للمكتبات دورها الأساسي في نشر الثقافة العلمية، وإحياء الحركة الفكرية، وكانت بغداد في ذلك العصر حافلة بعدد كبير من المكتبات التي كانت تسمى بـ (دور العلم)، وبـ (خزائن الكتب) سواء ما كان منها خاصًا، كمكتبات العلماء، والأمراء والوجهاء، وطلاب العلم، ومن أشهر هذه
_________________
(١) انظر: المدارس الشرابية، ص، ١٤٥.
(٢) انظر: البداية والنهاية، ١٢/ ١٠٣، المدارس الشرابية، ص، ١١٧، الحياة الفكرية في العراق، ص، ٢١٥.
(٣) انظر: تاريخ علماء المستنصرية، ٢/ ٢٩٧.
(٤) انظر: المدارس الشرابية، ص، ١٣٢.
[ ٥٨ ]
المكتبات: مكتبة العلامة كمال الدين ابن الفوطي الحنبلي (ت ٧٢٣ هـ) (١)، ومكتبة العلامة صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق القطيعي الحنبلي (ت ٧٣٩ هـ) (٢)، أو ما كان منها عامًا كخزائن الكتب في المدارس، والمساجد والربط وغيرها، حيث لا تكاد تخلو هذه الأمكنة العلمية من مكتبات (٣)، تكون مرجعًا قريبًا من العلماء وطلاب العلم، (وكانت غالبية مساجد بغداد تشتمل على مكتبات يستفيد منها جمهور طالبي الكتب من رجال العلم وطلبته، وظلت كذلك إلى أواخر القرن الثامن الهجري) (٤).
أما المكتبات في المدارس فيظهر أن العناية بها أجل، والاهتمام بها أكثر، وكان في كل مدرسة مكتبة (٥)، قد يصل تعداد ما فيها من الكتب والمراجع إلى عشرات الآلاف، ومن أشهر مكتبات المدارس في بغداد على الإطلاق مكتبة المدرسة المستنصرية، حيث وصفت: بأنه لم يكن في الدنيا مثلها (٦)، وبأنها (كانت في القرنين السابع والثامن الهجريين أعظم دور العلم العامة، وأشهرها في العلم لا سيما في العهد الذي كان ابن الفوطي خازنًا فيها) (٧)، وقد بلغ عدد الكتب في هذه المكتبة ثمانين ألف مجلد (٨).
_________________
(١) انظر: تاريخ علماء المستنصرية، ٢/ ٣٥٦، وقال عن هذه المكتبة: "وقد أنشأ لنفسه مكتبة تعتبر من المكتبات الثمينة في تلك الأيام".
(٢) انظر: منتخب المختار، ص، ١٢٤، وذكر: أنه أوقفها على المدرسة المجاهدية.
(٣) انظر: الحياة الفكرية في العراق، ص، ٢٠٥، ٢٠٨.
(٤) الحياة الفكرية في العراق، ص، ٢١١، نقلًا عن كتاب: خزائن الكتب القديمة في العراق، ص، ١٥٤، ١٥٧.
(٥) ومن هذه المكتبات مكتبة المدرسة النظامية، وقد كانت تحتوي على عشرة آلاف مجلد. انظر: الحياة الفكرية في العراق، ص، ٩٩. ومن تلك أيضًا مكتبة المدرسة الشرابية، ومكتبة مدرسة أبي حنيفة وغيرها. انظر: المدارس الشرابية، ص، ١٣٠، ١٤٨.
(٦) وقد وصفها بهذا العلامة ابن الفوطي، وهو ممن تولى خزانتها والإشراف عليها. انظر: تاريخ علماء المستنصرية، ٢/ ٣٢٩.
(٧) تاريخ علماء المستنصرية، ٢/ ٣٢٩.
(٨) انظر: تاريخ علماء المستنصرية، ٢/ ٣٢٩، الحياة الفكرية في العراق، ص، ٩٩، =
[ ٥٩ ]
ومن مظاهر الاهتمام بهذه المكتبات والعناية بها: أنه كان يعين لها خُزَّان، ومشرفون، وغيرهم من الموظفين، يقومون على ترتيبها والعناية بها، وكان بعض هؤلاء من العلماء البارزين المشهورين (١)، ومن أشهر خُزَّان الكتب - في العصر المتحدث عنه - خازن مكتبة المدرسة المستنصرية العلامة أبو بكر التفتازاني الحنفي (ت بعد ٧٠١ هـ) (٢)، وخازنها الآخر العلامة كمال الدين ابن
الفوطي الحنبلي (ت ٧٢٣ هـ) (٣)، كما تولى الإشراف على هذه الخزانة العلامة محيي الدين ابن العاقولي الشافعي (ت ٧٦٨ هـ) (٤).
هذا وقد كان في بغداد من المكتبات العامة المستقلة في زمن الدولة العباسية (١٩) مكتبة (٥)، ويبدو أن الذي بقي منها، وسلم من التلف بعد سقوط بغداد استمر على ما هو عليه، حيث ورد تفويض أمر هذه الخزائن والعناية بها في زمن الدولة المغولية إلى ثلاثة من كبار الأدباء والمؤرخين في بغداد (٦).