إن تحقيق أي كتاب يتطلب البحث عن نسخ متعددة للكتاب، حتى يمكن إخراجه على أقرب صورة وضعها عليه المؤلف، إن لم يمكن الحصول على نسخة المؤلف نفسها.
ومن أجل ذلك، فقد قمت بالبحث عن ذلك بسؤال أهل الخبرة، وذوي الاختصاص في هذا المجال، وبالاطلاع على فهارس المخطوطات في العالم المتوفرة في مكتبات مكة المكرمة، ثم القيام برحلات من أجل البحث عن نسخ للكتاب في داخل المملكة وخارجها، شملت المدن التالية:
المدينة المنورة، والرياض، ومنطقة القصيم، والقاهرة، والإسكندرية، ودمشق، وقطر، فبحثت في مكتبات هذه المدن، وفي ما احتوته من فهارس مخطوطات في العالم، وسألت من ألتقي به من ذوي الاختصاص والخبرة، فلم أتمكن - مع كل ما بذلته من جهد كبير - من الحصول على غير نسخة واحدة، وهي: نسخة مصورة على الميكروفيلم في مركز إحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة برقم (٣٤٤) فقه عام، مصورة عن مكتبة جامعة برنستون بالولايات المتحدة الأمريكية برقم (٤٥٧٧) مجموعة يهودا، ووصفها على النحو التالي:
١ - تقع النسخة في ثلاث وتسعين ورقة، أي ست وثمانين ومائة صفحة في كل صفحة إحدى وعشرون سطرًا، وفي السطر سبع عشرة كلمة تقريبًا.
٢ - خطها نسخ حسن، وليس عليها اسم الناسخ.
٣ - كتب على الورقة الأولى (كتاب تنقيح الفروق) وعلى الثانية (كتاب إيضاح الدلائل في الفرق بين المسائل) وكتب على كلا الورقتين بعض التملكات، ثم أعيد كتابة هذه التملكات مع اختلاف يسير في بعض العبارات
[ ١٠٨ ]
على الورقة الأخيرة من الكتاب، بالإضافة إلى بعض الكتابات الأخرى.
٤ - يبدأ نص الكتاب من الورقة الثالثة "أ".
٥ - على حواشي النسخة بعض التصويبات، وبعض التعليقات اليسيرة، وقد نقلتها في الهامش.
٦ - لا تخلو هذه النسخة من تحريف وتصحيف، وسقط، نبهت على ذلك كله في مواضعه.
٧ - يعود تاريخ كتابة هذه النسخة على ما جاء في بطاقة المعلومات المدونة في مركز إحياء التراث الإسلامي إلى القرن التاسع الهجري، ويبدو أن هذا اجتهاد من واضعي هذه البطاقة لعدم ما يدل عليه في المخطوطة.
والذي أرجحه أنها كتبت في حياة المصنف، أو بعد وفاته ببضع سنوات، ودليل ذلك: أنه كتب في وسط الورقة الثانية التي عليها عنوان الكتاب، وبخط حسن مشكول ما نصه:
(لأحمد البابصري وبخطه:
حوى هذا الكتاب بحسن لفظ وجيز جامع فيه المعاني
فوائد المباني)
(أكثر كلمات البيت الثاني غير مقروءة بسبب الرطوبة).
فأخذت بالبحث عن قائل هذين البيتين وكاتبهما، فوجدت ابن رجب ترجم في ذيل طبقات الحنابلة، ٢/ ٤٤٥ لعالم يغلب على الظن أنه كاتب هذين البيتين، وهو: أحمد بن علي بن محمد البابصري، البغدادي، الحنبلي (٧٠٧ - ٧٥٠ هـ) وقال عنه: (ونظم الشعر الحسن، وكتب بخطه الحسن الكثير).
فترجح عندي أن صاحب هذه الترجمة هو كاتب البيتين المذكورين للأوجه التالية:
١ - أنه يتفق معه في الاسم واللقب.
[ ١٠٩ ]
٢ - أنه يتفق معه في حسن الخط.
٣ - أنه يتفق معه في نظم الشعر.
٤ - أن صاحب هذه الترجمة بغدادي، والمصنف بغدادي، بل هما زميلان في الدراسة، وأعمارهما متقاربة، فيكون ذلك مدعاة إلى اطلاع صاحب الترجمة على هذا الكتاب، وثنائه عليه.
٥ - أن نظم البيتين نظم عالم، وقد بحثت في كثير من كتب التراجم والتاريخ عن هذا الاسم (أحمد البابصري) فلم أجد سوى هذا الذي ذكره ابن رجب، وقد ترجمه أيضًا في المقصد الأرشد، ١/ ١٤٧، وشذرات الذهب، ٦/ ١٦٦، وغيرها.
فيترجح بناءً على ذلك أن تاريخ كتابة هذه النسخة على أبعد تقدير يكون في سنة (٧٥٠ هـ) وهي السنة التي توفي فيها (أحمد البابصري) أي بعد وفاة المصنف بتسع سنوات فقط، مما يعطي قيمة علمية لهذه النسخة - كما هو معلوم في فن التحقيق - لكونها كتبت في حياة المصنف، أو في عهد قريب منه.