حفلت بغداد منذ أواسط القرن الخامس الهجري بعددٍ كبيرٍ من المدارس التي كان لها أثر كبير في نشاط الحركة الثقافية، وازدهار العلوم والمعارف بها، وأول ما أنشئت المدارس في بغداد سنة (٤٥٩ هـ)، حيث أنشئ في هذا
_________________
(١) انظر: رحلة ابن بطوطة، ١/ ١٦٦.
(٢) انظر: المصدر السابق، ١/ ١٦٨.
(٣) انظر: ذيل طبقات الحنابلة، ٢/ ٤١٣ - ٤١٤.
(٤) الحياة الفكرية في العراق، ص، ٢٠٧.
[ ٥٣ ]
العام مدرستان هما: مدرسة أبي حنيفة، والمدرسة النظامية (١)، ثم ازداد عدد المدارس بها حتى بلغت في عام (٥٨٠ هـ) ثلاثين مدرسة، كما ذكر ذلك الرحالة ابن جبير عند زيارته لها في السنة المذكور بقوله: (والمدارس بها نحو الثلاثين، وهي كلها بالشرقية - الجهة الشرقية من بغداد - وما منها مدرسة إلا وهي يقصر القصر البديع عنها ولهذه المدارس أوقاف عظيمة وعقارات محبسة، تتصير إلى الفقهاء المدرسين بها، ويجرون بها على الطلبة ما يقوم بهم، ولهذه البلاد في أمر هذه المدارس والمارستانات شرف عظيم، وفخر مخلد) (٢).
وقد أنشئ ببغداد زمن الدولة العباسية (٣٨) مدرسة (٣)، وفي زمن الدولة المغولية (١٤) مدرسة (٤)، هذا بالإضافة إلى دور العلم الكثيرة ببغداد، كدور القرآن، ودور الحديث (٥) والكتاتيب، ومجالس المناظرات، والندوات الأدبية، وغير ذلك من المجالس العلمية (٦).
وقد كان لهذه المدارس، ودور العلم أثر كبير في نشاط الحركة الثقافية ببغداد، وأزدهار العلوم والمعارف بها.
_________________
(١) انظر: الحياة الفكرية في العراق، ص، ٢١٤ - ٢١٥، المدارس الشرابية، ص، ١١٧ - ١١٨، العراق في التاريخ، ٥٠٦ - ٥٠٧.
(٢) رحلة ابن جبير، ص، ٢٠٥.
(٣) انظر: تاريخ علماء المستنصرية، ٢/ ٣٩٠، المدارس الشرابية، ص، ١١٧ وما بعدها، حيث أورد أسماء هذه المدارس وذكر نبذة يسيرة عن تاريخ كل مدرسة منها، وقد ذكر مؤلفا كتاب (دليل خارطة بغداد) ص، ٢٤٧ (٣٤) مدرسة فقط.
(٤) وهي: المدرسة الإمامية، والعلائية، والمرجانية، والإيكجية، والمسعودية، والفازانية، والعصمتية، والإسماعيلية، والجمالية، والوفائية، ومدرسة ابن قاضي دقوق، وجمال الدين العاقولي، وبهاء الدين الدنجلي، ومجد الدين ابن الأثير. انظر: دليل خارطة بغداد، ص، ٢٤٨ - ٢٤٩، وقد ذكر الأستاذ ناجي معروف في كتابه "المدارس الشرابية" إحدى عشرة مدرسة فقط.
(٥) انظر أسماء كثيرة من دور القرآن والحديث ببغداد في: تاريخ علماء المستنصرية، ١/ ٢٦، ٢/ ٥٥١.
(٦) انظر: المدارس الشرابية، ص، ١١١، والحياة الفكرية في العراق، ص، ١٩٣، وما بعدها.
[ ٥٤ ]
وكانت هذه المدارس تحظى بالاهتمام والرعاية من مختلف طبقات المجتمع، وعلى الخصوص من الخلفاء والأمراء والأثرياء، الذين كانوا يقومون بتشييد هذه المدارس، ويقيمون الاحتفالات الكبيرة عند افتتاحها، ويشاركون في حضورها، ويقومون بتعيين العلماء والمدرسين للتعليم بها، والموظفين لخدمتها، وترتيب الطلاب والدارسين بها، وتهيئة المساكن لهم، ورتبوا لكل أولئك رواتب شهرية، تضمن لهم قدرًا من الحياة الهنيئة، حتى ينصرفوا كلية إلى العلم، ولا ينشغلوا بغيره.
كما كانت توقف على هذه المدارس الأوقاف الكثيرة، لتكون موارد مالية ثابتة تريع عليها، مما يضمن لها الاستمرار في أداء رسالتها على الوجه الأكمل (١).
وسأشير هنا إلى بعض المدارس التي كانت الدراسة فيها قائمة زمن المصنف مع الإشارة إلى تاريخ إنشائها، وبعض من درَّس بها زمن المصنف، مما يستدل به على استمرار الدراسة بها في الزمن المذكور، وهي: