذِّمَّة بَعضهم على بعض وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد ﵃ لَا تقبل
لنا مَا روينَا من قَوْله ﷺ فَإِذا قبلوا عقد الذِّمَّة فَلهم مَا للْمُسلمين وَعَلَيْهِم مَا على الْمُسلمين وللمسلمين أَن يشْهد بَعضهم على بعض فَكَذَا أهل الذِّمَّة
احْتَجُّوا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (لَا تَرث) مِلَّة مِلَّة وَلَا يجوز شَهَادَة أهل مِلَّة على أهل مِلَّة إِلَّا أمتِي فَإِنَّهُ يجوز شَهَادَتهم على من سواهُم ق قُلْنَا الحَدِيث فِي إِسْنَاده عمر بن رَاشد ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره أَو يحمل على أَنه مَنْسُوخ بِمَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ رجم يهوديين بِشَهَادَة أهل الذِّمَّة
[ ٣٤١ ]
على أَنَّهَا مُخَالفَة للْكتاب وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿اثْنَان ذَوا عدل مِنْكُم أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ﴾ أَي من غير أهل ملتكم بِإِجْمَاع الْمُفَسّرين أثبت شَهَادَة الْكَافِر على الْمُسلم فعلى الْكَافِر أولى مَسْأَلَة أجمع عُلَمَاء الْأمة على أَن الْعُقُوبَات لَا تثبت بِشَهَادَة رجل وَامْرَأَتَيْنِ
وَكَذَا اجْمَعُوا على أَن مَا كَانَ مَالا وَمَا هُوَ تبع لِلْمَالِ كالخيار وَالْأَجَل يثبت بشهاد رجل وَامْرَأَتَيْنِ
وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِيمَا لَيْسَ بِمَال وَلَيْسَ بعقوبة كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاق وَالرَّجْعَة وَالْوَصِيَّة وَالْوكَالَة فعندنا يثبت بِشَهَادَة رجل وَامْرَأَتَيْنِ وَعند الشَّافِعِي وَاحْمَدْ ﵄ لَا يثبت وَالْخلاف يظْهر فِي فصلين أَحدهمَا انْعِقَاد النِّكَاح بِحَضْرَة هَؤُلَاءِ وَالثَّانِي فِي وجوب الْقَضَاء على القَاضِي بِشَهَادَتِهِم فعندنا ينْعَقد وَيجب الْقَضَاء على القَاضِي خلافًا لَهُم
[ ٣٤٢ ]
لنا على الأول قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن لم يَكُونَا رجلَيْنِ فَرجل وَامْرَأَتَانِ﴾ أطلق اسْم الشَّاهِدين على الرجل (والمرأتين) وَمُقْتَضَاهُ (إِثْبَات) الشَّهَادَة على الْإِطْلَاق إِلَّا أَن الْعُقُوبَات خصت عَن ذَلِك وَقَوله ﷺ لَا نِكَاح إِلَّا بِشُهُود وَهَذَا نِكَاح حَضَره شُهُود وَأَجَازَ عمر ﵁ شَهَادَة رجل وَامْرَأَتَيْنِ فِي النِّكَاح والفرقة
فَإِن قيل لَيْسَ معنى الْآيَة مَا ذكرْتُمْ بل مَعْنَاهُ فاستشهدوا رجلا وَامْرَأَتَيْنِ والشهيدين عبارَة عَن اثْنَيْنِ وَرجل وَامْرَأَتَانِ ثَلَاثَة وَاسم الثَّلَاثَة لَا يصلح تَفْسِيرا للإثنين قُلْنَا الْفَاء فِي قَوْله ﴿فَرجل وَامْرَأَتَانِ﴾ حرف جَزَاء وَالْجَزَاء يتَعَلَّق بِالشّرطِ السَّابِق وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن لم يَكُونَا رجلَيْنِ﴾ وَهَذَا يرجع إِلَى (الشهيدين)
وَمَعْنَاهُ فاستشهدوا شهيدين (من رجالكم) فَإِن لم يكن الشهيدان رجلَيْنِ فالشهيدان رجل وَامْرَأَتَانِ
[ ٣٤٣ ]
احْتَجُّوا بِمَا مر من قَوْله ﷺ لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وشاهدي عدل وَظَاهره يُفِيد اشْتِرَاط رجلَيْنِ عَدْلَيْنِ لِأَن الشَّاهِدين حَقِيقَة اسْم لشخصين
وَعَن الزُّهْرِيّ مَضَت السّنة من لدن رَسُول الله ﷺ والخليفتين من بعده أَن لَا تقبل شَهَادَة الرِّجَال مَعَ النِّسَاء فِي الْحُدُود وَالْقصاص وَالنِّكَاح وَالطَّلَاق وَالْجَوَاب أما الحَدِيث فقد تقدم تَضْعِيفه أَو نقُول قد حضر شَاهِدَانِ لما بَينا
وَمَا رُوِيَ عَن الزُّهْرِيّ فَالصَّحِيح من الرِّوَايَة مَضَت السّنة من لدن رَسُول الله ﷺ والخليفتين من بعده أَن لَا تقبل شَهَادَة النِّسَاء فِي الْحُدُود وَالْقصاص وَالزِّيَادَة مِمَّا عملته ايديهم وَأما على الْفَصْل الثَّانِي فَلِأَنَّهُ ظهر بهَا حق ثَابت فَيَقْتَضِي بهَا
مَسْأَلَة قَضَاء القَاضِي ينفذ فِي الْعُقُود والفسوخ ظَاهرا وَبَاطنا عِنْد أبي حنيفَة وَهُوَ قَول أبي يُوسُف رحمهمَا الله أَولا ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ ينفذ ظَاهرا لَا بَاطِنا وَهُوَ قَول مُحَمَّد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد
وَصورته رجل ادّعى على امْرَأَة نِكَاحا وَأقَام على ذَلِك شَاهِدي زور وَالْمُدَّعِي عَالم بذلك فَقضى القَاضِي بِالنِّكَاحِ على ظن صدقهما نفذ قَضَاؤُهُ ظَاهرا وَبَاطنا عِنْد أبي حنيفَة ﵀ فيسلمها القَاضِي إِلَيْهِ ويجبرها على الْكَوْن مَعَه وَحل لَهُ وَطْؤُهَا
[ ٣٤٤ ]
وَعِنْدهم لايحل لَهُ وَطْؤُهَا
وعَلى هَذَا لَو ادَّعَت الْمَرْأَة على زَوجهَا طَلَاقا وأقامت شَاهِدي زور وَقضى القَاضِي بِهِ نفذ ظَاهرا وَبَاطنا عِنْده حَتَّى يحل لَهَا التَّزَوُّج بآخر وَعِنْدهم ينفذ ظَاهرا لَا بَاطِنا فَلَا يحل لَهَا التَّزَوُّج بآخر وَلَو تزوجت بآخر فَعِنْدَ أبي يُوسُف ﵀ لَا تحل لَا للْأولِ وَلَا للثَّانِي وَعند مُحَمَّد يحل للْأولِ دون الثَّانِي وَكَذَا عِنْد الشَّافِعِي يَأْتِيهَا الأول سرا وَالثَّانِي عَلَانيَة
وَاتَّفَقُوا على أَن الْقَضَاء فِي الْأَمْلَاك الْمُرْسلَة (ينفذ) طَاهِرا لَا بَاطِنا حَتَّى لَو ادّعى جَارِيَة فِي ملك إِنْسَان ملكا مُطلقًا وَأقَام على ذَلِك شَاهِدي زور وَقضى القَاضِي ينفذ ظَاهرا لَا بَاطِنا حَتَّى لَا يحل لَهُ وَطْؤُهَا
لأبي حنيفَة مَا روى أَن رجلا ادّعى بَين يَدي عَليّ ﵁ نِكَاح امْرَأَة وَأقَام شَاهِدين فَقضى عَليّ بِالنِّكَاحِ فَقَالَت المراة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَيْسَ بَيْننَا نِكَاح إِن كَانَ وَلَا بُد فَزَوجنِي مِنْهُ وَقَالَ عَليّ شَاهِدَاك زوجاك فَلم يجبها إِلَى إنْشَاء النِّكَاح وَنَصّ على إثْبَاته بقوله شَاهِدَاك زوجاك وَذَلِكَ بِمحضر من الصَّحَابَة ﵃ من غير نَكِير فَكَانَ إِجْمَاعًا
احْتَجُّوا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِنَّمَا أَنا مثلكُمْ وَإِنَّكُمْ لتختصمون لدي
[ ٣٤٥ ]
وَلَعَلَّ بَعْضكُم أَلحن بحجته فَمن قضيت لَهُ بِشَيْء من حق أَخِيه فَكَأَنَّمَا قضيت لَهُ بِقِطْعَة من النَّار خَ م
فَلَو نفذ الْقَضَاء بَاطِنا لما قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ لَا ينفذ مَعَ اختلال الْحجَّة وَلما كَانَ قَضَاء بِقِطْعَة من النَّار
قُلْنَا الحَدِيث ورد فِي الْأَمْلَاك الْمُرْسلَة بِدَلِيل مَا روى أَن رجلَيْنِ اخْتَصمَا إِلَى رَسُول الله ﷺ فِي مَوَارِيث درست فَقضى لأَحَدهمَا فَقَالَ الآخر حَقي يَا رَسُول الله فَذكر النَّبِي ﷺ الحَدِيث (وَالْخُصُومَة) فِي الْمَوَارِيث خُصُومَة فِي الْأَمْلَاك فَإِنَّمَا يكون قضى بِحَق أَخِيه أَن لَو بَقِي حق أَخِيه وَإِنَّمَا يبْقى حق أَخِيه فِي الْأَمْلَاك الْمُرْسلَة دون الْمقيدَة مَسْأَلَة الْمَحْدُود فِي الْقَذْف لَا تقبل شَهَادَته وَإِن تَابَ وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ تقبل إِذا تَابَ
وَلَو شهد قبل التَّوْبَة وَقد حد لَا تقبل بِالْإِجْمَاع وَتقبل بعد التَّوْبَة قبل الْحَد بِالْإِجْمَاع أَيْضا
[ ٣٤٦ ]
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا﴾ نهى عَن قبُول الشَّهَادَة على التَّأْبِيد فَلَا تقبل
فَأن قيل نعارضه بقوله تَعَالَى ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ فَالله تَعَالَى نهى عَن قبُول شَهَادَة الرَّامِي وَاسْتثنى التَّأْبِيد مِنْهُ
قُلْنَا لَيْسَ هَذَا باستثناء بل اسْتِدْرَاك كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَا يسمعُونَ فِيهَا لَغوا وَلَا تأثيما إِلَّا قيلا سَلاما سَلاما﴾ ومعنا لَكِن سَلاما احْتج بالعمومات مثل قَوْله تَعَالَى ﴿واستشهدوا شهيدين﴾ وَنَحْو ذَلِك قُلْنَا مَا ذَكرْنَاهُ خَاص بِالْإِضَافَة إِلَيْهَا وَالْخَاص يقْضِي على الْعَام
[ ٣٤٧ ]
= كتاب الدَّعْوَى = مَسْأَلَة النّكُول حجَّة يقْضِي بِهِ فِي الْأَمْوَال والحقوق وَهُوَ قَول عمر وَعُثْمَان وَعلي وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَأبي ومُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَمذهب أَحْمد وَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك لَيْسَ بِحجَّة للْقَضَاء بل لرد الْيَمين على الْمُدَّعِي وَصورته رجل ادّعى على آخر شَيْئا فَأنْكر فاستحلف فنكل عَن الْيَمين يقْضِي بِهِ عندنَا وَعِنْدَهُمَا لَا يقْضِي بل ترد الْيَمين على الْمُدَّعِي فَإِن حلف أَخذ المَال وَإِلَّا فَلَا
وَشرط الْخصاف تكْرَار الْعرض ثَلَاثًا وَهُوَ أَن يَقُول لَهُ القَاضِي فِي كل مرّة إِن حَلَفت وَإِلَّا قضيت عَلَيْك بِمَا ادَّعَاهُ وَالأَصَح أَنه لَو قضى عَلَيْهِ بِالنّكُولِ أول مرّة جَازَ
لنا مَا روى أَن امْرَأَة جَاءَت إِلَى عمر ﵁ فادعت على زَوجهَا أَنه قَالَ لَهَا حبلك على غاربك فحلفه عمر بِاللَّه مَا أردْت طَلَاقا فنكل فَقضى عَلَيْهِ بالفرقة
وَعَن ابْن عمر ﵁ أَنه اشْترى من إِنْسَان شَيْئا فَادّعى المُشْتَرِي عَيْبا فاختصما إِلَى عُثْمَان فحلفه عُثْمَان بِاللَّه إِنَّك بِعته (وَبِه) عيب عَلمته فكتمته فنكل فَقضى عَلَيْهِ بِالرَّدِّ
وَعَن ابْن أبي مليكَة أَنه كَانَ قَاضِيا بِالْبَصْرَةِ فَجَاءَت إِلَيْهِ امْرَأَتَانِ فادعت
[ ٣٤٨ ]
إِحْدَاهمَا على صاحبتها أَنَّهَا أصابتها عينهَا فَكتب إِلَى ابْن عَبَّاس فَكتب إِلَيْهِ أَن اقْرَأ عَلَيْهَا ﴿إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَأَيْمَانهمْ ثمنا قَلِيلا﴾ الْآيَة ثمَّ أعرض عَلَيْهَا الْيَمين فَإِن حَلَفت برت وَإِن نكلت فَاقْض عَلَيْهَا بِالْأَرْشِ
وروى أَن رجلا ادّعى على رجل شَيْئا بَين يَدي شُرَيْح فحلفه فنكل فَقَالَ الْمُدَّعِي أَنا أَحْلف وآخذ المَال فَقَالَ لَا وَقضى عَلَيْهِ بِالنّكُولِ
