وقد اختلف الناس فيه فالشافعي يراه للتبعيض، ولهذا لم يوجب إيعاب مسح الرأس في الوضوء، بل رأى الأجزاء يحصل بمسح بعضه لقوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم) والباء هاهنا تفيد التبعيض.
وقال أصحابنا بل الواجب إيعاب جميع الرأس، بناء منهم على إنكار القول بأن الباء تفيد التبعيض، والذي قاله أصحابنا من إنكار كونها مفيدة للتبعيض هو الذي عليه أئمة النحاة.
وقد ألف ابن جني كتابا ترجمه بسر الصناعة، تكلم فيه على سائر الحروف وأحكامها، وما يتعلق بها من دقائق صناعة النحو، وأنكر كون الباء موضوعة للتبعيض، وإنما الباء موضوعة للتعليق والإلصاق، وقد نوع بعض الناس هذا التعليق، إلى تعليق عمل بمعمول، وتعليق اختصاص، وتعليق اتصال، وحملوا قوله تعالى: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم)
[ ١٦٧ ]
على أن الباء في قوله: (بإلحاد) من باب تعليق العمل، لأن الإلحاد من عمل الملحد، وقوله: (بظلم) الباء فيه من باب تعليق الاختصاص، لأن الظلم مختص بالإلحاد.
وأما تعلق الاتصال فهو كثير في الاستعمال منه: ضربت بالسوط، وكتبت بالقلم، ومن الناس من يقدر الباء بمعنى الحال، يقول: جاء زيد بسلاحه، أي متسلحا، وبمعنى البدل، تقول: هذا بهذا، وبمعنى في تقول: زيد بمصر أي في مصر.
وهذه كلها عندي أمور تتفاوت، وإنما هذا من القوم اتساع في العبارات، وإلا فزيد بمصر، فيه معنى التعلق والالتصاق، وكذلك جاء متسلحا، وكذلك هذا بهذا فيه تعلق معلوم، فلم تخرج هذه الأنواع عما قدمناه.
وأما تأويل الشافعي قوله تعالى: (ومنهم من إن تأمنه بدينار) على أن المعنى: تأمنه على دينار، ورأى أن حرف الباء يرد بمعنى على، وكذلك تأويل سيبويه قوله تعالى (ولم أكن بدعائك رب شقيا) أن الباء تكون بمعنى لأجل، وتقدير الكلام: ولم أكن لأجل دعائك رب شقيا، وقول غيره: إن الباء هاهنا بمعنى في، فالمعنى في دعائك رب شقيا، فإن هذا من باب إبدال حروف الجر، بعضها ببعض.
وقد ذكر ابن جني في كتابه المترجم: بالخصائص، وهو من أعيان كتبه، فصلا كشف فيه سرا من أسرار العربية، وأغرب فيه، وذلك أنه أشار فيه، أن إبدال حرف بحرف جزء آخر لا سبيل إلى إطلاق القول به، لما يقتضيه من إفساد الكلام، وتثبيج النظام، ولا وه لإنكاره، مع وجوده في الكلام الفصيح، فالواجب وضع قانون يعلم منه ما يحسن من هذا الإبدال، وما لا يحسن، فالعرب تحرص على الاختصار في الألفاظ، وتوفير المعاني، فربما كان الفعل الواحد يعبر عنه بصيغتي مختلفتين تتعدى إحداهما بحرف، وتتعدى الأخرى بحرف آخر خلافه، فقد تورد إحدى الصيغتين، وتعديها بحرف الصيغة الأخرى، ليشعر سامع الخطاب بالفعل المحذوف، فيكون كالسامع للصيغتين معا.
ألا ترى قوله سبحانه: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) والرفث: الجماع، كما أن الإفضاء هو الجماع، لكن الإفضاء يتعدى بحرف إلى، تقول: أفضيت إلى المرأة، ورفثت بالمرأة، فلما ذكر الرفث، ترك حرفه الذي يتعدى به، وعدي بحرف إلى، الذي هو مختص بالإفضاء ليشعر السامع أن الرفث هاهنا هو الإفضاء المحذوف ذكره، فكأنه قال تعالى: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم، والإفضاء إلى نسائكم، فأتى بقول
[ ١٦٨ ]
وجيز، ليدل على قول أطول منه، وهكذا قوله تعالى: (هل لك ) (ل ) أن تزكي (لاد تك) إلى كذا، وهل لك في كذا فعدي بحرف إلى () (ص ٦١) من زمن الطفولة لم أطالعه بعدها، ولم أعثر على الكتاب من ذلك الزمن إلى الآن، ولم أتمكن من نسخة أطالع هذا الفصل فيها، لكن هذا الذي أوردت هو علق بحفظي من القديم، فإن اتفق فيه بسط أو إحجاب فبمقتضى طول العهد.
وإنما ذكرت هذا كالمعتذر عن نقل كلامه في هذا، أوردناه من قوله تعالى: (ومنهم من إن تأمنه بدينار)، وقوله: (من إن تأمنه بقنطار)، وقوله تعالى: (بدعائك رب شقيا) إن كان تكلم على هاتين الآيتين في هذا الكتاب.
لكن يظهر لي الآن في قوله تعالى: (ولم أكن بدعائك رب شقيا) أن الباء هاهنا، ربما أبقيت على أصلها، ويكون التقدير: ولم أكن شقيا بدعائك، أي ما شقيت بالدعاء، فتكون الباء هاهنا متعلقة بالشقاوة، وهذا التعلق معقول المعنى خارج مما قدمناه، فإن كان سيبويه أراد بقوله: من أجل دعائك رب شقيا، هذا المعنى، أي ما شقيت بسبب هذا الدعاء، فالباء لا حاجة بنا إلى إخراجها عن معنى موضوعها، وإن كان أراد أن الشقاوة ارتفعت عني لأجل دعائك، وهو الأظهر في التأويل، وفي تقدير معنى التعلق والإلصاق هاهنا غموض، يفتقر إلى عبارة مبسوطة، ولكن محصولها المعنى الذي عبر عنه سيبويه.
وكذلك قوله تعالى: (من إن تأمنه بدينار)، فإن في معنى الإئتمان، والإلصاق الأمانة بالمؤتمن، وإلزامه له، وهذا المعنى هو معنى الحرف، فيحسن أيضا وضع صيغة تقتضي هذا المعنى، ويجري في هذه المعاني على طريقة ابن جني، ما أمكن الجري عليها، فإنها من ملحه.