وأما حرف أو فإنها ترد للشك وللتخيير، والإبهام، وترد بمعنى الواو عند قوم.
فأما التي للشك فكقولك: رأيت زيدا أو عمرا، وأنت شاك في الذي رأيت منهما.
وهكذا الأمر إذا كانت للإبهام، المعنى متقارب، ولهذا أسقط أبو المعالي في عد هذا قسما آخر، لأنك إذا علمت من رأيت منهما، وإنما أردت التلبيس على السامع، وألا تفيده علم من رأيت منهما، قلت له: رأيت زيدا أو عمرا، ليحصل السامع على شك استفاده من هذا الحرف، وإن كنت أنت على يقين، فصارت كأنها للشك على النحو الذي أشار أبو المعالي من تقدير الخطاب على حسب اعتقاد المخاطب السامع، وإذا كانت للشك فهي تضاهي حرف "ام"، إذا وقع للشك صحبه الاستفهام، تقول: أرأيت زيدا أم عمرا؟ ولا تقول: أرأيت زيدا أو عمرا.
والمشكك بحرف "أم" موقن" برؤية أحدهما شاك في عينه، والمشكك بحرف "أو" يمكن أن يكون كذلك، ويمكن أن يشك فيهما جميعا؛ هل رأى واحدا منهما، أو لم ير واحدا.
وأما كونها للتخيير فكقوله تعالى: (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) وكقولهم:
[ ١٧٦ ]
جالس الحسن أو ابن سيرين، والقصد هاهنا بذكر التخيير، وإباحة التنقل، من شخص إلى شخص، الإشعار بأمر السامع بمجالسة أهل الخير والرشاد، كما أن قوله تعالى: (ولا تطع منهم أثمًا أو كفورا) يتضمن هذا الإشعار النهي عن طاعة المضل، آثما كان، أو كفورا، فلهذا تناول النهي الآثم والكفور جميعا، حتى يقدر المعصية بطاعة أحدهما، ولا تحصل الطاعة إلا بمعصيتهما جميعا، بخلاف قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، فإن القصد الأمر بمجالسة أهل الخير، فإذا جلس إلى واحد، وترك الآخر، لم يكن عاصيا، لأنه لم يأمر هاهنا بما يتضمن الجمع، وهذا المعنى الذي نسلك في قوله تعالى: (عذرا أو نذرا).
وهذا التأويل يدفع حجة من احتج على أن أو تكون بمعنى الواو بهاتين الآيتين، لأن المراد لا تطع الآثم والكفور، وكذلك المراد (فالملقيات ذكرا* عذرا أو نذرا) كذلك احتجوا بقوله تعالى: (وأرسلناك إلى مائة ألف أو يزيدون)، وقوله تعالى: (لعلة يتذكر أو يخشى) وقوله تعالى: (لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا) وقوله تعالى: (قاب قوسين أو أدنى) وقوله تعالى: (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب) إن الآي محمولة عند هؤلاء على أن حرف أو يها بمعنى الواو، فالمراد: مائة ألف ويزيدون، وكذلك المراد بقوله: (إلا كلمح البصر أو هو أقرب)، وكذلك المراد (فكان قاب قوسين أو أدنى).
واضطر هؤلاء، إلى هذا التأويل أن الله سبحانه لا يترجى، لعلمه بالعواقب، وإنما يترجى من لا يعلمها، والجواب العام عن كل ما قالوه، وتمسكوا به، من هذه الآي أن الخطاب في جميعها إنما ورد بألفاظ صيغت على حسب فهم المخاطب فكأنه تعالى يقول: إن قوم يونس لو رأيتموهم لقلتم مائة ألف أو يزيدون، على جهة التشكيك من المخلوقين، لا من الخالق، جلت قدرته.
وهذا كأحد التأويلات في قوله تعالى: (وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) أن المراد أنه أهون فيما اعتاده المخلوقون، لأن إعادة الأفعال أسهل من ابتدائها، لأنه قد قيل في قوله: (مائة ألف أو يزيدون) أن المراد هاهنا الإبهام على السامعين.
وقد ذكرنا أن أحد أقسام هذا الحرف الإبهام ولكنا أشرنا إلى أن هذا يرجع إلى
[ ١٧٧ ]
الجواب الذي نحن فيه، وهو تنزيل الخطاب على حساب فهم المخاطب، وقيل أيضا في قوله تعالى: (وهو أهون عليه) أن الضمير عائد على المخلوق، لأن الإنسان يندرج في هذه الفطرة الأولى، من حال إلى حال، ويشق عليه ما يلقى فيها من انتقال، وتدريج، كانتقاله من رضاع إلى فطام و() فطرة الآخرة نشأة واحدة، لا يكابد فيها الإنسان من تغيير الأحوال ما يكابد في دار الانتقال، وقيل أيضا إن أهون هاهنا (ص ٦٥) بمعنى هين، وتقدير الكلام: وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو هين عليه، فلا يثبت مع هذا التأويل مفاضلة تشعر بمشاق يتقدس عنها الخلاق.
وقد ذكر الزجاج طريقة أخرى في الاعتذار عن قوله: (أثمًا أو كفورا) ورأى أن ذلك خرج مخرج التأكيد، لا مخرج التعديد والآثم هو الكفور.
وقد ألحق بما ذكرناه من معاني أو، معنى آخر وهو أن يكون بمعنى "إلى" [مثل] أن يقول لا أفارقك أو تقتضي حقي، معناه لألزمتك إلى أن تقتضيني حقي.