وَكَانَ عَليّ ﵁ جَالِسا فَقَالَ لشريح قالون وَهُوَ بلغَة الرّوم اصبت فَهَؤُلَاءِ كبار الصَّحَابَة ﵃ اتَّفقُوا على جَوَاز الْقَضَاء بِالنّكُولِ من غير نَكِير فَكَانَ إِجْمَاعًا
احْتَجُّوا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَو ترك النَّاس ودعاويهم لادعى قوم دِمَاء قوم وَأَمْوَالهمْ وَلَكِن الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على من أنكر خَ م
قسم النَّبِي ﷺ النَّاس قسمَيْنِ (مُدع) ومنكر وَجعل الْحجَج قسمَيْنِ يَمِينا وَبَيِّنَة فَمن جعل النّكُول حجَّة فقد أبطل الْحصْر
قُلْنَا الحَدِيث مَتْرُوك الظَّاهِر لِأَنَّهُ ﷺ جعل الْبَيِّنَة حجَّة فِي جَانب الْمُدَّعِي وَالْيَمِين حجَّة فِي جَانب الْمُنكر وَلم يتَعَرَّض لشَيْء آخر لَا بِنَفْي وَلَا إِثْبَات فَبَقيَ مَفْهُوم الْخطاب وَذَلِكَ لَيْسَ بِحجَّة عندنَا على أَن الحَدِيث حجَّة لنا لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن (لَا ترد) الْيَمين على الْمُدَّعِي
[ ٣٤٩ ]
وَعِنْدَهُمَا ترد فَكَانَ مُخَالفا للْحَدِيث
وَقد احْتَجُّوا بِحَدِيث لَا يَصح رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ رد الْيَمين على طَالب الْحق وَفِي إِسْنَاده مَجَاهِيل
مَسْأَلَة الِاسْتِحْلَاف لَا يجْرِي فِي الْأَشْيَاء السِّتَّة عِنْد أبي حنيفَة ﵀ النِّكَاح وَالنّسب وَالرَّجْعَة والفيء فِي الِاسْتِيلَاد وَالرّق وَالْوَلَاء وَذكر فِي الزِّيَادَات وَالِاسْتِيلَاد وَالْمَعْرُوف الْأَشْيَاء السِّتَّة وَقَالا يجر فِيهَا الِاسْتِحْلَاف
وَالْخلاف يبتنى على أَن النّكُول بدل عَنهُ وَالْبدل لَا يجْرِي فِي الْأَشْيَاء السِّتَّة فَلَا يجْرِي فِيهَا الِاسْتِحْلَاف
وَعِنْدَهُمَا النّكُول إِقْرَار والأقرار يجْرِي فِي هَذِه الْأَشْيَاء استة فينزله القَاضِي مقرا عِنْدهمَا فَيجْرِي الِاسْتِحْلَاف كَمَا فِي الإقراء وَعند أبي حنيفَة ﵀ ينزله ناكلا فَلَا يسْتَحْلف
لَهُ أَن الأَصْل فِي الْقَضَاء بِالنّكُولِ هُوَ الْأَمْوَال لِأَن الْيَمين شرعت فِيهَا لقطع الْخُصُومَة بِخِلَاف الْأَشْيَاء السِّتَّة فَيجْعَل ناكلا وَلَهُمَا قَوْله ﷺ الْيَمين على من أنكر مَسْأَلَة الْأَب إِذا استولد جَارِيَة ابْنه صَحَّ الِاسْتِيلَاد وَيثبت النّسَب مِنْهُ وَيكون الْوَلَد حرا وَيملك الْجَارِيَة بِالْقيمَةِ وَتَكون أم ولد لَهُ إِجْمَاعًا وَلَا يغرم
[ ٣٥٠ ]
الْعقر عندنَا وَقَالَ زفر وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله يلْزمه الْعقر وَاتَّفَقُوا على أَنه لَو وَطئهَا وَلم يعلقها أَنه يجب عَلَيْهِ الْعقر لنا النُّصُوص الْمُحرمَة لأخذ مَال الْغَيْر بِدُونِ رِضَاهُ وَلَهُمَا النُّصُوص الْمُوجبَة للحد إِلَّا أَنه لما تعذر لمَكَان الشُّبْهَة وَجب الْعقر قُلْنَا الْوَطْء صَادف ملك نَفسه لِحَاجَتِهِ إِلَى الابْن لما مر
وَقد احْتَاجَ إِلَى صِحَة الِاسْتِيلَاد فقدمنا الْملك عَلَيْهِ ليَصِح كَمَا لَو قَالَ أعتق عَبدك عني على ألف مَسْأَلَة لَا يجوز الْقَضَاء على الْغَائِب بِالْبَيِّنَةِ وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ يجوز وَاتَّفَقُوا على أَنه لَو كَانَ حَاضرا فَسكت قضى عَلَيْهِ لنا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَالْقَضَاء على الْغَائِب قَول بِلَا علم
وروى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لعَلي ﵁ لَا تقضي لأحد الْخَصْمَيْنِ حَتَّى تسمع كَلَام الآخر فَإنَّك إِذا سَمِعت كَلَام الآخر علمت كَيفَ تقضي فَإِن قيل الْمَرْوِيّ إِذا جلس إِلَيْك الخصمان
[ ٣٥١ ]
قُلْنَا هَذَا حَدِيث وَذَاكَ آخر احتجا بِمَا روى أَن هندا قَالَت يارسول الله إِن أَبَا سُفْيَان رجل شحيح وَلَيْسَ لي إِلَّا مَا يدْخل بَيْتِي فَقَالَ خذي مَا يَكْفِيك وولدك بِالْمَعْرُوفِ خَ م وَقَالَ ﷺ الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَالْيَمِين على من أنكر
جعل النَّبِي ﷺ الْبَيِّنَة حجَّة الْمُدَّعِي مُطلقًا من غير فصل بَين الْغَيْبَة والحضور فَيجْرِي على إِطْلَاقه
قُلْنَا أما الحَدِيث الأول فَيحْتَمل أَن أَبَا سُفْيَان كَانَ حَاضر اويحتمل أَنه كَانَ غَائِبا فَلَا يكون حجَّة وَلَو سلمنَا فللإمام ولَايَة إِقَامَة الْحُقُوق وَالنَّفقَة حَقّهَا فَيقوم الإِمَام مقَامه وَأما الثَّانِي فا نسلم أَنه يتَنَاوَل حَالَة الْغَيْبَة لما فِيهِ من الْإِضْرَار بالغائب أَو نقُول أَخْبَار آحَاد وَردت على مُخَالفَة الْكتاب فَلَا تقبل
مَسْأَلَة الْخَارِج مَعَ ذِي الْيَد إِذا تنَازعا فِي عين وَأقَام كل وَاحِد مِنْهُمَا الْبَيِّنَة على الْملك الْمُطلق قضى بِبَيِّنَة الْخَارِج وَقَالَ زفر وَالشَّافِعِيّ ﵄ بَيِّنَة ذِي الْيَد أولى
وَصورته إِذا ادّعى رجل على رجل دَارا أَو عبدا فأنكرالمدعى عَلَيْهِ ثمَّ أَقَامَا الْبَيِّنَة يقْضِي بِبَيِّنَة الْخَارِج عندنَا خلافًا لَهما
[ ٣٥٢ ]
وَاتَّفَقُوا على أَنَّهُمَا لَو أَقَامَا الْبَيِّنَة بالنتاج بِأَن قَالَ أَحدهمَا هَذِه دَابَّتي نتجت فِي ملكي وَادّعى الآخر أَنَّهَا لَهُ نتجت فِي ملكه فَإِنَّهُ يقْضِي بهَا لصَاحب الْيَد لنا قَوْله ﷺ الْبَيِّنَة على من الْمُدَّعِي جعل النَّبِي بَيِّنَة الْمُدَّعِي حجَّة وَالْخَارِج (مُدع) احْتَجُّوا بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث وَذُو الْيَد (مُدع)
قُلْنَا مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ أولى لِأَنَّهُ ﷺ جعل الْحجَّة قسمَيْنِ قسما على الْمُدَّعِي وَهُوَ الْبَيِّنَة وقسما على الْمُدعى عَلَيْهِ وَهُوَ الْيَمين وبالإجماع الْخَارِج هُنَا (مُدع) وَالْبَيِّنَة عَلَيْهِ فَمن جعل ذَا الْيَد مُدعيًا وَالْبَيِّنَة عَلَيْهِ فقد غير قسْمَة الشَّرْع
مَسْأَلَة رجلَانِ ادّعَيَا عينا فِي يَد ثَالِث وَأقَام كل وَاحِد مِنْهُمَا الْبَيِّنَة على ذَلِك فَإِنَّهُ يقْضِي بِالْعينِ بَينهمَا نِصْفَيْنِ وَالشَّافِعِيّ ﵁ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا كَقَوْلِنَا وَالثَّانِي يقرع بَينهمَا فَكل من خرجت لَهُ الْقرعَة فَهُوَ أَحَق بهَا وَفِي الثَّالِث تهاترت الْبَيِّنَتَانِ وَهُوَ قَول احْمَد فِي الْقرعَة والتهاتر وعَلى هَذَا الْخلاف جَارِيَة بَين شَرِيكَيْنِ ولدت ولدا فَادّعى كل وَاحِد مِنْهُمَا
[ ٣٥٣ ]
نسب الْوَلَد وَأقَام الْبَيِّنَة وَالْجَارِيَة وَالْولد فِي يَد ثَالِث قضى بِالنّسَبِ لَهما عندنَا خلافًا لَهُ
لنا مَا روى أَن رجلَيْنِ اخْتَصمَا إِلَى النَّبِي ﷺ فِي دَابَّة لَيْسَ لوَاحِد مِنْهُمَا بَيِّنَة فَجَعلهَا النَّبِي ﷺ بَينهمَا نِصْفَيْنِ حد
وَفِي رِوَايَة لفظ مَا أحوجكما إِلَى سلسلة كسلسلة بني إِسْرَائِيل كَانَ دَاوُد ﵇ إِذا جلس لفصل الْقَضَاء نزلت سلسلة من السَّمَاء فَأخذت بعنق الظَّالِم ثمَّ قضى النَّبِي ﷺ بالمتنازع فِيهِ نِصْفَيْنِ احْتج الشَّافِعِي ﵁ فِي القَوْل الثَّانِي بِأَحَادِيث الْقرعَة وَأَنَّهَا مُسْتَحقَّة عِنْده وَعِنْدنَا لَيست بمستحقة
وَأما فِي التهاتر فبمَا رَوَت أم سَلمَة ﵂ أَن رجلَيْنِ اخْتَصمَا إِلَى النَّبِي ﷺ فِي مَوَارِيث لَهما لم يكن لَهَا بَيِّنَة فَقَالَ ﷺ إِنَّكُم لتختصمون إِلَيّ وَلَعَلَّ بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته فَمن قضيت لَهُ من حق أَخِيه بِشَيْء فَلَا يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا فَإِنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من النَّار فَبكى الرّجلَانِ وَقَالَ كل وَاحِد مِنْهُمَا حَقي لَهُ فَقَالَ لَهما النَّبِي ﷺ أما (إِذْ) فعلتما فاقتسما وتوخيا الْحق ثمَّ اسْتهمَا ثمَّ تحالا د قُلْنَا قَوْله ﷺ اقْتَسمَا الْحق دَلِيل لنا وَإِذا لم يكن (دَلِيلا) لنا فَلَا
[ ٣٥٤ ]
أقل من أَن لَا يكون حجَّة علينا مَسْأَلَة رجلَانِ ادّعَيَا نسب ولد ثَبت نسبه مِنْهُمَا وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ لَا يثبت لَكِن يلْحق بِأَحَدِهِمَا بقول الْقَائِف وللمسألة صُورَتَانِ إِحْدَاهمَا إِذا تداعيا وَأَقَامَا الْبَيِّنَة وَالثَّانيَِة إِذا (أقرا)
لنا إِجْمَاع الصَّحَابَة فَإِنَّهُ روى أَن عمر ﵁ كتب إِلَى شُرَيْح فِي مثل هَذِه الْقَضِيَّة لما سَأَلَهُ عَن هده الْوَاقِعَة هُوَ ابنهما يرثانه ويرثهما وَهُوَ للْبَاقِي مِنْهُمَا لبسا فَلبس عَلَيْهِمَا
وروى أَن عُثْمَان وعليا ﵄ فضيا فِي رجلَيْنِ تداعيا نسب ولد هُوَ أَنَّهُمَا يرثانه ويرثهما من غير نَكِير فَكَانَ إِجْمَاعًا
احتجا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ دخل على عَائِشَة ﵂ وَعَن أَبِيهَا ذَات يَوْم وأسارير وَجهه تبرق فَقَالَ لَهَا أما سَمِعت قَول مُحرز المدلجي مر بأسامة وَزيد وهما نائمان قد غطيا وجههما بقطيفة وبدت أقدامهما فَقَالَ وَالله إِن هَذِه الْأَقْدَام بَعْضهَا من بعض خَ م
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِمَعْنَاهُ فَقَالَ دخل قائف وَرَسُول الله ﷺ شَاهد وَأُسَامَة وَزيد
[ ٣٥٥ ]
بن حَارِثَة مضطجعان فَقَالَ هَذِه الْأَقْدَام بَعْضهَا من بعض قَالَت عَائِشَة ﵂ فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ وَأَعْجَبهُ قَالَ إِبْرَاهِيم بن سعد وَكَانَ زيد أشقر أَبيض وَأُسَامَة مثل اللَّيْل وَالنَّبِيّ ﷺ إِنَّمَا يسر بِالْحَقِّ لَا بِالْبَاطِلِ
قُلْنَا إِنَّمَا سر النَّبِي ﷺ لأَنهم كَانُوا يطعنون فِي نِسْبَة (حبه) اسامة وهم يَعْتَقِدُونَ أَن الْقَائِف أفطنهم فَانْتقضَ كَلَامهم بقوله مَعَ أَن نسبه كَانَ ثَابتا من زيد عِنْد النَّبِي ﷺ وَالْمُسْلِمين فسروه ﷺ إِنَّمَا كَانَ لبُطْلَان طعنهم
أَلا ترى أَن قَول الْقَائِف لَا يعْتَبر إِذا كَانَ النّسَب ثَابتا فَإِنَّهُ لَو ثَبت النّسَب واشتهر فِي شخص ثمَّ أَرَادَ الْقَائِف أَن يلْحقهُ بآخر لَا يلْتَفت إِلَيْهِ فَكَذَا هَذَا
[ ٣٥٦ ]
= كتاب الْإِقْرَار = مَسْأَلَة غُرَمَاء الصِّحَّة يقدمُونَ فِي التَّرِكَة على غُرَمَاء الْمَرَض وَعند الشَّافِعِي ﵁ يستوون
وَصورته إِذا كَانَ عَلَيْهِ دين فِي صِحَّته ثمَّ مرض مرض الْمَوْت ثمَّ أقرّ لغريم آخر بدين فِي مَرضه
لنا النُّصُوص الْمُوجبَة لقَضَاء الدُّيُون وَدين الصِّحَّة أظهر لِأَنَّهُ تعلق بِمَالِه حَالَة الصِّحَّة لما عرف وَله قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ وَمُقْتَضَاهُ التَّسَاوِي بَين الْغُرَمَاء
قُلْنَا صرفه إِلَى دين الصِّحَّة مُقْتَضى الْإِحْسَان لِأَن تمْلِيك هَذِه الْألف حق غَرِيم الصِّحَّة فَلَو نفذ إِقْرَاره لبطل هَذَا الْحق وَإنَّهُ لَا يجوز
مَسْأَلَة إِذا أقرّ الْمَرِيض فِي مرض مَوته لبَعض ورثته بِعَين اَوْ دين لم يَصح حَتَّى يصدقهُ بَاقِي الْوَرَثَة وَقَالَ زفر يَصح إِقْرَاره وَينفذ وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
لنا مَا روى مُحَمَّد عَن ابْن عمر مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَمَرْفُوعًا لَا يجوز إِقْرَار الْمَرِيض لوَارِثه بِالدّينِ من غير مُخَالف وَلَهُمَا قَوْله ﷺ إِنَّمَا أَقْْضِي بِالظَّاهِرِ فَينفذ
[ ٣٥٧ ]
= كتاب الْوكَالَة = مَسْأَلَة الْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ إِذا أقرّ على مُوكله فِي مجْلِس الْحَاكِم نفذ إِقْرَاره على الْمُوكل وَقَالَ زفر لَا ينفذ وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَاتَّفَقُوا على أَنه لَو أقرّ فِي غير مجْلِس الْحَاكِم لَا ينفذ إِقْرَاره إِلَّا عِنْد أبي يُوسُف
لنا النُّصُوص الْمُطلقَة فِي جَوَاز التَّصَرُّف وَقد أَتَى بِمَا فوض إِلَيْهِ فَينفذ على مُوكله كَمَا لَو أنكر وَلَهُمَا النُّصُوص النافية لولاية الْغَيْر على الْغَيْر قُلْنَا هُوَ (مسلط) بِالتَّوْكِيلِ فَينفذ
مَسْأَلَة التَّوْكِيل بِالْخُصُومَةِ من غير رضَا الْخصم صَحِيح إِلَّا أَنه لَا ينفذ على الْمُوكل عِنْد أبي حنيفَة بِمَعْنى أَنه لَا يلْزمه وَقَالا وَالشَّافِعِيّ وَاحْمَدْ ينفذ سَوَاء رَضِي الْخصم أم لَا
وَاتَّفَقُوا على أَن التَّوْكِيل من الْغَائِب وَالْمَرِيض الَّذِي لَا يَسْتَطِيع الْحُضُور إِلَى مجْلِس القَاضِي والمقعد والزمن أَنه ينفذ من غير رضَا الْخصم وَفِي الْمَرْأَة المخدرة اخْتِلَاف الْمَشَايِخ لَهُ النُّصُوص النافية لولاية الْغَيْر على الْغَيْر وَلَهُم مَا روى أَن عليا ﵁ وكل أَخَاهُ عقيلا بِالْخُصُومَةِ وَلم يشْتَرط
[ ٣٥٨ ]
فِيهِ رضَا الْخصم وَكَانَ ذَلِك بِمحضر من الصَّحَابَة فَكَانَ إِجْمَاعًا وَكَذَا عبد الله بن جَعْفَر وَكله عَليّ ﵁ لما أسن عقيل قُلْنَا يحْتَمل أَنه وَكله بِغَيْر رضَا الْخصم وَيحْتَمل أَنه وَكله بِرِضَاهُ والأثر حِكَايَة حَال لَا عُمُوم لَهُ فَلَا يَصح التَّمَسُّك بِهِ أَو يحمل على الْجَوَاز فَلَا كَلَام فِيهِ إِنَّمَا الْكَلَام فِي اللُّزُوم وَالله أعلم
[ ٣٥٩ ]
= كتاب الْكفَالَة =
مَسْأَلَة الْكفَالَة بِنَفس من عَلَيْهِ الدّين تصح وَهُوَ قَول عمر وَعُثْمَان وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَحَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ وَجَرِير بن عبد الله وَأبي بن كَعْب وَعمْرَان بن حُصَيْن والأشعث بن قيس وَأحمد ﵃ وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ لَا تصح وَاتَّفَقُوا على أَن الْكفَالَة بالأعيان الَّتِي لَا تضمن نَحْو الودائع والعواري غير صَحِيحَة لنا قَوْله ﷺ الزعيم غَارِم ق والزعيم الْكَفِيل من غير فصل والغارم هُوَ الَّذِي لزمَه الغرامة كَذَا ذكر أهل اللُّغَة وَقد الْتزم تَسْلِيم نفس الْمَكْفُول عَنهُ فَيلْزمهُ
وَجَاء فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى ﴿لن أرْسلهُ مَعكُمْ حَتَّى تؤتون موثقًا من الله﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس كفل بِنَفس الْأَخ الْمَبْعُوث مَعَه وروينا فِيمَا تقدم قَوْله ﷺ الْمُؤْمِنُونَ عِنْد شروطهم فَإِن قيل الحَدِيث مُجمل لِأَنَّهُ لم يبين مَا يغرمه فَلَا يَصح التَّعَلُّق قُلْنَا قد يعين المُرَاد بِالْإِجْمَاع لِأَنَّهُ مؤاخذ بِمَا كفل بِهِ وَغَيره لَا يلْزمه
[ ٣٦٠ ]
(فَيحمل) عَلَيْهِ لِئَلَّا يتعطل الحَدِيث وروى أَن شريحا حبس ابْنه بكفالة رجل بِالنَّفسِ
احْتج الشَّافِعِي بقوله تَعَالَى ﴿مَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل وَالله غَفُور رَحِيم﴾ وَالْكَفِيل محسن فَلَا يكون عَلَيْهِ سَبِيل
قُلْنَا إِذا لم يقم بِمَا كفل لم قُلْتُمْ إِنَّه يكون محسنا إِنَّمَا يكون محسنا إِذا فعل ذَلِك ووفى بِشَرْطِهِ مَسْأَلَة الْكفَالَة بِالدّينِ عَن ميت مُفلس لَا يَصح عَن أبي حنيفَة وَقَالا وَالشَّافِعِيّ وَاحْمَدْ يَصح لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا السَّبِيل على الَّذين يظْلمُونَ النَّاس﴾ وَهَذَا كَفِيل بدين سَاقِط لِأَن الْمَيِّت لَا يُوصف بِالْفِعْلِ فَلَا سَبِيل عَلَيْهِ
احْتَجُّوا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ أَتَى بِجنَازَة رجل من الْأَنْصَار ليُصَلِّي عَلَيْهِ فَقَالَ هَل على صَاحبكُم دين قَالُوا نعم دِينَارَانِ قَالَ أترك لَهما (وَفَاء) قَالُوا لَا قَالَ صلوا على صَاحبكُم فَقَالَ أَبُو قَتَادَة هما عَليّ يَا رَسُول الله فَتقدم النَّبِي ﷺ فصلى عَلَيْهِ حد
(فَقَوْل) أبي قَتَادَة هما عَليّ الْتِزَام فصححه النَّبِي ﷺ
[ ٣٦١ ]
وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ فكفل عَليّ ﵁ فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ جَزَاك الله خيرا وَفك رهانك كَمَا فَككت رهان أَخِيك فَقَالَ أَهَذا لعَلي خَاصَّة أم للنَّاس عَامَّة فَقَالَ بل للْمُسلمين عَامَّة قُلْنَا يحْتَمل أَنه مَاتَ والْحَدِيث حِكَايَة حَال
وَيحْتَمل أَن أَبَا قَتَادَة قَالَ ذَلِك وَعدا بالتبرع بِالْأَدَاءِ وَلِهَذَا لما أدّى قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ الْآن بردت جلدته
[ ٣٦٢ ]
= كتاب الْحِوَالَة =
مَسْأَلَة الْمحَال عَلَيْهِ إِذا مَاتَ مُفلسًا من غير قَضَاء الدّين أَو جحد الْحِوَالَة وَحلف وَلَا بَيِّنَة للمحتال عَاد الدّين إِلَى ذمَّة الْمُحِيل وَهُوَ قَول عمر وَعُثْمَان وَشُرَيْح ﵁ وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ لَا يعود لنا قَوْله ﷺ لصَاحب الْحق الْيَد وَاللِّسَان والمحتال صَاحب حق وَقضى عُثْمَان ﵁ فِي حَادِثَة بِمثل مَذْهَبنَا
وَسُئِلَ عمر ﵁ عَن هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَالَ يعود إِلَى ذمَّة الْمُحِيل لَا توى على مَال امرىء مُسلم وَقد رُوِيَ مَرْفُوعا وَمثله عَن شُرَيْح من غير نَكِير احتجا بِمَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ مطل الْغَنِيّ ظلم وَمن أُحِيل على مَلِيء
[ ٣٦٣ ]
فَليتبعْ خَ م
وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ حَقِيقَة الِاتِّبَاع لِأَن اتِّبَاع الْمُحْتَال لَيْسَ بِوَاجِب فَكَانَ المُرَاد مِنْهُ ترك اتِّبَاع الْمُحِيل
قُلْنَا الْأَمر بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي التّكْرَار لِأَنَّهُ أَمر بِاتِّبَاع المليء وَنحن نقُول مَا دَامَ مليئا يجب اتِّبَاعه بِخِلَاف الْمُفلس وَالله أعلم
[ ٣٦٤ ]
= كتاب الرَّهْن =
مَسْأَلَة الرَّهْن مَضْمُون بِالْأَقَلِّ من قِيمَته وَمن الدّين وَهُوَ قَول ابْن مَسْعُود وَشُرَيْح وَالشعْبِيّ وَابْن سِيرِين وَالْحسن وَعَطَاء وَطَاوُس وَابْن الْمسيب وَعُرْوَة بن الزبير وخارجة بن زيد وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵃ وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ ﵄ هُوَ أَمَانَة
وَصورته إِذا رهن عينا من آخر قيمتهَا خَمْسَة بِعشْرَة فَهَلَكت الْعين سقط من الدّين خَمْسَة وَيرجع الْمُرْتَهن على الرَّاهِن بِخَمْسَة وَلَو كَانَت قيمَة الْعين عشرَة وَالدّين خَمْسَة فَهَلَك سقط الدّين وتهلك الزِّيَادَة لآنها أَمَانَة عندنَا وَعِنْدَهُمَا يهْلك الْكل أَمَانَة وَلَا يسْقط شَيْء من الدّين
وَقَالَ مَالك ﵁ إِن هلك بِأَمْر ظَاهر فَهُوَ فِي ضَمَان الرَّاهِن وَإِن هلك بأمرخفي فَهُوَ فِي ضَمَان الْمُرْتَهن فَالْحَاصِل أَن حكم الرَّهْن عندنَا أَنه يملك اسْتِيفَاء لحقه وَعِنْدَهُمَا حكمه حكم حق الْمُطَالبَة (بِالْبيعِ) واختصاصه بالمالية من بَين سَائِر الْغُرَمَاء
لنا مَا روى أَن رجلا رهن فرسا فنفق فاختصما إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ ذهب حَقك
[ ٣٦٥ ]
وَفِي رِوَايَة الرَّهْن بِمَا فِيهِ ق حكم النَّبِي ﷺ بِبُطْلَان الدّين وَمَعْنَاهُ أَن يهْلك بِمَا فِيهِ
وَعَن أبي بكر وَعمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس ﵃ أَنهم قَالُوا الرَّهْن مَضْمُون فهم وَإِن اخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة الضَّمَان فقد اتَّفقُوا على أَنه مَضْمُون وَاخْتلفُوا فِي الزِّيَادَة احتجا بقوله ﷺ لَا يغلق الرَّهْن هُوَ لصَاحبه الَّذِي رَهنه لَهُ غنمه وَعَلِيهِ غرمه ق وَمعنى لَا يغلق أَي لَا يحبس وعندكم يحبس وَله غنمه أَي فَوَائده وَعَلِيهِ غرمه أَي هَلَاكه فالنبي ﷺ حكم بِكَوْنِهِ هَالكا على الرَّاهِن ومضمونا عَلَيْهِ لَا على الْمُرْتَهن وعندكم الْهَلَاك على الْمُرْتَهن وَالْجَوَاب أما الحَدِيث فَفِي إِسْنَاده زِيَاد بن سعد ضَعِيف
وَلما رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ على إثره زِيَاد بن سعد حَافظ ثِقَة وَذَلِكَ أَمارَة طعن يقدم فِيهِ وَقيل إِن قَوْله لَهُ غنمه وَعَلِيهِ غرمه من كَلَام الرَّاوِي وَلَو سلم (فَعَنْهُ) أجوبة
أَحدهَا مَا روى الزُّهْرِيّ عَن النَّخعِيّ عَن سعيدبن الْمسيب أَنه قيل لَهُ مَا معنى
[ ٣٦٦ ]
هَذَا الحَدِيث فَقَالَ هُوَ قَول الرجل إِن لم أوفك حَقك فِي وَقت كَذَا فالرهن لَك فَذكر للنَّبِي ﷺ ذَلِك فَدلَّ على انهم كَانُوا (يعتادون) تملك الدُّيُون بالرهان وَالثَّانِي لَهُ زوائده وَعَلِيهِ نَفَقَته وَالثَّالِث لَهُ زِيَادَة ثمنه وَعَلِيهِ نقصانه عِنْد البيع تَوْفِيقًا بَين الدَّلَائِل قلت وَهَذَا الحَدِيث الَّذِي احْتج بِهِ أَصْحَابنَا مَعْلُول أما لَفظه الْفرس فَغَرِيبَة وَإِنَّمَا الْمَرْوِيّ الرَّهْن بِمَا فِيهِ
وَله طرق مِنْهَا إِسْمَاعِيل بن أبي أُميَّة وَسَعِيد بن رَاشد وَهِشَام بن زِيَاد وَعبد الْكَرِيم وَغُلَام خَلِيل واسْمه احْمَد بن مُحَمَّد بن غَالب
[ ٣٦٧ ]
اتّفق الْحفاظ على تَكْذِيب هَؤُلَاءِ كَابْن معِين وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان وَأَبُو حَاتِم وَابْن عدي فنحتج بِإِجْمَاع الصَّحَابَة فَهُوَ أسلم وبالمعنى
مَسْأَلَة لَيْسَ للرَّاهِن أَن ينْتَفع بالمرهون بِدُونِ رضَا الْمُرْتَهن وَهُوَ قَول مَالك وَأحمد ﵄
وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ لَهُ ذَلِك بِدُونِ رِضَاهُ إِلَّا إِذا كَانَ انتفاعا يضر بالمرتهن بتفويت حَقه وَقت الْقَبْض
لنا مَا تقدم من قَوْله ﷺ الْمُؤْمِنُونَ عِنْد شروطهم والراهن شَرط للْمُرْتَهن كَون المَال مَرْهُونا إِلَى وَقت الْإِيفَاء فَيحرم الِانْتِفَاع بِهِ
احْتج الشَّافِعِي ﵁ بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الرَّهْن محلوب ومركوب ق فَدلَّ على الِانْتِفَاع بِهِ وَالْمُرْتَهن لَا ينْتَفع بِهِ بِالْإِجْمَاع وَكَذَا غَيره من الْأَجَانِب فَتعين الِانْتِفَاع بِهِ فِي حق الرَّاهِن قُلْنَا الحَدِيث مَوْقُوف على أبي هُرَيْرَة ﵁
وَلَو كَانَ مَرْفُوعا فقد روى ابْن معِين أَنا أَبَا هُرَيْرَة أفتى بِخِلَافِهِ وَذَلِكَ يُوجب قدحا فِيهِ
وَلَو سلم قُلْنَا أَرَادَ بِهِ بَيَان صفة الْمحل حَقِيقَة لِأَن بعض النَّاس قَالُوا لَا يجوز
[ ٣٦٨ ]
رهن الْحَيَوَان فَبين لَهُم النَّبِي ﷺ (الْجَوَاز)
أَو يحمل على أَنه كَانَ يجوز ذَلِك للْمُرْتَهن فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام ثمَّ نسخ بقوله ﷺ كل دين جر نفعا فَهُوَ حرَام
أَو نقُول خبرواحد ورد على مُخَالفَة قَوْله تَعَالَى ﴿فرهان مَقْبُوضَة﴾ وَلَو تمكن الرَّاهِن من الِانْتِفَاع بِالرَّهْنِ لَا يبْقى مَقْبُوضا فَيكون خلاف النَّص
مَسْأَلَة إِذا أعتق الرَّاهِن عبد الرَّهْن نفذ عتقه وَهُوَ قَول أَحْمد فَإِن كَانَ مُوسِرًا ضمن قيمَة العَبْد وَإِن كَانَ مُعسرا يسْعَى العَبْد فِي قِيمَته وَتَكون الْقيمَة مَكَانَهُ فِي الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا وَهُوَ أحد أَقْوَال الشَّافِعِي ﵁ وَفِي القَوْل (الْمَنْصُور) فِي الْخلاف لَا يَصح أصلا وَفِي قَول زفر إِن كَانَ مُوسِرًا صَحَّ وَإِلَّا فَلَا
ثمَّ ينظرإن كَانَ الدّين حَالا كلف بأَدَاء قدرالدين من قيمَة العَبْد إِلَى الْمُرْتَهن وَإِن كَانَ مُؤَجّلا كلف بأَدَاء الْقيمَة إِلَى الْمُرْتَهن وَيكون عِنْده رهنا إِلَى مَحل الدّين وَيسْعَى العَبْد إِذا كَانَ مُعسرا فِي الْأَقَل من قِيمَته وَمن الدّين وَيرجع على الرَّاهِن بِمَا أدّى لنا مَا روينَا من قَوْله ﷺ من أعتق شركا لَهُ فِي عبد عتق كُله لَيْسَ لله شريك وَفِي رِوَايَة شِقْصا لَهُ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُمَا لَو رهنا عبدا أَو أعتق أَحدهمَا شِقْصا وَجب أَن يعْتق وَقَوله لَهُ غنمه وَالْإِعْتَاق غنم
[ ٣٦٩ ]
احْتج الشَّافِعِي ﵁ بِمَا روينَا من قَوْله ﷺ لَا عتق فِيمَا لَا يملكهُ ابْن آدم
شَرط الْإِعْتَاق بِملك الْمحل مُطلقًا فَيَنْصَرِف إِلَى الْملك الثَّابِت رَقَبَة ويدا لِأَنَّهُ هُوَ الْكَامِل وَالثَّابِت هُنَاكَ ملك الرَّقَبَة دون الْيَد قُلْنَا الحَدِيث لَا يتَنَاوَل ملك الرَّقَبَة وَالْيَد بل ملك الرَّقَبَة لَا غير أَلا ترى أَن الْآجر لَو أعتق العَبْد الْمُسْتَأْجر أَنه ينفذ عتقه وَإِن انْعَدم ملك الْيَد
وَلَو سلمنَا أَنه ينتظمهما لَكِن خص عَن الحَدِيث إِعْتَاق الْآجر فالتخصيص هُنَاكَ يكون تَخْصِيصًا هُنَا
مَسْأَلَة لَا يَصح رهن الْمشَاع عندنَا سَوَاء كَانَ من الشَّرِيك أَو من ثَالِث بِأَن كَانَ (عِنْد شريك) أَو (عِنْد) أَجْنَبِي أَو كَانَ فِيمَا يحْتَمل الْقِسْمَة أَولا وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَاحْمَدْ ﵃ يَصح
وَاخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ قَالَ بَعضهم إِنَّه بَاطِل لفقد مَحَله الَّذِي يجْرِي (مجْرى) الرُّكْن
[ ٣٧٠ ]
وَقَالَ بَعضهم بِأَنَّهُ فَاسد لفقد شَرطه
وَثَمَرَة الِاخْتِلَاف تظهر فِيمَا إِذا سلمه وَهلك فِي يَد الْمُرْتَهن فعلى (قَول) الْأَوَّلين لَا يسْقط الدّين وعَلى قَول الآخرين يسْقط وَهُوَ الْأَصَح
لنا قَوْله ﷺ الكاسب أَحَق بِكَسْبِهِ وَالرَّهْن كسب الرَّاهِن فَيكون أَحَق بِهِ وَلَو صَحَّ الرَّهْن لَا يكون احق بِهِ
احْتَجُّوا بِالْمَعْنَى فَقَالُوا الشَّائِع مَحل قَابل للرَّهْن فَيصح قِيَاسا على (المحرز) لِأَن حكم الرَّهْن عندنَا حق الْمُطَالبَة (بِالْبيعِ) والشائع قَابل لذَلِك
قُلْنَا نَحن نمْنَع أَن الشَّائِع مَحل للرَّهْن لِأَن حكم الرَّهْن ملك الْيَد وَالْحَبْس وَحبس النّصْف شَائِعا لَا يتَصَوَّر لما عرف فِي دَلِيل الْمَسْأَلَة ثمَّ هُوَ قِيَاس (فِي) مُقَابلَة النَّص وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فرهان مَقْبُوضَة﴾ وَمُقْتَضى النَّص أَن تكون مَقْبُوضَة مَا دَامَت مَرْهُونَة وَهنا لَيست كَذَلِك فَلَا يَصح
[ ٣٧١ ]
= كتاب الصُّلْح = مَسْأَلَة الصُّلْح على الْإِنْكَار جَائِز وَهُوَ قَول عمر وَعلي وَابْن عَبَّاس وَحُذَيْفَة وَاحْمَدْ ﵃ وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ لَا يجوز
وَصورته رجل ادّعى على رجل دينا أَو عينا فَأنْكر الْمُدعى عَلَيْهِ ثمَّ صَالح على شَيْء صَحَّ عندنَا خلافًا لَهُ
وَثَمَرَة الِاخْتِلَاف أَن عندنَا لَا يُمكن الْمُدَّعِي من الْعود إِلَى الدَّعْوَى وَيجْبر الْمُدعى عَلَيْهِ على تَسْلِيم الْبَدَل فَإِن سلم لَيْسَ لَهُ أَن يسْتَردّ
وَعِنْده يُمكن الْمُدَّعِي من الْعود إِلَى الدَّعْوَى وَلَا يجْبر الْمُدعى عله على تَسْلِيم الْبَدَل وَله أَن يسْتَردّ
وعَلى هَذَا الْخلاف الصُّلْح عَن حق مَجْهُول بِأَن كَانَ لَهُ على إِنْسَان مَال وَلَا يعرف قدره فَصَالحه على مَال صَحَّ عندنَا خلافًا لَهُ
لنا مَا روى مُحَمَّد ﵀ فِي كتاب الْغَصْب أَن أَعْرَابِيًا جَاءَ إِلَى عُثْمَان ﵁ فَقَالَ إِن بني عمك عدوا على إبلي وَقتلُوا أَوْلَادهَا وأكلوا أَلْبَانهَا فَصَالحه عُثْمَان ﵁ على إبل مثل إبِله من غير نَكِير وَهَذَا صلح على الْإِنْكَار
وروى أَن عر ﵁ قَالَ ردوا الْخُصُوم (حَتَّى يصطلحوا) فَإِن فصل
[ ٣٧٢ ]
الْقَضَاء يُورث بَينهم الضغائن وَهَذَا إِنَّمَا يكون حَالَة الْإِنْكَار لِأَن الْقَضَاء حَالَة الْإِقْرَار لَا يُورث الضغائن
وروى أَن رجلَيْنِ جَاءَا إِلَى عَليّ ﵁ واختصما فِي بغلة فجَاء أَحدهمَا بِخَمْسَة رجال على أَنه أنتجها وَجَاء الآخر (بِشَاهِدين) فَقَالَ عَليّ ﵁ فِيهَا قَضَاء وَصلح أما الْقَضَاء فبينتهما وَأما الصُّلْح فلأحدهما خَمْسَة أسْهم وَللْآخر سَهْمَان على عدد الشُّهُود وَهَذَا صلح مَعَ إِنْكَار
وَعَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵁ أَن رجلا ادّعى عَلَيْهِ حَقًا فَقَالَ خُذ عشرَة وَلَا تحلفني فأبي قَالَ خُذ عشْرين وَلَا تحلفني فَأبى (فَقَالَ خُذ خُذ) إِلَى أَرْبَعِينَ وَهَذَا صلح مَعَ إِنْكَار
احْتج الشَّافِعِي ﵁ بقوله ﷺ كل صلح جَائِز بَين الْمُسلمين إِلَّا صلحا أحل حَرَامًا أَو حرم حَلَالا د وَهَذَا صلح أحل حَرَامًا لِأَن مَال الْمُدعى عَلَيْهِ كَانَ حَرَامًا على الْمُدَّعِي قبل
[ ٣٧٣ ]
الصُّلْح وَبعد الصُّلْح صَار حَلَالا وَقَوله ﷺ لعن الله الراشي والمرتشي وَبدل الصُّلْح رشوة لِأَنَّهُ (لدفع) الْمَكْرُوه عَن نَفسه
قُلْنَا لَا نسلم أَن هَذَا الصُّلْح أحل حَرَامًا وَلَا أَن بدل الصُّلْح حرَام بل الْأَمْوَال كلهَا مُبَاحَة وَإِنَّمَا الْمحرم مَا يُجَاوِزهُ من ضَرَر الْغَيْر حَتَّى لَو خلا عَن ضَرَر الْغَيْر بِأَن رَضِي بِهِ ذَلِك الْغَيْر لَا يصير مرتكبا للْمحرمِ
وعَلى أَن الحَدِيث حجَّة لنا لإِطْلَاق قَوْله ص كل الصُّلْح بَين الْمُسلمين جَائِز وَهَذَا صلح وَلَا نسلم أَن الصُّلْح رشوة لما قُلْنَا ثمَّ هِيَ أَخْبَار آحَاد وَردت على مُخَالفَة قَوْله تَعَالَى ﴿وَالصُّلْح خير﴾ فَترد
فَإِن قَالُوا الْآيَة وَردت فِي النُّشُوز بَين الزَّوْجَيْنِ لِأَنَّهُ قَالَ فِي سياقها ﴿وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا أَو إعْرَاضًا فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يصلحا بَينهمَا صلحا﴾ وَنحن نقُول الصُّلْح جَائِز هُنَا
قُلْنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يصلحا بَينهمَا صلحا﴾ كَلَام تَامّ فِي نَفسه وَقَوله ﴿وَالصُّلْح خير﴾ كَلَام تَامّ أَيْضا فَلَا يرتبط بِمَا قبله وَالله أعلم
[ ٣٧٤ ]
= كتاب الْأَشْرِبَة = مَسْأَلَة تَخْلِيل الْخمر جَائِز وَسَوَاء كَانَ بعلاج بِأَن ألْقى فِيهَا الْملح أَو الْخلّ وَنَحْوه أَو بِغَيْر علاج بِأَن نقلهَا من الظل إِلَى الشَّمْس أَو على الْعَكْس وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد لَا يجوز وَللشَّافِعِيّ فِيمَا إِذا كَانَ بِغَيْر علاج قَولَانِ لنا قَوْله تَعَالَى ﴿أحل لكم الطَّيِّبَات﴾ وَقد تَغَيَّرت الْعين والخل طيب بالطبع فَيحل وَقَالَ ﷺ نعم الإدام الْخلّ م وَإِنَّمَا يكون لَو (خلل) احتجا بقول ﷺ حرمت الْخمر لعينها خَ م وَالْعين بَاقِيَة بعد التَّغْيِير وَنهى النَّبِي ﷺ عَن التَّخْلِيل فَقَالَ لَا تَتَّخِذُوا الْخمر خلا وَلما نزلت آيَة التَّحْرِيم كَانَ عِنْد أبي طَلْحَة الْأنْصَارِيّ (خمور لأيتام) فَقَالَ
[ ٣٧٥ ]
يَا رَسُول الله أفأخللها قَالَ لَا وَأمره بإراقتها وَلَو كَانَ التَّخْلِيل مُبَاحا لما نَهَاهُ لِأَنَّهُ حفظ أَمْوَال الْيَتَامَى
قُلْنَا أما الحَدِيث الأول فَلم قُلْتُمْ إِنَّه بَقِي خمرًا حَتَّى تبقى الْعلَّة وَهِي الْعين بل زَالَت فَيدْخل تَحت الطَّيِّبَات بِالنَّصِّ الَّذِي تلونا وكما فِي الْجلد إِذا دبغ فَإِنَّهُ يطهر فَكَذَا بالتخليل
وَأما الحَدِيث الثَّانِي فالنهي عَن وضع الْخمر مَكَان الْخلّ كَقَوْلِه ﷺ لَا تَتَّخِذُوا طهُور الدَّوَابّ كراسي أَي لَا تستعملوها اسْتِعْمَال الكراسي والمحتمل لَا يصلح حجَّة
وَأما حَدِيث أبي طَلْحَة فالروايات مضطربة فَفِي رِوَايَة أَنه ﷺ قَالَ لَهُ خللها فَلَا يكون حجَّة
وَلَو ثَبت على مَا قَالُوا فَيحمل عل أَنه كَانَ فِي الِابْتِدَاء التَّحْرِيم حِين كَانَ النَّبِي ﷺ يُبَالغ فِي أَمر الْخمر زجرا لَهُم وقلعا عَن الْعَادة المألوفة أَلا ترى أَنه أمربكسر الدنان وَإِن لم يكن مَشْرُوعا الْآن فَكَذَا هَذَا على أَنَّهَا أَخْبَار آحَاد وَردت على مُخَالفَة النَّص فَلَا تقبل
[ ٣٧٦ ]
= كتاب الْإِكْرَاه = مَسْأَلَة طَلَاق الْمُكْره وَاقع عندنَا وَهُوَ قَول عمر وَعلي وَحُذَيْفَة وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة وَالنَّخَعِيّ وَابْن الْمسيب وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ ﵄ لَا يَقع وعَلى هَذَا الْخلاف نِكَاحه وعتاقه وَيَمِينه ونذره ورجعته وفيئه وَأما فِي البيع وَالْإِجَارَة فَينْعَقد مَوْقُوف النَّفاذ على رِضَاهُ بعد زَوَال الْإِكْرَاه وَعِنْدهم الْكل بَاطِل
لنا مَا روى مُحَمَّد ﵀ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ثَلَاث جدهن جد وهزلهن جد النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالْعتاق وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَذكر مَوضِع الْعتاق الرّجْعَة سوى النَّبِي ﷺ بَين جد الطَّلَاق وهزله وَطَلَاق الهازل وَاقع فَهَذَا أولى
وروى أَن امْرَأَة كَانَت تبغض زَوجهَا فَوَجَدته نَائِما فسلت سَيْفا أَو سكينا وَجَلَست على صَدره وحركته برجلها فَاسْتَيْقَظَ فَقَالَت لتطلقني ثَلَاثًا أَو لأذبحنك فناشدها الله فَأَبت عَلَيْهِ فَطلقهَا ثَلَاثًا ثمَّ اخْتَصمَا إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَا قيلولة فِي الطَّلَاق رَوَاهُ (الْعقيلِيّ) وروى أَنه ﷺ قَالَ كل طَلَاق جَائِز إِلَّا طَلَاق الصَّبِي وَالْمَجْنُون
[ ٣٧٧ ]
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَلَفظه كل الطَّلَاق جَائِز إِلَّا طَلَاق الْمَعْتُوه والمغلوب عَلَيْهِ فَبَقيَ على إِطْلَاقه
وروى أَن هَذِه الْحَادِثَة وَقعت فِي زمن عمر ﵁ فَأجَاز الطَّلَاق من غير نَكِير
احتجا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ عفى لأمتي عَن الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ خَ م وَقَالَ ﷺ لَا طَلَاق وَلَا عتاق إغلاق حد
قَالَ ابْن قُتَيْبَة الإغلاق الْإِكْرَاه على الطَّلَاق وَالْعتاق من اغلقت الْبَاب على الْمُكْره حَتَّى يفعل وَكَذَا فسره أَبُو عبيد
قُلْنَا لَيْسَ المُرَاد من الحَدِيث الأول إِلَّا نفي الْإِثْم وَلِهَذَا قرنه بالْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَطَلَاق الخاطىء وَالنَّاسِي وَاقع بِالْإِجْمَاع
وَأما الحَدِيث الثَّانِي فالإغلاق هُوَ الْجُنُون كَذَا فسره أَبُو عبيد قَالَ يُقَال انغلق عقله إِذا جن
[ ٣٧٨ ]
وَنحن نقُول طَلَاق الْمَجْنُون لَا يَقع قلت احاديثنا فِيهَا نظر أما الأول فَفِي إِسْنَاده عَطاء بن عجلَان قَالَ التِّرْمِذِيّ هُوَ مَتْرُوك الحَدِيث وَقيل إِنَّه مَوْقُوف على عَليّ ﵁
وَأما حَدِيث الْمَرْأَة فَقَالَ البُخَارِيّ فِي إِسْنَاده صَفْوَان الْأَصَم لَا يُتَابع عَلَيْهِ وَحَدِيث صَفْوَان مُنكر وَأما الحَدِيث الثَّالِث فَفِي إِسْنَاده أَيْضا عَطاء بن عجلَان والأجود أَن نحتج فِي الْمَسْأَلَة بِإِجْمَاع الصَّحَابَة مَسْأَلَة إِذا بَاعَ مكْرها وتسلم مكْرها نفذ وَيثبت الْملك للْمُشْتَرِي وَقَالَ زفر وَالشَّافِعِيّ ﵄ لَا ينفذ وَاتَّفَقُوا على انه لَو بَاعَ مكْرها وتسلم طَائِعا أَو أجَاز طَائِعا أَنه ينفذ لنا نُصُوص جَوَاز البيع
احتجا بِمَا روينَا من قَوْله ﷺ لَا يحل مَال امرىء مُسلم إِلَّا وَنَفسه طيبَة بذلك وَلم يُوجد الطّيبَة هُنَا فَيَنْتَفِي الْحل قُلْنَا هَذَا خبر وَاحِد ورد على مُخَالفَة النُّصُوص فَيرد
مَسْأَلَة الْمُكْره على الْقَتْل بوعيد التّلف إِذا قتل إنْسَانا يجب الْقصاص على الْمُكْره دون الْمُكْره عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى
[ ٣٧٩ ]
وَقَالَ زفر يجب الْقصاص على الْمُكْره دون الْمُكْره وَعند الشَّافِعِي يجب عَلَيْهِمَا وَعند أبي يُوسُف لَا يجب عَلَيْهِمَا الْقصاص وَإِنَّمَا تجب الدِّيَة على الْمُكْره وَالتَّعْلِيل هَذَا نفي وجوب الْقصاص على الْمُكْره لنا مَا روينَا من قَوْله ﷺ لَا يحل دم امرىء مُسلم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث
الحَدِيث نفى حل الْقَتْل بِدُونِ الْقَتْل بِغَيْر حق وَلم يُوجد من الْمُكْره قتل بِغَيْر حق على هَذَا التَّفْسِير لِأَنَّهُ مكره وَقَالَ ﷺ (و) مَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ احْتج الشَّافِعِي بالعمومات مثل قَوْله تَعَالَى ﴿كتب عَلَيْكُم الْقصاص فِي الْقَتْلَى﴾ وَبِالْحَدِيثِ الَّذِي استدللتم بِهِ فَإِن الْقَتْل بِغَيْر حق إِنَّمَا وجد من الْمُكْره قُلْنَا الْمَكْر آلَة فَلَا يجب عَلَيْهِ الْقصاص وَقد بَينا معنى الحَدِيث
[ ٣٨٠ ]
= كتاب الْحجر = مَسْأَلَة الْحجر على الْحر السَّفِيه الْعَاقِل الْبَالِغ المبذر لمَاله لَا يَصح عِنْد أبي حنيفَة ﵀ حَتَّى تنفذ تَصَرُّفَاته قبل الْحجر وَبعده
وَعِنْدَهُمَا الْحجر صَحِيح وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد إِلَّا أَن الْحجر عَلَيْهِ عِنْد أبي يُوسُف وَمُحَمّد نظرا لَهُ وَعند الشَّافِعِي وَأحمد عُقُوبَة
لأبي حنيفَة ﵀ مَا روى أَن حبَان بن منقذ كَانَ لَا يَشْتَرِي شَيْئا إِلَّا غبن فَقَالَ أَهله يار سَوَّلَ الله احجر عَلَيْهِ فَقَالَ لاتبع قَالَ لَا صَبر لي عَن البيع فَقَالَ إِذا بِعْت فَقل لَا خلابة حد
وَقد رَوَاهُ أنس فَقَالَ إِن رجلا فِي عقدته (ضعف) وَكَانَ يُبَايع وَإِن أَهله أَتَوا رَسُول الله ﷺ فَقَالُوا يَا رَسُول الله احجر عَلَيْهِ فَدَعَاهُ نَبِي الله ﷺ فَنَهَاهُ عَن البيع فَقَالَ يَا رَسُول الله لَا صَبر لي على البيع فقا إذابعت فَقل لَا خلابة وَفِي لفظ فنهاهم عَن الْحجر عَلَيْهِ فَقَالَ الْخَطِيب هَذَا الرجل حبَان بن منقذ
[ ٣٨١ ]
فالنبي ﷺ أطلقهُ فِي البيع من غير حجر عَلَيْهِ احتجوتا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ حجر على معَاذ وَقسم مَاله بَين غُرَمَائه وَفِي رِوَايَة بَاعَ مَاله فِي دين كَانَ عَلَيْهِ ق وروى أَن حبَان بن منقذ كَانَ يغبن فِي البيع فحجر عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ
وروى أَن عبد الله بن جَعْفَر اشْترى دَارا بِأَرْبَعِينَ ألفا فَطلب عَليّ من عُثْمَان ﵄ أَن يحْجر عَلَيْهِ فشارك الزبير بن الْعَوام فَبلغ ذَلِك عُثْمَان فَقَالَ كَيفَ أحجر على رجل شَرِيكه الزبير لِأَنَّهُ كَانَ مَعْرُوفا بالهداية فِي التِّجَارَة
فَطلب عَليّ وتعليل عُثْمَان واحتيال عبد الله بن جَعْفَر بِهَذِهِ الْحِيلَة دَلِيل على أَنهم رووا الْحجر وَلم ينْقل عَن غَيرهم خلاف فَكَانَ إِجْمَاعًا ويروى أَن المُشْتَرِي كَانَ بسيجه اشْتَرَاهَا بستين ألفا
وروى أَن عمر ﵁ قَالَ على الْمِنْبَر أَلا إِن أسيفع جُهَيْنَة رَضِي من دينه وأمانته أَن يُقَال سبق الْحَاج فادان معرضًا فَأصْبح وَقد رين بِهِ فَمن كَانَ لَهُ
[ ٣٨٢ ]
عَلَيْهِ حق فليغد إِلَيْنَا فَإنَّا بائعوا مَاله وقاسموه بَين غُرَمَائه بِالْحِصَصِ
وروى أَن عَائِشَة ﵂ كَانَت تستنفذ أموالها فِي الصَّدقَات حَتَّى باعت عقارا فِي ذَلِك فَقَالَ عبد الله بن الزبير لتنتهين وإلآ حجرت عَلَيْهَا فبلغها ذَلِك فَغضِبت وَحلفت لَا تكَلمه أبدا وَفِيه دَلِيل على روايتهما الْحجر
وَالْجَوَاب أما حَدِيث معَاذ فَالْخِلَاف مَا وَقع فِي أصل الْحجر لِأَن مَاله هُوَ مَمْنُوع عَنهُ وَلذَلِك يتَعَلَّق بالتصرفات الشَّرْعِيَّة والْحَدِيث لَا يتَعَرَّض لَهَا فَلَا يكون حجَّة
وَأما حَدِيث حبَان بن منقذ فالثابت من الرِّوَايَة مَا روينَا وَأَنه ﷺ لم يحْجر عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ إِذا بِعْت فَقل لَا خلابة ولي الْخِيَار ثَلَاثَة أَيَّام حد ت وابو يُوسُف فِي الأمالي
وَأما أثر عُثْمَان ﵁ فالمطلوب من عُثْمَان الْحجر بِاللِّسَانِ وَهُوَ نَهْيه
[ ٣٨٣ ]
لَا الْحجر حَقِيقَة لِأَنَّهُ اشْترى دَارا بِأَرْبَعِينَ ألفا أَو بنى بستين ألفا وَهِي تَسَاوِي ذَلِك فَكَانَ نهي شَفَقَة كالحجر على المتطبب الْجَاهِل والمفتي الماجن الَّذِي يعلم النَّاس الْحِيَل وَلَا كَلَام فِيهِ إِنَّمَا الْكَلَام فِي الْحجر بِالْقضَاءِ واعتذار عُثْمَان يدل على أَنه لم ير الْحجر وَأما عمر فَلم يذكر أَن الْقِسْمَة وَالْبيع كَانَ بِدُونِ رضَا أسيفع ليَكُون حجرا
وَأما أثر عَائِشَة فَلم قُلْتُمْ إِن تهديد ابْن الزبير يدل على أَنه كَانَ يرى الْحجر فِي الترفات الشَّرْعِيَّة بل النَّهْي عَن التَّصَرُّف فِي المَال على وَجه الشَّفَقَة وَبِه نقُول على أَنَّهَا أَخْبَار وآثار وَردت على مُخَالفَة قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحق سَفِيها أَو ضَعِيفا﴾ أثبت للسفيه ولَايَة المداينة وَقد تصرف فِي خَالص ملكه فَلَا يحْجر عَلَيْهِ
[ ٣٨٤ ]
= كتاب الْمَأْذُون = مَسْأَلَة إِذا أذن السَّيِّد لعَبْدِهِ فِي نوع من التَّصَرُّفَات ملك سَائِر أَنْوَاعهَا وَقَالَ زفر لَا يملك إِلَّا مَا نَص عَلَيْهِ وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَاحْمَدْ ﵄ وَصورته إِذا أذن لَهُ فِي التَّصَرُّف فِي الْخَزّ فتصرف فِي الْبَز جَازَ عندنَا خلافًا لَهما
وَالْكَلَام فِي الْمَسْأَلَة يرجع إِلَى حرف وَهُوَ أَن العَبْد عندنَا يتَصَرَّف لنَفسِهِ بفك الْحجر كَالْمكَاتبِ وَعِنْدَهُمَا يتَصَرَّف للسَّيِّد بِحكم الْأَمر كَالْوَكِيلِ وَالْمُضَارب لنا النُّصُوص الْمُطلقَة فِي جَوَاز التَّصَرُّف وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَقَد كرمنا بني آدم﴾ وَإِطْلَاق التَّصَرُّف فِي الْأَنْوَاع كلهَا كَرَامَة وَلَهُمَا قَوْله ﷺ لَا يملك العَبْد إِلَّا الطَّلَاق نفي قدرَة العَبْد على غير الطَّلَاق قُلْنَا الحَدِيث غَرِيب وَظَاهره مَتْرُوك فَإِنَّهُ يملك غيرالطلاق ثمَّ هُوَ غَرِيب ورد على مُخَالفَة الْكتاب
مَسْأَلَة إِذا رأى الْمولى عَبده يَبِيع وَيَشْتَرِي فَسكت صَار مَأْذُونا فِي التِّجَارَة وَقَالَ زفر لَا يصير مَأْذُونا وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَاحْمَدْ ﵃
[ ٣٨٥ ]
وَثَمَرَة الْخلاف أَن تَصَرُّفَات العَبْد تنفذ على الْمولى عندنَا خلافًا لَهُم
لنا نُصُوص حل التَّصَرُّفَات وَالسُّكُوت فِي هَذِه الْحَالة دَلِيل الْإِذْن والرضى لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى الضَّرَر بِالنَّاسِ وَلَهُم مَا تقدم فِي الْمَسْأَلَة الْمَاضِيَة مَسْأَلَة رَقَبَة العَبْد الْمَأْذُون تبَاع فِي دين يلْحقهُ بتجارته وَقَالَ الشَّافِعِي لاتباع
وعَلى هَذَا الْخلاف أرش يَد العَبْد وَمَا اكْتَسبهُ من الصَّيْد والحطب والحشيش تصرف إِلَى الدّين عندنَا خلافًا لَهُ وَكَذَا إِذا وطِئت الْجَارِيَة المأذونة بِشُبْهَة يصرف الْعقر إِلَى الدّين عندنَا لنا النُّصُوص الْمُطلقَة بِجَوَاز البيع وَقَوله ﷺ لصَاحب الْحق الْيَد وَاللِّسَان وَللشَّافِعِيّ النُّصُوص الْمُحرمَة لمَال الْغَيْر بِدُونِ رِضَاهُ قُلْنَا لما بَاشر لزمَه صرفه إِلَى الدّين لما عرف
مَسْأَلَة الصَّبِي الْعَاقِل الْمَأْذُون لَهُ فِي التِّجَارَة إِذا بَاعَ أَو اشْترى أَو أجر أَو اسْتَأْجر نفذ تصرفه وَقَالَ الشَّافِعِي لَا ينفذ
[ ٣٨٦ ]
وَلَو تصرف قبل إِذن الْمولى عندنَا ينْعَقد وَعِنْده لَا ينْعَقد ولقب الْمَسْأَلَة تَصَرُّفَات الصَّبِي الْعَاقِل ينفذ عندنَا خلافًا لَهُ
وَالْحَاصِل أَن الصَّبِي أهل للتصرفات كلهَا عندنَا إلاأن الشَّرْع لم يعْتَبر أَهْلِيَّته للتصرفات الضارة مثل الطَّلَاق وَالْعتاق وَالْإِقْرَار والتبرع
وَعِنْده الشَّارِع لم يَجعله أَهلا فِي التَّصَرُّفَات النافعة نَحْو الْوَصِيَّة وَاخْتِيَار أحد الْأَبَوَيْنِ وأفعال الْقرب حَتَّى لَا يَصح إِسْلَامه (عِنْده) لنا نُصُوص جَوَاز البيع
وَله مَا مر من قَوْله ﷺ رفع الْقَلَم عَن ثَلَاث وَذكر مِنْهَا الصَّبِي حَتَّى يَحْتَلِم نفي الْوُجُوب حَتَّى يَحْتَلِم قُلْنَا هَذَا يخْتَص بالتصرفات الضارة تَوْفِيقًا بَين الدَّلَائِل
[ ٣٨٧ ]
= كتاب الْقصاص = مَسْأَلَة مُوجب الْقَتْل الْعمد الْقصاص (عينا) وَلَا سَبِيل للْوَلِيّ إِلَى أَخذ الدِّيَة بِدُونِ رضى الْقَاتِل وَهُوَ قَول مَالك
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي قَول الْوَاجِب أَحدهمَا لَا بِعَيْنِه وللولي خِيَار التَّعْيِين كَمَا فِي الْكَفَّارَات الثَّلَاث وَفِي قَول مُوجبه الْقود عينا إِلَّا أَن للْوَلِيّ أَن يعدل إِلَى الدِّيَة بِدُونِ رضى الْقَاتِل وَعَن أَحْمد كالمذهبين وَثَمَرَة الْخلاف تظهر فِي عَفْو الْوَلِيّ وَمَوْت الْقَاتِل فعلى القَوْل الأول يَأْخُذ المَال فِي الْمَوْت لَا فِي الْعَفو وعَلى الثَّانِي يَأْخُذ المَال فِي الْعَفو لَا فِي الْمَوْت
لنا العمومات كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿كتب عَلَيْكُم الْقصاص فِي الْقَتْلَى﴾ ﴿وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ﴾ وَقَوله ﷺ الْعمد قَود أَي مُوجبَة الْقود فَالله تَعَالَى أوجب الْقصاص فِي الْقَتْلَى فَمن أوجب أَحدهمَا أَو أَخذ الدِّيَة بِغَيْر
[ ٣٨٨ ]
رضى الْقَاتِل فقد خَالف النُّصُوص
احْتج الشَّافِعِي بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أما أَنْتُم يَا معشر خُزَاعَة فقد قتلتم هَذَا الْقَتِيل من هُذَيْل وَأَنا وَالله (عاقله) فَمن قتل لَهُ قَتِيل بعد هَذَا فأهله بَين خيرتين إِن شَاءُوا قتلوا وَإِن شَاءُوا أخذُوا الدِّيَة حد خَيرهمْ النَّبِي ﷺ والتخيير يُنَافِي التَّعْيِين
وروى أَنه ﷺ قَالَ من قتل لَهُ قَتِيل فَهُوَ بِخَير النظرين إِمَّا أَن يفْدي وَأما أَن يقتل خَ م
قُلْنَا مَعْنَاهُ إِن شَاءُوا أخذُوا الدِّيَة برضى الْقَاتِل إِلَّا أَنه لم يذكر الرضى صَرِيحًا لثُبُوته عَادَة على أَن أَخْبَار الْآحَاد لَا يُعَارض العمومات مَسْأَلَة الْأَب (مَعَ الْأَجْنَبِيّ إِذا اشْتَركَا فِي قتل الابْن لاقود على شريك الْأَب) وَقَالَ الشَّافِعِي يجب وعَلى هَذَا الْخلاف شريك الْمولى فِي قتل عَبده
[ ٣٨٩ ]
وَأما شريك الخاطىء وَشريك السَّبع وَشريك الصَّبِي وَالْمَجْنُون فَلَا يجب عَلَيْهِ وَهُوَ الظَّاهِر من مَذْهَب الشَّافِعِي وَبَعض أَصْحَابه يمْنَع ذَلِك
لنا النُّصُوص الْمُقْتَضِيَة لرعاية الْمُمَاثلَة وَلم يُوجد مِنْهُ فعل يُضَاف جَمِيع الْفَوات إِلَيْهِ لِأَن الْمحل الواحدلا يقبل إِلَّا قتلا وَاحِدًا
احْتج الشَّافِعِي بِمَا روينَا من قَوْله ﷺ لَا يحل دم امرىء مُسلم الحَدِيث وَقد وجد هُنَا قتل نفس بِغَيْر نفس وَلَا يُبَاح دم غَيره بالِاتِّفَاقِ فَيجب عَلَيْهِ قُلْنَا خص مِنْهُ الخاطى مَعَ الْعَامِد فيخص الْمُتَنَازع فِيهِ بِمَا ذكرنَا مَسْأَلَة الْأَيْدِي لَا تقطع بيد وَاحِدَة قصاصا وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ تقطع
لنا قَوْله ﷺ لَا تقطع اليدان بيد وَاحِدَة رَوَاهُ أَبُو نصر بن احْمَد عَن عمر إِلَّا أَنه غَرِيب
احْتج الشَّافِعِي ﵁ بِمَا روى أَن رجلَيْنِ شَهدا عِنْد عَليّ ﵁ على رجل بِالسَّرقَةِ فَقضى عَليّ بِالْقطعِ فَقطعت يَده ثمَّ جَاءَا بآخر وَقَالا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أوهمنا السَّارِق وَهُوَ هَذَا فَقَالَ عَليّ ﵁ لَا أصدقكما وأغرمكما دِيَة يَد الأول وَلَو علمت أنكما تعمدتما لَقطعت أيديكما حكم عَليّ ﵁ بِقطع الْأَيْدِي بيد وَاحِدَة من غير نَكِير فَكَانَ إِجْمَاعًا
قُلْنَا إِنَّمَا ذكرذلك عَليّ ﵁ على سَبِيل السياسة والمصلحة لِأَن من
[ ٣٩٠ ]
مذْهبه أَنه لَا يرى قطع الْيَدَيْنِ بيد وَاحِدَة كمذهبنا وَلِهَذَا أضَاف الْقطع إِلَى نَفسه بقوله لَقطعت أيديكما والسياسة هِيَ الَّتِي يتولاها الإِمَام
على أَنه أثر ورد على مُخَالفَة النُّصُوص الْمُوجبَة للمماثلة وَدفع الاعتداء وَخبر الْوَاحِد يرد فِي مثله فَكيف الْأَثر مَسْأَلَة سرَايَة الْقود مَضْمُونَة عِنْد أبي حنيفَة ﵀ اسْتِحْسَانًا وَقَالَ الْبَاقُونَ من أهل الْعلم مهدرة
وَصورته من لَهُ الْقصاص فِي الطّرف فَقَطعه فسرى إِلَى النَّفس فَمَاتَ ضمن دِيَة النَّفس عِنْده خلافًا لَهُم
لَهُ النُّصُوص الْمُوجبَة لدية كَقَوْلِه ﷺ فِي النَّفس المؤمنة مائَة من الْإِبِل حد أَي بِسَبَب قتل النَّفس المؤمنة وَقَوله ﷺ من استقاد من رجل فَمَاتَ المستقاد مِنْهُ ضمن المستقيد دِيَته هَذَا الحَدِيث غَرِيب وَالْمرَاد الْقود فِيمَا دون النَّفس وَلَهُم النُّصُوص النافية لوُجُوب المَال وَعَن عمر وَعلي ﵄ أَنَّهُمَا قَالَا من مَاتَ عَن قصاص فَلَا دِيَة لَهُ قُلْنَا الْمُثبت مقدم والأثر لَا يُعَارض الْخَبَر
[ ٣٩١ ]
وَفِيمَا قُلْنَا احْتِيَاط فِي بَاب الدِّمَاء
مَسْأَلَة الْقَتْل بالمثقل لَا يُوجب الْقصاص عِنْد أبي حنيفَة وَزفر خلافًا للباقين فَإِنَّهُ يُوجب عِنْدهم وَصورته إِذا قَتله بِحجر عَظِيم أَو خَشَبَة عَظِيمَة وَنَحْوه من غير جرح
وَلَو جرحه بِهَذِهِ الْآلَات فَعَن أبي حنيفَة فِي وجوب الْقصاص رِوَايَتَانِ وَالأَصَح أَنه لَا يجب وَفِي الْقَتْل بالحديد دقا عِنْد أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ وَالأَصَح أَنه لَا يجب وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا قتل حرقا وغرقا وَاتَّفَقُوا على أَنه لَو قَتله بِالسَّوْطِ الصَّغِير لَا يجب الْقصاص لنا قَوْله ﷺ لَا قَود فِي النَّفس (وَغَيرهَا إِلَّا بحديدة) ق
وروى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَلا إِن قَتِيل الْخَطَأ شبه الْعمد قَتِيل السَّوْط أَو الْعَصَا فِيهِ مائَة من الْإِبِل مِنْهُ أَرْبَعُونَ فِي بطونها أَوْلَادهَا حد وروى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا قَود إِلَّا بِالسَّيْفِ ق
[ ٣٩٢ ]
وَفِي رِوَايَة لَا قَود إِلَّا بِالسِّلَاحِ ق فَإِن قيل فِي إِسْنَاد الحَدِيث الأول أَبُو معَاذ واسْمه سُلَيْمَان بن أَرقم مَتْرُوك
والْحَدِيث الثَّانِي مُضْطَرب الْإِسْنَاد بِرِوَايَة الْقَاسِم بن ربيعَة تَارَة عَن يَعْقُوب بن أَوْس وَتارَة عَن عقبَة بن أَوْس عَن رجل من الصَّحَابَة وَتارَة يقفه على عمر ﵁ وأماالحديث الثَّالِث فَفِي إِسْنَاده أَيْضا أَبُو معَاذ قُلْنَا أَبُو معَاذ تكلم فِيهِ من قبل حفظه وَذَلِكَ لَا يقْدَح فِي رِوَايَته وَأما الحَدِيث الثَّانِي فَإِن ثَبت فَهُوَ صفة الْإِرْسَال احْتَجُّوا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قتل يَهُودِيّا رضخ رَأس امْرَأَة بَين حجرين خَ م وروى أَنه ﷺ قَالَ من حرق حرقناه وَمن غرق غرقناه
[ ٣٩٣ ]
قُلْنَا أما الحَدِيث الأول فَيحمل على الْقَتْل سياسة وَذَلِكَ الْيَهُودِيّ كَانَ ساعيا فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ أَو يحمل على أَنه جرحها وَبِه نقُول وَأما الثَّانِي فَمن كَلَام زِيَاد قَالَه فِي خطبَته البتراء وَلَو سلم حمل على السياسة أَيْضا وَكَذَا كل مَا ورد فِي هَذَا الْبَاب أَو نقُول أَخْبَار آحَاد وَردت على مُخَالفَة النُّصُوص الْمُقْتَضِيَة للمماثلة فَترد
مَسْأَلَة قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ الْعَفو عَن الشَّجَّة لَا يمْنَع وجوب ضَمَان النَّفس خلافًا للباقين
وَصورته إِذا شج رَأس رجل أَو قطع يَده فَقَالَ الْمَجْنِي عَلَيْهِ عَفَوْت عَن الشَّجَّة أَو قَالَ عَن الْقطع ثمَّ سرى إِلَى النَّفس وَمَات من ذَلِك ضمن الْجَانِي دِيَة النَّفس عِنْده وَعِنْدَهُمَا لَا يضمن وَالْعَفو صَحِيح سَوَاء سرى أَو اقْتصر قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ الْقيَاس أَن يلْزمه الْقصاص إِلَّا أَنِّي أستحسن وَأوجب الدِّيَة لَهُ النُّصُوص الدَّالَّة على وجوب الْقصاص اَوْ المَال وَلَهُم النُّصُوص النافية لوُجُوب المَال وَالْقصاص وَمَا قَالَه أَبُو حنيفَة احوط لما عرف
مَسْأَلَة من لَهُ الْقصاص فِي النَّفس إِذا قطع يَد من عَلَيْهِ الْقصاص ثمَّ عَفا عَن
[ ٣٩٤ ]
النَّفس وبرأ الْمَقْطُوع ضمن أرش الْيَد عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه خلافًا للباقين وَقَول أبي حنيفَة (اسْتِحْسَان) وَالْقِيَاس أَن يجب الْقصاص وَالْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة على نَحْو مَا مر فِي الْمَسْأَلَة الْمَاضِيَة
مَسْأَلَة قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ إِذا كَانَ فِي ورثن الْمَقْتُول صغَار وكبار فللكبير أَن ينْفَرد بِالِاسْتِيفَاءِ
وقالواجميعا لَيْسَ للكبار ولَايَة الِاسْتِيفَاء حَتَّى يبلغ الصغار فيجتمعون على الِاسْتِيفَاء لَهُ عمومات الْقصاص
وروى أَن عليا ﵁ قَالَ لِلْحسنِ لما طعنه ابْن ملجم إِن عِشْت فَأَنا أعلم بِمَا أصنع وَإِن مت فَإِن شِئْت أَن تقتله وَإِن شِئْت أَن تَعْفُو إياك والمثلة فالنبي ﷺ نهى عَن الْمثلَة وَلَو بالكلب الْعَقُور
فوض ﵁ الْقَتْل إِلَى الْحسن مَعَ علمه أَن الْوَرَثَة صغَارًا وَقَتله الْحسن بِمحضر من الصَّحَابَة فَحل مَحل الْإِجْمَاع لعدم النكير فَإِن قيل يحْتَمل أَنه قَتله قصاصا وَيحْتَمل أَنه قَتله سياسة على كفره لِأَنَّهُ كَانَ كَافِرًا
[ ٣٩٥ ]
وَقَالَ ﷺ أَشْقَى الْأَوَّلين عَاقِر نَاقَة صَالح وأشقى الآخرين من يخضب هَذِه من دم هَذَا وَأَشَارَ إِلَى لحيته وَرَأسه وَلَو لم يكن كَافِرًا كَانَ قَتله لسعيه فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ قُلْنَا التَّخْيِير إِنَّمَا يكون فِي الْقصاص لَا فِي السياسة
ثمَّ الْقَتْل سياسة مفوض إِلَى رَأْي الإِمَام (ولاإمام) وإمامة الْحسن لم تكن ثَابِتَة يَوْمئِذٍ وَقيل إِن ابْن ملجم لم يكن كَافِرًا احْتَجُّوا بقول ﷺ من قتل فأهله بَين خيرتين
الحَدِيث أثبت الْولَايَة (والخيرة) للأهل وانفراد الْكَبِير بِالِاسْتِيفَاءِ يَنْفِي ولَايَة التَّخْيِير قُلْنَا هَذَا اسْتِدْلَال بالمسكوت عَنهُ فَلَا يكون حجَّة
مَسْأَلَة شُهُود الْقصاص إِذا رجعُوا بعد اسْتِيفَاء الْوَلِيّ الْقصاص وَقَالُوا تعمدنا الْكَذِب أَو جَاءَ الْمَشْهُود بقتْله حَيا لَا قصاص عَلَيْهِم وَعَلَيْهِم الدِّيَة وَعند الشَّافِعِي ﵁ يجب عَلَيْهِم الْقصاص لنا نُصُوص الْقَتْل الْمُكْره وَعدم الْمُمَاثلَة وَالشَّاهِد لَيْسَ بِقَاتِل وَله العمومات
[ ٣٩٦ ]
وروى أَنا أَبَا بكر ﵁ قتل شُهُود الْقصاص بَعْدَمَا رجعُوا وَقَول عَليّ ﵁ فِي قَضِيَّة الشَّاهِدين وَلَو علمت أنكما تعمدتما لَقطعت أيديكما وَالْخلاف فِي هَذَا وشهود الْقصاص وَاحِد قُلْنَا يحمل ذَلِك على السياسة لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي يتولاها الإِمَام والعمومات مَخْصُوصَة لما مر مَسْأَلَة الْمُسلم يقتل بالذمي قصاصا وَهُوَ قَول عمر وَعلي وعمار ﵃ وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ ﵄ لَا يقتل وَالْخلاف نَشأ على أَن الْعلَّة الْمُوجبَة للْقَتْل عندنَا هِيَ الحراب وَعِنْدَهُمَا الْكفْر وَإِن الْعِصْمَة تثبت عندنَا بِالدَّار وَعِنْدَهُمَا بِالْإِسْلَامِ لنا النُّصُوص الْمُطلقَة فِي اسْتِيفَاء الْقصاص من غير فصل وروى أَنه ﷺ قتل مُسلما بمعاهد وَقَالَ أَنا أكْرم من وفى بِذِمَّتِهِ ق وَقتل عَليّ ﵁ مُسلما بِكَافِر
[ ٣٩٧ ]
فَإِن قيل قد قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ لم يسْندهُ غير ابراهيم بن أبي يحيى وَهُوَ مَتْرُوك وَالصَّوَاب عَن ابْن الْبَيْلَمَانِي مُرْسلا وَابْن الْبَيْلَمَانِي ضَعِيف
وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل لَو حكم حَاكم بِحَدِيث ابْن الْبَيْلَمَانِي كَانَ مخطئا وَلَو رفع إِلَى حَاكم آخر رده وَقَالَ أَبُو عبيد لَيْسَ هَذَا الحَدِيث بِمُسْنَد وَلَا يَجْعَل مثله إِمَامًا يسفك بِهِ دِمَاء الْمُسلمين وَقد رَجَعَ زفر ﵀ عَنهُ لما وقف على علته وروى أَن الْمَقْتُول كَانَ عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي وَإنَّهُ عَاشَ بعد النَّبِي ﷺ سِنِين وَفِي أثر عَليّ أَبُو الْجنُوب ضَعِيف قُلْنَا الحَدِيث رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَاحْتج بِهِ مُحَمَّد ﵀ والمرسل حجَّة عندنَا وَلَا يَصح رُجُوع زفر وَأما اسْم الْمَقْتُول فَيحْتَمل أَنَّهُمَا ابْنَانِ قتل أَحدهمَا وعاش الآخر بعد النَّبِي ﷺ
[ ٣٩٨ ]
وَأما الْأَثر فقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَلم يطعن فِيهِ أحد
وروى ان ابْن عمر ﵁ أَرَادَ أَن يقتل مُسلما بذمي فَقيل لَهُ هَذَا فَارس من فرسَان الْمُسلمين فَصَالح من دَمه على مَال وَكتب عماربن يَاسر إِلَى عمر ﵁ فِي مثل هَذِه الْحَادِثَة فَكتب إِلَيْهِ أَن اقتله
فَهَؤُلَاءِ كبار الصَّحَابَة ﵃ اتَّفقُوا على جَوَاز قتل الْمُسلم بالذمي من غير نَكِير فَكَانَ إِجْمَاعًا احْتَجُّوا بِمَا روى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يقتل مُسلم بِكَافِر خَ م وَفِي رِوَايَة وَلَا ذِي عهد فِي عَهده حد وَمَعْنَاهُ وَلَا بِذِي عهد فِي عَهده وَهُوَ الذِّمِّيّ وَعَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ من السّنة أَن لَا يقتل مُسلم بذمي وَالسّنة إِذا أطلقت أُرِيد بهَا سنة النَّبِي ﷺ
قُلْنَا المُرَاد بِهِ الْحَرْبِيّ لِأَن اسْم الْكَافِر الْمُطلق ينْصَرف إِلَيْهِ ثمَّ قد خص مِنْهُ الْبَعْض وَهُوَ مَا إِذا قتل الذِّمِّيّ الذِّمِّيّ ثمَّ أسلم فَإِنَّهُ يقتل بِهِ فيخص الْمُتَنَازع فِيهِ بِمَا ذكرنَا أَو يحمل صَاحب الْعَهْد على الْمُسْتَأْمن فَإِنَّهُ فِي عهد حَتَّى يخرج
[ ٣٩٩ ]
وَأما أثر عَليّ ﵁ فالآصح أَن قَوْله مثل قَوْلنَا
وَالسّنة مُحْتَملَة وَالْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا بَين الصَّحَابَة ﵃ أَجْمَعِينَ فَلَا يكون قَول الْبَعْض حجَّة على الْبَعْض وعَلى أَنَّهَا مُعَارضَة بالنصوص كَمَا ذكرنَا مَسْأَلَة الْحر يقتل بِعَبْد غَيره وَهُوَ قَول عمر وَعلي ﵄ وَقَالَ الشَّافِعِي وَاحْمَدْ ﵄ لَا يقتل وَقَالَ دَاوُد يقتل بِعَبْدِهِ لنا النُّصُوص الْمُوجبَة للْقصَاص من غير فصل بَين حر وَعبد احتجا بقوله ﷺ لَا يقتل حر بِعَبْد ق وَعَن عَليّ ﵁ من السّنة أَن لَا يقتل حر بِعَبْد قُلْنَا فِي إِسْنَاد الحَدِيث جُوَيْبِر ضَعِيف والمروى فِي هَذَا الْبَاب إِنَّمَا هُوَ قَول عَليّ ﵁ وَالسّنة مُحْتَملَة على مَا مر مَسْأَلَة إِذا صال الْجمل على إِنْسَان فَقتله المصول عَلَيْهِ دفعا لشره يضمن وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يضمن
[ ٤٠٠ ]
وعَلى هَذَا الْخلاف سائرالبهائم وَالصَّبِيّ وَالْمَجْنُون وَكَذَا لَو سقط مَال الْغَيْر عَلَيْهِ من أَعلَى فَدفعهُ عَن نَفسه فأتلفه ضمن عندنَا خلافًا لَهُ وَقد تساعدنا على أَن الْحر أَو العَبْد إِذا صال على إِنْسَان فَقتله المصول عَلَيْهِ لَا يضمن لنا أَنه أتلف مَالا مَعْصُوما فَيضمن عملا بالنصوص الْمُحرمَة لمَال الْغَيْر وَقَوله ﷺ العجماء جرحها جَبَّار خَ م أَي فعل الْبَهِيمَة هدر فَلَو لم يجب الضَّمَان لَكَانَ ذَلِك اعْتِبَارا لفعلهما (وفعلها) غير مُعْتَبر لَهُ العمومات النافية لوُجُوب الضَّمَان قُلْنَا الْمُثبت (مقدم) على (النَّافِي) لما عرف
مَسْأَلَة إِذا ضرب إنْسَانا بِسَوْط صَغِير أَو عَصا صَغِيرَة ووالى بَين الضربات حَتَّى قَتله فَعَلَيهِ الدِّيَة وَلَا قصاص عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ فَعَلَيهِ الْقصاص لنا مَا مر فِي الْقَتْل بالمثقل وَقد أجبنا عَنهُ هُنَاكَ مَسْأَلَة مُبَاح الدَّم بِأَيّ سَبَب كَانَ مثل الْقَتْل والزنى وَالرِّدَّة إِذا التجأ إِلَى
[ ٤٠١ ]
الْحرم لَا يُبَاح قَتله فِيهِ وَلكنه لَا يُبَايع وَلَا يُجَالس وَلَا يكلم وَلَا يطعم وَلَا يسقى حَتَّى يضْطَر إِلَى الْخُرُوج فَيقْتل خَارج الْحرم وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ يقتل فِي الْحرم وَاتَّفَقُوا على أَنه لَو فعل ذَلِك فِي الْحرم أَنه يقتل فِيهِ لنا قَوْله تَعَالَى ﴿أَو لم نمكن لَهُم حرما آمنا﴾ ﴿أَو لم يرَوا أَنا جعلنَا حرما آمنا﴾ فَمن قَالَ بِعَدَمِ أمه فقد خَالف النَّص وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمن دخله كَانَ آمنا﴾ فَلَو جَازَ إِخْرَاجه للْقَتْل لبطلت فَائِدَة الْأَمْن
فَإِن قيل الْهَاء كِنَايَة عَن الْبَيْت لِأَنَّهُ مَذْكُور فِي صدر الْآيَة بقوله تَعَالَى ﴿إِن أول بَيت وضع للنَّاس﴾ فَلَا يكون كِنَايَة عَن الْحرم
قُلْنَا الْهَاء كِنَايَة عَن الْحرم لِأَن ذكره سَابق على ذكر الْبَيْت بقوله ﴿فِيهِ آيَات بَيِّنَات مقَام إِبْرَاهِيم﴾ وَالْمقَام فِي الْحرم دون الْبَيْت
احْتَجُّوا بالخطابات الْعَامَّة المثبتة للْقصَاص من غير فصل بَين مَكَان وَمَكَان كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ وروى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْحرم لَا يعيذ عَاصِيا وَلَا فَارًّا بِدَم
[ ٤٠٢ ]
وَقتل يَوْم الْفَتْح ابْن خطل وَهُوَ مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة قُلْنَا الخطابات الْعَامَّة مَخْصُوصَة بِمَا تلونا وَقَوله ﷺ الْحرم لَا يعيذ عَاصِيا غَرِيب وَلَو اشْتهر كَانَ مَعْنَاهُ فِي الْآخِرَة وَلَو كَانَ فِي الدُّنْيَا (فالعقوبة) لَا تسْقط عَنهُ بل تتأخر وَأما قتل ابْن خطل فقد قَالَ ﷺ أحلّت لي سَاعَة من نَهَار وَلنْ تحل لأحد بعدِي أَو يحمل على أَنه قَتله سياسة
مَسْأَلَة قيمَة العَبْد الْمَقْتُول خطأ لَا يُزَاد على عشرَة آلَاف دِرْهَم عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله وَابْن مَسْعُود ﵁ وَينْقص مِنْهَا عشرَة وَقَالَ أَبُو يُوسُف تبلغ بَالِغَة مَا بلغت وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَاحْمَدْ ﵄ وَالْكَلَام فِيهِ يرجع إِلَى أصل وَهُوَ أَن الْوَاجِب بدل النَّفس عندنَا وَعِنْدهم بدل المَال
[ ٤٠٣ ]
وَلِهَذَا قُلْنَا تتحمله الْعَاقِلَة مُؤَجّلا كدية الْحر وَعِنْدهم لَا تتحمله الْعَاقِلَة بل يجب فِي مَال الْقَاتِل عَاجلا لنا النُّصُوص الْمُقْتَضِيَة لحصر الْوَاجِب فِي تَحْرِير الرَّقَبَة وَالدية كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمن قتل مُؤمنا خطأ فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة ودية مسلمة إِلَى أَهله﴾ وَلَهُم العمومات الْمُقْتَضِيَة للمماثلة وَنحن نقُول مَعَ وجوب الدِّيَة الْمُمَاثلَة حَاصِلَة
مَسْأَلَة لَو فَقَأَ عَيْني عبد إِنْسَان أَو قطع يَدَيْهِ حَتَّى قضى بِكَمَال الدِّيَة ملك الجثة العمياء حَتَّى يلْزمه تَسْلِيمهَا وَعند الشَّافِعِي ﵁ لَا يملكهَا فَلَا يلْزمه تَسْلِيمهَا فَلَو أَرَادَ الْمَالِك إمْسَاك الجثة العمياء أما عِنْد الشَّافِعِي ﵁ فَلَا يشكل وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد ﵄ لَهُ ذَلِك وَيَأْخُذ قيمَة النُّقْصَان وَعند أبي حنيفَة ﵀ لَيْسَ لَهُ ذَلِك وَحَاصِل الْخلاف رَاجع إِلَى أَن الضَّمَان الْوَاجِب بِمُقَابلَة الْعَينَيْنِ بدل فَعِنْدَ الشَّافِعِي ﵁ بدل الْجُزْء الْفَائِت فَقَط وَعِنْدَهُمَا بدل الجزي الْفَائِت والجثة وَعند أبي حنيفَة ﵀ كَمَا قَالَا وكما قَالَ الشَّافِعِي ﵁ لَكِن بِشَرْط زَوَال الجثة عَن ملكه
[ ٤٠٤ ]
لنا مَا مر فِي المضمونات
وَقد ملك بدل الجثة فيزول الْمُبدل عَن الْملك بِالْبَدَلِ احْتِرَازًا عَن اجْتِمَاع الْبَدَلَيْنِ فِي ملك وَاحِد وَلَا عهد لنا بِهِ فِي الشَّرْع
وَالشَّافِعِيّ ﵁ يَقُول الضَّمَان وَجب مُقَابلا للفائت دون الْقَائِم فَلَا يتَغَيَّر الحكم فِي الْقَائِم فَبَقيَ مَا كَانَ على مَا كَانَ قُلْنَا بل هَذَا الضَّمَان وَجب مُقَابلا (للفائت) والقائم لما عرف مَسْأَلَة الْقَتْل الْعمد الْحَرَام لَا يُوجب الْكَفَّارَة وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ يُوجب لنا قَوْله تَعَالَى ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا﴾
فَالله تَعَالَى جعل الخلود فِي النَّار جَزَاء الْقَتْل الْعمد فَيَنْتَفِي وجوب شَيْء آخر إِذْ لَو وَجب شَيْء آخر لم يبْق الْجَزَاء كَافِيا
وَقَالَ ﷺ خمس من الْكَبَائِر لَا كَفَّارَة فِيهِنَّ وَقد مر فِي الْأَيْمَان وَذكر مِنْهَا قتل العَبْد
احْتج بِمَا روى أَن قوما جَاءُوا إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالُوا يَا رَسُول الله إِن صاحبا لنا قد اسْتوْجبَ النَّار بِالْقَتْلِ فَقَالَ ﷺ أعتقوا عَنهُ رقة يعْتق الله تَعَالَى بِكُل عُضْو مِنْهَا عضوا مِنْهُ من النَّار وَمُقْتَضَاهُ وجوب الْكَفَّارَة
[ ٤٠٥ ]
قُلْنَا الصَّحِيح من الرِّوَايَة أَن صاحبنا قد اسْتوْجبَ النَّار من غير ذكر الْقَتْل
وَمَعْلُوم أَن كل كَبِيرَة بهَا يسْتَوْجب النَّار لَا توجب الْكَفَّارَة فَكَانَ الْأَمر بِالْإِعْتَاقِ اسْتِحْبَابا أَو نقُول خبر وَاحِد ورد على مُخَالفَة الْكتاب فَيرد وَالله أعلم مَسْأَلَة الْوَاحِد يقتل بِالْجَمَاعَة اكْتِفَاء وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ لَا يقتل بهم اكْتِفَاء وَصورته الْوَاحِد إِذا قتل عشرَة يقتل بهم ويكتفي بقتْله حَتَّى لَا يُؤْخَذ شَيْء من تركته عندنَا وَعِنْده يقتل وَيرجع كل وَاحِد من الْأَوْلِيَاء بِتِسْعَة أعشار الدِّيَة
لنا النُّصُوص النافية لشرع غير (الْقَتْل) وَالْحُرْمَة لأخذ مَال الْغَيْر وَمَا تلونا من قَوْله تَعَالَى ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم﴾ نفى شَرْعِيَّة الزَّائِد عَن الْقَتْل فَلَا يشرع وَله العمومات الْمُقْتَضِيَة للمماثلة مَسْأَلَة قتل الصَّبِي مُوَرِثه لَا يتَعَلَّق بِهِ حرمَان الْمِيرَاث وَلَا وجوب الْكَفَّارَة وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ يحرم الْمِيرَاث وَيجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة
[ ٤٠٦ ]
لنا على الْمِيرَاث قَوْله تَعَالَى ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ وَهَذَا ولد فيرث
وعَلى الْكَفَّارَة النُّصُوص النافية لوُجُوبهَا وَالْجِنَايَة تعلّقت بالبالغ وَلَا خطاب فِي حق الصَّبِي فَلَا يجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة احْتج الشَّافِعِي ﵁ بقوله ﷺ لَا مِيرَاث لقَاتل حد وَقَالَ ﷺ لم يُورث قَاتل بعد صَاحب الْبَقَرَة وَفِي لفظ لَا مِيرَاث لقَاتل بعد الْقَاتِل فِي قصَّة الْبَقَرَة قُلْنَا الْخَبَر لَا يُعَارض الْكتاب
وَلَا يُقَال بِأَن الْخَبَر خَاص فِي الْقَاتِل وَالنَّص عَام فِي حق كل ولد سَوَاء كَانَ قَاتلا أم لَا وَالْأَخْذ بالخاص أولى
لأَنا نقُول الْخَبَر وَإِن كَانَ خَاصّا كَمَا قَالُوا فِي الْقَاتِل لكنه عَام فِي كل قَاتل سَوَاء كَانَ ولدا أم لَا
وَالْآيَة خَاصَّة فِي الْأَوْلَاد فَكَانَ كل وَاحِد مِنْهَا خَاصّا من وَجه عَاما من وَجه فتعارضا وترجح مَا قُلْنَا من حَيْثُ إِن استدلالنا بكتا واستدلالهم بِسنة مَسْأَلَة الْقصاص لَا يسْتَوْفى إِلَّا بِالسَّيْفِ فِي الرَّقَبَة
[ ٤٠٧ ]
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ يسْتَوْفى على الْوَجْه الَّذِي وجد من الأول وَعَن أَحْمد كالمذهبين وَصورته إِذا قطع يَد إِنْسَان ثمَّ سرى إِلَى النَّفس وَمَات (تحز) رقبته عندنَا وَعِنْدهم تقطع يَده فَإِن مَاتَ وَإِلَّا (تحز) رقبته وَكَذَا لَو حرق إنْسَانا تحز رقبته عندنَا
وَعِنْدهم يحرق بِمثل تِلْكَ النَّار فِي تِلْكَ الْمدَّة فَإِن مَاتَ وَإِلَّا تحز رقبته وَكَذَا إِذا قَتله تغريقا أَو تخنيقا يقْتَصّ مِنْهُ كَذَلِك
لنا مَا روينَا من قَوْله ﷺ لَا قصاص إِلَّا بِالسَّيْفِ وَمحل الْقَتْل حز الرّقية وَالْفِعْل فِي غَيرهَا مثلَة والمثلة حرَام
احْتج بِمَا روينَا عَن النَّبِي ﷺ (أَنه) رضخ رَأس يَهُودِيّ بَين حجرين لما فعل بِالْمَرْأَةِ ذَلِك وَبِمَا روينَا من قَوْله ﷺ من حرق حرقناه وَمن غرق غرقناه قُلْنَا الحَدِيث الأول مَحْمُول على أَنه فعل ذَلِك سياسة
[ ٤٠٨ ]
وَالثَّانِي من كَلَام زِيَاد وَلَو سلم حمل على السياسة والحرق غير مَشْرُوع قَالَ ﷺ لَا تعذبوا بِعَذَاب الله فَإِنَّهُ لَا يعذب بالنَّار إِلَّا الله تَعَالَى مَسْأَلَة التَّسَاوِي فِي الْأَرْش شَرط لجَرَيَان الْقصاص فِي الطّرف
وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ لَيْسَ بِشَرْط حَتَّى إِن الْحر لَا يقطع بِالْعَبدِ وَلَا العَبْد بِالْحرِّ وَلَا الذّكر بِالْأُنْثَى وَلَا الْأُنْثَى بِالذكر وَلَا العَبْد بِالْعَبدِ عندنَا وَعِنْده يقطع فِي الْفُصُول كلهَا إِلَّا فِي الْحر فَإِنَّهُ لَا يقطع بِالْعَبدِ لِأَنَّهُ لَا يقتل بِهِ لنا النُّصُوص الْمُقْتَضِيَة للمماثلة والتساوي وَالْأَرْش معنى الْيَد شرعا كالبطش معنى الْيَد حَقِيقَة وَله النُّصُوص الْمُوجبَة للْقصَاص وَالنَّفس أعظم حُرْمَة من الطّرف
[ ٤٠٩ ]
ثمَّ التَّسَاوِي فِي الْبَدَل لَيْسَ بِشَرْط لوُجُوب الْقصاص فِي النَّفس فَفِي الطّرف أولى وَهَذَا على أصلكم ظَاهر لأنكم تَلْحَقُونَ الطّرف بِالنَّفسِ كَمَا فِي الآيدي فَإِنَّهَا تستوفى بيد وَاحِدَة قُلْنَا الْقصاص فِي الرّوح وَلَا تفَاوت فِي الْأَرْوَاح
أما الدِّيَة فَتجب فِي مُقَابلَة الشَّخْص بِاعْتِبَار المَال وَلِهَذَا دِيَة الْمَرْأَة على النّصْف من دِيَة الرجل
وَهَهُنَا الْقطع تصرف فِي الْأَجْزَاء وَالْأَرْش وَجب بِمُقَابلَة الْأَجْزَاء فَيعْتَبر التَّسَاوِي شرطا لوُجُوب الْقصاص فِي الطّرف وَالله أعلم بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب
[ ٤١٠ ]